الطعن رقم 61 سنة 3 ق – جلسة 11 /01 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 300
جلسة 11 يناير سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 61 سنة 3 القضائية
تعويض عن ضرر. شروطه. ما يخضع منها لرقابة محكمة النقض. (المادة
151 مدنى)
لا تنطبق المادة 151 من القانون المدنى إلا إذا توافرت شروط ثلاثة: الأوّل حصول فعل
أو ترك، والثانى أن ينشأ أو يتسبب عن ذلك الفعل أو الترك ضرر للغير، والثالث أن يكون
ذلك الفعل أو الترك خطأ. وتحقيق حصول الفعل أو الترك أو عدم حصوله هو من الأمور الواقعية التى تدخل فى سلطة قاضى الموضوع ولا معقب لتقديره. أما ارتباط الفعل أو الترك بالضرر
الناشئ ارتباط المسبب بالسبب والمعلول بالعلة، وكذلك وصف ذلك الفعل أو الترك بأنه خطأ
أن غير خطأ، فهما كلاهما من المسائل القانونية التى يخضع فى حلها قاضى الموضوع لرقابة
محكمة النقض.
فاذا قضى حكم على وزارة الداخلية بالتعويض لورثة شخص سقطت عليه مئذنة جامع فقتلته،
مستندا إلى وقوع خطأ من جانب أحد الأقسام فى تنفيذ إشارة مهندس التنظيم المبلغة لهذا
القسم لمنع المرور أمام ذلك الجامع خشية من سقوط مئذنته لوجود خلل بها، إذ القسم لم
يغلق الحوانيت المقابلة للمسجد ولم يمنع المرور من الشارع منعا كليا، وكانت إشارة المهندس
غير مطلوب فيها إغلاق الحوانيت ولا منصوص فيها على منع المرور من الشارع منعا كليا،
وثبت أن البوليس قام بتنفيذ ما طلب منه فى حدود نص الإشارة وفى حدود المعقول، فالقضاء
بالتعويض استنادا إلى وقوع خطأ من البوليس مخالف للقانون.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – حسب المدوّن فى أسباب الحكم المطعون فيه
والأوراق والمستندات المودعة فى ملف الطعن – فى أنه بتاريخ 29 مايو سنة 1930 رفعت الست
زنوبة سرور والست عزيزة عبده صادق دعوى ضدّ وزارة الأوقاف أمام محكمة مصر الأهلية قيدت
بجدولها العمومى تحت رقم 1839 سنة 1930 قالتا فى عريضتها إن مئذنة جامع سيدى أحمد العريان
الكائن بشارع سوق الزلط سقطت على مورّثهما فى يوم 8 يناير سنة 1930 فقتلته، وذلك عند
ما كان سائرا فى اليوم المذكور الساعة 9 أفرنكى صباحا. ولما كانت وزارة الأوقاف مسئولة
لإهمالها، ولكون الأولى زوجته والثانية ابنته ولا عائل لهما سواه، لذا يطلبان الحكم
بالزام وزارة الأوقاف بأن تدفع لهما مبلغ 2500 جنيه، من ذلك 1000 جنيه للزوجة و1500
جنيه لكريمته، مع الفوائد من يوم المطالبة الرسمية للسداد مع المصاريف والأتعاب بحكم
مشمول بالنفاذ بدون كفالة.
وباعلان تاريخه 17 و23 ديسمبر سنة 1930 أعلنت وزارة الأوقاف كلا من وزارة الداخلية
ومصلحة المجارى، وطلبت الحكم عليهما بما عساه أن يحكم به عليها فيها فى الدعوى.
وبتاريخ 11 أبريل سنة 1931 أعلنت وزارة الأشغال "التابعة لها مصلحة المجارى" تادرس
أفندى ميخائيل وطلبت، للأسباب الواردة بالإعلان، الحكم عليه مباشرة من باب أصلى بما
عساه أن يحكم به للمدّعيتين مع إخراجها من الدعوى بلا مصاريف، ومن باب الاحتياط الحكم
عليه لهما بما عساه أن يحكم به عليها. وباعلان مؤرّخ 14 نوفمبر سنة 1931 طلبت الست
زنوبة سرور والست عزيزة عبده صادق، للأسباب الواردة به، الحكم على وزارات الأوقاف والداخلية
والأشغال متضامنات بأن يدفعن لهما مبلغ 2500 جنيه: ألف للسيدة زنوبة سرور وألف وخمسماية
للسيدة عزيزة عبده صادق مع الفوائد من يوم المطالبة الرسمية للسداد والمصاريف والأتعاب
بحكم مشمول بالنفاذ المعجل بلا كفالة. ومحكمة مصر الأهلية، بعد أن سمعت دفاع الطرفين
فى الدعوى وبعد أن تنازلت وزارة الأوقاف عن مخاصمة وزارتى الداخلية والأشغال مع حفظ
الحق لها فى الرجوع عند الحاجة إلى لجنة المنازعات بين وزارة الأوقاف والحكومة؛ قضت
حضوريا بتاريخ 25 أبريل سنة 1932: (أوّلا) باثبات تنازل وزارة الأوقاف عن مخاصمة وزارتى
الداخلية والأشغال. (ثانيا) بالزام وزارتى الأوقاف والداخلية متضامنتين بأن تدفعا للمدّعية
الأولى 200 جنيه وللثانية مبلغ 300 جنيه وإلزامهما متضامنتين بالمصاريف المناسبة لما
حكم به، وبمبلغ 100 قرش أتعاب محاماة لكل من المدّعيتين. (ثالثا) رفض ما عدا ذلك من
الطلبات وألزمت المدّعيتين بباقى المصاريف. استأنفت وزارة الأوقاف الحكم فى 5 و8 و10
أكتوبر سنة 1932 أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 1226 سنة 49 قضائية
طالبة الحكم بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليهما مع إلزامهما بجميع المصاريف
ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين مع شمول الحكم بالنفاذ بلا كفالة. واستأنفته وزارة
الداخلية فى 12 نوفمبر سنة 1932 أمام المحكمة المذكورة بالاستئناف رقم 111 سنة 50 قضائية
طالبة قبوله شكلا وإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة لها ورفض الدعوى قبلها مع إلزام المستأنف
عليهما بالمصاريف والأتعاب عن الدرجتين. وقد توفيت الست عزيزة عبده صادق وحل محلها
ورثتها، ثم ضمت المحكمة الاستئنافين إلى بعضهما، وحكمت فى 7 مايو سنة 1933 بقبول الاستئنافين
شكلا وفى الموضوع برفضهما وتأييد الحكم المستأنف وإلزام كل مستأنفة بمصاريف استئنافها
و500 قرش أتعاب محاماة، بانية حكمها على أن البوليس قصر فى تنفيذ إشارة مهندس التنظيم
وأخطأ فى عدم المنع كلية من المرور وفى عدم غلق الدكاكين المقابلة للمسجد، وقد ترتب
على هذا الخطأ فى التنفيذ حصول الحادث ووقوع الضرر، فالداخلية مسئولة عن نتائجه. أعلن
هذا الحكم لوزارة الداخلية فى 31 مايو سنة 1933 وفى 5 يونيه سنة 1933 فطعنت فيه بطريق
النقض والإبرام فى 29 يونيه سنة 1933 وأعلن تقرير الطعن للمدّعى عليها الأول فى 3 يوليه
سنة 1933 وللمدّعى عليه الثانى فى 6 يوليه سنة 1933 وقدّمت المذكرات والمستندات فى
المواعيد القانونية ثم قدّمت النيابة مذكرتها فى 26 نوفمبر سنة 1933.
وبجلسة 14 ديسمبر سنة 1933 المحدّدة لنظر هذا الطعن صمم الحاضر عن وزارة الداخلية على
طلباته كما صمم الحاضر عن المدّعى عليه الثانى والنيابة على طلباتهما. ثم أجل النطق
بالحكم لجلسة 21 ديسمبر سنة 1933 ومنها لجلسة 11 يناير سنة 1934 لعدم إتمام المداولة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
بما أن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وبما أن مبنى الطعن وجهان: يتحصل أوّلهما أن محكمة الاستئناف خالفت القانون إذ ارتكنت
فى قضائها على وزارة الداخلية بالتعويض على أن هناك خطأ من جانب قسم باب الشعرية فى
تنفيذ إشارة مهندس التنظيم المبلغة للقسم فى 7 يناير سنة 1930 وبنت هذا الخطأ على القول
بأنه كان يتعين على القسم إغلاق الحوانيت المقابلة للمسجد ومنع المرور من الشارع منعا
كليا مع أن الواقع عدم حصول أى خطأ من البوليس، لأن كل ما هو مطلوب منه هو تنفيذ ما
جاء باشارة مهندس التنظيم وقد نفذها فى وقتها. أما القول بأنه كان يتعين عليه إغلاق
الحوانيت المقابلة للمسجد ومنع المرور من الشارع منعا كليا فذلك خارج عما جاء بالإشارة
المذكورة، ومأمورية البوليس فى مثل هذه الحالة مقصورة على مجرّد تنفيذ الأوامر كما
هى، وليس من شأنه تقديرها أو معرفة ما إذا كانت الاحتياطات الواردة بها كافية لتلافى
الخطر أم لا، لأن ذلك من شأن الجهات الفنية المختصة. ومن ثم لا يمكن توجيه أى لوم إلى
البوليس فيما فعل، ولا يترتب على عمله أى مسئولية للحكومة، فالقضاء بالمسئولية مخالف
للقانون.
وبما أن أساس المسئولية فى هذه الحادثة هو المادة من القانون المدنى. ولتطبيقها
يجب توفر ثلاثة شروط: (الأوّل) حصول فعل أو ترك. (الثانى) أن ينشأ أو يتسبب عن ذلك
الفعل أو الترك ضرر للغير. (الثالث) أن يكون ذلك الفعل أو الترك خطأ.
وبما أن تحقيق حصول الفعل أو الترك أو عدم حصوله من الأدلة الواقعية المعروضة للقضاء
هو من سلطة قاضى الموضوع لا معقب على تقديره من القضاء العالى. أما ارتباط الفعل أو
الترك بالضرر الناشئ ارتباط سبب بمسبب، وكذلك وصف ذلك الفعل أو الترك بأنه خطأ أو غير
خطأ فهو تكييف قانونى لمحكمة النقض الإشراف والرقابة عليه.
وبما أنه بمراجعة الحكم المطعون فيه تبين أن قضاءه بمسئولية وزارة الداخلية مبنى على
الأسباب الآتية: حيث إن وزارة الداخلية تستند فى انعدام مسئوليتها فى هذا الحادث على
أنها نفذت لفورها ما طلبه منها مهندس التنظيم باشارته التليفونية المبلغة لقسم باب
الشعرية فى 7 يناير سنة 1930 التى طلب فيها منع المرور أمام المسجد.
وحيث إن هذه الإشارة تضمنت وصف الحالة الخطيرة التى وصلت إليها حالة المئذنة والمسجد
بالتفصيل. وقد طلب المهندس من قسم باب الشعرية إخلاء الدكاكين الواقعة أسفل المسجد
ومنع المرور أمامه. وقد قام القسم بغلق الدكاكين الواقعة أسفل المسجد ولكنه ترك الحوانيت
المقابلة له مفتوحة يتعاطى أصحابها فيها أعمال تجارتهم ولذلك كان مرور الناس مستمرّا
من الناحية المقابلة للمسجد للوصول لهذه الدكاكين من جهة ولاجتياز الشارع من جهة أخرى.
وحيث إن قسم باب الشعرية أخطأ فى فهم أن منع المرور من الشارع مقصور على الجزء الواقع
أمام المسجد فقط دون باقى الشارع، ولذلك ترك الحوانيت المقابلة للمسجد مفتوحة ووضع
الحواجز بحيث يتمكن من يريد عبور الشارع أو الوصول إلى هذه الحوانيت من اجتياز هذه
الحواجز، فقد كان وضعها يسمح بهذا الاجتياز وكان يتعين على القسم إغلاق الحوانيت المقابلة
للمسجد ومنع المرور من الجزء الواقع أمامه منعا كليا بوضع حواجز من شأنها عدم تمكين
أى إنسان من اجتياز الطريق فى هذا الجزء.
وحيث إن هذا الخطأ من جانب القسم يستوجب مسئولية وزارة الداخلية.
وبما أنه واضح من هذه الأسباب أن المحكمة الاستئنافية أثبتت مضمون الإشارة التليفونية
المحدّدة لواجب البوليس، وبينت أن المطلوب فيها كان غلق الحوانيت الكائنة أسفل المسجد
ومنع المرور من أمام الجامع، ثم جعلت خطأ البوليس فى التنفيذ أنه خالف هذا الواجب فلم
يغلق الحوانيت المقابلة للمسجد ولم يمنع المرور من الشارع منعا كليا.
وبما أن الإشارة لا تكليف فيها للبوليس بغلق الحوانيت المقابلة للمسجد، فعدم غلقها
لا يعدّ تقصيرا من البوليس إذ لم يكن مطلوبا منه فى الإشارة.
وبما أن تنفيذ منع المرور من أمام الجامع مع وجود دكاكين مقابلة له غير مأمور بغلقها
يتحقق بوضع حواجز لسدّ الشارع وترك جزء صغير أمام الدكاكين المقابلة للمسجد للمرور
بقصد الوصول إليها، وهذا ما عمله البوليس لمنع المرور من أمام الجامع، ولم ينص فى الإشارة
على منع المرور من الشارع منعا كليا. لذا ترى هذه المحكمة أن البوليس قام بتنفيذ ما
طلب منه فى حدود نص الإشارة وفى حدود المعقول ولم يخالف أى واجب اقتضته الإشارة، فما
عمله لا خطأ فيه ولا تترتب عليه مسئولية، فالحكم بحصول خطأ من البوليس يستوجب مسئولية
وزارة الداخلية مخالف إذن للقانون.
وبما أن مما تقدّم يكون الوجه الأوّل من أوجه النقض مقبولا ويتعين نقض الحكم المطعون
فيه بلا داع لبحث الوجه الثانى.
وبما أن الدعوى صالحة للحكم فى الموضوع وقد طلب الطاعن الفصل فى الموضوع أيضا.
وبما أنه متى انتفى وقوع خطأ من البوليس فى تنفيذ إشارة مهندس التنظيم فلا يكون هناك
مسئولية عليه وعلى وزارة الداخلية من سقوط المئذنة وإصابة مورّث المدّعى عليهم فى الطعن،
وعليه يتعين رفض الدعوى قبل وزارة الداخلية.
