الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 87 سنة 2 ق – جلسة 18 /05 /1933 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 214

جلسة 18 مايو سنة 1933

برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك وأمين أنيس باشا المستشارين.


القضية رقم 87 سنة 2 القضائية

غش وتدليس:
( أ ) الغش يفسد الرضاء. بطلان العقد بطلانا نسبيا.
(ب) الغش الحاصل من أجنبى. حصوله بتواطؤ أحد المتعاقدين. يفسد الرضاء.
(جـ) سلطة قاضى الموضوع فى تقدير وقائع الغش. (المادتان 133 و136 مدنى)
(د) نقض وإبرام. الخطأ القانونى فى أسباب الحكم. عدم تأثيره فى صحة الحكم. لا نقض.
(هـ) معاوضة. ردّ الأطيان الحاصلة فيها المعاوضة. استحالته. متى يكون مانعا من قبول دعوى إبطال المعاوضة؟ (المادتان 356 و360 مدنى)
1 – الغش وحده يفسد الرضاء، ولا يبطل العقد بطلانا مطلقا، وإنما يبطله بطلانا نسبيا تلحقه الإجازة بشروطها.
2 – الغش الحاصل من أجنبى بطريق التواطؤ مع أحد المتعاقدين يفسد الرضاء، كالغش الحاصل من المتعاقد نفسه.
3 – إذا كانت الوقائع التى استعرضتها محكمة الموضوع وبنت عليها القضاء ببطلان العقد قد توافرت معها توافرا تاما أركان التدليس التى تتطلبها المادة 136 من القانون المدنى فقضاؤها صحيح والطعن فيه بطريق النقض متعين الرفض.
4 – إذا أخطأت المحكمة فى بعض أسباب الحكم خطأ قانونيا لم يكن له تأثير فى سلامة الحكم، فلا موجب لنقضه بسبب وقوع هذا الخطأ. فاذا اعتبرت المحكمة عقد البدل المشوب بالغش باطلا وأخطأت فى أن اعتبرت أن سبب هذا البطلان هو فقد الأهلية وأنه بطلان لا تلحقه الإجازة، ولكنها عادت بعد ذلك فقالت إن تنفيذ البدل والاستمرار فيه حتى توقيع الحجر على المتبادل الذى وقع عليه الغش كان تحت تأثير الغش الواقع عليه، ثم حكمت بناء على ذلك فى الدعوى بابطال البدل، كان حكمها صحيحا.
5 – إن استحالة ردّ الأطيان المتبادل عليها بسبب نزع ملكيتها جبرا وقهرا من يد المتبادل الذى يتمسك ببطلان المبادلة ليست فى حدّ ذاتها مانعة من قبول دعوى البطلان. أما إذا كانت الاستحالة ناشئة عن تصرف من طالب البطلان ينهض دليلا على إجازته العقد المشوب بالتدليس، فعندئذ لا تقبل منه دعواه.


الوقائع

تتلخص وقائع الدعوى فى أنه بتاريخ 22 فبراير سنة 1925 رفع أحمد بك كمال السلانكلى بصفته قيما على السيدة نبيهة أحمد عبد الرحيم دعوى أمام محكمة مصر الأهلية تقيدت بجدولها العمومى رقم 844 سنة 1925 ضدّ حسين مصطفى أفندى جلال قال فيها إن محجورته الست نبيهة كانت تمتلك بناحيتى كفر الحارث وصنافير مركز قليوب 85 فدانا و14 قيراطا و20 سهما؛ ولبساطة هذه السيدة استصدر منها حسين مصطفى جلال عقد بدل بطريق الغش والتدليس بتاريخ 20 أكتوبر سنة 1920 ومسجل فى 25 أكتوبر سنة 1920 ثم أعقبه عقد رسمى تاريخه 24 نوفمبر سنة 1920. فأخذ منها هذه الأطيان وهى واقعة فى أحسن صقع وأعطاها بدلا منها أطيانه البالغة 220 فدانا و23 قيراطا و8 أسهم الواقعة ببرارى مركز دكرنس. وطلب الحكم ببطلان العقد لأن رضا محجورته حصل بطريق الغش والتدليس مع تثبيت ملكية المحجور عليها إلى أطيانها الأصلية وإلزام حسين مصطفى جلال بأن يدفع لها ريعها من سنة 1921 إلى يوم التسليم باعتبار الإيجار الصافى للفدان الواحد سنويا 18 جنيها. وبتاريخ 31 مايو سنة 1927 حكمت محكمة مصر حضوريا برفض دعوى القيم. فاستأنف هذا الحكم فى 18 سبتمبر سنة 1927 أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 1257 سنة 44 قضائية طالبا إلغاءه والحكم له بطلباته الأصلية. وبتاريخ 2 ديسمبر سنة 1929 أصدرت محكمة الاستئناف حكما تمهيديا بتحقيق واقعة تمسك بها القيم لإثبات الغش وهى استعانة حسين مصطفى جلال بمن يدعى عباس بدر ليؤثر على السيدة نبيهة أحمد عبد الرحيم ويحصل على رضاها بالبدل بطريق المكر والحيلة وبعد إتمام التحقيق قرّرت المحكمة بتاريخ 8 مارس سنة 1931 استدعاء كل من السيدة نبيهة وحسين مصطفى جلال شخصيا لتعرّف حالتهما النفسية والعقلية، وهل بينهما تفاوت، وما درجة تأثير هذا التفاوت فى الرضا، فان كان من شأنه أن يحدث عند أحد العاقدين نقصا أو ضعفا فى إرادته أمام الآخر اعتبر شرط الرضا غير متوفر. وبعد الاستجواب حكمت فى 28 نوفمبر سنة 1932 بقبول الاستئناف وإلغاء الحكم المستأنف وبطلان عقد البدل المؤرّخ فى 24 نوفمبر سنة 1920 وتثبيت ملكية الست نبيهة أحمد عبد الرحيم إلى 85 فدانا و14 قيراطا و20 سهما التى كانت لها قبل البدل وتحديد جلسة للمناقشة فى الريع المطلوب. أعلن هذا الحكم لحسين مصطفى جلال فى 4 أغسطس سنة 1932 فطعن فيه بطريق النقض والإبرام فى 31 منه. وأعلن تقرير الطعن فى 4 و7 سبتمبر سنة 1932 وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية ومذكرات الردّ فى المواعيد وقدّمت النيابة مذكرتها فى 6 مارس سنة 1933.
وبجلسة 13 أبريل سنة 1933 المحددة لنظر هذا الطعن سمعته المحكمة على الوجه المبين بمحضر الجلسة وصمم كل من الحاضرين عن طرفى الخصومة على الطلبات وعدلت النيابة عن رأيها وطلبت رفض النقض خلافا لما جاء بمذكرتها التى طلبت بها القبول ثم أجل الحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن الطعن بنى على خمسة أوجه: يتلخص الأوّل والثالث والخامس منها فى أن الحكم المطعون فيه أخطأ فى تطبيق القانون بابطاله عقد البدل على أساس أن رضا الست نبيهة أحمد عبد الرحيم حصل بغش وتدليس حسين مصطفى جلال (الطاعن) لعدم توفر أركان الغش والتدليس فيما استعرضه الحكم المذكور من الوقائع، إذ حصر التدليس فى أن عباس بدر أفهم السيدة نبيهة أن أطيان حسين مصطفى جلال جيدة وقابلة للتأجير من 8 إلى 9 جنيهات سنويا للفدّان الواحد مع أن هذه الواقعة ليست سوى مبالغة فى وصف الأطيان، ومن الميسور للسيدة نبيهة التحقق من ذلك الوصف، وقد تحققته فعلا بالمعاينة التى أقرّت بها فى العقد وبوضع يدها على أرض البدل زمنا طويلا قبل رفع الدعوى، ولأن واقعة الغش غير صادرة من العاقد مع الست نبيهة وهو الطاعن، بل من عباس بدر الأجنبى عن العقد، والأدلة التى ساقتها المحكمة لإثبات التواطؤ بين الطاعن وعباس بدر ليست قرائن قانونية ولا تنتج حتما هذا التواطؤ. على أن التدليس مقول بحصوله فى العقد الابتدائى الحاصل فى 20 أكتوبر سنة 1920 المسجل فى 25 أكتوبر سنة 1920 والمحكمة أبطلت عقد 24 نوفمبر سنة 1920 وهو العقد الرسمى مع أنه لا تدليس فيه، إذ تحريره حصل بعد وضع اليد والمعاينة وبعد تنبيه محاميها لها، ولم تقل المحكمة باتصال التدليس بهذا العقد. وأخطأت المحكمة أيضا فى القول بأن عقد البدل الحاصل تحت تأثير الغش والتدليس يقع باطلا ولا تلحقه الإجازة، إذ القانون يقضى بأنه يقع فاسدا وتصححه الإجازة وقد أجازته السيدة نبيهة بمعاينتها للأطيان وبوضع يدها عليها زمنا طويلا وبحصول تصرفات كثيرة منها ومن القيم عليها تدل على إجازتها. ولذا ما كان يصح القضاء بابطال العقد بعد ذلك.
ويتلخص الوجه الثانى فى أن الحكم باطل لقيامه على أساس خاطئ إذ نظرت المحكمة فى تقدير الغبن إلى ارتفاع الثمن المقدّر لأرض الطاعن فى عقد البدل عن ثمنها المبين فى عقد مشتراها دون أن تبحث فى الوقت نفسه فيما قد ارتفع إليه ثمن أرض السيدة نبيهة بحكم الرخاء العام الذى كان فى سنة 1920 للمقارنة بين ما قدّر من الثمن للأرضين حتى يتبين إن كان هناك غبن من عدمه لأن العقد بدل لا بيع.
ويتلخص الوجه الرابع فى أن الحكم المطعون فيه أخطأ بقبوله دعوى بطلان البدل مع استحالة قيام السيدة نبيهة بردّ الأطيان التى أخذتها من الطاعن بدلا عن أطيانها بعد أن بيعت هذه الأطيان بالمزاد الجبرى بسبب عدم قيامها بوفاء ما كان عليها من ديون.
عن الأوجه الأوّل والثالث والخامس
وحيث إنه ثابت من الحكم المطعون فيه أن وقائع الغش التى استندت إليها المحكمة فى قضائها ببطلان البدل الذى حصل بين الطاعن والمحجور عليها تتلخص فى أن الطاعن أراد أن يستبدل بأطيانه غير الجيدة الواقعة بمركز دكرنس الأطيان الجيدة المملوكة للمحجور عليها بمركز قليوب فاتخذ من شخص يدعى عباس بدر عونا له على تحقيق هذه الغاية ودفعه إلى الاختلاط بابن المحجور عليها، وكان معوج السير، ولازمه مدّة من الزمن استطاع فى غضونها استغلال ضعفه وانغماسه فى اللهو وإدمانه المخدّرات وتقرّب بواسطته من والدته صاحبة الأرض وهى سيدة ساذجة قليلة الخبرة بأمور الحياة سهلة الانقياد لابنها، فزين لها عباس أمر هذا البدل، وتظاهر لها بالسعى لما يعود عليها بالفائدة، وأوهمها أنه خبير بأمور الزراعة، وأكد لها أن أرض الطاعن جيدة وأنه هو نفسه على استعداد لأخذها إجارة مدّة سنة أو اثنتين أو ثلاث بقيمة ثمانية أو تسعة جنيهات مع تعجيل جزء من الإيجار فاغترت بهذه الأقوال والمظاهر وقبلت، تحت تأثيرها، التوقيع على عقدى البدل وقد غبنت فيه غبنا جسيما لما تبين من أن الأطيان التى أعطيت لها بدلا من أطيانها قدّر ثمن الفدان فيها بمائة وأربعين جنيها فى حين أنه لا يساوى أكثر من عشرين جنيها، وقد خفى عليها هذا الأمر ولو اتضحت لها حقيقته لما أقدمت على قبول هذا البدل مع ما فيه من ضرر جسيم.
وحيث إن هذه الوقائع التى استعرضتها محكمة الموضوع بالتفصيل فى حكمها المطعون فيه وبنت عليها القضاء ببطلان البدل قد توفرت معها توفرا تاما أركان التدليس التى تتطلبها المادة 136 من القانون المدنى. ولقد أصاب هذا الحكم فى عدّة وقائع الغش الصادرة من عباس بدر كأنها صادرة من الطاعن نفسه لما كان بين الاثنين من التواطؤ على عمل هذه التدبيرات التى لولاها لما حصل توقيع المحجور عليها على عقد البدل.
وحيث إن محكمة الموضوع نفت إجازة المتبادلة عقد البدل سواء كان ذلك بتوقيعها على العقد الرسمى أم بأى تصرف آخر منسوب لها لما استبانته ودللت عليه بما فيه الكفاية من أن البدل وتنفيذه والاستمرار فيه حتى توقيع الحجر عليها، كل ذلك كان تحت تأثير الغش والتدليس. كما أن زعم الطاعن بأن القيم أجاز البدل بما بدا منه من تصرفات فى دعوى نزع ملكية أرض الدقهلية منتف أيضا بما اشتمل عليه الحكم المطعون فيه من أن القيم لما علم بأمر التدليس رفع دعوى البطلان. على أن القيم ليس من حقه أن يقرّ صراحة أو ضمنا تصرفا ضارا صادرا من المحجور عليه ولو قبل الحجر ما دام هذا التصرف غير صحيح إذ هو تنازل عن حق لم يكن حتى من التصرفات التى له أن يباشرها باذن المجلس الحسبى (المادة 21 من قانون المجالس الحسبية الصادرة فى 13 أكتوبر سنة 1925).
وحيث إن ما أشار إليه الحكم المطعون فيه من عدّ التعاقد غير موجود لانعدام ركن الرضا فيه وعدم صلاحية التمسك بتنفيذ العقد للاستدلال على ما شابه من بطلان وإن كان غير صحيح قانونا، لأن العقد المشوب بمجرّد التدليس قابل للإجازة إذ الرضا فيه لا يعدّ منعدما، بل غير صحيح أى فاسدا (مادتى 133 و136 من القانون المدنى)، إلا أنه لا تأثير لهذا الخطأ فى سلامة الحكم لما ورد فى أسبابه من أن "الثابت من التحقيقات وظروف الدعوى وقرائنها أن عمل البدل وتنفيذه والاستمرار فيه كل ذلك كان تحت تأثير الغش والتدليس، وأن الست نبيهة ما كانت تعلم من أمره شيئا إلى أن حجر عليها. ولما علم به القيم الذى تعين عليها رفع الدعوى الحالية، فالعقد لم تلحقه إجازة".
عن الوجه الثانى
وحيث إن ما ارتأته محكمة الموضوع من أن السيدة المتبادلة قد غبنت فى التعاقد غبنا جسيما إذ أعطيت لها أطيان قدّر ثمنها باعتبار 140 جنيها للفدان الواحد حالة كونه لا يساوى أكثر من عشرين جنيها إنما جاء فى سياق التدليل على وقوع التدليس. ولا شك أن البحث فى وجود الغبن وتقدير جسامته فى سبيل إثبات الغش أمر موضوعى صرف متروك لتقدير قاضى الموضوع ولا رقابة لمحكمة النقض عليه فى ذلك.
عن الوجه الرابع
وحيث إن ما يزعمه الطاعن من استحالة رجوع الأطيان إليه عينا لنزع ملكيتها بعد أن تسلمتها المتبادلة ليس فى حدّ ذاته بمانع من قبول دعوى البطلان الحالية إلا إذا عدّ دليلا على إجازة المتبادلة للعقد المشوب بالتدليس، وهو فى صورة الدعوى الحالية لم يكن برضاء المحجور عليها بل جبرا عنها. هذا فوق ما اتضح مما سبق أن محكمة الموضوع نفت حصول هذه الإجازة بما قرّرته من استمرار هذه السيدة فى غفلتها بتأثير وسائل الغش حتى توقيع الحجر عليها.
وحيث إنه لما تقدّم كله يتعين رفض الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات