الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 67 سنة 2 ق – جلسة 26 /04 /1934 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 346

جلسة 26 أبريل سنة 1934

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.


القضية رقم 67 سنة 2 القضائية

نقض وإبرام:
( أ، ب) سبب الطعن. متى لا يعتبر جديدا؟ (المادة 15 من قانون محكمة النقض).
(جـ، د، هـ) ختم. حجية الأوراق العرفية. مناطها. إنكار التوقيع بالختم مع الاعتراف بصحة بصمته. لا يجوز. الطعن فى التوقيع بعد الاعتراف بالختم. سبيله.
(المادتان 270 مرافعات و227 مدنى)
(و) نقض وإبرام. حكم بعدم صحة ورقة وبرفض موضوع الدعوى. مخالفته للقانون. متى يجوز لمحكمة النقض أن تحكم بصحة الورقة وإحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع؟
1 – يكفى لاعتبار السبب المبنى عليه الطعن غير جديد ولقبوله أمام محكمة النقض أن يكون قد عرضه صاحبه على محكمة الاستئناف ولو بصيغة عامة.
2 – سبب الطعن إذا كان قوامه البحت قاعدة قانونية كانت قائمة فى الخصومة وتعرّضت لها محكمة الاستئناف فبحثت بعض نواحيها فخالفت فيها حكم محكمة الدرجة الأولى الذى طلب الطاعن تأييده لأسبابه، فهذا السبب لا يعتبر جديدا.
3 – إن القانون المصرى أقام حجية الأوراق العرفية على شهادة ذات الإمضاء أو الختم الموقع به عليها. فمتى اعترف الخصم الذى تشهد عليه الورقة بأن الإمضاء أو الختم الموقع به على تلك الورقة هو إمضاؤه أو ختمه، أو متى ثبت ذلك – بعد الإنكار- بالدليل الذى يقدّمه المتمسك بالورقة، فلا يطلب من هذا المتمسك أى دليل آخر لاعتماد صحة الورقة وإمكان اعتبارها حجة بما فيها على خصمه صاحب الإمضاء أو الختم. ولا يستطيع هذا الخصم التنصل مما تثبته عليه الورقة، إلا إذا بيّن كيف وصل إمضاؤه هذا الصحيح أو ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع، وأقام الدليل على صحة ما يدّعيه من ذلك، فان هذه هى منه دعوى تزوير بحتة يجب أن يسار فيها بطريقها القانونى. ذلك بأن القانون لا يعرف إنكار التوقيع بالختم بلا يعرف إلا إنكار بصمة الختم.
4 – إن المادة 270 من قانون المرافعات التى أجازت للمحكمة سماع شهادة الشهود على حصول الكتابة أو الإمضاء أو الختم على الورقة المقتضى تحقيقها لا ترمى إلا إلى إثبات الإمضاء أو الختم المنكورة بصمته لا إلى إثبات التوقيع بعد الاعتراف بالختم [(1)]. وهذا ظاهر من مقارنة مواد الباب الواردة هى فيه بعضها بعض [(2)].
5 – إن المادة 227 من القانون المدنى إذا كان لم يرد بها ذكر لفظ "الختم" معطوفا على "الكتابة أو الإمضاء" بل نصها هو "المحرّرات الغير الرسمية تكون حجة على المتعاقدين بها ما لم يحصل إنكار الكتابة أو الإمضاء" فان هذا قصور فيها علته – على ما تراه محكمة النقض – هو مجرّد السهو عن تكميل حكمها عند نقله عن القانون المختلط المنقول هو عن القانون الفرنسى. وليست العلة فيه أن الشارع المصرى يرى المغايرة فى الحجية بين الأوراق الممضاة والأوراق المختومة، وإلا لما فهم تماما كيف أنه عند إصداره قانونى المرافعات والعقوبات بعد شهرين قد ذكر لفظ "الختم" معطوفا على لفظى الإمضاء والكتابة فى جميع المواد التى وضعها فى الفرع الخاص بتحقيق الخطوط وفى المواد الخاصة بجريمتى التزوير وخيانة الأمانة، وكيف يهتم هذا الاهتمام بالختم ويسوّى بينه وبين الإمضاء فى تلك الأحكام إن لم يكن للختم فى نظره قوّة الإمضاء تماما وإن لم يكن هذا التشريع تفريعا على هذه القوّة التى يوجبها له وإن لم يضعها فى القانون بالنص الصريح. ويؤكد هذا السهو عن ذكر لفظ "الختم" فى المادة 227 المذكورة أن الشارع لم يلبث أن كشف بالنص الصريح عن مبدئه فى التسوية فى الحجية بين الأوراق المختومة والأوراق الممضاة. وذلك بالنص الصريح عند وضعه لائحة المحاكم الشرعية فى سنة 1897 فانه تكلم فيها عن حجية الإقرار الكتابى وقرّر فى المواد 26 و27 و28 تقريرا صريحا أن السند الممضى أو المختوم حجة بما فيه على صاحب الإمضاء أو الختم وأنه إذا أنكره (أى أنكر موضوعه) فلا يقبل منه الإنكار. أما إذا أنكر كون السند له (أى أنكر خطه أو ختمه) فيقبل إنكاره أو لا يقبل حسبما يظهر من التحقيق. وعند تعديل تلك اللائحة وتكميلها بالقانون رقم 31 لسنة 1910 قد قرّر ذلك المبدأ أيضا بالمادة 135 بالنص الآتى "الأوراق غير الرسمية تكون حجة على من يكون موقعا عليها بإمضائه أو ختمه". وعند وضعه اللائحة الشرعية الجديدة بالقانون رقم 78 سنة 1931 قد نقل إليها المادة 135 المذكورة برقمها ونصها. ولا مرية فى أن هذه النصوص التشريعية صريحة فى أن مبدأ الشارع المصرى هو التسوية بين الأوراق المختومة وبين الممضاة، وأن من الخطأ الاعتماد فى كشف مراده على ظاهر نص المادة 227 من القانون المدنى.
6 – إذا حكمت المحكمة فى دعوى، أنكر فيها الختم والتوقيع به، بعدم صحة الورقة وبرفض موضوع الدعوى ونقضت محكمة النقض هذا الحكم لمخالفته للقانون اعتبارا بأن الختم صحيح لاعتراف المنكر بصحة بصمته، ورأت لذلك أن دعوى الإنكار صالحة وحدها للفصل فيها، كان لها أن تحكم فيها بصحة الورقة وتحيل الدعوى الأصلية إلى محكمة الموضوع للحكم فيها من جديد.


الوقائع

من حيث إن وقائع هذه المادة تتلخص، على ما جاء بحكم محكمة مصر الابتدائية المؤرّخ فى 29 ديسمبر سنة 1931 وحكم محكمة استئناف مصر المطعون فيه المؤرّخ فى 31 مايو سنة 1932 وبأوراق الإجراءات المقدّمة لهذه المحكمة، فى أن على باشا فهمى ادّعى فى الدعوى التى رفعها أمام محكمة مصر الابتدائية الأهلية على ورثة المرحوم محمد بك خلوصى زوج أخته المرحومة الست سكينة هانم خليل وعلى باقى ورثتها أن أخته هذه أرسلت إليه فى يوم 25 يناير سنة 1927 خطابا شكت إليه فيه مماطلة مستأجريها فى دفع الإيجار واعتزامها بيع بعض ما تملكه من أطيانها بناحية مشتهر لتشترى بثمنه عقارا ذا إيراد فى مصر ورغبتها فى أن يقرضها خمسة آلاف من الجنيهات لتشترى به هذا العقار على أن تبيعه من أرضها بهذه القيمة بواقع ثمن الفدان الواحد 190 جنيها. وإذ لم يكن لديه هذا المبلغ وقتئذ طلب من البنك العقارى فى 17 فبراير سنة 1927 سلفة على ملك له بميدان لازوغلى. ولما شعر بنجاح مسعاه فى هذه السلفة سلم لشقيقته ألف جنيه لتدفعه عربونا فيما تشتريه من عقار فى مصر. ولما أمضى عقد السلفة فى 11 مارس سنة 1927 أرسل لأخته يخبرها باستعداده لإتمام طلبها فحضرت لديه بمنزله بعد العشاء فى يوم من رمضان هو يوم 14 مارس سنة 1927 فحرر بنفسه على لسان أخته وصلا يتضمن قبضها مجموع ما وصلها منه ورأى تطمينا لخاطرها أن يقرأ عليها أحد غيره هذا الوصل فاستدعى كاتب المنزل الشيخ على حسن فقرأه فاستخرجت من محفظتها ختمها وختامة لها على شكل ساعة معدنية فختم الكاتب بختمها على الوصل بعد تحبيره من الختامة وانصرف. وفى أثناء ذلك حضر ابن على باشا فهمى محمد أفندى فهمى من مدرسة الآباء اليسوعيين فشاهد دفع باقى المبلغ لعمته. ويقول على باشا فهمى إنه مرض بعينه منذ 17 مارس سنة 1927 وعمل له الدكتور مايرهوف عملية جراحية فى 27 أبريل سنة 1927 وبقى تحت المعالجة إلى نهاية شهر مايو سنة 1927 ثم أصيب بمرض آخر وبخرّاجات عدّة وأخذ يعالجه الدكتور محمود عبد الوهاب والدكتور الشوربجى إلى أن سافر لأوروبا ولم يعد منها إلا فى نهاية أكتوبر سنة 1927. قال ولما علم أثناء مرضه أن شقيقته الست سكينة اتفقت مع عباس بك الرمالى على أن تشترى منه منزله الذى كانت تقيم به مع أختها زوج سعادة صالح باشا حقى، ولاحظ أن هذا المنزل قديم ولا إيراد يذكر له أرسل لكل من صالح باشا حقى ولشقيقته الست سكينة ولزوجها المرحوم محمد بك خلوصى كتابا ينكر عليهم فيه إزماعهم على شراء منزل لا إيراد له ولا يحقق لشقيقته مقصودها من أخذها منه مبلغ الخمسة الآلاف من الجنيهات. فلم يكن من صالح باشا إلا أن أرسل إليه تلغرافا يسأله به عن صحته، أما المرحوم خلوصى بك فقد أخبره بخطابه المؤرّخ فى 30 أبريل سنة 1927 بأنه لا علم له بهذا الشراء وأنهم يخفون عنه كل شيء، وقد أخبرته الست سكينة بأنه ما دام هو غير راض عن هذه الصفقة فستبحث عن عمارة ذات إيراد تحقق لها غايتها. ثم قال إنه لما عاد من أوروبا فى نهاية أكتوبر سنة 1927 رأى أن حالة أخته الصحية غير مرضية وعلم منها بكل صعوبة – لعدم قدرتها على الكلام لشلل أصابها – أن أختها حرم صالح باشا حقى، عند ما علمت منها عدولها هى عن شراء المنزل، طلبت منها أن تعطيها قيمة الثمن سلفة لتتم الشراء لنفسها فقبلت طلبها لأن عباس بك الرمالى صاحب المنزل كان يلح عليهم فى إخلائه، وإنه لما أخبر بذلك قابل عباس بك فعلم منه أن صالح باشا حقى كان عرض عليه أوّلا شراء أطيان الست حرمه ومبادلتها بمنزله على جزء من هذه الأطيان وأن سعادة الباشا أخبره بعد ذلك كتابة بأن سيدة من أقاربه ترغب فى شراء منزله ودفع الثمن فورا فقبل وحرر العقد الابتدائى باسم الست سكينة ثم استبدل به عقدا آخر باسم أختها حرم صالح باشا حقى وأطلعه يومئذ على هذا الخطاب المؤرّخ فى 18 مارس سنة 1927. ثم قال وبقيت أخته مريضة تلازم فراشها حتى توفيت إلى رحمة الله يوم الثلاثاء 21 أغسطس سنة 1928 فى وقت لم يكن هو فيه بمصر، ولذلك لم يحضر الوفاة والمأتم. ولما انتهت أيام المأتم الثلاثة سافر صالح باشا حقى إلى أسيوط يوم الجمعة ثم عاد منها يوم الجمعة التالية وهو يوم 31 أغسطس سنة 1928. وفى يوم السبت أوّل سبتمبر سنة 1928 فتح صالح باشا حقى خزانة الست سكينة وجرد ما فيها وأثبت ما جردّه بملحق الجرد الذى حرره من أعيان التركة فى ذلك اليوم بحضور جميع الورثة ما عدا على باشا فهمى. ثم أخبر المجلس الحسبى فحضر مندوبه يوم 2 سبتمبر سنة 1928 فجبر الختم بحضورهم كذلك. ثم قال ونظرا لانحصار تركة أخته فيه وفى باقى إخوته وفى زوجها المرحوم محمد بك خلوصى، الذى كان يومئذ محجورا عليه تحت قوامة صالح باشا حقى، اضطرّ لإنذار القيم وباقى الورثة بحقوقه فى 24 سبتمبر سنة 1928 فردّ القيم عليه فى 13 أكتوبر سنة 1928 هو وحرمه أخت على باشا فهمى بانذار أنكرا فيه تلك الحقوق. ولما استحصل المدّعى على الخطاب الذى حرره صالح باشا فى 18 مارس سنة 1927 لعباس بك الرمالى السابق ذكره أرسل لأخته ولزوجها إنذاره المؤرّخ فى 6 نوفمبر سنة 1928 الذى بيّن لهما فيه ما جاء فى إنذارهما من خطأ.
ادّعى على باشا فهمى هذه الدعوى وقال إن ما أخذته أخته منه يوازى ثمن 26 فدانا و7 قراريط و12 سهما على الشيوع فيما كانت تملكه بناحية مشتهر وقدره 39 فدانا و17 قيراطا و6 أسهم المبينة حدودها بصحيفة افتتاح الدعوى. ولذلك التمس الحكم بصحة التعاقد والإذن بتسجيل الحكم الذى يصدر بذلك ليتم له نقل الملكية بالتطبيق للمادة الأولى من قانون التسجيل، وعلى سبيل الاحتياط الحكم على المدّعى عليهم بأن يدفعوا له مبلغ 4285 جنيها و714 مليما والفوائد والمصاريف. فقرّر ورثة المرحوم محمد بك خلوصى أنهم يجهلون بصمة ختم مورّثة مورّثهم وينكرون توقيعها بهذا الختم على الورقتين المؤرّختين فى 25 يناير سنة 1927 و14 مارس سنة 1927 فحكمت محكمة مصر الابتدائية الأهلية بتاريخ 10 نوفمبر سنة 1929 باحالة القضية على التحقيق ليثبت المدّعى بكافة الطرق القانونية بما فيها البينة صحة بصمة الختم وتوقيع الست سكينة على هاتين الورقتين وللمدّعى عليهم النفى بالطرق عينها. وفى 22 مارس سنة 1930 انتقل حضرة القاضى المحقق لمجلس حسبى مصر، وأثبت بمحضر انتقاله أنه اطلع بملف مادة الحجر على المرحوم محمد بك خلوصى زوج الست سكينة هانم خليل على محضر جبر ختم هذه السيدة فوجده محرّرا فى 2 سبتمبر سنة 1928 بمعرفة المعاون محمود أفندى بكرى بمنزل سعادة صالح باشا القيم على زوج المتوفاة وموقعا عليه من المعاون والقيم ومحمود أفندى خلوصى وحسن أفندى خلوصى وعبد العال أفندى حسين وخليل أفندى لبيب ومحمود أفندى رياض شقيقى المتوفاة، وأن المعاون المذكور قد أثبت بمحضره أن صالح باشا هو الذى أحضر له الختم وهو الذى استلم قصبته بعد محو كتابتها، ثم أثبت القاضى فى محضره أنه عرض يومئذ الورقتين المنكورتين على الحاضرين من المدّعى عليهم وهما محمود أفندى خلوصى وحسن أفندى خلوصى فقرّرا بأن بصمة ختم المتوفاة على هاتين الورقتين يضاهى بصمة ختمها على محضر الجبر ولكنهما يؤكدان أن المتوفاة لم تختم بنفسها على الورقتين، وأنه فى الفترة الواقعة بين وفاتهما وتاريخ جبر الختم وقع بختمها على الورقتين المنكورتين خصوصا وأن الختم لم يوجد فى المحل الذى توفيت به بالحلمية". ثم قال القاضى إنه لاحظ هو أن بصمة الختم الموقع بها على محضر الجبر تشابه بصمة الختم الموقع به على الورقتين المكنورتين، ثم قرّر تأجيل التحقيق لجلسة 5 مايو سنة 1930، وفى هذا اليوم أثبت قاضى التحقيق فى صدر محضره أن على باشا فهمى ذكر يومئذ أن شهوده هم عباس بك الرمالى وكاتبه الشيخ على حسن وابنه محمد أفندى على فهمى، وأن الخصوم يستشهدون بالشيخ على حمودة وعبد الحليم أفندى فرحات ومحمود أفندى رياض أخى على باشا فهمى وسعادة صالح باشا حقى، ثم سمع المحقق شهود الإثبات، ثم نودى على محمود أفندى رياض فحضر وحلف اليمين ولكن المدّعى عليهم قالوا إن الشاهد هو أحد المدّعى عليهم ولذلك فهم يستغنون عن شهادته، ثم شهد الشيخ على حمودة وعبد الحليم أفندى فرحات، ثم أقفل التحقيق وأعيدت القضية لجلسة المرافعة. فكان من مزاعم المدّعى عليهم فى الدعوى أن على باشا فهمى تمكن من الحصول على ختم أخته عقب وفاتها فوقع به على الورقتين، وكان من دلائلهم على ذلك عدم جرد التركة إلا فى يوم أوّل سبتمبر سنة 1928، وأن على باشا لم يكن ليقدر على دفع الخمسة آلاف جنيه لأن أملاكه كانت معرّضة وقتئذ للبيع الجبرى، وأنه لم يبادر إلى رفع الدعوى إلا بعد مرور زمن طويل، وأنه سكت عن الإجابة على ما أنذره به صالح باشا حقى، وكانوا يستدلون على ذلك بمحضر جرد التركة ومحضر جبر الختم وأوراق البيع الجبرى وبانذار صالح باشا حقى. وكان مما أجاب به على باشا على ذلك أن تأخير الجرد كان سببه أن حضرة صالح باشا حقى سافر إلى أسيوط بعد أيام المأتم الثلاثة ولم يعد من أسيوط إلا يوم أوّل سبتمبر سنة 1928 وأن صالح باشا هو الذى جرد التركة بحضور المنكرين وباقى الورثة، وهو الذى فتح الخزانة وجرد ما فيها، وكان مما جرده ختامة الست سكينة التى استعملت فى الختم على الورقتين بحبرها الأحمر، وأنه هو لم يحضر وفاة أخته ولا مأتمها، ولا جرد التركة ولا جبر الختم؛ وإذ كان جبر الختم الموقع به على الورقتين هو بهذا الحبر فتكون هذه القرائن واضحة الدلالة على انتقاء ما زعمه خصومه من اصطناع الورقتين بعد وفاة مورّثة مورّثهم. ثم حكمت المحكمة باستجواب على باشا فهمى وبسماع أقوال كاتبه الشيخ على حسن فاستجوبت على باشا عن الكيفية التى وصله بها خطاب 25 يناير سنة 1927 وعما إذا كان مبلغ خمسة الآلاف من الجنيهات قد دفعه لأخته مرة واحدة أم لا وعن علاقته بصالح باشا حقى وعن الأوراق التى قدّمها خصومه لإثبات عجزه عن دفع المبلغ لأخته، فأجابها على ذلك ثم قدّم لها الإنذار الذى أجاب هو به صالح باشا على إنذاره وهو الإنذار المؤرّخ 6 نوفمبر سنة 1928، ثم سألت الشيخ على حسن كيف حصل الختم على الورقتين ومن أى ختامة حبر الختم وما كان شكلها، ثم أجلت الحكم لأربعة أسابيع وكلفت الخصوم بتقديم مذكراتهم ومستنداتهم فقدّم على باشا مذكرته فى 12 ديسمبر سنة 1931 طلب فيها الحكم بالزام ورثة المرحوم محمد بك خلوصى باعتباره وارثا لزوجته الست سكينة بأن يدفعوا له من تركتها 2500 جنيه معلنا أنه ترك المرافعة فى الدعوى ضدّ أخويه وأخته لاتفاقه معهم على فض النزاع بطريق التحكيم. فحكمت محكمة مصر الابتدائية الأهلية بتاريخ 29 ديسمبر سنة 1931 بصحة توقيع الست سكينة على الورقتين المؤرّختين فى 25 يناير سنة 1927 و14 مارس سنة 1927 إلى آخر ما حكمت به.
نقل هذا الحكم الابتدائى عن محضر الانتقال والتحقيق إقرار المنكرين بأن بصمة الختم الموقع بها على محضر الجبر تضاهى البصمة الموقع بها على الورقتين المنكورتين ثم تأكيدهم بأن المتوفاة لم تختم بنفسها عليهما وأنه فى الفترة بين وفاتها وتاريخ جبر الختم وقع بختمها عليهما خصوصا وأن الختم لم يوجد بالمحل الذى توفيت فيه بالحلمية الجديدة ثم ما لاحظه القاضى المحقق من مشابهة البصمتين ثم ما شهدت به شهود الإثبات. ثم نظر فى الخطاب المؤرّخ 18 مارس سنة 1927 الذى أرسله صالح باشا حقى إلى عباس بك الرمالى يخبره به أن سيدة قريبة له تريد شراء منزله ودفع الثمن فورا. وفى الخطاب الذى حرّره المرحوم محمد بك خلوصى فى 30 أبريل سنة 1927 ثم فى عقد البيع الابتدائى الذى أصدره عباس بك الرمالى إلى حرم صالح حقى باشا فى 12 مايو سنة 1927 وقابل بين هذه التواريخ وتاريخ الورقة المؤرخة فى 14 مارس سنة 1927، ثم قال "وحيث إن تحرير السند فى 14 مارس سنة 1927 وخطاب صالح باشا لعباس بك الرمالى فى 18 مارس سنة 1927 وخطاب زوج الست سكينة المؤرّخ فى 20 أبريل سنة 1927 وتحرير عقد البيع وتسجيله فى 12 مايو سنة 1927 باسم الست أنيسة زوج صالح باشا، كل ذلك يؤيد أقوال الشاهد عباس بك الرمالى من أن البيع كان أصلا للست سكينة التى دفعت له العربون والتى ما دفعته إلا لقدرتها على دفع باقى الثمن. ومن حيث إن الشاهد الثانى قرّر أنه حضر مجلس التوقيع على السند وهو الذى استلم الختم والختامة ووقع على الإيصال. وحيث إن استلام الشاهد للختامة تأيد بوجود ختامة فى تركة المتوفاة تنطبق أوصافها على الأوصاف التى ذكرها الشاهد وأن حبرها أحمر كالحبر المبصوم به. وحيث إن الشاهد الثالث شهد أنه حضر من مدرسته نحو الساعة الثامنة ليلا ووجد عمته ووالده والكاتب وشهد على التوقيع وعلى الختامة". وبعد أن لخص الحكم شهادات شهود النفى وعاد إلى ما أثبته محضر الانتقال على لسان المنكرين قال "يجب إذن قصر البحث عما إذا كانت الست سكينة وقعت بختمها فى حال حياتها أم وقع بالختم بعد وفاتها وقبل جبره" ثم قال: "وحيث إنه تبين من شهادة الشاهد الأوّل من شهود الإثبات أن المورّثة كانت راغبة فى شراء المنزل بقيمة خمسة آلاف جنيه، ومن شهادة الشاهدين الأخيرين أنها وقعت بنفسها فيتعين اعتبار أن الطعن فى غير محله، وشهود النفى لم يذكروا شيئا يتعلق مباشرة بالسندين، وشهادتهما تؤيد نظرية المدّعى الذى يقول فيها إن رغبة المورّثة فى بيع أطيانها قد نشأت من الصعوبات التى تلاقيها فى تحصيل إيجارها… وحيث إن عدم توقيع شاهد على السند وعدم وجود شهود لا يمتون بصلة للمدّعى يشهدون بصحة التوقيع لا ينهض دليلا على أن المورّثة لم توقع ببصمة ختمها، وذلك لوجود الثقة بين الأخ وأخته، وكان من الميسور أن يوقع الكاتب على السند باعتباره شاهدا، كما أنه ليس فى المألوف عادة أن يحضر مجلس عقد بين أخ وأخته من لا يربطهم بالمتعاقدين صلة، فالعادات الشرقية والحجاب والثقة لا تسمح بوجود الأجانب عن الطرفين". وبعد أن دفع الحكم ما اعترض به المدّعى عليهم على المدّعى من سكوته من 14 مارس سنة 1927 لحين الوفاة فى أغسطس سنة 1928 مستدلا بالشهادات المرضية المثبتة لمرض المدّعى ومرض أخته قال "وحيث إن المدّعى عليهم ذهبوا إلى أن الختم ظل عند أخت المدّعى فى المدّة التى مضت بين الوفاة وجبر الختم وهى مدّة تقرب من العشرة أيام. وحيث إنه ثابت من محضر جبر الختم المحرّر فى 3 سبتمبر سنة 1928 أن الختم كان عند صالح باشا حقى وأنه جبر بعد استلامه منه. وحيث إنه تبين من الإنذارات المقدّمة والمتبادلة من صالح باشا والمدّعى أنهما كانا على غير وفاق، وأن صالح باشا أنكر عليه المستندات المطعون عليها والتى هى موضوع هذه القضية فلو أن الختم استعمل فى هذه الفترة لما كان هناك ما يدعو صالح باشا حقى أن ينكر عليه. من كل هذا يتبين أن البصمة وأن التوقيع كان بعلم المورّثة، ويكون السند المؤرّخ فى 14 مارس سنة 1927 صحيحا. ومتى كان هذا السند صحيحا يكون السند الأوّل صحيحا أيضا……..".
هذا الحكم الذى أصدرته محكمة مصر قد استأنفه المدّعى عليهم طالبين إلغائه والحكم برفض الدعوى واستأنفه على باشا فهمى استئنافا فرعيا طالبا تعديله والحكم بالزام خصومه بأن يدفعوا له من تركة مورّثة مورّثهم 2500 جنيه مع المصاريف. وقد بقى كل من الخصمين فى مركزه الذى شغله أمام محكمة أوّل درجة ادّعاء ونفيا، فظل المستأنفون يقرّرون أن بصمة الختم الموقع به على السندين هى بصمة ختم الست سكينة الذى جبر بمحضر الجبر المقدّمة صورته منهم، وأن على باشا فهمى تواطأ مع أخويه وأخته حرم صالح باشا فاصطنعوا السندين بعد وفاة الست سكينة وختموا بختمها على الورقتين، ثم دسوا بمحضر الجرد تلك الختامة السابقة الذكر لتكون دليلا عليهم. ويستدلون على ذلك بما قدّموه من القرائن والأوراق المقدّمة أمام محكمة أوّل درجة وبما ذكروه أمام محكمة الاستئناف من أن على باشا فهمى قد أجرم فزوّر وحكم عليه بعقوبة التزوير. وبقى على باشا فهمى يستظهر على خصومه باعترافهم ببصمة الختم ويتعرّض للتدليل على ما يؤيد حقه بنفس الخطة التى سلكها أمام محكمة أوّل درجة مناقشا مزاعم خصومه ومفندا حججهم وقرائنهم ومستدلا فى ذلك بأوراقه ومستنداته وبجميع ما جاء بالحكم المستأنف من أسباب. فحكمت محكمة الاستئناف الحكم المطعون فيه.
وقد أعلن هذا الحكم لعلى باشا فهمى فى 15 و20 يونيه سنة 1932 فطعن فيه بطريق النقض فى 12 يوليه سنة 1932 وقدّم طرفا الخصومة مذكراتهم الكتابية ومذكرات الردّ فى المواعيد القانونية وقدّمت النيابة مذكرتها فى 24 نوفمبر سنة 1932.
وبجلسة 22 ديسمبر سنة 1932 المحدّدة لنظر هذا الطعن قرّرت المحكمة تكليف طرفى الخصومة بتقديم مذكرات تكميلية فى موضوع الدفع الفرعى وهل الطلب يعتبر جديدا إذا لم يقدّم لمحكمة الاستئناف بالنص، أو يكفى أن يقدّم ولو ضمن الطلبات لكى لا يكون جديدا، مع الإلمام بالقضاء المختلط فى أمر إنكار التوقيع مع الاعتراف بالختم، وحدّدت للمرافعة جلسة 16 فبراير سنة 1933، وقدّمت المذكرات ثم تداولت القضية عدّة جلسات، ونظرت أخيرا بجلسة 22 مارس سنة 1934 وفيها صمم كل من طرفى الخصومة والنيابة على ما جاء بمذكراته. ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة 12 أبريل سنة 1934 ومنها لجلسة اليوم لعدم إتمام المداولة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف قد اعتبرت ما كان من ورثة المرحوم محمد بك خلوصى من إقرار بأن بصمة الختم الموقع به على الورقتين المؤرّختين فى يوم 25 يناير سنة 1927 و14 مارس سنة 1927 هى بصمة ختم مورّثة مورّثهم الست سكينة هانم خليل ومن ادعاء بأن هذه السيدة لم توقع بختمها هذا عليهما وأن على باشا فهمى وأخته وزوجها صالح باشا حقى هم الذين شاركوا الطاعن فى اصطناع هاتين الورقتين والختم عليهما بختم الست سكينة بعد وفاتها وقبل جبره وإعطائهما تاريخا سابقا على تاريخ هذه الوفاة. اعتبرت محكمة الاستئناف ما كان من ذلك إنكارا للتوقيع بالختم، ثم رتبت عليه أن أوجبت على نفسها قصر مناقشة التحقيق على وقائع الدعوى المرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة التوقيع بالختم مستندة فى ذلك إلى المادة 270 من قانون المرافعات التى تقول إنها لا تجيز سماع شهادة الشهود إلا على واقعة التوقيع لا على المشارطة المتعلقة بها تلك الورقة المقتضى تحقيقها، ولذلك استبعدت من الدعوى ما شاء لها هذا الفهم استبعاده من خطابات وأوراق وإنذارات ودلائل وقرائن قدّمها الطاعن لنفى مزاعم خصومه. استبعدت شهادة عباس بك الرمالى وخطاب صالح باشا حقى له وخطاب محمد بك خلوصى وإنذارات الطاعن التى أنذر بها خصومه أو ردّ بها على إنذارهم، واستبعدت شهادة عباس بك الرمالى لأنها لا علاقة لها بموضوع التوقيع، واستبعدت خطاب صالح باشا حقى وما قيل بخصوص السيدة حرمه لأنهما لم يكونا خصمين وأن ليس للمدّعى أن يستغل هذا الظرف ليستنتج من أقوالهما وأفعالهما ما يمكن أن يكون فى ظاهره بعض الشك أو الغموض، واستبعدت خطاب محمد بك خلوصى لغير علة خاصة، بل استبعدت ما أفاده التحقيق من عدم صحة مزاعم الخصوم وبخاصة ما دل عليه محضر جرد التركة ومحضر جبر الختم وإنذار 6 نوفمبر سنة 1928 الذى ردّ به الطاعن على صالح باشا حقى والأوراق الأخرى من استحالة حصول الطاعن على ختم الست سكينة عقب وفاتها لوجوده بيد صالح باشا حقى على ما أثبتته محكمة أوّل درجة بحكمها المستأنف. ويقول الطاعن إن محكمة الاستئناف قد خالفت فى ذلك القانون وأخطأت فى تطبيقه من النواحى الآتية: (أوّلا) من ناحية اعتبارها أن المدّعى عليهم لم يتجاوزوا حد إنكار التوقيع بالختم على الورقتين السالفتى الذكر وأنهم لذلك غير مكلفين باقامة الدليل على صحة ما زعموه، بل إنه ينبغى ألا يحسب عليهم عدم صحة هذه المزاعم. ووجه الخطأ فى ذلك أن القانون لا يعرف إلا إنكار بصمة الختم ويوجب على من يعترف ببصمة ختمه أو ختم مورّثه ويدّعى أن صاحب الختم لم يختم به بنفسه لعارض يبينه أن يدّعى التزوير بالأوضاع المعروفة قانونا. (ثانيا) من ناحية اعتمادها على المادة 270 من قانون المرافعات فى اطراح بعض ما قدّمه خصوم الدعوى من مزاعم وأقوال ومستندات ودلائل وقرائن، حققتها محكمة أوّل درجة واتسع لها صدرها، برضائهم بغير ما استناد إلى هذه المادة، فكان حقا على محكمة الاستئناف – حتى إذا صح تفسيرها للمادة المذكورة على الوجه الذى فسرتها به – أن لا تطرح شيئا مما اطرحته ما دام الخصوم أنفسهم لم يطلبوا الحكم باطراحه. ويقول الطاعن إن محكمة الاستئناف، بعد أن استبعدت من الدعوى ما قدّرت أنه لا يتعلق مباشرة بفعل التوقيع بالختم وتشككت فى شهادة كانت الطاعن وابنه وقرّرت أن الدليل متى تطرّق إليه الشك سقط، قالت "ومما يزيد كفة الشك رجحانا سكوت المستأنف عليه بعد وفاة الست سكينة، فانه لم يحضر حصر التركة ولم يشر إلى السند الذى بيده بكلمة بل ولم يرفع هذه الدعوى إلا فى 31 مارس سنة 1929 أى بعد مضى سبعة أشهر وبضعة أيام على الوفاة، فهذا السكوت بل الإهمال من جانب المستأنف عليه يناقض ما يقرّره هو من أنه حرص على ربط التعاقد بالكتابة وتراه المحكمة أمرا غير طبيعى". ثم يقول الطاعن إمعانا فى تخطئة الحكم: كيف يرتبط سكوت صاحب العقد – بعد الوفاة – بحادثة التوقيع؟ ثم كيف يعتبر عدم حضور صاحب العقد – عند حضر التركة – مرتبطا بالتوقيع ارتباطا وثيقا؟ وكيف يكون عدم رفع الدعوى إلا بعد الوفاة بسبعة بسبعة شهور مرتبطا بالتوقيع؟ ثم يقول أليس كل ذلك دالا على تخبط المحكمة فيما استبعدته أو استبقته من وقائع الدعوى؟ استبعدت شهادة عباس بك الرمالى وما قدّمه الطاعن من أوراق وشهادات طبية وإنذارات بعلة أنها لا ترتبط بفعل التوقيع بالختم ارتباطا وثيقا، ثم مع ذلك تراها تحسب على الطاعن سكوته عن رفع الدعوى مع أنه لم يسكت، بل بادر بانذار خصومه بحقوقه وبالردّ على ما أجيب عنه بانذارات أخرى. (ثالثا) من ناحية ما ترتب على اعتبار القضية قضية إنكار للتوقيع من الفصل فيها فى الواقع بتزوير الورقة بعد اعتراف الخصوم بصحة بصمة الختم والحكم فيها بطلبات الطاعن مع أنها لو كانت اعتبرت الدعوى دعوى إنكار للختم على ما يعترف به القانون لكانت أنهتها باثبات إقرار الخصوم بصحة بصمة الختم وحكمت فى الدعوى بطلبات المدعى على أن يكون لخصومه لو شاءوا مداعاته بالتزوير، لكن محكمة الاستئناف حكمت فى الدعوى بعدم صحة الورقتين مع ثبوت صحة الختم على الأقل، وفى ذلك خطأ ظاهر.
تلك خلاصة أسباب الطعن.
دفع المدعى عليهم بجدّة السبب الأوّل
من حيث إن المدّعى عليهم دفعوا بجدّة السبب الأوّل وهو الخاص بخطأ الحكم فى اعتبار الدعوى دعوى إنكار للتوقيع على الرغم من إقرار الخصوم بصحة بصمة الختم وما يوجبه القانون عليهم من الادّعاء بالتزوير لإثبات ما ادّعوه من أن الختم قد ختم به بعد وفاة صاحبته – دفعوا بجدّة هذا السبب وقالوا فى شرح هذا الدفع إن الثابت من أوراق الدعوى أن على باشا فهمى تمسك أمام محكمة أوّل درجة بأنه لا يجوز لخصومه إنكار توقيع مورّثة مورّثهم على الورقتين المقدّمتين منه وبأن عليهم أن يطعنوا بالتزوير، ولكن محكمة أوّل درجة رأت عدم الأخذ بهذا الدفاع وحكمت باحالة القضية على التحقيق. وقد قيل الطاعن هذا الحكم فلم يستأنفه بل نفذه، وسمع قاضى التحقيق شهود الإثبات والنفى، وتناقش الطرفان فيما أفاده التحقيق إثباتا ونفيا، ورأت محكمة أوّل درجة أنه قد قام الإثبات على صحة توقيع المورّثة فقضت للطاعن بطلباته، ولما استأنفوا هم الحكم لم يتعرّض الطاعن إلى ما دفع به أمام محكمة أوّل درجة من عدم جواز إنكار التوقيع بل قصر مرافعته على تأييد أدلة الإثبات التى قدّمها لمحكمة أوّل درجة. فينتج من ذلك أن الطاعن قد قبل الحكم الصادر باحالة القضية على التحقيق، وأنه – بعدم تعرّضه لدفاعه الآنف الذكر أمام محكمة الاستئناف وباكتفائه ببحث الأدلة المقدّمة منه ومنهم – قد أصبح لا يجوز له الآن أن يتمسك بدفاعه المشار إليه. ثم قالوا ردّا على ما أبداه الطاعن من أنه لم يكن فى وسعه – وقد قضى الحكم المستأنف بطلباته فى الدعوى – أن يستأنف الحكم التمهيدى الصادر بالتحقيق – قالوا إن هذا القول غير مقبول لأنه كان فى وسعه أن يحتاط فيطلب تأييد الحكم المستأنف للأسباب الواردة به. ثم قالوا إن الأوجه الأخرى التى تمسك بها الطاعن موضوعية، فهى غير مقبولة.
وحيث إن الطاعن قد أجاب على هذا الدفع فقال إنه من القواعد المقرّرة أن خطأ المحكمة فى تطبيق حكم القانون على الوقائع التى عرضت عليها يعتبر وجها مقبولا للطعن فى الحكم بطريق النقض سواء أكان الطاعن قد أدلى بالرأى القانونى الصحيح لمحكمة الموضوع وبينه لها أم كان قد عرض عليها الوقائع فحسب، وعلى ذلك فلا يمكن أن يعتبر سببا جديدا الوجه المبنى على خطأ المحكمة فى تطبيق القانون على الوقائع المطروحة عليها. ثم قال إن وقائع الدعوى الحالية كانت مطروحة على محكمة الاستئناف على مثل ما طرحت به أمام محكمة أوّل درجة، ومحكمة الاستئناف هى التى قرّرت أنه يجب قانونا قصر البحث على الأدلة المقدمة على واقعة التوقيع وحدها دون باقى الوقائع التى قدمها الخصوم لمحكمة أوّل درجة، وتقبلتها هى منهم وحققتها إثباتا ونفيا، فمن حقه بعد وقوع محكمة الاستئناف فى هذا الخطأ فى القانون أن يرفع الأمر فيه لمحكمة النقض، وما كان فى استطاعته أن ينبه محكمة الاستئناف لهذا الخطأ قبل وقوعها فيه. ثم أضاف إلى ذلك قوله إن من المقرّر فقها وقضاء أن وجه الطعن لا يعتبر جديدا إذا كانت محكمة الاستئناف نفسها هى التى تعرّضت له وخالفت فيه القانون.
ومن حيث إن الثابت من حكم محكمة أوّل درجة ومن أوراق إجراءات المرافعات الملحقة به ومن المذكرات التى قدّمها الطاعن لمحكمة الاستئناف أن المدّعى عليهم قد قرّروا أوّلا أنهم يجهلون بصمة ختم مورّثة مورّثهم الست سكينة خليل وينكرون توقيعها بنفسها بختمها على الورقتين المقدّمتين من الطاعن، وأن محكمة أوّل درجة حكمت تمهيديا بتاريخ 10 نوفمبر سنة 1929 باحالة القضية على التحقيق ليثبت المدّعى بكافة الطرق القانونية بما فيها البينة صحة بصمة الختم وتوقيع الست سكينة وللمدّعى عليهم النفى بالطرق عينها، وأن هؤلاء قد أقرّوا أمام قاضى التحقيق بصحة بصمة الختم ولكنهم أكدوا أنها هى لا تختم بنفسها عليهما وإنما ختم بختمها بعد وفاتها فى الفترة التى انقضت بين هذه الوفاة وجبر الختم، وأنه على الرغم من الإقرار بصحة بصمة الختم وتقرير قاضى التحقيق – بعد إجرائه المضاهاة بنفسه – أن هذه البصمة تضاهى بصمة الختم الذى جبر – على الرغم من ذلك قد سير فى تنفيذ ذلك الحكم التمهيدى بتحقيق أمر توقيع الست سكينة بختمها هذا المعترف به.
وحيث إن الثابت من مذكرة المدّعى عليهم لدى محكمة النقض أن الطاعن لم يفته أن يتمسك لدى محكمة أوّل درجة، عند اعتراف خصومه ببصمة الختم، بأن من الواجب عليهم أن يدّعوا هم التزوير لأن يقتصروا على إنكار التوقيع. والثابت من الأوراق أنه لما صدر الحكم فى موضوع الدعوى لمصلحته واستأنفه الخصوم وأخذوا يكررون لدى محكمة الاستئناف ما كانوا يدّعون لدى محكمة أوّل درجة تمسك هو كذلك بكل أوجه الدفع الموضوعية التى قدّمها أمام محكمة أوّل درجة ثم انتهى بأن طلب تأييد الحكم المستأنف، ولم يفته أن يذكر فى ملحق مذكراته لمحكمة الاستئناف ما يفيد أنه إذا كان قبل الحكم التمهيدى الابتدائى الصادر فى 10 نوفمبر سنة 1929 الذى أوجب عليه إثبات التوقيع مع اعتراف خصومه ببصمة الختم فلم يكن ذلك إلا منعا لعنت خصومه الذين تمسكوا بحكم الدوائر المجتمعة (الصادر فى 10 مايو سنة 1929) الذى سار الحكم التمهيدى على القاعدة التى قرّرها، وإلا فالحق أن هذه صورة دعوى تزوير على الخصوم أنفقسهم إقامة الدليل عليها. فالطاعن قد عرض سببه الأوّل السابق الذكر على محكمة الاستئناف فيما عرضه عليها من وجوه دفاعه. ولئن كان قبل الحكم التمهيدى الذى صدر من المحكمة الابتدائية ولم يستأنفه بل نفذه فعلا بتقديم ما رآه من الأدلة على صحة توقيع مورّثة الخصوم بختمها بعد أن اعترفوا ببصمته فالواضح الجلى أنه لم يكن فى قبوله هذا طائعا مختارا بل استكرهه عليه ذلك الخطأ القانونى الذى وقع فيه الحكم التمهيدى المذكور الذى سار على المبدأ الذى قرّرته الدوائر المجتمعة من قبل ببضعة أشهر وهو أن من يعترف ببصمة الختم له أن ينكر التوقيع به وعلى المتمسك بالورقة الإثبات. ومتى كان الأمر كذلك فمما تأباه أصول القانون أن يعتبر هذا كالقبول الاختيارى الصريح الذى يوجب الالتزام أو يسقط الحق والذى شرطه أن يكون صريحا وأن يكون قائما على سبب صحيح للالتزام أو لإسقاط الحق، وهنا لا سبب للالتزام بالدليل على صحة التوقيع ولا للتنازل عن الحق الثابت فى تكليف الخصوم بالدليل على التزوير سوى ذلك المذهب الذى سيأتى بيان خطئه، وإلا فغير مقبول فى مثل ذلك النزاع الخطر أن يتنازل المتمسك بالورقة مما يعطيه له القانون من الحقوق. على أن هذا السبب هو، فوق ما تقدم، سبب قوامه البحت مبدأ قانونى كان قائما فى الخصومة وتعرّضت له محكمة الاستئناف فبحثت بعض نواحيه فسايرت فيه الدوائر المجتمعة على مذهبها الذى سيجئ بيان خطئه فخالفت فيه حكم محكمة أوّل درجة الذى طلب الطاعن الحكم بتأييده لأسبابه.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الدفع بجدّة هذا السبب وقبوله لسبق عرضه على محكمة الاستئناف ولسبق تعرّضها له.
ومن حيث إن القانون المصرى جعل للختم قوّة الإمضاء فى حجية الأوراق فسوّى بينهما فى حكم المواد 189 و192 من قانون العقوبات القديم وفى المواد 179 و229 من قانون العقوبات الحالى فاعتبر مرتكبا لجريمة التزوير من يوقع على محرّر بختم غير ختمه سواء أكان هذا الختم مزوّرا تقليدا لختم صحيح أم كان ختما صحيحا استعمله المزوّر بغير علم صاحبه ورضائه، كما اعتبر خائنا للأمانة كل من اؤتمن على ورقة ممضاة أو مختومة على بياض فكتب فى البياض الذى فوق الختم أو الإمضاء سند دين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات والتمسكات التى يترتب على حصولها ضرر لصاحب الإمضاء أو الختم، فاذا لم تكن الورقة الممضاة أو المختومة على بياض مسلمة للخائن وإنما استحصل عليها بأية طريقة كانت فانه يعدّ مزوّرا ويعاقب بعقوبة التزوير. وكما سوى بينهما فى أحكام قانون العقوبات كذلك سوّى بينهما فى أحكام قانون المرافعات فى المواد 251 وما بعدها لغاية المادة 272 الواردة فى باب تحقيق الخطوط وفى المواد 273 لغاية المادة 291 الواردة فى باب دعوى التزوير فجعل لمن بيده سند غير رسمى أن يكلف من عليه السند بالحضور أمام المحكمة لأجل الاعتراف بأن هذا السند بخطه أو إمضائه أو ختمه، فاذا اعترف بأنه بخطه أو بامضائه أو بختمه صدّقت المحكمة على هذا الاعتراف، وإذا لم يحضر من طلب للاعتراف وحكمت المحكمة فى غيبته يقوم هذا الحكم مقام الاعتراف. أما إذا أنكر الخط أو الإمضاء أو الختم المشتمل ذلك السند عليها تأمر المحكمة بالتحقيق بالمضاهاة ويجوز لها سماع شهادة الشهود فيما يتعلق باثبات حصول الكتابة أو الإمضاء أو الختم على الورقة المقتضى تحقيقها ممن نسبت إليه ثم تحكم المحكمة بصحة الورقة التى صار تحقيقها (المواد 251 لغاية 272 مرافعات).
ومن حيث إن المفهوم من هذه المواد أن الاعتراف المشار إليه فيها هو الاعتراف بذات الإمضاء أو ببصمة الختم، وأن الإنكار هو إنكار ذات الإمضاء أو نفس بصمة الختم كذلك، وأن ما أجيز من سماع البينة على حصول الكتابة أو الإمضاء أو الختم إنما قصد به تحقيق ما إذا كانت الإمضاء أو الختم هو لصاحبه أم لا، وذلك عند عدم وجود أوراق للمضاهاة أو عند عدم الاطمئنان إلى تقرير خبير المضاهاة المعين فى الدعوى. كما يفهم أن المقصود من الحكم الذى يصدر بصحة الورقة التى صار تحقيقها إنما هو الحكم بصحتها محمولا على صحة ثبوت الإمضاء أو الختم لمن نسبت إليه الورقة التى صار تحقيقها بعد إنكارها.
ومن حيث إن المادة 227 من القانون المدنى لم يرد بها حقيقة ذكر لفظ "الختم" معطوفا على "الكتابة أو الإمضاء" بل نصها هو "المحرّرات الغير الرسمية تكون حجة على المتعاقدين بها ما لم يحصل إنكار الكتابة أو الإمضاء" إلا أن هذا قصور فيها علته – على ما تراه هذه المحكمة – هو مجرّد السهو عن تكميل حكمها عند نقله عن القانون المختلط المنقول هو عن القانون الفرنسى. وليست العلة فيه أن الشارع المصرى يرى المغايرة فى الحجية بين الأوراق الممضاة والأوراق المختومة وإلا لما فهم تماما كيف أنه عند إصداره قانونى المرافعات والعقوبات بعد شهرين قد ذكر لفظ "الختم" معطوفا على لفظى الإمضاء والكتابة فى جميع المواد التى وضعها فى الفرع الخاص بتحقيق الخطوط وفى المواد الخاصة بجريمتى التزوير وخيانة الأمانة على ما سلف ذكره، وكيف يهتم هذا الاهتمام بالختم ويسوّى بينه وبين الإمضاء فى تلك الأحكام إن لم يكن للختم فى نظره قوّة الإمضاء تماما وإن لم يكن هذا التشريع تفريعا على هذه القوّة التى يوجبها له وإن لم يضعها فى القانون بالنص الصريح.
ومن حيث إن الشارع إذا كان سها عن ذكر لفظ "الختم" فى المادة 227 من القانون المدنى حتى كان يفيد بالنص الصريح إن مبدأه هو التسوية فى الحجية بين الأوراق المختومة والأوراق الممضاة إلا أنه لم يلبث أن كشف عن مبدئه هذا بالنص الصريح عند وضعه لائحة المحاكم الشرعية فى سنة 1897 فانه تكلم فيها عن حجية الإقرار الكتابى، وقرّر فى المواد 26 و27 و28 تقريرا صريحا أن السند الممضى أو المختوم حجة بما فيه على صاحب الإمضاء أو الختم، وأنه إذا أنكره (أى أنكر موضوعه) فلا يقبل منه الإنكار. أما إذا أنكر كون السند له (أى أنكر خطه أو ختمه) فيقبل إنكاره أو لا يقبل حسبما يظهر من التحقيق. وعند تعديل تلك اللائحة وتكميلها بالقانون رقم 31 سنة 1910 قد قرّر ذلك المبدأ أيضا بالمادة 135 بالنص الآتى "الأوراق غير الرسمية تكون حجة على من يكون موقعا عليها بإمضائه أو ختمه" وعند وضعه اللائحة الشرعية الجديدة بالقانون رقم 78 سنة 1931 قد نقل إليها المادة 135 المذكورة برقمها ونصها. ولا مرية فى أن هذه النصوص التشريعية صريحة فى أن مبدأ الشارع المصرى هو التسوية بين الأوراق المختومة وبين الممضاة، وأن من الخطأ الاعتماد فى كشف مراده على ظاهر نص المادة 227 من القانون المدنى.
ومن حيث إنه يبين مما تقدّم أن القانون المصرى أقام حجية الأوراق على شهادة ذات الإمضاء أو الختم الموقع به عليها. فمتى اعترف الخصم الذى تشهد عليه الورقة بأن الإمضاء أو الختم الموقع به على تلك الورقة هو إمضاؤه أو ختمه أو متى ثبت ذلك، بعد الإنكار، بالدليل الذى يقدّمه المتمسك بالورقة فلا يطلب من هذا المتمسك أى دليل آخر لاعتماد صحة الورقة وإمكان اعتبارها حجة بما فيها على خصمه صاحب الإمضاء أو الختم. ولا يستطيع هذا الخصم التنصل مما تثبته عليه الورقة إلا إذا بين كيف وصل إمضاؤه هذا الصحيح أو ختمه هذا الصحيح إلى الورقة التى عليها التوقيع به وأقام الدليل على صحة ما يدّعيه من ذلك، فان هذه هى منه دعوى تزوير بحتة.
ومن حيث إن محكمة الاستئناف إذ اعتبرت أن ما كان من ورثة المرحوم محمد بك خلوصى من إقرار بأن بصمة الختم الموقع به على الورقتين المؤرّختين فى 25 يناير سنة 1927 و14 مارس سنة 1927 هى بصمة ختم مورّثة مورّثهم الست سكينة هانم خليل ومن زعم بأن هذه السيدة لم توقع بختمها هذا بنفسها وإنما وقع به عليهما بعد وفاتها وفى المدّة التى مضت بين تاريخ هذه الوفاة وتاريخ جبر الختم – إذ اعتبرت ما كان منهم من ذلك إنكارا للتوقيع بهذا الختم، وإذ رتبت على ذلك أن يكون الطاعن هو المكلف قانونا باثبات حصول هذا التوقيع بمعرفة صاحبة الختم، وإذ قضت بناء على ذلك بوجوب قصر البحث فى مناقشة التحقيق على وقائع الدعوى المرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة التوقيع بالختم معتمدة فى ذلك على نص المادة 270 من قانون المرافعات – إن محكمة الاستئناف إذ قضت بذلك وما إليه مما سبق إيراده فى الطعن تكون قد أخطأت فى تفسير القانون وتطبيقه: (أوّلا) لأن القانون لا يعرف إنكار التوقيع بالختم بل لا يعرف إلا إنكار بصمة الختم كما سلف الذكر. (ثانيا) لأن المادة 270 من قانون المرافعات – إذ أجازت للمحكمة سماع شهادة الشهود على حصول الكتابة أو الإمضاء أو الختم على الورقة المقتضى تحقيقها – لا ترمى إلا إلى إثبات الإمضاء أو الختم المنكورة بصمته. وهذا ظاهر من مقارنة مواد الباب بعضها ببعض ومن أن الشارع قد نقل حكم هذه المادة إلى المادة 151 من قانونى المحاكم الشرعية الصادرين فى سنتى 1910 و1931 بالنص الآتى "وإذا لم يتيسر المضاهاة أو لم يكن للمتمسك دليل آخر جاز إثبات الإمضاء أو الختم عند الإنكار بشهادة من عاينوا الخصم فى حالة التوقيع على السند بامضائه أو ختمه" فدل بهذا النص الصريح على أن المادة 270 لا ترمى إلا إلى إثبات الإمضاء المنكور أو الختم المنكورة بصمته لا إلى إثبات التوقيع بعد الاعتراف بالختم.
ومن حيث إنه لذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد قضى فى دعوى الإنكار التى اعترضت موضوع الدعوى الأصلية وفى هذه الدعوى الأصلية معا.
ومن حيث إن دعوى الإنكار العارضة صالحة للفصل فيها بالحكم بصحة الورقتين المؤرّختين فى 25 يناير سنة 1927 و14 مارس سنة 1927 بناء على ما ثبت باقرار المدّعى عليهم من أن بصمة الختم الموقع به عليهما هى بصمة ختم الست سكينة هانم خليل مورّثة مورّثهم المرحوم محمد بك خلوصى.
وحيث إن الدعوى الأصلية غير صالحة للفصل فيها، ولاحتمال أن يسلك المدّعى عليهم فيها مسلك الادّعاء بالتزوير بأوضاعه المعروفة فى قانون المرافعات فيتعين الحكم باعادة القضية لمحكمة الاستئناف لتحكم فى موضوع الدعوى الأصلية من جديد.
أسباب الحكم الصادر من محكمة استئناف مصر الأهلية بدوائرها المجتمعة.
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة فى ذلك قانونا.
ومن حيث إن الدائرة الثالثة المدنية أحالت هذه القضية بقرارها الصادر فى 12 فبراير سنة 1929 على محكمة الاستئناف بدوائرها المجتمعة للفصل فى النقطة القانونية الآتية: هل فى حالة الاعتراف بصحة بصمة الختم الموقع به على ورقة عرفية يجوز الطعن على هذه الورقة بطريق الإنكار وجعل عبء إثبات صحة الورقة المذكورة على المتمسك بها، أى إثبات أن التوقيع حصل بمعرفة نفس صاحب الختم أو بعلمه، أم يجب اتخاذ طريق الطعن بالتزوير كما هو المتبع فى الخط والإمضاء.
ومن حيث إن الشارع المصرى أقرّ التوقيع بالختم على المحرّرات العرفية، فنصت المادة مدنى على أن التاريخ يكون ثابتا إذا كان فى المحرّرات خط أو إمضاء أو ختم ثابت لإنسان توفى. ونصت المادة مرافعات على أنه يجوز لمن بيده سند غير رسمى أن يكلف من عليه ذلك السند بالحضور أمام المحكمة ولو لم يحل ميعاده لأجل اعترافه بأن هذا السند بخطه أو إمضائه أو ختمه. وحيث إن القانون افترض حالة ما إذا أنكر الخصم الخط أو الإمضاء أو الختم فنص فى المادة مرافعات وما بعدها لغاية المادة على الإجراءات الموصلة لإثبات الخط أو الإمضاء أو الختم، وجعل عبء هذا الإثبات على المتمسك بالورقة.
ومن حيث إنه لم يرد فى قانون المرافعات ولا فى القانون المدنى ما يشير إلى حالة الاعتراف بالختم مع إنكار التوقيع به. ولذلك اختلفت المحاكم فى معرفة من الذى يكلف بالإثبات فى هذه الحالة. فبعضها يرى أن الإقرار ببصمة الختم يعتبر قرينة على حصول التوقيع به ويجب على المنكر إثبات أنه لم يكن هو الموقع. ومن هذا البعض من يعتبر أن تلك القرينة هى من القرائن الجائز للمنكر إثبات عكسها بكافة طرق الإثبات دون أن يكون ملزما بالادّعاء بالتزوير. ومنهم من يعتبرها قرينة قاطعة وأن لا سبيل لمنكر التوقيع إلا الادّعاء بالتزوير بطريقه الخاص لإثبات أنه لم يوقع. وبعض المحاكم لا يرى فى الإقرار بالختم أى قرينة تخل بمبادئ الإثبات القانونية، ولذلك جعل عبء إثبات التوقيع على المتمسك بالورقة.
ومن حيث إنه لأجل الفصل فى هذه النقطة القانونية يجب الرجوع إلى قواعد الإثبات المبينة فى القانون المدنى.
ومن حيث إن المادة مدنى وضعت قاعدة عامة لبيان طريقة إثبات الديون والتخلص منها، وهى أنه يجب على الدائن إثبات دينه وعلى المدين إثبات براءته من الدين. وقد نصت المادة على أن المحرّرات الغير رسمية تكون حجة على المتعاقدين بها ما لم يحصل إنكار الكتابة أو الإمضاء. ومعنى ذلك أن الدليل القانونى الكامل المستفاد من الكتابة أو الإمضاء الموقع بها على المحرّرات العرفية لا يتحصل إلا إذا اعترف الخصم بأنه هو نفسه الكاتب أو هو نفسه الممضى، فان أنكر أنه الكاتب أو أنه الممضى فلا تكون الورقة حجة عليه، ويجب على من يتمسك بها إثبات كتابته أو إمضائه بالطريق القانونى.
ومن حيث إن المادة المذكورة لم تتعرّض لحكم الختم ولكن البداهة العقلية تقضى بأن الدليل القانونى الكامل المستفاد منه لا يتحقق إلا بالاعتراف ببصمته وبالتوقيع به معا. وإنه إذا كان الاعتراف بالتوقيع يستلزم حتما الاعتراف بالبصمة فان العكس غير صحيح أى أن الاعتراف بالبصمة لا يستلزم الاعتراف بالتوقيع، وذلك لانفصال الختم عن صاحبه وإمكان غيره التوقيع به فى غفلة منه. ولذلك فلا مانع قانونا يمنع من الاعتراف ببصمة الختم مع إنكار التوقيع به.
ومن حيث إن مقتضى ذلك أن إنكار التوقيع بالختم المعترف ببصمته يجعل الدليل القانونى المستفاد من الورقة ناقصا نقصا يكاد يكون مطلقا. وبما أن المتمسك بالورقة هو المكلف بتقديم الدليل كاملا على دعواه فعليه هو إثبات توقيع خصمه بالختم عند إنكاره كى ما يتم له الاستدلال.
ومن حيث إن القول بأن الإقرار ببصمة الختم دون التوقيع به يعتبر قرينة على هذا التوقيع من شأنها إلزام المنكر باثبات عدم توقيعه أو بالادّعاء بالتزوير هو قول فيه، كما أشرنا، مخالفة صريحة للقاعدة الأوّلية المنصوص عليها بالمادة مدنى وهى جعل عبء الإثبات على المدّعى.
ومن حيث إنه يتحصل مما تقدّم أن من يعترف بالختم دون التوقيع به لا يمكن اعتباره معترفا بالتوقيع، ولذلك يكون عبء إثبات هذا التوقيع على المتمسك بالورقة دون غيره طبقا للمادة ولمفهوم المادة مدنى المتقدّم ذكرهما، وله أن يتخذ لهذا الإثبات كافة الطرق القانونية.
ومن حيث إنه مما يجب التنويه به أن يلزم أن يكون إنكار التوقيع جدّيا لا يكذبه الظاهر من وقائع الدعوى بحيث لو تراءى للمحكمة من تلك الوقائع وظروفها أن الورقة المتنازع عليها صحيحة وأن الإنكار لم يكن الغرض منه إلا المطل والمكيدة، فلها مطلق السلطة فى الحكم بصحة الورقة دون الإحالة على التحقيق بشرط بيان أسباب ذلك الحكم.
ومن حيث إنه للأسباب المتقدّمة يتعين الحكم بأن الاعتراف بالختم لا يمنع من إنكار التوقيع به وعلى المتمسك بالورقة عبء الإثبات.


[(1)] نقضت المحكمة بهذه القاعدة ما سبق أن قرّرته الدوائر المجتمعة بمحكمة استئناف مصر الأهلية فى حكمها الصادر فى 4 مايو سنة 1929 الذى قرّرت فيه أن الاعتراف بالختم لا يمنع من إنكار التوقيع به وعلى المتمسك بالورقة عبء الإثبات. وقد رأينا إتماما للفائدة نشره أيضا هنا.
[(2)] إن الشارع المصرى قد نقل حكم هذه المادة إلى المادة 151 من قانونى المحاكم الشرعية الصادرين فى سنة 1910 وسنة 1931 بالنص الآتى: "وإذا لم تتيسر المضاهاة أو لم يكن للتمسك دليل آخر جاز إثبات الإمضاء أو الختم عند الإنكار بشهادة من عاينوا الخصم فى حالة التوقيع على السند بامضائه أو ختمه". وهذا متمش مع حكم محكمة النقض.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات