الطعن رقم 77 سنة 3 ق – جلسة 26 /04 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 380
جلسة 26 أبريل سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 77 سنة 3 القضائية
( أ ) بيع فى مرض الموت لأجنبى. حكمه. (المادتان 255 و256 مدنى)
(ب) حكم. تسبيبه. دفع قضى ضمنا برفضه. وجوب التسبيب. (المادة 103 مرافعات)
1 – البيع فى مرض الموت لأجنبى يختلف حكمه، فان ثبت أنه هبة مستورة أى تبرع محض فحكمه
أنه وصية لا تنفذ إلا من ثلث تركة البائع، وإن ثبت أنه عقد صحيح مدفوع فيه الثمن ولكن
فيه شيئا من المحاباة قلة حكم آخر.
وعلى ذلك فاذا دفع ببطلان عقد بيع لكونه مزوّرا على البائع أو لكونه على الأقل صادرا
فى مرض موته، وقضت محكمة الدرجة الأولى باحالة الدعوى على التحقيق لإثبات ونفى صدور
العقد فى مرض الموت، واستؤنف هذا الحكم التمهيدى فقضت محكمة الدرجة الثانية بالغائه
وتصدّت لموضوع الدعوى فحكمت فيه بصحة العقد على أساس أ المشترى ليس وارثا وأنه لا محل
إذن لتحقيق صدور العقد فى مرض الموت إلا إذا كان ثمت محاباة فى الثمن تزيد على ثلث
مال البائع فى حين أن الطاعن فى العقد يبنى طعنه على أن هذا العقد إنما هو تصرف بطريق
التبرع الذى لم يدفع فيه ثمن، فحكمها على أساس ذلك التوجيه، وهو تصحيح عقد البيع واعتباره
عقد بيع حقيقى فيه الثمن مدفوع فعلا مع عدم بيان الأسباب التى دعتها إلى رفض ما ادعاه
الطاعن من عدم دفع الثمن ولا الأسباب التى أقنعتها بدفع هذا الثمن، هو حكم باطل لقصور
أسبابه.
2 – إذا خلا الحكم من بيان الأسباب التى بنى عليها القضاء الضمنى برفض دفع أبداه أحد
الخصوم فأعجز هذا النقص محكمة النقض عن مراقبة تطبيق القانون كان الحكم باطلا وتعين
نقضه.
الوقائع
وقائع الدعوى بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن المذكرات والمستندات
المقدّمة لهذه المحكمة تتلخص فيما يأتى:
بمقتضى عقد مؤرّخ فى 6 يناير سنة 1930 ومسجل فى نفس التاريخ باع المرحوم خير الله خليفة
عزام إلى حفيده محمد عبد الجيد خير الله 8 أفدنة و6 قراريط و12 سهما كائنة بناحية قمن
العروس بثمن وقدره 825 جنيها وذكر فى العقد أن الثمن دفع نقدا يوم التعاقد.
وفى 23 يناير سنة 1930 توفى خير الله خليفة، ولما أراد ورثته وهم الشيخ عبد الجيد خير
الله خليفة والشيخ خليفة خير الله خليفة والست خديجة خير الله خليفة وضع يدهم على أعيان
التركة تعرّض لهم محمد عبد الجيد خير الله فى القدر المذكور، فرفعوا عليه هذه الدعوى
أمام محكمة بنى سويف الكلية قيدت بالجدول العمومى برقم 113 سنة 1931 طلبوا فيها ضمن
ما طلبوا الحكم بتثبيت ملكيتهم إلى نصيبهم الشرعى البالغ قدره 6 أفدنة و20 قيراطا و12
سهما شيوعا فى 8 أفدنة و6 قراريط و12 سهما ومنع منازعة الشيخ محمد عبد الجيد خير الله
لهم فيها والتسليم مع إلزامه بالمصاريف والأتعاب وشمول الحكم بالنفاذ. دفع الشيخ محمد
عبد الجيد خير الله هذه الدعوى بأنه يمتلك العين المتنازع عليها بطريق الشراء من المرحوم
الشيخ خير الله خليفة مورّث المدعين بمقتضى العقد المتقدّم بيانه. فطعن الورثة فيه
بالقول فى مذكرتهم الأولى المقدّمة لمحكمة أوّل درجة "أن العقد الذى يتمسك به الخصم،
علاوة على كونه عقد مزوّرا ولم يصدر من المورّث، فانه منسوب له إصداره فى مرض الموت،
ومثل هذا العقد لا يمكن أن يكون له أية قيمة قانونية بأى حال من الأحوال".
أخذت المحكمة الابتدائية بهذا الطعن وقضت تمهيديا بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1932 باحالة
الدعوى على التحقيق لإثبات ونفى صدور العقد فى مرض الموت.
استأنف الشيخ محمد عبد الجيد خير الله خليفة هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية
بالاستئناف رقم 363 سنة 50 قضائية وطلب الغاءه ورفض دعوى خصومه ارتكانا على أن المورّث
كان وقت صدور البيع منه فى تمام الصحة فانه لم يمرض سوى يومين أو ثلاثة، واستند فى
دفاعه هذا على التحقيقات التى قامت بها النيابة العامة بخصوص الشكوى المقدّمة من خليل
إبراهيم جاهين ضدّه فى موضوع هذا العقد والتى انتهت بالحفظ بتاريخ 4 مايو سنة 1930.
ترافع ورثة خير الله خليفة عزام فى هذا الاستئناف على أساس أن البحث أمام محكمة الاستئناف
منحصر فى نقطة واحدة وهى صلاحية موضوع النزاع القائم على ذلك العقد للفصل فيه من غير
تنفيذ الحكم التمهيدى أو عدم صلاحيته، ولذلك قبل تنفيذه. فقدّموا مذكرتهم الأولى لمحكمة
الاستئناف وفيها ناقشوا أقوال الشهود الذين سمعوا فى التحقيقات التى قامت بها النيابة
العامة ثم خلصوا منها إلى قولهم "إن الدعوى غير صالحة للحكم فى موضوعها أمام محكمة
الاستئناف وإن العدل يقضى بتحرّى حالة المورّث وقت صدور العقد المنسوب إليه وهل كان
مريضا مرض موت أو أنه كان فى حال صحته وسلامته، وفى النهاية طلبوا التأييد".
سمعت المحكمة مرافعة الخصوم فى الدعوى وحجزتها للحكم ثم فتحت فيها باب المرافعة بقرار
صادر فى 27 أبريل سنة 1933 قالت فى أسبابه ما نصه:
من حيث إن الحكم المستأنف هو حكم تمهيدى قاض باحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات أن العقد
الصادر للمستأنف من جدّه بتاريخ 6 يناير سنة 1930 والمسجل فى نفس التاريخ ببيع 8 أفدنة
و6 قراريط و12 سهما إنما صدر فى مرض الموت.
وحيث إن المستأنف لم يكن وارثا لجدّه المذكور، والبيع إليه لا يكون حينئذ باطلا، حتى
مع رفض صدوره فى مرض الموت، إلا إذا تضمن غبنا يزيد على ثلث مال المتوفى.
وحيث إن المستأنف عليهم لم يحدّدوا مقدار للمتوفى ولا أثاروا مسألة وجود غبن فى الثمن
بل اكتفوا بالطعن على العقد المذكور لصدوره فى مرض الموت بصفة عامة دون التعرّض لشروط
البطلان فى هذه الحالة.
وحيث إنه لذلك ترى المحكمة استيضاح الخصوم فى هذه المسألة. وبناء على هذا القرار قدّم
كل من الطرفين مذكرة بأقواله وقدّم معها جملة مستندات تأييدا لهذه الأقوال. وقد تبين
من الاطلاع على مذكرة ورثة خير الله خليفة المودعة بملف هذه الدعوى أنهم بعد أن قدّروا
ثمن أطيان المورّث قطعة قطعة معززين هذا التقدير بالعقود والشهادات المقدّمة منهم خلصوا
منها إلى النتيجة الآتية:
وحيث إنه على الأساس الذى سبق قدّمناه يكون ثمن الأطيان التى كانت مملوكة للمرحوم الشيخ
خير الله خليفة وما تصرف فيها للمستأنف وما بقى منها بعد ذلك هو كالآتى:
| جنيه | س | ط | ف | |
| 2025 ثمن | 12 | 5 | 8 | الوارد بالعقد. |
| 0586 ثمن | 00 | 7 | 3 | الباقية فى تكليفه بعد القدر الذى حصل التصرف فيه. |
| 2611 | 12 | 12 | 11 |
وحيث إن الخصم قدّر ثمن القدر الوارد فى العقد المطعون فيه بمبلغ
825 جنيها فى حين أن قيمته الحقيقية 2025 جنيها فيكون هناك غبن فى الثمن 1200 جنيه.
هذا من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى إذا روعى قيمة التركة فما تجاوز مبلغ 870 جنيها يكون التصرف
فيه باطلا شرعا وقانونا.
وحيث إنه لما تقدّم ولما سبق قدّمناه يتضح أن العقد المطعون فيه قد تجاوز البائع فيه
الحدّ المسموح له التصرف فيه شرعا فهو باطل فيما تجاوز هذا الحدّ وبناء على ذلك يكون
الحكم الابتدائى فى محله ويتعين تأييده".
سمعت المحكمة مرافعة الخصوم ثم أصدرت بتاريخ 22 يونيه سنة 1933 حكما قضى بالغاء الحكم
المستأنف ورفض دعوى المستأنف ضدّهم فيما يتعلق بتثبيت ملكيتهم إلى 6 فدادين و20 قيراطا
و12 سهما شيوعا فى 8 أفدنة و5 قراريط و12 سهما الواردة بالعقد المؤرّخ فى 6 يناير سنة
1930 والمسجل بالتاريخ المذكور، وألزمت المستأنف عليهم بمصاريف الدعوى الخاصة بذلك
عن الدرجتين وبمبلغ 600 قرش مقابل أتعاب المحاماة عنهما مرتكنة فى قضائها هذا على الأسباب
الآتية:
حيث إن المحكمة بعد اطلاعها على العقود والشهادات المقدّمة من الطرفين وعلى العقد المطعون
فيه المقدّر فيه مبلغ مائة جنيه ثمنا للفدان الواحد ومع مراعاة أثمان الأطيان بصفة
عامة فى سنة 1930 التى حصل فيها البيع المطعون فيه ترى أن ليس بالعقد غبن يزيد على
ثلث مال المتوفى لأنه فيما يتعلق بمقدار الأطيان بصرف النظر عن عقد البيع قد يكون ترك
12 فدانا و9 قراريط و20 سهما على اعتبار أن ما ورثه فى ابنته هو فدان وقيراط على قول
المستأنف عليهم وهو أقل عما قاله المستأنف. وفيما يتعلق بالثمن فمع التسليم بوجود غبن
فيه عن القدر المبيع بالعقد المطعون فيه ومع اعتبار سعر الفدان فى القدر المبيع فى
سنة 1930 التى حصل فيها البيع 180 جنيها وهو أقصى ما يمكن التسامح فيه من الثمن فلا
يزيد الغبن على هذا الاعتبار عن ثلث ما تركه المتوفى حيث يكون الغبن بمقدار 658 جنيها
و330 مليما ويكون ثلث ما تركه المتوفى بمقدار 744 جنيها و583 مليما".
وحيث إنه على الأساس المتقدّم لا يكون هناك وجه لتحقيق صدور العقد من المورّث إلى المستأنف
فى مرض الموت لأنه على فرض وجود مرض الموت فالتصرف صحيح لأن الغبن فى البيع، بفرض وجوده،
لا يزيد على ثلث ما ترك المتوفى.
وحيث إن القضية صالحة للحكم فى موضوعها فيما يتعلق بالأطيان موضوع العقد المطعون فيه
طبقا للمادة 370 من قانون المرافعات وقد طلب ذلك المستأنف ووافقه على ذلك المستأنف
عليهم.
أعلن هذا الحكم لورثة خير الله خليفة عزام وهم الشيخ عبد الجيد خير الله خليفة والشيخ
خليفة خير الله خليفة والست خديجة خير الله خليفة فى 26 يوليه سنة 1933 فطعنوا فيه
بطريق النقض فى 24 أغسطس سنة 1933 وأعلن تقرير الطعن للمدّعى عليه فى 5 سبتمبر سنة
1933 وقدّم طرفا الخصومة مذكراتهم الكتابية فى الميعاد القانونى وقدّمت النيابة مذكرتها
فى 18 مارس سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس الموافق 12 أبريل سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت المحكمة
الدعوى بما هو مدوّن بمحضر الجلسة. ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن يتحصل فيما يلى: (أوّلا) أن محكمة الاستئناف لم يكن لها أن تتصدّى لموضوع
الدعوى وتفصل فيه ما دامت هى قد اضطرت لإمكان الفصل فى هذا الموضوع إلى تحقيق نقطة
لم تسبق إثارتها أمام محكمة أوّل درجة، وشرط إمكان التصدّى أن لا تجرى المحكمة الاستئنافية
أى تحقيق بل تفصل فى الدعوى على مقتضى ما بها من المرافعات والأوراق السابقة، وغير
صحيح ما ذكر فى الحكم المطعون فيه من أن نظر المحكمة للموضوع قد كان باتفاق الخصوم.
(ثانيا) أن المحكمة إذ تصدّت لنظر الموضوع قد خالفت القانون لأنها توّهمت أنه من المسلم
به أن عقد البيع قد دفع فيه فعلا الثمن الوارد به، ولذلك سارت على المبدأ الشرعى القاضى
بأن بيع المريض مرض الموت إذا وقعت فيه محاباة للمشترى فهذه المحاباة إن زادت عن ثلث
مال البائع وجب على المشترى دفع هذا الزائد تكملة للثلثين اللذين هما من حقوق الورثة
– توّهمت ذلك وسارت على هذا الأساس مع أن الواقع أن الطاعنين كان دفاعهم لدى محكمة
أوّل درجة قائما على أن عقد البيع إن لم يكن مزوّرا فهو حاصل فى مرض الموت وهو هبة
ابتداء ووصية انتهاء، وأنه لم يدفع فيه ثمن مّا، وأنه عقد باطل. وهذا الدفاع قد ردّده
الطاعنون فى مذكرتهم الأولى لدى المحكمة الاستئنافية وكان المنتظر أن تؤيد تلك المحكمة
الحكم الابتدائى بالإحالة على التحقيق لإثبات أن التصرف كان فى مرض موت البائع لكن
المحكمة – إذ رأت أن البيع فى مرض الموت لا يكون باطلا إلا إذا كان لوارث، أما إذا
كان لغير وارث فانه لا يبطل إلا فيما زاد عن الثلث – قد وجدت أنه من العبث إحالة القضية
على التحقيق لو صح أن التصرف حاصل فيما لا يتجاوز ثلث مال البائع، ولذلك تصدّت للموضوع.
ولكن على افتراض صحة تصدّيها هذا فانها قد فصلت فى الموضوع على أساس أن هناك دفعا فعليا
للثمن، وأن البطلان لا يكون إلا فيما يكون من المحاباة فى الثمن زائدا عن ثلث مال البائع.
ولقد فات المحكمة فى هذا أن الطاعنين منكرون أن هناك ثمنا دفع، فكان الواجب على محكمة
الاستئناف أن تحقق هذه النقطة وتتأكد مما إذا كان الثمن الوارد فى العقد دفع أم لا،
وإذن لكان حكمها تغير وبنى على أساس آخر.
وحيث إن الواقع فى هذه الدعوى، بحسب ما لوحظ من الحكم المطعون فيه ومن الأوراق والمستندات
المقدّمة من الخصوم، أن الطاعنين إذ احتج عليهم المطعون ضدّه لدى محكمة أوّل درجة بعقد
البيع الصادر له من مورّثهم – قد دفعوا هذا الاحتجاج بدعواهم أن العقد مزوّر وأنه على
كل حال حاصل فى مرض موت مورّثهم فهو عقد باطل لا قيمة له – ولما أحالت محكمة أول درجة
الدعوى على التحقيق لإثبات أن التصرف بذلك العقد حاصل فى مرض موت البائع واستأنف المطعون
ضدّه هذا الحكم التمهيدى قد استمر الطاعنون على دفاعهم الذى أبدوه لدى محكمة أول درجة
من أن العقد مزوّر وأنه على الأقل حاصل فى مرض الموت، ولذلك طلبوا تأييد الحكم المستأنف.
وهذا الدفاع الذى يقولون فيه إن العقد مزوّر أو إنه حاصل فى مرض الموت ولا قيمة له،
واضح منه أنهم ينكرون إنكارا تاما أن هناك دفع ثمن على افتراض أن العقد غير مزوّر وأنه
حاصل فى مرض الموت فقط – ولكن يفهم من حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه أنها وجدت أن
المشترى وهو المستأنف ليس وارثا للبائع وأنه فى هذه الصورة لا محل لتحقيق صدور العقد
فى مرض الموت إلا إذا كان ثمة محاباة فى الثمن تزيد على ثلث مال البائع. ومن أجل هذا
طلبت المحكمة من الخصوم أن يبينوا لها مقدار قيمة مالية البائع وقت البيع وقيمة المقدار
المبيع بالعقد المطعون فيه حتى تستطيع تطبيق ما تراه هو القاعدة القانونية. فانصياعا
لإرادة المحكمة قدّر الطرفان مالية البائع وقيمة المبيع، وقد قدّم الطاعنون للمحكمة
الاستئنافية مذكرة بهذا التقدير خلصوا منها إلى القول بما يأتى "إن البائع قد تجاوز
فى تصرفه الحدّ المسموح به شرعا فهو باطل فيما تجاوز هذا الحدّ وبناء على ذلك يكون
الحكم الابتدائى فى محله" ولذلك يطلبون تأييده مع رفض الاستئناف. وهذا الذى ذكروه لا
يفهم منه أكثر من أنهم يعتبرون هذا التصرف الحاصل فى مرض الموت هو تصرف بطريق التبرع
الذى لم يدفع فيه ثمن وأنه من قبيل الوصية فلا ينفذ إلا من ثلث مال البائع. ولكن محكمة
الاستئناف ألغت الحكم التمهيدى المستأنف وفى آن واحد تصدّت للموضوع فحكمت برفض دعوى
الطاعنين على أساس ذلك التوجيه الذى اتجهت إليه وهو تصحيح عقد البيع واعتباره عقد بيع
حقيقى فيه الثمن مدفوع فعلا وأن المساس به غير ممكن إلا إذا كان هناك محاباة فى الثمن
زائدة على ثلث مالية البائع وقت البيع.
وحيث إن محكمة الاستئناف قد التفت نظرها حقيقة عند إصدار هذا الحكم، فان أقل ما ادعاه
الطاعنون احتجاجا على العقد الذى تمسك به المطعون ضدّ أنه صادر فى مرض موت مورّثهم
وأنه من قبيل الوصية أى أنه عقد تبرع لم يدفع فيه ثمن ولا يمكن أن ينفذ إلا من ثلث
مالية البائع. فمع أنه كان مدفوعا أمامها بهذا لكنها فصلت فى الدعوى على اعتبار أن
البيع الذى حصل فى مرض الموت الذى افترضته هو بيع جدّى فيه الثمن مدفوع، وأن كل ما
فى المسألة هو أن بهذا الثمن محاباة تقل عن ثلث مال البائع. فصلت فيها على هذا الاعتبار
بدون أن تبين الأسباب التى دعتها لرفض ما ادعاه الطاعنون من عدم دفع الثمن ولا الأسباب
التى اقنعتها بدفع هذا الثمن.
وحيث إنه مما لا جدال فيه أن الحكم يختلف باختلاف الأساسين – دفع الثمن فعلا وعدم دفعه
– إذ عدم الدفع يجعل التصرف هبة مستورة، وحصول الهبة فى مرض الموت يجعلها وصية لا تنفذ
إلا من الثلث، ويترتب عليه أن لا يأخذ المشترى من الصفقة عينا إلا ما يوازى ثلاث مال
البائع ويكون العقد باطلا فى الباقى. أما إذا كان الثمن دفع فعلا فله الحكم آخر.
وحيث إنه يبين من ذلك أن الحكم إذ اعتبر الثمن مدفوعا ورفض ما ادعاه الطاعنون من عدم
دفعه قد قصر فى بيان أسباب هذا القضاء وأعجز هذه المحكمة عن مراقبة تطبيق القانون فيكون
حكمها باطلا ويتعين نقضه وإعادة القضية لمحكمة الاستئناف لنظرها من جديد.
