الطعن رقم 90 سنة 3 ق – جلسة 10 /05 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 395
جلسة 10 مايو سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 90 سنة 3 القضائية
اختصاص:
( أ ) مناط اختصاص المحاكم الأهلية.
(الفقرتان الأولى والثانية من المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية)
(ب) نظرية الصالح المختلط. حدودها. (المادة 13 من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة)
(حـ) دعوى الضمان الفرعية. اختصاص محكمة الدعوى الأصلية بنظر دعوى الضمان الفرعية.
1 – إن مناط اختصاص المحاكم الأهلية على مقتضى الفقرتين الأولى والثانية من المادة
15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية المعدّلتين بالقانون رقم 27 لسنة 1929 إنما هو –
بصفة مبدئية – كون خصوم الدعوى مصريين أو أجانب غير خاضعين لقضاء المحاكم المختلطة.
فكلما تحققت هذه الصفة فى الخصوم تحقق اختصاص المحاكم الأهلية.
2 – إن نظرية الصالح المختلط يجب ألا يقام لها وزن إلا فى حدود المادة 13 من لائحة
ترتيب المحاكم المختلطة. ونص هذه المادة لا يخرج عن اختصاص المحاكم الأهلية إلا دعوى
صحة الرهن الواقع لمصلحة أجنبى على عقار مملوك لمصرى أو موضوعة عليه اليد من مصرى كذلك،
وإلا إجراءات التنفيذ الجبرى على هذا العقار وتوزيع ثمنه. فمتى كانت الدعوى قائمة بين
مصريين وليست من قبيل ما هو مشار إليه بالمادة 13 المذكورة فهى من اختصاص المحاكم الأهلية،
ولا يخرجها عن اختصاصها مجرّد أن لأحد المدّعى عليهم حق ضمان قبل أجنبى لا ولاية لهذه
المحاكم عليه [(1)].
3 – إن المحكمة المختصة بالدعوى الأصلية لا تفقد اختصاصها بها لمجرّد أن لأحد الخصوم
أو لخصم ثالث طلبا فرعيا لا يستطيع توجيهه أمامها لعدم اختصاصها به.
الوقائع
تتلخص وقائع الدعوى، حسب الوارد فى الحكم المطعون فيه وفى الأوراق
والمستندات والمذكرات المودعة فى ملف الطعن، فى أن وزارة الأوقاف رفعت الدعوى رقم 2050
سنة 1932 على كل من خليل الزفتاوى وعلى رمضان ورزق يوسف الفار أمام محكمة ميت غمر الجزئية
تطلب الحكم بتبعية فدان وقيراطين و22 سهما لوقف أمينة هانم البغدادية وكف منازعة المدّعى
عليهم مع إلزامهم بالمصاريف. وقد قالت فى عريضة دعواها بأن خليل الزفتاوى اغتصب هذه
الأرض ثم باعها إلى على رمضان وهذا الأخير باعها إلى رزق يوسف. ورزق يوسف ادّعى أمام
محكمة ثانى درجة بأنه اشترى الأرض موضوع النزاع من شخص تابع لدولة فرنسا اسمه ليفى
جربوعه، وأن هذا امتلكها بموجب حكم مرسى مزاد صادر من المحكمة المختلطة وقدم المستندات
المؤيدة لذلك ودفع بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى. وبتاريخ 26 يونيه سنة
1932 قضت محكمة ميت غمر برفض هذا الدفع.
فاستأنف رزق يوسف هذا الحكم أمام محكمة المنصورة الأهلية بالاستئناف رقم 304 سنة 1932.
وبتاريخ 21 فبراير سنة 1933 حكمت محكمة المنصورة الكلية تمهيديا بندب خبير لتطبيق عقود
طرفى الخصومة على الطبيعة لمعرفة ما إذا كانت الأطيان موضوع النزاع تدخل ضمن حجة الوقف
وضمن عقد ملكية المستأنف الصادر له من الخواجه جاك ليفى، وذلك تمهيدا للفصل فى الدفع
بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر الدعوى. وقد ذكرت المحكمة فى حكمها التمهيدى هذا
أنها ترى أن جاك ليفى الذى لا يمكن إدخاله خصما مسئولا أمامها يعد فى الواقع الضامن
الذى يجب عليه أن يتولى الدفاع عن المستأنف ضدّ ما تدّعيه وزارة الأوقاف إذا ما ثبت
أن الأطيان موضوع الدعوى تدخل ضمن ما باعه، وأن نظرية الصالح الأجنبى طبقا للمادة 13
من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة تنطبق فى هذه الحالة منعا من تضارب الأحكام.
بعد ذلك قرّرت وزارة الأوقاف بلسان وكيلها أن الأرض المتنازع عليها تدخل فيما باعه
جاك ليفى لرزق الله أفندى يوسف وأن لا محل لتنفيذ الحكم التمهيدي. فرأت المحكمة أمام
هذا الاعتراف أن الغرض من الحكم التمهيدى قد تحقق وأن الدفع بعدم اختصاص المحاكم الأهلية
بنظر هذه الدعوى لوجود الصالح الأجنبى المترتب على دعوى الضمان مقبول فى نظرها فحكمت
بتاريخ 4 يونيه سنة 1933 بالغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر
هذه الدعوى.
فطعنت وزارة الأوقاف فى الحكم الاستئنافى بطريق النقض والإبرام فى 26 سبتمبر سنة 1933
قبل إعلانه إليها وأعلن تقرير الطعن فى 3 و5 أكتوبر سنة 1933 وقدّمت الوزارة ورزق يوسف
المذكرات الكتابية ومذكرات الردّ فى المواعيد القانونية ولم يقدّم ثانى وثالث المطعون
ضدّهم شيئا وقدّمت النيابة مذكرتها فى 21 مارس سنة 1934.
وبجلسة 26 أبريل سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر
الجلسة ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمدولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن المحكمة الاستئنافية إذ حكمت بعدم اختصاص المحاكم الأهلية
بنظر الدعوى معتمدة على وجود صالح لذلك الأجنبى الذى أريد إدخاله ضامنا فى الدعوى واستحال
إدخاله فيها – إنها إذ حكمت بذلك قد خالفت نص المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية.
ومن حيث إن مناط اختصاص المحاكم الأهلية على مقتضى الفقرتين الأولى والثانية من المادة
15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية المعدّلتين بالقانون رقم 27 سنة 1929 إنما هو –
بصفة مبدئية – كون خصوم الدعوى مصريين أو أجانب غير خاضعين لقضاء المحاكم المختلطة؛
فكلما تحققت هذه الصفة فى الخصوم تحقق اختصاص المحاكم الأهلية.
ومن حيث إن المحاكم الأهلية يجب أن تثبت فى قضائها على التقرير باختصاصها كلما تحقق
لها الاختصاص بالضابط المتقدّم ذكره وألا تقيم وزنا لنظرية الصالح المختلط إلا فى حدود
المادة 13 من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة التى تنص على أن مجرّد إنشاء رهن عقارى
لمنفعة أحد الأجانب أيا كان واضع اليد أو المالك يجعل المحاكم المختلطة مختصة بالنظر
فى صحة الرهن وفى جميع ما يترتب عليه بما فى ذلك البيع الجبرى وتوزيع الثمن. وهذا النص
لا يخرج عن اختصاص المحاكم الأهلية إلا دعوى صحة الرهن الواقع لمصلحة أجنبى على عقار
مملوك لمصرى أو موضوع اليد عليه من مصرى كذلك وإلا إجراءات التنفيذ الجبرى على هذا
العقار وتوزيع ثمنه. أما ما عدا ذلك من الدعاوى التى يتذرّع فيها بالاستنتاج والقياس
والتأوّل لتوسيع دائرة اختصاص المحاكم المختلطة على حساب اختصاص المحاكم الأهلية فلا
ينبغى فيها متابعة المتوسع فى توسعه ولا إخراجها من ولاية القضاء الأهلى.
ومن حيث إن الدعوى الحالية قائمة بين مصريين وليست من المشار إليه بالمادة 13 من لائحة
الترتيب المختلط فهى من اختصاص المحاكم الأهلية على الوجه المتقدّم. ولا يخرجها عن
اختصاصها مجرّد أن لأحد المدّعى عليهم حق ضمان قبل أجنبى لا ولاية لهذه المحاكم عليه،
فان من المسلم به فقها وقضاء أن دعاوى الضمان ودعاوى المدّعى عليه ودعاوى الخصم الثالث
وطلبات المدّعى الإضافية ليست جميعها مما يصح وصلها بالدعوى الأصلية بصفة مطلقة بل
إنها لا يصح وصلها بهذه الدعوى الأصلية إلا إذا كانت المحكمة المنظورة أمامها هذه الدعوى
مختصة بتلك الدعاوى الفرعية اختصاصا نوعيا. ومن المسلم به كذلك أن المحكمة المختصة
بالدعوى الأصلية لا تفقد اختصاصها بها لمجرّد أن لأحد الخصوم أو لخصم ثالث طلبا فرعيا
لا يستطيع توجيهه أمامها لعدم اختصاصها به. أو لا ترى أن القضاء الفرنسى مثلا، تطبيقا
لهاتين القاعدتين، قد جرى على أن المحاكم التجارية وقضاة الصلح تقصر أحكامها على الطلب
الأصلى وحده وتحكم بعدم اختصاصها بنظر الطلبات الفرعية والمرتبطة به وطلبات التدخل
وطلبات الضمان التى تخرج عن اختصاصها بسبب نوع الدعوى أو قيمتها، ثم هى لا تتخلى مطلقا
عن الدعوى الأصلية لمجرّد أن تلك الدعاوى والطلبات الفرعية ليست من اختصاصها؟
وحيث إنه مما يجب ملاحظته من جهة أخرى أن رفع دعوى الضمان الفرعية يعطى صاحبه ميزة
جعل هذه الدعوى من اختصاص المحكمة التى تنظر الدعوى الأصلية ولو لم تكن هذه المحكمة
مختصة اختصاصا مركزيا بدعوى الضمان لو رفعت لها أصلا وعلى استقلال. والأخذ بمذهب الحكم
المطعون فيه ينبنى عليه أن تصبح الدعوى الأصلية تابعة لدعوى الضمان تمشى فى ذيلها وترفع
إلى قاضيها وفى هذا ما فيه من قلب ومسخ لأوضاع قانون المرافعات.
ومن حيث إن ما ينتحل للمحاكم المختلطة فى سبيل تأييد اختصاصها بقضايا لا ولاية لها
فيها بل هى داخلة فى اختصاص المحاكم الأهلية – ما ينتحل للمحاكم المختلطة من الزعم
بأنها هى الجهة القضائية المعتادة صاحبة الولاية العامة فى المنازعات المدنية بين الأجانب
والمصريين، لا ينبغى التعويل عليه لأن توزيع الوظائف القضائية بين المحاكم الأهلية
والمحاكم المختلطة يتعلق بالنظام العام، فليس يصح أن تمدّ إحداهما ولايتها على ما لا
تكون هى مختصة به مهما كانت المصلحة التى تعود على حسن سير العدالة من نظر الدعاوى
المرتبطة بعضها ببعض أمام قاض واحد، ولأن المحاكم الأهلية – من جهة أخرى- ليست فرعا
للمحاكم المختلطة ولا جهة قضاء استثنائية بالنسبة لها، بل هى مستقلة عنها، بل واقع
الأمر أن المحاكم الأهلية هى المحاكم الأصلية العامة فى البلاد والمحاكم المختلطة هى
محاكم استثنائية مؤقتة. وكل قضاء استثنائى فمن الواجب بحسب القواعد العامة حصر اختصاصه
فى أضيق حدوده وعدم التوسع فيه أى توسع. وكل أمر لا يكون اختصاصه فيه مقرّرا بالنص
الصريح الذى لا شبهة فى معناه وجب ردّه إلى القضاء الأصلى العام. أما ما قد يعترض به
من أن مثل موضوع هذه الدعوى قد يرفع إلى المحاكم المختلطة فتصدر فيه حكما يناقض حكم
المحاكم الأهلية وقد يكون حكم المحكمة المختلطة هو الذى ينفذ فإن هذا الاعتراض لا يوجه
على عمل القضاء الأهلى، ولا على أنه هو فى الواقع المختص قانونا ولا على وجوب تمسكه
باختصاصه، وإنما ينبغى أن يكون توجيهه على حالة النظم القضائية فى البلاد وعلى سكوت
أولى الأمر عن اتخاذ ما يلزم لتوحيد القضاء لإزالة ما يترتب على مثل هذه الحالة من
النتائج السيئة.
وحيث مما تقدّم يكون الحكم المطعون فيه القاضى بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر هذه
الدعوى جاء مخالفا للقانون ويتعين نقضه.
[(1)] يراجع فى معارضة هذا الحكم مقال الأستاذ مكسيم ببيكوفر رئيس تحرير مجلة الجازيت المنشور بهذه المجلة س 26 ص 219 وما بعدها. ويراجع فى تفنيد ما ذهب إليه جنابه مقال الأستاذ محمد عبد الله محمد وكيل النيابة المنشور فى ملحق مجلة القانون والاقتصاد س 4 ص 144 وما بعدها.
