الطعن رقم 55 سنة 3 ق – جلسة 25 /01 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 308
جلسة 25 يناير سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 55 سنة 3 القضائية
نقض وإبرام. حكم. صحيح فى منطوقه واف فى أسبابه. ورود أخطاء مادية
به. لا يطعن عليه.
متى كانت المحكمة قد حدّدت موضوع النزاع وأصابت فى وزن الحجج التى تقدّمت لها فى الدعوى
وخرجت من ذلك بحكم سديد فى منطوقه كاف فى أسبابه لا لبس فيه ولا غموض، فليس يطعن على
هذا الحكم أن يكون قد أخطأ فى ذكر عدد الشهود أو فى ذكر علاقة أحدهم بأحد طرفى الخصومة
أو أخطأ فى ذكر أن أحد الخصوم حالف اليمين فى دعوى أمام المحكمة الشرعية وهو لم يحلفها،
إلى غير ذلك مما لا يتصل بجوهر النزاع ولا يؤثر فى سلامة الحكم فيما قضى به.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – على ما ورد فى الحكم المطعون فيه والأوراق
والمستندات المودعة فى ملف الطعن – فى أنه بتاريخ 10 و19 يوليه سنة 1928 رفعت الست
زهرة هانم رفعت عن نفسها وبصفتها وصية على ابنتها القاصرة قدرية بنت السيد باشا أبو
على دعوى أمام محكمة المنصورة الأهلية ضدّ الست أسما هانم كساب بصفتها وصية على ابنها
القاصر محمد يحيى ابن المرحوم السيد باشا أبو على وأحمد أفندى كامل بن السيد باشا أبو
على قيدت بجدولها العمومى تحت رقم 248 سنة 1928 قالت فيها إن السيدة أسما كساب استصدرت
عقدا من زوجها المرحوم السيد باشا أبو على ببيع 65 فدانا و6 قراريط و4 أسهم كائنة بناحية
برقين مركز السنبلاوين لابنها محمد يحيى المشمول بوصايتها بتاريخ 21 أبريل سنة 1924
وأن أحمد أفندى كامل استصدر فى التاريخ المذكور من المرحوم والده السيد باشا أبو على
عقدا ببيع 35 فدانا بناحية برقين. وقد توفى السيد باشا أبو على مورّث الطرفين فى 19
أكتوبر سنة 1924 بعد التوقيع على العقدين بخمسة شهور وعقب مرضٍ ابتدأ قبل تاريخ العقدين
واستمرّ حتى الوفاة، فيكون العقدان حصلا فى مرض الموت وباطلين، ويبقى المبيع فى العقدين
تركة للمتوفى يخص الست زهرة فيها باعتبارها إحدى زوجتيه نصف الثمن أى قيراط ونصف قيراط
يعادل 6 أفدنة و12 قيراطا و6 أسهم ونصيب البنت قدرية 21.91 سهما يعادل 3 أفدنة و23
قيراطا و4 و4/5 أسهم وطلبت الحكم: (أوّلا) بابطال العقدين الصادرين للمدّعى عليهما
من السيد باشا أبو على فى 21 أبريل سنة 1924 لصدورهما فى مرض موته. (ثانيا) بتثبيت
ملكيتها بصفتيها إلى 10 أفدنة و11 قيراطا و10و4/5 أسهم شائعة فى 104 فدادين و6 قراريط
و4 أسهم الكائنة بناحية برقين مركز السنبلاوين. (ثالثا) بتسليمها الأطيان المذكورة
مع إلزام المدّعى عليهما بأن يدفعا لها ريع تلك الأطيان بواقع عشرة جنيهات للفدان الواحد
سنويا من أكتوبر سنة 1924 لحين التسليم مع إلزامهما بالمصاريف وأتعاب المحاماة بحكم
مشمول بالنفاذ المعجل بلا كفالة. ثم تحوّلت القضية على محكمة مصر الأهلية وقيدت بجدولها
العمومى تحت رقم 176 سنة 1929 كلى. قضى فى 11 نوفمبر سنة 1929 باحالة الدعوى على التحقيق
لإثبات ونفى حصول العقدين فى مرض موت المورّث. وبعد سماع أقوال الشهود قضى فى 26 يناير
سنة 1931 بندب الطبيب الشرعى خبيرا لأداء ما كلفته المحكمة به فقام بمأموريته وقدّم
تقريره. وبعد المناقشة فيه حكمت المحكمة الابتدائية المذكورة حضوريا بتاريخ 2 نوفمبر
سنة 1931: (أوّلا) بابطال العقدين. (ثانيا) بتثبيت ملكية المدّعية "الطاعنة" إلى 10
أفدنة و11 قيراط و10 و4/5 أسهم شائعة فى الأطيان المبينة فى العقدين الصادرين للمدّعى
عليهما وتسليمها إليها. (ثالثا) وقبل الفصل فى موضوع الريع بندب خبير، وأبقت الفصل
فى المصاريف.
فاستأنفته السيدة أسما هانم كساب بصفتها فى 10 و13 يناير سنة 1932 طالبة قبول الاستئناف
شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف والحكم برفض دعوى الست زهرة مع إلزامها بالمصاريف
والأتعاب عن الدرجتين. حكم فى 7 مايو سنة 1933 حضوريا بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع
بالغاء الحكم المستأنف وبرفض دعوى الست زهرة قبل المستأنفة "الست أسما" وإلزامها بمصاريف
الدرجتين و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة.
أعلن الحكم للست زهرة فى 29 مايو سنة 1933 فطعنت فيه بطريق النقض فى 21 يونيه سنة 1933
وأعلن الطعن وقدّمت المذكرات والمستندات فى الميعاد ثم تقدّمت مذكرة النيابة فى 12
ديسمبر سنة 1933.
وبجلسة 28 ديسمبر سنة 1933 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت أقوال وطلبات كل من طرفى الخصومة
والنيابة كما هو مدوّن بمحضر الجلسة. ثم أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
بما أن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وبما أن محصل الوجه الأوّل والثانى والثالث من أوجه الطعن أن الحكم المطعون فيه باطل
لبنائه على أسباب غير صحيحة وغير مطابقة للواقع، لأنه بنى على أن المحكمة الشرعية قضت
للطاعنة بالوراثة بناء على يمينها مع أنها لم تكلف بحلف يمين ولم تحلف، والواقع الثابت
فى الحكم الشرعى أن أساسه عجز المدّعى عليها فيه عن إثبات حصول الطلاق فى حال الصحة
ثم عدم طلبها اليمين من المدّعية؛ ولأن محكمة الاستئناف عند تعرّضها لشهادة الشهود
قالت إن شهود الطاعنة أربعة مع أنهم خمسة فأسقطت أقوال أهم شاهد لها؛ ولأنها أيضا عند
تجريح أوّل شاهد من شهود الطاعنة قالت إنه أخوها مع أن ذلك غير صحيح، لأن وكيلها نفى
أن الشاهد شقيقها فلم يعارضه وكيل خصمها مكتفيا بالقول بأن له مصلحة فى الدعوى.
وبما أنه بمراجعة الحكم المطعون فيه تبين أنه قرّر انحصار النزاع بين الخصوم فى نقطة
واحدة هى حالة المورّث السيد باشا أبو على وقت توقيعه على عقد البيع الرقيم 21 أبريل
سنة 1924 الصادر منه إلى ابنه القاصر محمد يحيى، وصرح بأن محكمة أوّل درجة أخذت بتقرير
الطبيب الشرعى فى هذه النقطة وقضت بصدور العقد فى مرض الموت وحكمت بابطاله، ثم استعرض
أقوال الطبيب الشرعى فى تعريف مرض الموت حتى وصل إلى أنه جعل معوّله الوحيد فى معرفة
مبدأ المرض على أقوال الشهود التى تبين له منها أن مبدأ المرض المعتبر مرض الموت هو
أوّل أبريل سنة 1924.
وبما أن محكمة الاستئناف قرّرت بأن الأصل فى الإنسان أن يعتبر فى حالة الصحة، أما حالة
المرض فهى طارئة ويجب أن يقدّم الدليل المقنع الذى ترتاح إليه المحكمة للجزم بابتداء
حالة المرض. ثم قرّرت وجوب صرف النظر عن شهادة الشهود الذين سمعتهم المحكمة الشرعية
عند النظر فى دعوى الطلاق الواقع من المورّث على الست زهرة فى 31 مايو سنة 1924 لأن
المحكمة الشرعية لم تبن حكمها على هذه الشهادة وإنما بنته على أساس النظرية الشرعية
التى تقضى بأنه فى مثل هذه الحالة تصدّق الزوجة بيمينها، فأقوال الشهود لم تكن محل
تقدير المحكمة الشرعية عند حكمها، واعتبرت الحكم الشرعى حجة على أن السيد باشا أبو
على طلق زوجته فى 31 مايو سنة 1924 وهو مريض مرض الموت وأنه لا حجية له فى غير ذلك.
ولقد جاء فى الحكم أن الزوجة حلفت اليمين، وهذا خطأ لا تأثير له فى التدليل على وجوب
استبعاد أقوال شهود المحكمة الشرعية ولا فى أن الحكم لا تأثير له بالنسبة لنقطة النزاع.
وثابت من الحكم الشرعى أن الست زهرة ادّعت أن زوجها طلقها فى 31 مايو سنة 1924 وهو
مريض مرض الموت، فكلفت المحكمة المدّعى عليها باثبات أن الطلاق حصل فى حال الصحة، فأحضرت
شهودا رأت المحكمة أنهم لم يثبتوا دفعها، فتقرّر تصديق المدّعية بيمينها، وأجلت القضية
فلم تحضر المدّعى عليها لتوجيه اليمين فقضى للمدّعية بطلباتها بلا يمين لأنها لم تطلب.
فالواقع أن الحكم لم يؤسس على أقوال شهود، فالخطأ الذى ورد فى الحكم المطعون فيه بخصوص
حلف المدّعية اليمين لا تأثير له فى الاستدلال.
وبما أنه واضح أيضا من الحكم المطعون فيه أن المحكمة، بعد أن عدّت للطاعنة أربعة شهود
وناقشت شهادتهم، بحثت أقوال الدكتور دلاور سليمان شاهدها الخامس وارتكنت عليه فى تضعيف
باقى أقوال الشهود الأول، ثم أردفت ذلك بقولها إنه بعد ذلك لا محل لمناقشة شهود المستأنفة
"الست أسما كساب" ما دام شهود المدّعية لم تثبت دعواها، فاحتسب الحكم الدكتور دلاور
من شهود المدّعية.
وبما أن الحكم المطعون فيه تشكك فى أقوال إسماعيل أفندى حسن لأنه قرّر بأن السيد باشا
أبو على كان مريضا قبل توقيعه على عقد 21 أبريل سنة 1924 بأسبوعين مع أنه لم يزره قبل
ذلك ولم يبين للمحكمة طريق علمه بمرضه مدّة الأسبوعين المذكورين، ولأن أقوال الدكتور
دلاور تنفى اشتداد المرض عليه فى أبريل سنة 1924، ولأنه أيضا أخو الطاعنة؛ فاذا فرض
ولم يثبت أنه أخ للطاعنة، فالسببان الآخران لعدم الاطمئنان إلى شهادته باقيان وكافيان
لعدم التعويل عليها.
وبما أنه مما تقدّم تكون أوجه الطعن الثلاثة الأول فى غير محلها لأن بعضها غير صحيح
والباقى لا تأثير له على صدق الاستنتاج وصحته.
وبما أن الوجه الرابع يتحصل فى أن الحكم المطعون فيه بنى على أسباب غير كافية فهو باطل
بطلانا جوهريا لأنه مبنى على مناقشة شهادة الشهود وعرضها بطريقة مجملة ثم القول بأن
المدّعية "الطاعنة" لم تثبت دعواها، بل كان الواجب الردّ على الأدلة الجوهرية التى
اعتمدت عليها المدّعية وأهمها: (أوّلا) أن الترابط فى العلة والتقارب فى الزمن بين
طلاق المورّث للمدّعية وتصرفه فى معظم أطيانه وأجودها لابن المدّعى عليها يدل على أن
كلا التصرفين صدر عن فكرة واحدة وهى انتهاز المدّعى عليها مرض موت المورّث لحمله على
طلاق المدّعية وحرمانها وحرمان ابنتها من ميراثه وتمييز المدّعى عليها وابنها، وهذا
ظاهر من كون البيع حصل فى 21 أبريل سنة 1924 والطلاق فى 31 مايو سنة 1924 والوفاة فى
19 أكتوبر سنة 1924. (ثانيا) أن إبطال المحكمة الشرعية للطلاق باعتباره صادرا فى مرض
الموت قرينة كبرى على بطلان البيع لصدوره فى مرض الموت أيضا. ولا يعتبر هذا الفرق البسيط
فى تاريخ الوثيقتين أمرا ذا بال فى حالة مريض ثبت أنه توفى عن مائة عام وكان مصابا
قبل وفاته بالربو وضيق النفس واستمرّ ذلك إلى قرب الوفاة حيث جدّ عليه الإسهال الشيخوخى.
(ثالثا) أن المورّث كان حين توقيعه على العقد المطعون فيه فى حالة من المرض والضعف
بحيث لم يقو على الانتقال إلى المحكمة للتوقيع أمام الكاتب المختص فاضطرّت المدعى عليها
وذووها إلى نقل الكاتب إلى الدار التى كان يعالج بها بحلوان وحصل التوقيع بالمنزل المذكور
وكان مرضه ظاهرا للعيان بدليل مادى ذكرته المدّعية فى دفاعها وهو أنه وقع فى هذا اليوم
على العقدين فارتعشت يده وهو يوقع على عقد أحمد أفندى كامل وظهر أثر ذلك فى الإمضاء
فلم يقدّمه أحمد كامل صاحب المصلحة فيه فى كل أدوار الدعوى؛ فكل هذه الأدلة المثبتة
لمرض الموت لم يردّ عليها الحكم المطعون فيه.
وبما أن هذا الوجه مرفوض أيضا لأنه بمراجعة الحكم المطعون فيه تبين أنه حدّد نقطة النزاع،
ثم ناقش الأدلة دليلا دليلا فأخرج شهود المحكمة الشرعية من دائرة بحثه لأن الحكم الشرعى
لم يؤسس على أقوال الشهود، ثم حصر بحق حجية الحكم الشرعى فى أنه يثبت أن السيد باشا
أبو على طلق زوجته زهرة فى 31 مايو سنة 1924 وهو فى مرض الموت وأنه لا يمكن الاعتماد
عليه لإثبات أن المورّث كان أيضا مريضا مرض الموت فى 21 أبريل سنة 1924، ثم ناقش أقوال
الطبيب الشرعى وبيّن أن الطبيب اعتمد فى جعله مبدأ مرض الموت هو أوّل أبريل سنة 1924
على أقوال الشهود دون سواها، ثم ناقش أقوال الشهود شاهدا شاهدا مبينا أن بعضها غير
منتج بالنسبة لنقطة النزاع وأن البعض الآخر لا ترتاح المحكمة للأخذ به لأسباب معقولة.
ثم استخلص من أقوال الدكتور دلاور ومن عدم استدعائه لعيادة السيد باشا أبو على فى أوائل
أبريل سنة 1924، مع أنه طبيبه المعالج ومعه فى حلوان، أن أقوال الشهود غير صحيحة وأن
انتكاس حالة السيد باشا أبو على الصحية لم يحصل فى أبريل سنة 1924 بل حصل فى أوائل
مايو سنة 1924 تاريخ استدعاء الدكتور دلاور لعيادته.
وبما أن هذه الأسباب التى بنى عليها الحكم المطعون فيه كافية ومنتجة لما حكمت به المحكمة
وتتضمن الردّ على معظم حجج الطاعنة، فاذا لم تردّ المحكمة على الباقى من حجج للطاعنة،
لأنها غير ملزمة بالردّ على كل دليل، فان ذلك لا يبطل الحكم ولا يجعله محلا للنقض ما
دام حكمها مبنيا على أسباب واضحة مفصلة كافية لاقتناعها وإقناع المطلع عليه بما حكمت
به.
