الطعن رقم 52 سنة 3 ق – جلسة 07 /12 /1933
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 284
جلسة 7 ديسمبر سنة 1933
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.
القضية رقم 52 سنة 3 القضائية
إثبات. سبب الدين. غموض السند. سلطة محكمة الموضوع فى التفسير.
اعتبار السند مع أوراق أخرى مبدأ ثبوت بالكتابة لإثبات السبب الصحيح. جوازه. (المادة
215 مدنى)
إن محكمة الموضوع إذ تفسر غامض السند موضوع النزاع طبقا لمقاصد العاقدين، مسترشدة فى
ذلك بظروف الدعوى وملابساتها، وإذ تأخذ بما ترجحه من وجوه التفسير، معتمدة على اعتبارات
معقولة مقبولة، لا تخضع لرقابة محكمة النقض على ما يجرى به قضاؤها.
فاذا اختلف طرفا الدعوى على تفسير ورقة: قال المدّعى إن المبلغ الوارد بها هو قرض واجب
الأداء، وقال المدّعى عليه إنه لم يكن قرضا اقترضه من المدّعى وإنما هو جزء من ثمن
قطن تسلمه المدّعى من زراعته بصفته وكيلا عنه وباعه وقبض ثمنه، ورشح المدّعى عليه لهذا
الادّعاء بعبارة الورقة المطالب بقيمتها وبأوراق أخرى قدّمها، فحكمت محكمة الاستئناف
تمهيديا باستجواب الخصمين وحققت ما ادّعاه كل منهما، وحصّلت مما استظهرته من القرائن
ومن جميع ظروف الدعوى أن دعوى المدّعى عليه أرجح من دعوى المدّعى، أو أن هذه القرائن
– على أقل تقدير – موجبة للشك فى سبب الدين المدّعى به، فرفضت الدعوى، فهذا الحكم صحيح
ولا مخالفة فيه لا لحكم المادة 215 ولا لحكم المادة 194 من القانون المدنى. لا مخالفة
فيه لحكم المادة 215 لأن المحكمة، باعتمادها على عبارة الورقة المطالب بقيمتها وعلى
قول المدّعى فى محضر استجوابه وعلى الخطابات التى أرسلها هو للمدّعى عليه دالة على
أنه كان يقوم له بإدارة أطيانه وتسليم قطنه، قد اعتمدت على ما يصح اعتباره مبدأ ثبوت
بالكتابة يجوز لها أن تستكمله بالقرائن الأخرى. ولا مخالفة لنص المادة 194 مدنى، لأن
المحكمة لم تقض بمقاصة مّا، وإنما هى قضت برفض دعوى المطالبة بعد أن ثبت لها أن المبلغ
المطالب به لم يتسلمه المدّعى عليه إلا على اعتباره جزءا من ثمن قطنه الذى باعه المدّعى
حين كان وكيلا عنه.
الوقائع
تتلخص وقائع الدعوى – على ما جاء بالحكم المطعون فيه والأوراق الملحقة
به المقدّمة من الطرفين لمحكمة الاستئناف ولهذه المحكمة – فى أن إسماعيل نوّار أفندى
ادّعى أن بسطوروس بك صليب اقترض منه مائتين وخمسين جنيها مصريا يدفعها وقت الطلب بالسند
المؤرّخ فى 7 ديسمبر سنة 1922 وطلب من محكمة مصر الابتدائية الأهلية فى الدعوى التى
رفعها أمامها فى 20 ديسمبر سنة 1930 الحكم بالزام مدينه بدفع المبلغ المذكور مع المصاريف
والفوائد باعتبار الماية خمسة من تاريخ المطالبة فحكمت له محكمة أوّل درجة بهذه الطلبات
فى 7 فبراير سنة 1931.
فاستأنف بسطوروس بك صليب هذا الحكم وبيّن بصحيفة استئنافه أنه لم يأخذ هذا المبلغ قرضا
وإنما أخذه من أصل ثمن قطنه الذى تسلمه المستأنف عليه (الطاعن) وتولى بيعه وقبض ثمنه
الذى يربو على مبلغ السند بكثير. وقد استند فى ذلك على نفس السند المطالب به الذى جاء
به ما نصه "وقد سبق تحرير جواب منا عن المبلغ المذكور لحضرة أحمد بك خيرى نوّار ولم
يقبض المبلغ وصار لاغى لأن المبلغ الذى دفع من أصله صار ردّه ثانيا لحضرة إسماعيل بك"
كما استند إلى خطابات وأوراق أخرى صادرة من خصمه. وبعد أن سمعت محكمة الاستئناف المرافعة
قضت بتاريخ 29 مارس سنة 1932 بمناقشة الخصوم شخصيا لتفسير ما انبهم عليها من عبارة
سند المديونية وتحقيق سبب الدين لمعرفة ما إذا كانت قيمته جزءا من ثمن القطن كما يقول
المستأنف أو قرضا كما يقول خصمه، ثم حكمت فى 31 ديسمبر سنة 1932 بالانتقال إلى محلج
محمد باشا الوكيل للاطلاع على دفاتره الوارد بها شراء عملية القطن المشار إليها فى
الأسباب، ثم حكمت بتاريخ 19 مارس سنة 1933 بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف
عليه وإلزامه بالمصاريف والأتعاب معتمدة فى ذلك على سند المداينة ومحضر الاستجواب وباقى
القرائن التى بينتها بالحكم.
أعلن هذا الحكم لإسماعيل عبد الحميد نوّار أفندى فى 8 مايو سنة 1933 فطعن فيه بطريق
النقض والإبرام فى 7 يونيه سنة 1933 وطلب قبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون
فيه وإلغائه والحكم فى الدعوى لأنها صالحة لصدور قرار المحكمة فى موضوعها واحتياطيا
الإحالة على دائرة أخرى للفصل فيها من جديد.
وقد قدّم طرفا الخصومة مذكرتيهما الكتابيتين فى الميعاد القانونى وقدّمت النيابة مذكرتها
فى 9 نوفمبر سنة 1933.
وبجلسة يوم الخميس 30 نوفمبر سنة 1933 المحدّدة لنظر هذا الطعن صمم كل من الحاضرين
عن طرفى الخصومة والنيابة على ما جاء بمذكرته، ثم أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على أوراق القضية والمداولة
قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن وجوه الطعن تتلخص فى أن محكمة الاستئناف قد خالفت أحكام المادتين 215 و194
من القانون المدنى إذ أخذت بقرائن الأحوال فى إثبات ما ادّعاه بسطوروس بك صليب من أن
لسند الدين سببا غير السبب الواضح به ثم فى إثبات وفائه هذا الدين وإذ قضت بالمقاصة
بين دين الطاعن الخالى عن النزاع وبين دين خصمه المتنازع فيه.
ومن حيث إن الثابت بالحكم المطعون فيه أن طرفى الخصومة قد اختلفا فى تفسير عبارة السند
المطالب به: فزعم الطاعن أن المبلغ الوارد به هو دين عادى سببه القرض فهو لذلك واجب
الأداء، وادّعى المدّعى عليه أنه لم يكن قرضا وإنما كان جزءا من ثمن قطنه الذى تسلمه
الطاعن وباعه وقبض ثمنه. ولما قدّم المدّعى عليه ما يرشح لهذا الادّعاء من الأوراق
والمستندات أصدرت المحكمة حكمها التمهيدى باستجواب الخصمين لتفسير غموض سند الدين ثم
انتقلت إلى محلج محمد باشا الوكيل لتحقيق ما ادّعاه الطاعن من أن خصمه هو الذى باع
قطنه بنفسه لهذا المحلج ثم حصلت من جميع ظروف الدعوى ما اعتقدت أنه الحق فحكمت به واختتمت
حكمها بقولها "وحيث إن كل هذه القرائن كافية لترجيح قول المستأنف من أن المبلغ الذى
حرّر به سند 7 ديسمبر سنة 1922 لم يكن قرضا وإنما كان من أصل ثمن القطن الذى استلمه
المستأنف عليه والذى تبين أن ثمنه يربو على ضعف هذا المبلغ، أو تكون هذه القرائن على
أقل تقدير موجبة للشك فى سبب هذا الدين، ومن المقرّر أن الشك يؤول دائما لمصلحة المدين
وهو المستأنف، ولذلك يتعين الغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليه وإلزامه بمصاريف
الدرجتين".
ومن حيث إن محكمة الموضوع – إذ تفسر غامض السند موضوع النزاع طبقا لمقاصد العاقدين
مسترشدة فى ذلك بأحوال الدعوى وملابساتها ومستنداتها وإذ تأخذ بما ترجحه من وجوه التفسير
معتمدة على اعتبارات معقولة مقبولة – لا تخضع لرقابة محكمة النقض على ما جرى به قضاؤها.
ومن حيث إن محكمة الموضوع فوق ما تقدّم ذكره – باعتمادها على عبارة السند المطالب بقيمته
وعلى قول الطاعن فى محضر استجوابه وعلى الخطابات التى أرسلها هو لخصمه دالة على أنه
كان يقوم له بادارة أطيانه ويستلم قطنه – لم تخالف نص المادة 215 من القانون المدنى
لأن كل ما اعتمدت عليه من ذلك يصح اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة يجوز للمحكمة أن تستكمله
بالقرائن الأخرى، ولا نص المادة 194 من القانون المدنى لأنها لم تقض بمقاصة ما بين
دينين أحدهما خال من النزاع والآخر متنازع فيه، وإنما قضت برفض دعوى المطالبة بالسند
بعد أن ثبت لها أن المدّعى عليه لم يستلم قيمته إلا على اعتبارها جزءا من ثمن قطنه
الذى باعه صاحب السند حين كان وكيلا للمدّعى عليه من نوفمبر سنة 1922 لغاية يوليه سنة
1923.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الطعن وإلزام رافعه بالمصاريف.
