الطعن رقم 8 سنة 2 ق – جلسة 09 /02 /1933
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 177
جلسة 9 فبراير سنة 1933
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك وأمين أنيس باشا المستشارين.
القضية رقم 8 سنة 2 القضائية
نقض وإبرام:
( أ ) حكم تمهيدى يحوى حكما قطعيا فى مسألة اختصاص. الطعن فيه بطريق النقض. جائز.
(ب) حكم تمهيدى يحوى حكما قطعيا فى مسألة اختصاص. التصرف الذى يستنتج منه قبول الجانب
القطعى، وجوب إفادته الرضاء به. (المادة 9 من قانون محكمة النقض)
(جـ) قانون المطبوعات الصادر فى سنة 1881. القرار الذى يصدره مجلس الوزراء بتعطيل صحيفة
بمقتضاه لا يدخل تحت تقدير القاضى، ولا يضمن الحكومة.
1 – الحكم التمهيدى الذى يفصل ضمنا فى مسألة اختصاص يجوز الطعن فيه بطريق النقض. ففى
قضية تعويض عن تعطيل جريدة بقرار من مجلس الوزراء أصدره المجلس فى حدود السلطة المخوّلة
له بمقتضى قانون المطبوعات الصادر فى سنة 1881 إذا أصدرت محكمة الاستئناف حكما باحالة
الدعوى على التحقيق لإثبات عدم صحة الأسباب الواردة بقرار التعطيل، فهذا الحكم مع كونه
تمهيديا فيه جانب قطعى من جهة أن المحكمة قضت باختصاصها بنظر ما إذا كان قرار التعطيل
قد صدر محافظة على النظام العام أم أن الغرض منه الانتقام وفيه انتهاك لحرمة القانون،
وهو من هذا الجانب يصح الطعن فيه بطريق النقض.
2 – مجرّد قبول تنفيذ مثل هذا الحكم لا يعتبر قبولا له مانعا من الطعن عليه فى مسألة
الاختصاص بطريق النقض، بل يجب أن يكون التصرف الذى يستنتج منه قبول الجانب القطعى من
الحكم مفيدا الرضاء به بطريقة لا يتطرّق إليها الشك. ففى صورة الدعوى المذكورة إذا
دفع صاحب الجريدة بعدم قبول الطعن لاشتراك الحكومة الطاعنة فى تنفيذ الحكم بحضور مندوبها
جلسة التحقيق وموافقته على إحالة القضية على جلسة المرافعة بعد إتمام التحقيق فهذا
الدفع لا يقبل، لأن حضور مندوب الحكومة جلسة التحقيق وموافقته على إحالة القضية على
جلسة المرافعة ليس فيه ما يدل، لا صراحة ولا ضمنا، على قبول الجانب القطعى من الحكم
وترك حق الطعن فيه.
3 – القرار الصادر من مجلس الوزراء بتعطيل جريدة فى حدود السلطة التى كانت مخوّلة له
بمقتضى قانون المطبوعات الصادر فى سنة 1881، وعلى وفق أحكامه يعتبر بحسب هذا القانون
صادرا من سلطة حكم فى هذا الشأن (Pouvior juridictionnel)؛ فهو بذلك لا يدخل تحت تقدير
القاضى مطلقا، بل القاضى ممنوع من بحث موضوعه ومناقشة أسبابه وتقدير الظروف التى صدر
فيها. وإذن فلا يجوز لمن يدّعى لحوق ضرر به من جراء صدور مثل هذا القرار أن يرجع على
الحكومة بالتعويض.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى المقدّم فيها هذا الطعن فى أن وزير الداخلية
أصدر بتاريخ 8 نوفمبر سنة 1921 قرارا بتعطيل جريدة الأهالى التى كان يديرها المدّعى
عليه لمدّة ستة شهور تنفيذا لقرار مجلس الوزراء الصادر فى التاريخ ذاته. وكان مبنى
القرار "أن هذه الجريدة قد دأبت فى الأيام الأخيرة على نشر أخبار كاذبة ومطاعن لا أساس
لها من الصحة من شأنها تضليل الرأى العام وإثارة الأفكار وتهييج الخواطر وأن هذا من
شأنه الإخلال بالنظام العام". وقد استند القرار فى هذا الإجراء إلى المادة الثالثة
عشرة من قانون المطبوعات الصادر فى 26 نوفمبر سنة 1881.
فرفع صاحب الجريدة الدعوى رقم 333 سنة 1922 إلى محكمة مصر الابتدائية الأهلية يطالب
فيها وزارة الداخلية بتعويض قدره أربعون جنيها يوميا من تاريخ 8 نوفمبر سنة 1921 لغاية
الترخيص بظهور الجريدة. وفى أثناء سير الدعوى قصر طلب التعويض على الستة الشهور التى
أوقفت فيها الجريدة. وقضت محكمة مصر الابتدائية بتاريخ 27 مايو سنة 1927 برفض الدعوى.
فاستأنف صاحب الجريدة هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية بالاستئناف رقم 906
سنة 45 قضائية طالبا إلغاءه والحكم له بما طلبه أمام محكمة أوّل درجة.
وبتاريخ 24 فبراير سنة 1930 أصدرت محكمة استئناف مصر حكما باحالة الدعوى إلى التحقيق
لإثبات ونفى ما تدوّن بأسبابه.
وقد أعلن هذا الحكم للوزارة فى 28 ديسمبر سنة 1931 فطعنت فيه بطريق النقض والإبرام
فى 17 يناير سنة 1932 وأعلن تقرير الطعن للمدّعى عليه فى 20 منه، وقدّم طرفا الخصومة
المذكرات الكتابية ومذكرات الردّ فى المواعيد المقرّرة، وقدّمت النيابة مذكرتها فى
3 أبريل سنة 1932.
وبجلسة 28 أبريل سنة 1932 المحدّدة لنظر هذه القضية قرّرت المحكمة تأجيلها لجلسة 26
مايو سنة 1932 للاطلاع على تقرير المستشار القضائى الذى استندت إليه وزارة الداخلية
ضمن المراجع التى جاءت بمذكرتها.
وبالجلسة المذكورة نظرت القضية على الوجه المبين تفصيلا بمحضر الجلسة ثم قرّرت المحكمة
تكليف الخصوم تقديم مذكرات تكميلية فى المسائل التى أثيرت بهذه الجلسة، وأجلت القضية
لجلسة أوّل ديسمبر سنة 1932 للمرافعة، وفيها صمم كل من طرفى الخصومة والنيابة على الطلبات
المدوّنة بالمذكرات وقالت النيابة أخيرا إن القرار نهائى لا رجوع فيه مطلقا لأنه داخل
فى عداد الأعمال القضائية. ثم أجل الحكم لجلسة 15 ديسمبر سنة 1932 ومنها إلى 29 منه
لعدم إتمام المداولة ثم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد سماع المرافعة والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إنه يبين من الرجوع إلى أسباب الحكم المطعون فيه أنه قد استعرض ما قضت به محكمة
أوّل درجة، وقسمه قسمين محصلهما: (أوّلا) أن الجهة الإدارية التى أصدرت قرار التعطيل
لها حقيقة هذه السلطة بموجب قانون المطبوعات الصادر فى سنة 1881. (ثانيا) أن ليس للمحكمة
أن تتدخل فى مراقبة الظروف التى سوّغت للجهة الإدارية إصدار قرار التعطيل فلا يجوز
لها أن تنظر فيما إذا كان قد صدر حقيقة بقصد المحافظة على النظام العام كما جاء فى
أسبابه أو لأغراض أخرى انتقامية. وقد ناقش الحكم المطعون فيه ما جاء من ذلك بالحكم
الابتدائى فقال عن الشطر الأوّل إن لمجلس الوزراء فعلا حق تعطيل الصحيفة بمقتضى السلطة
المقرّرة له فى قانون المطبوعات، وإن هذه السلطة لم تسلب منه إلا بحكم الدستور. أما
عن الشطر الثانى وهو محل الخلاف فقد قرّر الحكم أنه وإن كان للجهات الإدارية أن تتخذ
ما تشاء من الإجراءات فى حدود القوانين الموضوعة لها دون تدخل المحاكم فى هذا الصدد
من حيث التأويل أو وقف التنفيذ فانه يجب مع ذلك أن يكون قصد الموظف الذى يتخذ الإجراء
هو المصلحة العامة. والخروج عن هذا الغرض الذى وضعت لأجله القوانين هو انتهاك لحرمتها
ومخالفة لروحها وإساءة لاستعمال السلطة تبيح الرجوع على الجهة الإدارية بالتعويض. ثم
أشارت المحكمة إلى ما تمسك به المدّعى عليه من أن القرار لم يصدر إلا للانتقام الشخصى
لشهوة حزبية، ولأنه نشر فى جريدته قبل الأمر بتعطيلها عدّة أسئلة خاصة بتصرفات بعض
الوزراء فكان جزاؤه صدور قرار التعطيل. ثم استطرد الحكم إلى إيراد سؤال موجه من الجريدة
إلى أحد الوزراء بخصوص شرائه أرضا للحكومة بثمن بخس وسكوت الحكومة والوزير المسندة
إليه الوقائع التى تضمنها السؤال عن التكذيب. واستخلص أخيرا أن وقائع هذا الشراء لو
صحت لعدّت دليلا على أن قرار التعطيل الذى صدر إنما كان لغرض الانتقام من تأثير هذا
السؤال وليس للمحافظة على عدم إثارة الأفكار وتهييج الخواطر كما جاء بقرار التعطيل.
ثم رأى الحكم بعد ما تقدّم الترخيص للمدّعى عليه فى إقامة الدليل على صحة الوقائع المتعلقة
بالشراء المذكور.
عن الدفعين بعدم قبول الطعن:
وحيث إن المطعون ضدّه دفع (أوّلا) بعدم قبول الطعن بناء على أن الحكم المطعون فيه تمهيدى
لا يجوز الطعن فيه استقلالا. (ثانيا) بعدم قبول الطعن بحجة أن الوزارة قبلت الحكم المطعون
فيه بحضور محاميها أمام المستشار المنتدب للتحقيق بجلسة 4 يونيه سنة 1931 وتقديمه مستندات
بعد العمل بالمرسوم بقانون رقم 68 سنة 1931 الصادر بانشاء محكمة النقض بدون أى تحفظ.
وحيث إنه عن الدفع الأول فالثابت من أسباب الحكم المطعون فيه أنه فصل أوّلا بطريقة
قطعية فى نقطة هى جوهر الخلاف بين الطرفين، فرأى أن للمحاكم حق تمحيص قرار التعطيل
والبحث فى جوهره لمعرفة الأغراض الحقيقية التى دعت إلى إصداره بصرف النظر عما جاء فى
القرار من أسباب، ثم قضى تمهيديا بناء على هذا الأساس بالترخيص للمدّعى عليه فى إثبات
صحة ما يتمسك به للنظر فى التعويض المطالب به. فالحكم لم يكن تمهيديا فحسب، بل هو قطعى
فى المسألة القانونية المختلف عليها. وبهذه المثابة يسوغ قانونا الطعن فيه بطريق النقض
باعتباره حكما قطعيا صادرا فى مسألة قانونية.
أما عن الدفع الثانى فان كل ما جرى بجلسة التحقيق الوحيدة التى جاءت عقب إنشاء محكمة
النقض هو أن محامى المدّعى عليه طلب إحالة الدعوى إلى المرافعة فوافقه مندوب الوزارة.
وليس فى ذلك ما يدل صراحة أو ضمنا على الرضا بالجانب القطعى من الحكم والتنازل عن حق
الطعن فيه.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الدفعيين الفرعيين.
وحيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد القانونى عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
عن موضوع الطعن:
وحيث إن مبنى الطعن هو ما تتمسك به وزارة الداخلية من أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ
فى تطبيق القانون لأن المادة من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية نصت على أنه ليس
لهذه المحاكم أن تؤول معنى أمر يتعلق بالإدارة ولا أن توقف تنفيذه. وتقول الطاعنة إن
المحكمة، فى إجابتها طلب صاحب الجريدة تحقيق إحدى الوقائع التى ذكرتها جريدته فى أعدادها
المتوالية وفى جعل حكمها منوطا بنتيجة هذا التحقيق، قد تعدّت سلطتها بتأويل قرار التعطيل
والترخيص للمدّعى عليه بتكذيب ما انبنى عليه القرار من الأسباب، مع أن كل ما تملكه
هو حق النظر فيما إذا كانت الإجراءات التى اتخذتها وزارة الداخلية صدرت منها فى حدود
سلطتها أم لا. ومما تمسكت به الطاعنة أن القرار قضائى له قوّة الشئ المحكوم به فلا
تجوز إعادة النظر فيه.
وحيث إن الخلاف بين الطرفين ينحصر فى هل للقضاء حق فحص موضوع قرار التعطيل والبحث فيما
إذا كانت أسباب صادقة أم غير صادقة.
وحيث إن المادة من قانون المطبوعات الذى صدر القرار تحت سلطانه تنص على ما يأتى:
"يسوغ محافظة على النظام العمومى أو الدين أو الآداب تعطيل أو قفل أى جرنال أو رسالة
دورية بأمر من ناظر داخلية حكومتنا بعد إنذارين أو بقرار من مجلس النظار بدون إنذار.
ويسوغ إضافة غرامة من خمسة جنيهات إلى عشرين جنيها لكل إنذار يصدر". كما نصت بعض المواد
الأخرى على توقيع غرامات واتخاذ إجراءات مختلفة فى حالات معينة. وجاءت المادة من القانون ذاته ناصة على أن الأمر الصادر بالغرامة أو التعطيل أو غيرهما يكون باتا
لا مراجعة فيه (Sans recours).
وحيث إنه يبين من هذه النصوص أن قانون المطبوعات كان يخوّل جهة الإدارة سلطة الحكم
(Pouvoir juridictionnel) فى أمور معينة، فكان لمجلس الوزراء ووزير الداخلية حق تقرير
الوقائع والحوادث الداعية إلى تطبيق القانون وتقديرها وتوقيع العقاب على مستحقه بطريقة
نهائية.
وحيث إن قرار التعطيل صدر فى حدود أحكام قانون المطبوعات من مجلس الوزراء باعتباره
سلطة حكم فى هذا الشأن فليس للمحاكم قطعا أن تبحث فى صدق أسبابه وعدم صدقها بغض النظر
عما إذا كانت المادة 15 من لائحة الترتيب تجيز لها مثل هذا البحث فى الأوامر الإدارية
إطلاقا أو لا تجيز. ومن ثم تكون دعوى التضمين المبنية على قرار التعطيل المذكور لا
أساس لها من القانون. ولأجل ذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إن الدعوى صالحة للحكم فيها، ويحق لهذه المحكمة أن تقضى فى موضوعها عملا بالفقرة
الأخيرة من المادة 29 من قانون محكمة النقض والإبرام.
وحيث إنه متى تبين أن دعوى التعويض لا أساس لها لبنائها على قرار لا يمكن أن يكون موضوع
مسئولية على الحكومة فقد تعين تأييد الحكم الابتدائى القاضى برفض دعوى المطعون ضدّه
للأسباب آنفة الذكر.
