الطعن رقم 73 سنة 3 ق – جلسة 26 /04 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 370
جلسة 26 أبريل سنة 1934
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 73 سنة 3 القضائية
وقف. ماهيته. شخصية معنوية مستقلة عن المستحقين. عدم جواز الحجز
على ثمرة أعيان الوقف لدين على المستحق. (المادة 7 من القانون المدنى)
الوقف شخصية مستقلة عن الناظر وعن المستحقين، وثمرة أعيانه مملوكة له يستوفى هو منها
ما يلزم للمحافظة على كيانه، من أموال لجهة الحكومة وترميم فى الأعيان وإصلاح فيها
مما فيه دوام لها ولمنفعتها، وما فضل بعد ذلك هو الواجب توزيعه على أصحاب المنفعة من
المستحقين، أشخاصا بأعيانهم كانوا أو جهات بر، ولا شىء للمستحقين إلا فيما فاض من الغلة
بعد المصاريف وتوفية تلك الاستحقاقات المعروفة بالبداءات.
وعلى ذلك فليس لدائن المستحق فى الوقف أن يعمد إلى المحصولات الزراعية الناتجة من أرض
الوقف فيحجز عليها فى مخازن الوقف حجزا تنفيذيا، على اعتبار أنها مملوكة ملكا خاصا
لمدينه، فان حجز عليها كذلك فحجزه باطل.
الوقائع
وقائع الدعوى بسحب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن المذكرات والمستندات
المقدّمة لهذه المحكمة تتلخص فيما يأتى:
بتاريخ 6 نوفمبر سنة 1932 حصل محمد أفندى إبراهيم البخشونجى على حكم من محكمة الزقازيق
الابتدائية فى القضية المدنية رقم 250 كلى سنة 1931 بالزام عبد الله عبد الرحيم الأوسطى
بأن يدفع له مبلغ 1695 جنيها و211 مليما مع المصاريف والأتعاب. ولما كان هذا الحكم
مشمولا بالنفاذ باشر محمد أفندى إبراهيم المذكور تنفيذه قبل فوات ميعاد استئنافه بأن
أوقع الحجز التنفيذى بتاريخ 21 نوفمبر سنة 1932 بمقتضى ثلاثة محاضر حجز على جملة أشياء:
منها 65 ضريبة أرز و20 أردبا من الذرة وثوران وماكينة مياه، زعما منه أنها ملك مدينه.
وبتاريخ 21 ديسمبر سنة 1932 رفع الدكتور محمود عز العرب بصفته ناظرا على وقف عبد الله
عبد الرحيم الأوسطى هذه الدعوى رقم 87 سنة 1933 كلى أمام محكمة الزقازيق الابتدائية
الأهلية قال فى عريضتها الافتتاحية إن عبد الله عبد الرحيم الأوسطى كان يملك 333 فدانا
وكسور مرهونة إلى البنك العقارى المصرى، وإنه أجرى إيقافها بمقتضى حجة إيقاف شرعية
مؤرّخة فى 29 مايو سنة 1923 تعين فيها محمد أفندى إبراهيم البخشونجى ناظرا على تلك
الأطيان ثم صار عزل هذا الأخير من النظارة وتعين هو بدلا منه، وإن جميع الأشياء المحجوزة
لم يكن منها شىء مملوكا لذلك المدين وإن كان هو المستحق الوحيد فى هذا الوقف، وإنما
هى ملك للوقف نظارته؛ ولا يجوز شرعا ولا قانونا الحجز على أعيان الوقف ومنها الماكينات
المعدّة لإدارته ولا على الغلة الناتجة من تلك الأعيان نظير دين على المستحقين شخصيا
لأن هذه الغلة لا تصبح حقا للمستحقين فى الوقف إلا بعد أن يقبضها الناظر وبعد أن يقوم
بما يسميه الفقهاء بالبداءات، وعلى ذلك يكون الحجز باطلا لأنه توقع على غير ملك المدين،
وطلب إلغاءه مع إلزام محمد أفندى إبراهيم البخشونجى بالمصاريف والأتعاب والنفاذ وحفظ
الحق فى التعويض بدعوى على حدتها. وفى أثناء نظر الدعوى زالت صفة الدكتور محمود عز
العرب وتعينت بدلا منه الست نعمات حسن عوف ناظرة على هذا الوقف وصممت على نفس هذه الطلبات.
دفع محمد أفندى إبراهيم البخشونجى هذه الدعوى قائلا فيما يختص بالحاصلات إن المدين
هو المستحق الوحيد فى الوقف فضلا عن كونه هو الواقف وصاحب الولاية على الوقف، وإن الحاصلات
لم يحجز عليها إلا بعد أن حصدت وجمعت ووضعت بالمخازن تحت يد المدين، وإنه من المسلم
به شرعا وقانونا أن الغلة تكون ملكا للمستحق بمجرّد ظهورها بغير حاجة إلى انتظار بيعها
لأن الغلة فى يد الناظر لا تكون ملكا للوقف بل تكون ملكا للمستحق وحده وذلك عملا بالمواد
366 و401 و402 من قانون العدل والإنصاف، وإن امتياز الحكومة بحقها فى الأموال وامتياز
دين البنك ووجوب سدادها من الغلة ليس من شأنه أن يؤخر انتقال ملكيتها إلى المستحق إنما
كل ماله من أثر أن تبقى هذه الأموال ودين البنك ممتازين على الحاصلات فتدفع من ثمنها
قبل سداد دائنى المستحق. على أن الواقع فى هذه الدعوى بالذات أن الحاصلات المحجوز عليها
لا يتعلق بها أى حق: لا للحكومة لأن أموال الأطيان الناتجة منها تلك الحاصلات مسدّدة،
ولا للبنك لأن القانون نمرة 7 سنة 1933 جمد الأقساط وأعاد تقسيطها على ثلاثين قسطا
لا يستحق أوّلها إلا فى أوّل يناير سنة 1934. هذا بالنسبة للحجز على الحاصلات. أما
بالنسبة للثورين المحجوز عليهما فانهما مملوكان للمدين شخصيا لأن حجة الوقف خالية من
النص على وقف المواشى، كما أنها خالية من أى نص يبيح لناظر الوقف أن يشترى مواشى يلحقها
بالوقف. فحتى إذا اشترى ناظر الوقف مواشى لاستعمالها فى الوقف، فانه إنما يشتريها من
غلة الوقف، تلك الغلة التى هى ملك للمستحقين. وعلى ذلك تكون تلك المواشى ملكا لهؤلاء
المستحقين. وأما بالنسبة لماكينة المياه فإنها قائمة على قيراط من الأرض ما زال فى
ملك المدين شخصيا ولم يدخل ضمن الوقف بدليل حصوله على أمر اختصاص على هذا القيراط بالماكينة
القائمة عليه ضدّ المدين شخصيا.
ردّت ناظرة الوقف على هذا الدفاع وفندت أقوال محمد أفندى إبراهيم البخشونجى وجها وجها.
فأما بالنسبة للحاصلات فقالت عنها إنه غير صحيح أن الحجز توقع عليها بعد أن خرجت من
يد ناظر الوقف وبعد أن استلمها المدين المستحق فى الوقف وأخذ يتصرف فيها، بدليل وجودها
وقت الحجز فى مخازن الوقف الموجودة فى حيازة الناظر والداخلة ضمن حجة الوقف، كما ثبت
ذلك من ذات محضر الحجز الرقيم 21 نوفمبر سنة 1932، وبدليل أن هذه الحاصلات كانت لغاية
الوقت الذى حجز عليها فيه مملوكة للمستأجرين من الوقف والمزارعين فيه ولم تودع فى المخازن
إلا تأمينا للإيجار المستحق عليهم كما يتضح ذلك من كشوف الحساب المقدّمة والمؤرخة فى
27 نوفمبر سنة 1932 وأوّل ديسمبر سنة 1932. هذا فضلا عن أنه لا يعقل أن تكون هذه الحاصلات
قد سلمت إلى المستحق بينما أن الوقف مثقل بالديون كالأموال الأميرية وأقساط البنك العقارى
المرتهن. وبمقتضى كتاب الوقف وأحكام الشريعة الغرّاء يجب على ناظر الوقف أن يبدأ بأداء
هذه الديون بالأفضلية على كل دين آخر ولو استغرق ذلك كل غلة الوقف ولم يبق شىء للمستحق.
ولا فرق فى ذلك بين وجهة وأخرى لأن الوقف لا يتجزأ حسب كتابه فكل ما يطلب من الأموال
والديون على عين من الأعيان يجب سداده من الوقف كله. وأما القول بأن الحجز جائز على
الوقف ولو كانت الغلة فى يد الناظر ارتكانا على أن الغلة تصبح ملكا للمستحق بمجرّد
قبض الناظر لها فهذا ينافى أحكام المادة 374 من قانون العدل والإنصاف التى نصها:
"لا يستحق أهل الوقف من غلاته وإيراداته إلا ما فضل منها صافيا بعد مصاريف العمارة
الضرورية والمؤن وأداء العشر أو الخراج المضروب على العقار ودفع الدين الواجب من غلة
الوقف إن كان عليه دين أو مرصد".
فما جاء بعد ذلك من الأحكام فى المادتين 401 و402 من القانون المذكور لا يمكن أن ينصرف
إلا للغلة الخالصة التى يستحقها المستحق فى الوقف.
وأما بالنسبة لماكينة الرى والمواشى المحجوز عليها فان الماكينة واردة بنص صريح فى
كتاب الوقف. وأما المواشى فقد اشتريت من مال الوقف ولذمة الوقف تنفيذا لنص إذن الاستدانة
الصادر للواقف من المحكمة الشرعية.
سمعت المحكمة الابتدائية كل ذلك، واطلعت على مذكرات ومستندات طرفى الخصوم، ثم أصدرت
بتاريخ 8 مايو سنة 1933 حكمها فى الدعوى وهو يقضى بأحقية المدعية بصفتها للأشياء المحجوزة
وبالغاء الحجز المتوقع عليها بتاريخ 21 نوفمبر سنة 1932، وألزمت محمد أفندى إبراهيم
البخشونجى بالمصاريف مرتكنة فى قضائها على الأسباب الآتية:
حيث إنه فيما يختص بماكينة الرى الكائنة بناحية مناحريت فثابت من الاطلاع على حجة الوقف
المؤرخة 29 مايو سنة 1923 أنها أوقفت تبعا للأرض الكائنة بتلك الجهة.
وحيث إن ما دفع به المدعى عليه الأوّل (محمد أفندى إبراهيم البخشونجى) من أن هذه الماكينة
مملوكة لمدينه المدعى عليه الثانى لأنها أوقفت مستقلة عن الأرض القائمة عليها فوقع
وقفها باطلا، مستندا فى ذلك على المادة من قانون العدل والإنصاف فهو دفع فى غير
محله لأن حجة الوقف نصت صراحة على أن الماكينة قائمة على أرض موقوفة ولأنه مع فرض التسليم
بأن الماكينة قائمة على أرض غير موقوفة فانها معتبرة تابعة للأرض الموقوفة ومخصصة لمنفعتها
فهى وقف تبعا للأرض طبقا للمادة 54 من قانون العدل والإنصاف.
وحيث إن ملكية المدّعية للثورين فثابتة من عقد الشراء المؤرّخ 25 ديسمبر سنة 1931 ولم
يقدّم الحاجز ما ينفى ملكية الوقف لهما.
وحيث إنه لا نزاع بين الطرفين فى أن الأرز والذرة المحجوز عليهما ناتجة من أرض الوقف.
وحيث إن الحاجز يقول بجواز الحجز على هذه الحاصلات لأنها أصبحت ملكا لمدينه بطلوع الغلة
طبقا للمادة من القانون المذكور ولأن مدينه هو المستحق الوحيد فى هذا الوقف،
وأن الغلة أمانة فى يد الناظر على ذمته طبقا للمادة من قانون العدل والإنصاف.
وحيث إن ما يدفع به المدّعى عليه المذكور محله أن يكون متولى شئون الوقف قد قام بأداء
ما على الوقف من مصاريف العمارة الضرورية والمؤن والأموال ودفع الدين الواجب من غلة
الوقف إن كان عليه دين كما تقضى بذلك المادة من قانون العدل والإنصاف.
وحيث إن الثابت من المستندات المقدّمة من المدّعية (ناظرة الوقف) أن الوقف لا يزال
مدينا للبنك العقارى المصرى وللحكومة فى نظير باقى الأموال الأميرية، وقد نص فى حجة
الوقف على أن سداد الديون مقدّم على استحقاق المستحق وإذاً يكون دفع المدّعى عليه الحاجز
فى غير محله، والطريق الذى كان يجب عليه سلوكه هو أنه يحجز تحت يد الناظر على ما يكون
باقيا لمدينه من تلك الغلة إن بقى منها شىء.
استأنف محمد أفندى إبراهيم البخشونجى هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف
رقم 759 سنة 50 قضائية والمحكمة المذكورة قضت بتاريخ 28 يونيه سنة 1933 بتأييده لأسبابه.
وقد أعلن هذا الحكم إلى محمد أفندى إبراهيم البخشونجى فى 20 يوليه سنة 1933 فطعن فيه
بطريق النقض فى 17 أغسطس سنة 1933 وأعلن تقرير الطعن للخصوم فى 21 منه وقدّم طرفا الخصومة
المذكرات الكتابية فى المواعيد وقدّمت النيابة مذكرتها فى 6 مارس سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس 5 أبريل سنة 1934 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه
المبين بمحضر الجلسة ثم أجل الحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن يتحصل فيما يلى:
(أوّلا) أن محكمة الاستئناف أخلت بحقوق الطاعن بعدم ردّها على دفوعه الجوهرية فجاء
حكمها خاليا من الأسباب فى ثلاثة مواضع:
( أ ) بيّن الطاعن أن الحاصلات المحجوز عليها قد سلمت فعلا لمدينه المطعون ضدّه الثانى
الذى شرع فى التصرف فيها وساق الأدلة على ذلك ثم عرض إثبات هذه الواقعة بالبينة.
(ب) بيّن الطاعن أن الحاصلات المحجوز عليها كائنة بناحية مناحريت وأن الأموال المطلوبة
على هذه الأرض لسنة 1931 تسدّدت بالكامل. وهذه الأطيان وحدة مستقلة بذاتها، فلا يمكن
اعتبار الحاصلات القائمة عليها ضامنة لأموال مطلوبة عن أرض أخرى.
(ج) دفع الطاعن بعدم قبول دعوى الاسترداد بالنسبة لماكينة الرى لأنه – لعلمه بأن التنفيذ
عليها يكون بنزع ملكيتها مع الأرض المقامة عليها باعتبارهما معا عقارا مع ملاحظة أن
الأرض غير موقوفة – قد تنازل عن الحجز المتوقع عليها محتفظا بحقه فى التمسك بأنها مملوكة
لمدينه والتنفيذ عليها مع الأرض.
بيّن الطاعن كل ذلك، ولكن محكمة أوّل درجة ومحكمة الاستئناف من بعدها لم تشيرا بكلمة
إلى هذه الدفوع الجوهرية، فالحكمان باطلان طبقا للمادة 103 من قانون المرافعات.
(ثانيا) أخطأت محكمة الموضوع فى تطبيق القانون وتأويله فى ثلاثة مواضع أيضا:
( أ ) قضى الحكم المطعون فيه بملكية الوقف للحاصلات المحجوز عليها بحجة أنها تبقى كذلك
أى مملوكة للوقف ما دام الوقف مستحقا عليه دين للبنك ومتأخرا عليه أموال أميرية للحكومة
بينما أن الغلة مملوكة للمستحق بمجرّد قبض الناظر لها.
(ب) قضى الحكم المطعون فيه بأن حق البنك العقارى قد تعلق بالحاصلات المحجوز عليها فأخطأ
فى تطبيق وتفسير القانون نمرة 7 سنة 1933 الذى جمد الأقساط ووزعها على ثلاثين سنة لا
يستحق أوّلها إلا فى أوّل يناير سنة 1934.
(ج) قضى الحكم المطعون فيه بملكية الوقف للثورين فى حين أنه لم يرد لهما ذكر فى حجة
الوقف، كما لم يرد بهذه الحجة ما يلزم الناظر بشراء مواش تلحق بالوقف، وهما قد اشتريا
من غلة الوقف أى من مال المطعون ضدّه الثانى والمدين، فهما ملك له ومحل لوفاء الديون
التى يطالب بها.
وحيث إن الفصل فى هذا الطعن يستدعى ابتداء بيان ما هو الوقف وهل له وجود خاص ومالية
خاصة أى هل له شخصية مستقلة من قبيل ما يعرف عند علماء القانون بالشخصية المعنوية أم
لا.
وحيث إن الوقف هو نظام ولدته قرائح علماء الفقه الإسلامى لضرورات اجتماعية وشرعية اقتضته،
وهو، بحسب قولهم، ينحصر فى حبس العين حبسا مؤبدا مع التصدّق بمنفعتها عاجلا أو آجلا
على جهة بر لا تنقطع. فالملك الموقوف يبقى محبوسا أبدا عن إمكان التصرف فيه، فلا يجوز
بيعه ولا رهنه، وإنما يجوز عند الضرورة استبدال غيره به على شرط أن يقوم البدل مقام
الأصل فى أنه محبوس أبدا عن أن يتصرف فيه. أما المنفعة فيصح جعلها من وقت إنشاء الوقف
على جهة من جهات البر التى لا تنقطع وأظهرها جهة الفقراء والمعوزين أو جعلها على أشخاص
بأعيانهم وعلى طبقات ذرّيتهم من بعدهم حتى إذا ما انقرضوا بعد حين قصير أو طويل آلت
المنفعة لجهة البر التى لا تنقطع. وسبب الوقف، على ما هو ظاهر من تخلى صاحبه عن ملكه
فورا وعن جعل منفعته فى الحال أو المآل إلى جهة البر، وعلى ما صرح به الفقهاء أيضا،
هو التقرّب إلى الله تعالى ببذل المال فى سبيل الخير المأمور به ديانة. ذلك هو معنى
الوقف وسببه. ومثل التصرف على هذا الشكل ما دام قد أ،جازه الفقهاء فقد تعين عليهم حتما
أن يرسموا طريقة لحماية هذا الملك الأبدى الذى لا يملكه أحد من الخلق. كان من الضرورى
أن يرسموا هذه الطريقة من جهةٍ حتى يبقى ويدوم إلى الأبد كالأصل الذى قرروه له، ومن
جهةٍ أخرى حتى تصل الثمرة لمستحقيها من جهة بر لا تنقطع أو من أشخاص معينين ومن ذرّيتهم
إذا كانت أيلولة المنفعة لجهة البر لا تأتى إلا أخيرا. إن الفقهاء بينوا كيف تكون تلك
الحماية فجعلوا الأعيان الموقوفة تحت إشراف الحاكم الشرعى – والحاكم الشرعى مستديم
ما دامت الحكومة نظامية – وجعلوا لهذا الحاكم أن يعين من يتولى فعلا حفظ العين الموقوفة
واستغلالها وتوزيع ثمرتها على مستحقيها من أشخاص أو جهات بر، وجعلوا على هذا المتولى
أن يكون همه الأوّل المحافظة على أبدية العين ولو استغرقت نفقات تلك المحافظة كل ريعها.
ومما قرّروه فى شأن الوقف أنه إذا احتيج فى المحافظة على أعيانه إلى نفقة لا تفى ثمرته
بها فان لمتوليه أن يستدين باذن الحاكم الشرعى ما يفى بتلك النفقة ويكون هذا دينا لازما
على الوقف نفسه يؤدّى من غلته. كما صرحوا بأن الغلة إذا فاضت عن المصاريف المقرّرة
أمكن لجهة الوقف أن تشترى بهذا الفائض مستغلا يكون مملوكا لها وتستطيع بيعه عند الاقتضاء.
فالوقف إذاً كائن تخلقه إرادة الواقف ويبقى قائما على أصله أبدا يتعامل ويدين ويستدين
وتكون له حقوق وعليه واجبات فى الحدود التى قرّرها الفقهاء. وكل كائن يجمع هذه الخواص
فهو شخص قانونى اعتبارى بحسب اصطلاح علماء القانون. على أن الفقهاء أنفسهم وجدوا أن
العين الموقوفة ما دامت فى ذاتها متقوّمة قابلة للتمليك وقد زال ملك الواقف عنها بمجرّد
الوقف فلا بدّ من أن يكون خروجها عن ملكه هو لتدخل فى ملك مالك آخر وإلا كانت سائبة
عرضة لدخولها فى حوزة أى واضع يد عليها ثم فى ملكيته، وفى هذا نقض لذات الوقف وللغرض
الذى يرمى إليه. فهذه الضرورة الفقهية دفعتهم إلى البحث عن كائن يكون هو المالك لذلك
الملك الذى خرج عنه صاحبه، فاختلفوا. فقال بعضهم إن الملك يكون لله حكما. وقال البعض
الآخر إن الملك يبقى على ملك الواقف أو ورثته، واعترض عليه بأن هذا من جهةٍ يناقض الفكرة
الأساسية فى الوقف وهى خروج الواقف عن ملكه، ومن جهةٍ أخرى لو بقى الملك له أو لورثته
من بعده لكان لكل منهم ما للمالك من حق التصرف وصح للواقف أو لورثته، عند الاقتضاء،
الأخذ بهذا الحق والتصرف فى الأعيان الموقوفة، وبهذا ينهدم الوقف والغرض منه. ثم صار
تصحيح هذا النظر بأن قيل إن الأعيان بعد الوقف تبقى على ملك الواقف حكما. ومهما يكن
من صواب هذين النظرين وعدم صوابهما فان الواقع أن كلا من أصحاب النظرين قد وجد نفسه
مضطرّا لإيجاد شخصية يسند إليها الملك بعد وقفه وتكون هى مناط الحقوق والواجبات المقرّرة
بشأن هذا الملك الموقوف فجهد حتى وصل إلى ما وصل إليه. وإذا كان فى اجتهاده تجاوز حدّ
فكرة الشخصية المعنوية، بحسب اصطلاح أهل القانون، فانه على كل حال قدّر شخصية أسند
إليها ملكية الوقف على الوجه الذى وصل إليه اجتهاده. وما دام الوقف قد أسند الفقهاء
ملكيته لشخصية مقدّرة، وما دام هو بنظامه يجمع كل العناصر التى قرّر لها علماء القانون
الشخصية القانونية المعنوية، خلص من ذلك أن له شخصية مستقلة سواء فى مذهب الفقهاء أو
فى غيره. يلزم عن ذلك أن تكون ثمرة الوقف مملوكة لنفس جهة الوقف تستوفى منها ما يلزم
للمحافظة عليه من أموال لجهة الحكومة وترميم فى الأعيان وإصلاح فيها مما فيه دوام لها
ولمنفعتها، وما فضل بعد ذلك هو الواجب توزيعه على أصحاب المنفعة من المستحقين أشخاصا
بأعيانهم كانوا أو جهات بر. وإذا كان ورد فى أقوال الفقهاء أن غلة الوقف أمانة فى يد
الناظر على ذمة مستحقيها فمن الواجب أن يفهم هذا النص على أن المستحقين كثيرون: منهم
جهة الوقف نفسها وما يلزم لصيانتها من النفقات ومن درء إغارة الحكومة عليها بسبب الأموال،
ثم يأتى بعدها المستحقون الآخرون من أشخاص أو جهات بر. وهؤلاء إذا كانت الغلة فى يد
الناظر أمانة على ذمتهم أيضا فى الجملة إلا أن هذه الأمانة ليس لها من موضوع إلا الفائض
من تلك الغلة عن الاستحقاقات الأولى ذات الأولوية المعبر عنها عادة بالبداءات. فاذا
لم يكن هناك فاضل بعد توفية تلك البداءات فالأمانة بالنسبة لهم لا موضوع لها. وهذا
النظر لم يفت الفقهاء أن صرحوا به أيضا إذ قالوا إن المستحق لا شىء له إلا فيما فاض
من الغلة بعد مصاريف الوقف الضرورية.
وحيث إن الواقع فى المادة الحاصل فيها الطعن الحالى أن الطاعن، وهو دائن لمستحق فى
الوقف، قد عمد إلى المحصولات الزراعية الناتجة من أرض الوقف فحجز عليها فى مخازن الوقف
حجزا تنفيذيا على اعتبار أنها مملوكة ملكا خاصا لمدينه. وحجزه هذا واضح بطلانه، لأن
تمحض شىء من الغلة عينا أو نقدا وأيلولته للمستحق لا يأتى إلا من بعد تصفية تلك الغلة
وإخراج المطلوبات على أعيان الوقف منها ابتداء. وإذا كان الطاعن يدّعى فى طعنه هذا
أن الغلة التى حجز عليها قد سلمتها جهة الوقف للمستحق وأصبحت من حقه فعلا، وأن تنفيذه
بالحجز عليها كان تنفيذا قانونيا، وأنه دفع بذلك لدى محكمة الموضوع وطلب إحالة القضية
على التحقيق لإثبات استلام مدينه لتلك الغلة – إذا كان الطاعن يدلى فى طعنه بهذا فالواضح
أن ادعاءه هذا وطلبه التحقيق، على فرض صحة حصولهما، هما ادعاء وطلب غير جدّيين. والظاهر
أن محكمة الموضوع تكون اعتبرتهما كذلك ما دامت هى قد وجدت أن الحجز كان فى مخازن الوقف
نفسها مما ينقض بذاته كون المستحق استلم هذه المحصولات فعلا. ومن أجل هذا يكون طعن
الطاعن من هذه الجهة غير سديد.
وحيث إنه لا محل للاعتداد بشىء من باقى المطاعن التى وجهها الطاعن فى نقده الحكم الصادر
ضدّه لأنها كلها تخريج غير صحيح للقواعد المقرّرة فى مادة الوقف، وفى الحكم الابتدائى
المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه، فوق ما قدّمناه، الرد الكافى على تلك المطاعن.
