الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 66 سنة 3 ق – جلسة 08 /03 /1934 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 329

جلسة 8 مارس سنة 1934

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.


القضية رقم 66 سنة 3 القضائية

تعهد. الرضاء الصحيح. المقصود منه. (المادة 128 مدنى)
إن المقصود بالرضاء الصحيح الوارد بالمادة 128 من القانون المدنى هو كون المتصرف "مميزا يعقل معنى التصرف ويقصده". والغرض من كونه "مميزا يعقل معنى التصرف" أن يكون مدركا ماهية العقد والتزاماته فيه. أما كونه "يقصده" فالغرض منه بيان أن لا بد من إرادة حقة منه لقيام هذا الالتزام.
فالإرادة إذن ركن من الأركان الأساسية لأى تصرف قانونى، وبدونها لا يصح التصرف.


الوقائع

وقائع الدعوى حسب البيان الوارد فى الحكم المطعون فيه وما هو واضح من المذكرات والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة تتلخص فيما يأتى:
رفعت الست فاطمة هانم المتينى كريمة اللواء أحمد باشا حلمى هذه الدعوى أمام محكمة مصر الابتدائية بمقتضى عريضة مؤرّخة فى 20 يوليه سنة 1933 قيدت برقم 1 سنة 1932 كلى قالت فيها إنها تداين زوجها المرحوم على أفندى مصطفى بمبلغ 500 جنيه بموجب سند تاريخه العرفى أوّل يناير سنة 1930 وثابت التاريخ فى 13 ديسمبر سنة 1931. وقد توفى زوجها المذكور عنها وعن أولاده القصر من غيرها وهم عديلة الشهيرة بعلية وخيرية الشهيرة بالهام ومصطفى وسعد المشمولين بوصاية عبد المجيد أفندى عزت. وإنها طالبت هذا الأخير بحصة هؤلاء القصر فى الدين وقدرها 437 جنيها و500 مليم بعد استنزال مبلغ 62 جنيها و500 مليم قيمة حصتها فى أصل الدين بواقع الثمن فلم يذعن. لذا طلبت الحكم عليه بصفته أن يدفع لها من تركة مورّث القصر المبلغ المذكور والمصاريف مع النفاذ.
دفع عبد المجيد أفندى عزت هذه الدعوى بأن سند أوّل يناير سنة 1930 قد حرّر إبان مرض الموت لأن المورّث كان مريضا وشرع فى الانتحار فى 16 سبتمبر سنة 1930 بأن تجرّع كمية من حمض الفنيك وأسعف بالعلاج اللازم قبل فوات الوقت وكان ذلك من شدّة وطأة المرض عليه، ثم أعاد الكرة فى 2 يناير سنة 1931 بأن أشعل النار فى ملابسه وتوفى على الأثر. وطلب من باب أصلى رفض الدعوى، ومن باب الاحتياط الإحالة على التحقيق لإثبات هذه الوقائع، ومن باب الاحتياط الكلى الإحالة على التحقيق أيضا لإثبات صورية الإقرار بالدين لأن الست فاطمة هانم وقت زواجها لم تكن تملك مالا تقرضه.
قضت محكمة أوّل درجة بتاريخ 23 أبريل سنة 1932 بطلبات الست فاطمة هانم مرتكنة فى ذلك على أن لا علاقة مطلقا بين حادثتى الانتحار وتحرير السند المكتوب كله بخط المتوفى وقبل انتحاره بسنة حسب تاريخه العرفى.
استأنف عبد المجيد أفندى عزت هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر بالاستئناف رقم 790 سنة 49 قضائية. ومحكمة الاستئناف بعد أن قضت تمهيديا بتاريخ 5 مارس سنة 1933 بندب الدكتور الأستاذ يوسف براده خبيرا لأخذ رأيه فى تأثير حالة المرحوم على أفندى مصطفى المرضية التى شاهدها وقت أن كان يعالجه على قواه العقلية وبنوع خاص على إرادته فى التاريخ الثابت لتوقيعه على السند موضوع الدعوى، وبعد أن سمعت أقوال الأستاذ المذكور بجلسة 19 مارس سنة 1933، وبعد أن ناقش الخصوم أقواله وقدّم كل منهم مستنداته ومذكراته حكمت بتاريخ 31 مايو سنة 1933 بالغاء الحكم المستأنف وبرفض دعوى الست فاطمة هانم المتينى وإلزامها بالمصاريف عن الدرجتين وبمبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الست فاطمة هانم حلمى المتينى فى 9 يوليه سنة 1933 فطعنت فيه بطريق النقض والإبرام فى 24 يوليه سنة 1933 وأعلن تقرير الطعن للخصم بتاريخ أوّل أغسطس سنة 1933 وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى المواعيد وقدّمت النيابة مذكرتها فى 21 يناير سنة 1934.
وبجلسة يوم الخميس 22 فبراير سنة 1934 المحدّدة لنظر هذه القضية صمم كل من الحاضرين عن طرفى الخصومة على طلباته وأصرت النيابة على مذكرتها ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن بنى على سببين: (الأوّل) أن شرط الرضاء الصحيح الذى يتطلبه القانون لصحة العقود أن يكون العاقد مميزا لعقده ومدركا له، وهذا الشرط غير مفقود فى الدعوى. لذا تكون محكمة الاستئناف قد أخطأت فى تطبيق هذه القاعدة القانونية ويتعين نقض حكمها. (الثانى) أن محكمة الاستئناف ذكرت فى حكمها المطعون فيه أن المرحوم على أفندى مصطفى كان مسلوب الإرادة ولم تذكر الواقعة التى خرجت منها بهذه النتيجة فيكون حكمها غير مسبب ويتعين نقضه.
وحيث إنه بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه تبين أن المحكمة، بعد أن استعرضت العناصر الواقعية فى الدعوى وأشارت إلى حكمها التمهيدى الصادر فى 5 مارس سنة 1933 الذى استظهرت فيه جميع تلك العناصر بالتفصيل، أبرزت من جهةٍ ما جاء بأقوال الدكتور برادة مما خلاصته أنه عاد المرحوم على أفندى مصطفى فى 5 أكتوبر سنة 1930 وتردّد عليه أكثر من مرة لعيادته وكانت حالته المرضية مؤثرة فى قواه العقلية وأن هذا التأثير استمرّ معه إلى 13 ديسمبر سنة 1930 وإلى ما بعد هذا التاريخ إلى أن انتحر، وبينت من جهة أخرى استحالة حصول توقيع سند الدين فى التاريخ العرفى الذى وضع عليه وذكرت الأسباب التى من أجلها ترى التعويل على التاريخ الثابت للسند بأن قالت ما نصه:
وحيث إنه وإن كان التاريخ الذى وضع لسند الدين وللوصية هو أوّل يناير سنة 1930 إلا أن الذى يظهر لهذه المحكمة أن كل هذه الأوراق لم تصدر إلا فى 13 ديسمبر سنة 1930 للملاحظة التى أبداها الخبير الأستاذ الدكتور برادة ولأنه جاء بالوصية أن محرّرها مدرّس بالمدرسة الخديوية مع أنه فى أوّل يناير سنة 1930 كان لا يزال مدرّسا بمدرسة دار العلوم ولم ينقل إلى المدرسة الخديوية إلا فى 6 سبتمبر سنة 1930.
وخرجت من ذلك بأن تحرير هذا السند حصل فى الوقت الذى كان فيه المرحوم على أفندى مصطفى مريضا بقواه العقلية. ثم فندت أقوال وطلبات الست فاطمة هانم فقالت:
وحيث إن الدفاع عن المستأنف عليها طلب الإحالة على التحقيق لسؤال أطباء آخرين وزملاء على أفندى مصطفى رفعت عن حالته، ولا ترى هذه المحكمة إجابة هذا الطلب اكتفاء بما أبداه الأستاذ برادة وهو الطبيب الذى عالجه وشاهد حالته مرارا وهو الإخصائى فى المادة. أما تمسك الدفاع بدقة البيانات الصادرة فى سند المديونية وورقة الوصية والقول بمباشرة أعماله إلى ما قبل الانتحار مباشرة فانه يفسره ما قرّره الأستاذ برادة من أن هذا المرض الخاص لا يفقد المصاب به قوّة الذاكرة وإن أفقده قوّة الإرادة، وإن مثل هذه الدقائق من الأمور لا تعوّل المحكمة فيها إلا على رأى رجل الفن الأخصائى وترفض طلب الإحالة على التحقيق اكتفاء بتكوين عقيدتها من عناصر الدعوى ومستنداتها.
وأخيرا استخلصت من جميع ما تقدّم أن السند الذى تتمسك به الست فاطمة هانم صدر من المرحوم على أفندى مصطفى وهو فى حالة عقلية تجعله مسلوب الإرادة فيكون تعاقده غير مبنى على رضاء صحيح ولا يلزم بوفاء ما تعهد به فى هذا السند.
وحيث إن الظاهر من هذا السياق أن محكمة الاستئناف – بعد أن حصلت فهم الواقع من سند الدين وورقة الوصية وتقرير الخبير – رأت أن تكيف هذا الفهم وفقا لما جاء فى تقرير الخبير: (أوّلا) من حيث توقيع سند الدين وأن توقيعه هو فى 13 ديسمبر سنة 1930 تاريخه الثابت لا فى أوّل يناير سنة 1930 تاريخه العرفى. (وثانيا) من حيث وجود المرحوم على أفندى مصطفى فى هذا التاريخ فى حالة عقلية تجعله مسلوب الإرادة – رأت ذلك ثم قضت بالنتيجة الحتمية لهذا التكييف، ولذا قالت فى حكمها ما نصه:
فتعاقده (أى على أفندى مصطفى) غير مبنى على رضاء صحيح فلا يلزم بوفاء ما تعهد به فى هذا السند ويكون الحكم المستأنف على غير أساس ويتعين إلغاؤه.
وحيث إن الطاعنة تعيب على محكمة الاستئناف أنها أخطأت فى تحديد الرضاء الصحيح الذى يتطلبه القانون لصحة العقود وتزعم أن أركان هذا الرضاء، وهى أن يكون العاقد مميزا لعقده ومدركا له، غير مفقودة فى الدعوى.
وحيث إن المقصود بالرضاء الصحيح هو كون المتصرف مميزا بعقل معنى التصرف ويقصده والغرض من كونه مميزا بعقل معنى التصرف أن يكون الملتزم مدركا ماهية العقد والتزاماته. أما كونه يقصده فالغرض من ذلك الإفصاح عن إرادة حقه منه لقيام هذا الالتزام.
وحيث إن الطاعنة غفلت عن عنصر الإرادة الحقة. وإذ كانت الإرادة ركنا من الأركان الأساسية لأى تصرف قانونى وبدونها لا يصح التصرف فتكون محكمة الاستئناف قد أصابت فى القول بضرورة توافرها فى سند الدين وباعتبار هذا السند غير ملزم لانعدامها فيه.
وحيث إن الطاعنة قد ناقشت فى طعنها ظروف الدعوى وأقوال الخبير التى استخلصت منها محكمة الاستئناف انعدام هذه الإرادة، وذهبت فى طعنها إلى القول بأن المحكمة روت عن الخبير أقوالا لم ترد على لسانه.
وحيث إن جميع ما جاء بحكم المحكمة خاصا بأقوال الدكتور برادة لا يخرج عما ذكره هذا الدكتور فى محضر جلسة 19 مارس سنة 1933 المقدّم لهذه المحكمة من الطاعنة نفسها. وأما من جهة مناقشتها لظروف الدعوى وأقوال الخبير فقد جرى قضاء محكمة النقض بصفة عامة ومستمرّة على أن لمحكمة الموضوع السلطة المطلقة فى تقدير العقود المختلف عليها مستعينة فى ذلك بجميع ظروف الدعوى وملابساتها، ولها بهذه السلطة أن تعدل عن المدلول الظاهر لهذه العقود المختلف على قيمتها بشرط أن تبين فى أسباب حكمها لم عدلت عن هذا الظاهر إلى خلافه وكيف استخلصت هذا التقرير الذى اقتنعت به ورجحته بحيث يتضح مما تبينه أنها اعتمدت فى تقديرها على اعتبارات مقبولة يصح عقلا استخلاص هذا التقرير منها.
وحيث إن محكمة الاستئناف إذ قدّرت أن سند الدين لم يحرّر فى تاريخه العرفى الذى وضع له بل فى تاريخه الثابت ارتكانا على ما استخلصته من أقوال الدكتور برادة ومن الظروف التى حصل فيها التوقيع على هذا السند، وإذا قدّرت أن على أفندى مصطفى كان وقت التوقيع فى حالة عقلية تجعله مسلوب الإرادة أخذا بما قرّره الدكتور المذكور – كل ذلك لا مخالفة فيه للقانون، لأن جميع المصادر التى اعتمدت عليها تلك المحكمة فى حكمها المطعون فيه هى من الاعتبارات المقبولة ومما يصح عقلا أن تنتج النتيجة التى وصلت المحكمة إليها.
وحيث إن القول بأن المحكمة لم تذكر الواقعة التى تثبت استعمال الطاعنة الطرق التى سلبت بها إرادة زوجها عند ما حرر لها سند الدين، وأن الحكم المطعون فيه يعتبر فى هذه الحالة غير مسبب قول فى غير محله، لأن قوام الحكم هو انعدام الإرادة أصالة عند الزوج وقت تحرير سند الدين بسبب المرض الذى كان مصابا به. وإذ قرّرت المحكمة ذلك فلم يكن من المهم أن تبين ما إذا كانت الزوجة هى التى أثرت على إرادته أو أن هناك مؤثرا آخر معينا من غير عمل الزوجة – لم يكن شئ من ذلك مهما فى نظرها كما لا يهم ذلك فى نظر محكمة النقض ما دامت محكمة الموضوع المذكورة قرّرت ما يفيد أن المرض فى ذاته من شأنه سلب الإرادة أى صيرورتها منعدمة أصالة انعداما ذاتيا بلا مؤثر خارجى غير المرض نفسه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات