الطعن رقم 72 سنة 3 ق – جلسة 24 /05 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 403
جلسة 24 مايو سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 72 سنة 3 القضائية
( أ ) اختصاص. مناط اختصاص المحاكم الأهلية. حكم صادر من المحكمة
المختلطة. الاستشكال فى تنفيذه لدى المحكمة المختلطة. جوازه. رفع دعوى استحقاق إلى
المحكمة الأهلية. جوازه كذلك. (الفقرتان الأولى والثانية من المادة 15 من لائحة ترتيب
المحاكم الأهلية)
(ب) تقادم. اكتساب الملكية بوضع اليد المدة الطويلة. معناه. واجب المحكمة عند ما يدعى
لديها ذلك. (المواد 177 و178 مرافعات و76 من القانون المدنى).
(حـ) حجية الشىء المحكوم فيه. خلف المحكوم عليه. مدى هذه الحجية قبله.
(المادة 232 مدنى)
1 – إن ضابط اختصاص المحاكم الأهلية هو – مبدئيا – أن تكون الدعوى مردّدة بين خصمين
وطنيين. وكما يجوز لمن أريد التنفيذ عليه بحكم صادر من المحكمة المختلطة أن يستشكل
فى التنفيذ لدى المحاكم المختلطة، أيا كانت جنسية الخصوم، فان له كذلك أن يرفع دعوى
استحقاق إلى المحكمة الأهلية المختصة، إذا كان طرفا الخصومة مصريين.
2 – إن اكتساب الملكية بوضع اليد المدة الطويلة بنية التملك هو مركز قانونى يأتى نتيجة
لأعمال مادية خاصة متى بينت وفصلت أمكن أن يستفاد منها الحصول عليه. فالواجب على المحكمة
عند ما يدعى لديها باكتساب الملك بوضع اليد المدة الطويلة أن تطلب إلى المدعى بيان
تلك الوقائع لتنظر فيما إذا كانت متعلقة بالادعاء ومنتجة لصحته، حتى إذا رأت ذلك أمرت
بتحقيقها مع تبيينها فى الحكم تبيينا يعرف منه خصوم الدعوى ماذا عليهم إثباته أو نفيه.
والشأن فى ذلك كالشأن فى كافة ما تحيله المحكمة من المسائل على التحقيق، إذ كلها تقتضى
البيان والتفصيل عملا بالمادتين 177 و178 مرافعات. ومخالفة ذلك تجعل الحكم معيبا متعينا
نقضه.
3 – الحكم الصادر فى وجه إنسان لا يكون حجة على من يخلفه من وارث أو مشتر أو متلق عنه،
إذ استند هذا الخلف فى إثبات ملكيته إلى سبب آخر غير التلقى، مستغنيا بهذا السبب الآخر
عن سبب التلقى.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى، بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن
المستندات والأوراق المقدّمة لهذه المحكمة، فى أن المطعون ضدّهم رفعوا على الطاعنين
دعوى لدى محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية قيدت بجدولها رقم 681 سنة 1931 قالوا فيها
إنهم يملكون 8912 ذراعا مربعا بجهة سيوف بمقتضى ثلاثة عقود بيع صادرة من شركة الأراضى
المصرية (استيت) مؤرّخة فى أوّل أكتوبر سنة 1905 وإنهم استمروا واضعى اليد عليها إلى
أن تعرّض لهم ورثة المرحوم على باشا فهمى ونازعوهم فى ملكيتها مرتكنين على حكم صادر
لمصلحتهم من المحكمة المختلطة يقضى بتثبيت ملكيتهم لتلك الأرض وقد وضعوا يدهم فعلا
عليها تنفيذا لذلك الحكم. ولذلك فهم يرفعون هذه الدعوى طالبين الحكم بتثبيت ملكيتهم
للمقدار المذكور مع إلزام خصومهم ورثة على باشا فهمى بالمصاريف والأتعاب والنفاذ. فدفع
ورثة على باشا فهمى هذه الدعوى بأن المحاكم الأهلية غير مختصة بنظرها ثم دفعوها موضوعا
بأسباب توجب فى نظرهم عدم قبولها أو رفضها.
وبتاريخ 15 يناير سنة 1933 حكمت محكمة إسكندرية الابتدائية: (أوّلا) برفض الدفع بعدم
الاختصاص. (وثانيا) باحالة الدعوى على التحقيق ليثبت المدعون بكافة الطرق القانونية
بما فيها البينة بأنهم وضعوا اليد على الأرض موضوع النزاع المدّة الطويلة المكسبة للملكية
وللمدعى عليهم النفى بالطرق عينها. فاستأنف ورثة على باشا فهمى هذا الحكم فى 11 فبراير
سنة 1933 أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 580 سنة 50 قضائية وطلبوا
الحكم بعدم اختصاص المحاكم الأهلية، واحتياطيا الحكم بعدم قبول الدعوى فيما يتعلق بالأرض
المبيعة من شركة الاستيت إلى مورّثى المستأنف عليهم بمقتضى العقدين الثانى والثالث
المؤرّخين فى أوّل أكتوبر سنة 1905 لسبق الفصل نهائيا بينهم وبين شركة الاستيت فصلا
يعتبر حجة نهائية على مورّثى المستأنف عليهم الذين تلقوا حقوقهم بالشراء من هذه الشركة.
أما فيما يتعلق بالعقد الثالث المؤرّخ فى التاريخ المذكور والمسجل تسجيلا تاما فى سنة
1906 فقد طلبوا الحكم برفض الدعوى.
وبتاريخ 21 يونيه سنة 1933 قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف وبإلزام المستأنفين
بالمصاريف و500 قرش أتعاب محاماة.
وقبل إعلان هذا الحكم إليهم طعنوا فيه بطريق النقض فى 14 أغسطس سنة 1933 وأعلن تقرير
الطعن إلى الخصوم فى 17 و23 منه، وقدّم الطاعنون مذكرتهم الكتابية فى 28 منه ولم يقدّم
المطعون ضدّهم شيئا وقدّمت النيابة مذكرتها فى 22 أبريل سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس 10 مايو سنة 1934 المحدّدة لنظر هذه القضية سمعت الدعوى على الوجه
المبين بمحضر الجلسة ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطاعنين بنوا طعنهم على الأوجه الآتية: (أوّلا) أن المحاكم الأهلية غير مختصة
بالنظر فى هذه الدعوى بل المختص بها المحاكم المختلطة لأن هذه الدعوى ليست فى الحقيقة
إلا إشكالا فى تنفيذ الحكم الصادر من محكمة اسكندرية المختلطة فى أوّل يونيه سنة 1920
المؤيد فى 13 فبراير سنة 1922 من الاستئناف المختلط لمصلحة الطاعنين ضدّ شركة الاستيت
البائعة لمورّثى المطعون ضدّهم. (ثانيا) أن هذه الدعوى غير مقبولة لسبق الفصل فيها
بالحكم المختلط المذكور فصلا يجب أن يكون حجة على المطعون ضدّهم لأن حقوقهم الموروثة
لهم عن مورّثيهم قد آلت لهؤلاء المورّثين بالشراء من شركة الاستيت فهم خلفاؤها عليهم
ما عليها. (ثالثا) أن المحكمة إذ اعتبرت أن الخصوم متمسكون باكتسابهم الملك بوضع اليد
قد حكمت باحالة الدعوى على التحقيق لإثبات وضع يدهم المدة القانونية المكسبة للملك
وقضاؤها بهذا معيب من جهتين: (الأولى) أنه إذا صرف النظر عن عقود مشترى الخصوم المؤرّخة
فى أوّل أكتوبر سنة 1905 واعتبر أنهم وضعوا يدهم من ذلك التاريخ كما يزعمون فان مدة
وضع اليد المكسبة للملك من شأنها بمقتضى القانون أن يوقف سريانها مدة قصر من يراد التملك
عليه بوضع اليد، والثابت فى الدعوى من المستندات المقدّمة لمحكمة الاستئناف أن المرحوم
على فهمى ابن المرحوم على باشا فهمى كان قاصرا فى سنة 1905 وأن والده توفى فى سنة 1907
وتركه قاصرا لم يبلغ الرشد إلا فى سنة 1920 فمدّة قصره من بعد وفاة والده يجب ألا تحتسب
لمدعى وضع اليد. (الثانية) أن إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات وضع اليد ليس من قبل المحكمة
تصرفا مقبولا قانونا، بل كان الواجب على المحكمة أن تكلف الخصوم ببيان الوقائع التى
يريدون أن يستمدوا منها التملك بوضع اليد. وعدم بيانهم لهذه الوقائع يجعل الحكم من
هذه الجهة باطلا لانبهام أساسه. هذا.
ومن حيث إن ما يدعيه الطاعنون من عدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى هو ادعاء
فى غير محله، لأن المطعون ضدّهم كما كان لهم رفع الإشكال فى التنفيذ للمحاكم المختلطة
لهم أيضا الالتجاء للمحاكم المختصة بدعوى أصلية عادية لتثبيت حقهم كما فعلوا فى رفع
دعواهم هذه للمحكمة الأهلية.
وحيث إن ضابط اختصاص المحاكم الأهلية كما سبق لمحكمة النقض أن قررته فى حكمها الصادر
بتاريخ 10 مايو سنة 1934 فى القضية رقم 90 سنة 3 قضائية هو – مبدئيا – أن تكون الدعوى
مردّدة بين خصمين وطنيين كما هو الحاصل فى الدعوى الحالية، وإذن يكون هذا الوجه متعين
الرفض.
وحيث إن ما يدعيه الطاعنون من أن الحكم النهائى الصادر لمصلحتهم من المحكمة المختلطة
ضد شركة الاستيت بملكيتهم لما منه الأرض المتنازع عليها هو حجة على المطعون ضدّهم من
ناحية أنهم خلفاء هذه الشركة لكون مورّثيهم اشتروا منها الأرض المتنازع عليها، وأن
ما حكم به فى مواجهة البائع يكون حجة على المشترى الذى لم يسجل عقده – ما يدعيه الطاعنون
من ذلك ليس فى محله فى صورة الدعوى الحالية إذ المطعون ضدّهم تركوا التمسك بعقود الشراء
الغير المسجلة واكتفوا فى دفع الدعوى بالاستناد فى ملكيتهم إلى سبب آخر غير البيع هو
وضع اليد المدّة الطويلة المكسبة للملك. وما دامت المحاكم لا تستطيع أن ترفض دعوى من
يدعى التملك بهذا السبب لمجرّد أنه كان مشتريا بعقد لا يريد التمسك به فالواضح أن هذا
الطعن هو الآخر غير مقبول.
وحيث إن إثبات وضع اليد المدّة القانونية أمر جائز قانونا، ولكن مما تجب الإشارة إليه:
(أوّلا) أن الطاعنين ما داموا ادعوا لدى محكمة الاستئناف أن المرحوم على فهمى بن المرحوم
على باشا فهمى كان قاصرا من وقت وفاة والده فى سنة 1907 إلى بلوغه سنّ الرشد فى سنة
1920 وقالوا إنه على فرض صحة ما يدعيه المطعون ضدّهم من وضع يدهم على الأرض وضعا قانونيا
مكسبا للملك، فان الزمن، بعد حذف مدّة إيقاف سريان المدّة بسبب عدم أهلية هذا القاصر،
لا يكفى للتملك – ما داموا ادعوا ذلك فكان يتعين على محكمة الموضوع النظر فى هذا الدفاع
لإخراج نصيب على فهمى المذكور مما يدعى المطعون ضدّهم اكتسابه بوضع اليد إذا ظهر أنه
دفاع صحيح، وعدم بحث المحكمة فى هذا الدفاع قصور يعيب الحكم. (ثانيا) أن اكتساب الملكية
بوضع اليد المدّة الطويلة بنية التملك هو مركز قانونى يأتى نتيجة لأعمال مادية خاصة
متى بينت وفصلت أمكن أن يستفاد منها الحصول عليه، فالواجب على المحكمة عند ما يدعى
لديها باكتساب الملك بوضع اليد المدّة الطويلة أن تطلب إلى المدّعى بيان تلك الوقائع
لتنظر فيما إذا كانت متعلقة بالادعاء ومنتجة لصحته لو ثبتت أم أنها بفرض ثبوتها فهى
غير متعلقة بالادعاء وغير منتجة لصحته، وعندما ترى فيها ذلك الغناء من تعلق بالادعاء
وإنتاج لصحته لو ثبتت تأمر بتحقيقها مع تبيينها فى الحكم تبيينا يعرف منه خصوم الدعوى
ماذا عليهم إثباته ونفيه فى الواقع. والشأن فى ذلك كالشأن فى كافة ما تحيله المحكمة
من المسائل على التحقيق إذ كلها يقتضى البيان والتفصيل عملا بالمادتين 177 و178 من
قانون المرافعات.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد أغفل مراعاة الأمرين السابقى الذكر مع أهميتهما وتأثيرهما
فى الدعوى فيكون به قصور يستوجب نقضه.
