الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 43 سنة 1 ق – جلسة 03 /03 /1932 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 76

جلسة 3 مارس سنة 1932

برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك وأمين أنيس باشا المستشارين.


القضية رقم 43 سنة 1 القضائية

( أ ) ضمان البائع، متى ينشأ؟ لا محل له عند مجرّد اكتشاف حق رهن على المبيع.
(ب) جواز الاتفاق على تضييق مدى الضمان أو توسيع حدوده.
(جـ) وجوب العمل بقواعد الضمان المقرّرة فى القانون عند عدم الاتفاق على ما يخالفها.
(المواد 140 و266 و300 مدنى و103 مرافعات)
1 – إن حق الضمان لا ينشأ إلا من وقت منازعة الغير للمشترى فى حيازته للبيع وانتفاعه به، منازعة مبنية على دعوى حق عينى على المبيع. أما مجرّد اكتشاف وجود حق رهن على العين المبيعة، دون حصول معارضة من صاحب الرهن للمشترى ومع احتمال حصول تلك المعارضة فى المستقبل، فلا يبيح قانونا للمشترى رفع دعوى الضمان، لجواز عدم حصول التعرّض فيما بعد من صاحب حق الرهن.
2 – إن القانون مع تحديده ضمان البائع فى المادتين 266 و300 مدنى ولو لم ينص على ذلك فى عقد البيع، قد أباح للمتعاقدين تضييق مدى الضمان، كما أباح لهما بمقتضى قواعد التعهدات العامة توسيع حدود الضمان القانونى بالنص فى العقد على أكثر مما حدّده القانون، لأن كل شرط يشترطه العاقدان فى دائرة ما أباحه القانون، أى غير مخالف للنظام العام ولا للآداب، يكون ملزما للطرفين وواجب الاحترام منهما.
3 – إن القانون إذ بين نتائج البيع من جهة التزامات كل من المتعاقدين لم يقصد إلزام المتعاقدين بعدم الخروج عن تلك النتائج ولكنه وضعها على اعتبار أنها فكرة المتعاقدين وما يقصدانه غالبا وقت البيع. فاذا لم يذكر فى عقد البيع التزامات صريحة خاصة بالضمان فان القانون يفرض أن المتعاقدين أرادا ما بينه فى مواده. ولهذا يجب على من يريد مخالفة ما فرضه القانون من الضمان – إذا هو أراد تشديد الضمان على البائع – أن يبين فى العقد الشرط الذى يفهم منه صراحة تشديد الضمان ومخالفة ما نص عليه القانون. أما اشتمال العقد على ما قرّره القانون، بعبارات عامة، فانه لا يدل على أن البائع تعهد بضمان أشدّ مما فرضه القانون، ويكون من المتعين فى هذه الحالة تطبيق الضمان القانونى دون زيادة عليه، لأنه فى حالة الاشتباه يكون التفسير بما فيه الفائدة للمتعهد.


الوقائع

أقام إسماعيل بك الصيرفى (المدّعى عليه الأوّل فى الطعن) أمام محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية الدعوى رقم 542 سنة 1928 ضدّ الشيخ عبد المجيد الشنديدى والشيخ فتح الله الشنديدى (رافعى النقض) قال فيها إنه اشترى منهما 8 فدادين و9 قراريط و6 أسهم أطيانا زراعية بمقتضى عقد بيع نهائى تاريخه 26 مايو سنة 1928 وسجل تسجيلا تاما فى 29 مايو سنة 1928 بثمن قدره 779 جنيها و850 مليما دفعه لهما بأكمله ومشترط فى البند الثالث من العقد المذكور أن الأطيان خالية من جميع الرهون والحقوق العينية أيا كانت، ثم تبين أن للبنك العقارى حقوقا عينية على ملكه ومنها العقد المبيع لدين قدره 301269 قرشا. فرفع إسماعيل بك الصيرفى دعوى عليهما أمام محكمة اسكندرية الأهلية طلب فيها الحكم بالزامهما بشطب الرهن المتوقع على العين المبيعة لصالح البنك العقارى وتحريرها من كل الحقوق العينية وذلك فى ظرف أسبوع من تاريخ النطق بالحكم وإلا كانا ملزمين بالتضامن بغرامة قدرها خمسة جنيهات عن كل يوم من أيام التأخير مع إلزامهما بالمصاريف وأتعاب المحاماة بحكم مشمول بالنفاذ الموقت بلا كفالة.
وفى أثناء السير فى الدعوى أدخل رافعا النقض باقى المدّعى عليهم فى الطعن بصفة ضمان فى الدعوى. ومحكمة اسكندرية المذكورة قضت فى 16 أبريل سنة 1929 برفض دعوى المدّعى وإلزامه المصاريف و200 قرش أتعاب محاماة للمدّعى عليهما المذكورين ورفض ما غاير ذلك من الطلبات.
فاستأنف إسماعيل بك الصيرفى هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر الأهلية نمرة 1168 سنة 46 قضائية طالبا إلغاءه والحكم له بالطلبات المقدّمة لمحكمة أوّل درجة وإلزام المستأنف ضدّهما (رافعى النقض) بالمصاريف والأتعاب وشمول الحكم بالنفاذ المؤقت بدون كفالة، ثم عدّل طلباته إلى إلغاء الحكم المستأنف والحكم بالزام المستأنف عليهما المذكورين فى مواجهة باقى المستأنف عليهم بشطب الرهن المتوقع على العين فى مدّة ثلاثين يوما من تاريخ النطق بالحكم بحيث إذا لم يقوما بذلك ومضى الميعاد يلزمان بأن يدفعا للمستأنف مبلغ 661 جنيها و480 مليما مع المصاريف وأتعاب المحاماة وحفظ كافة الحقوق الأخرى، واحتياطيا الحكم بالزام المستأنف عليهما فى مواجهة باقى المستأنف عليهم باتخاذ الإجراءات المؤدّية إلى شطب الرهن المتوقع على العين وتحريرها من كل الحقوق العينية وذلك فى ظرف أسبوع من تاريخ النطق بالحكم وإلا كانا ملزمين بالتضامن بغرامة قدرها خمسة جنيهات عن كل يوم من أيام التأخير مع إلزامهما بالمصاريف والأتعاب عن الدرجتين.
وبتاريخ 20 نوفمبر سنة 1930 حكمت المحكمة تمهيديا بندب خبير لإجراء الأعمال المبينة بأسباب الحكم. وقد باشر الخبير مأموريته وقدّم تقريره.
وبتاريخ 18 يونيه سنة 1931 حكمت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف وإلزام المستأنف عليهما (رافعى النقض) فى مواجهة باقى المستأنف عليهم باتخاذ الإجراءات المؤدّية إلى شطب الرهن المتوقع على 8 فدادين و9 قراريط و6 أسهم وذلك فى ظرف شهرين من تاريخ النطق بهذا الحكم وإلا كانا ملزمين بالتضامن بغرامة يومية قدرها جنيه واحد عن كل يوم من أيام التأخير وألزمتهما بالمصاريف عن الدرجتين ومبلغ 500 قرش مقابل أتعاب المحاماة ورفضت ما خالف ذلك من الطلبات.
وبتاريخ 17 أكتوبر سنة 1931 قرّر حضرة الأستاذ أحمد رمزى بك المحامى بتوكيله عن رافعى النقض بالطعن بطريق النقض والإبرام فى هذا الحكم الذى أعلن لموكليه من إسماعيل بك الصيرفى فى 23 سبتمبر سنة 1931 طالبا قبول النقض شكلا وفى الموضوع بإحالة الدعوى على دائرة أخرى للحكم فيها مجدّدا ضدّ جميع الخصوم وإلزامهم بالمصاريف وأتعاب المحاماة.
وبعد استيفاء الإجراءات القانونية حدّد لنظر هذه الدعوى جلسة الخميس 28 يناير سنة 1932. وبالجلسة المذكورة صمم وكيل الطاعنين على طلباته المدوّنة بتقرير الطعن وبالمذكرة التفسيرية كما صمم الوكيل عن المدّعى عليه الأول فى الطعن على ما جاء بمذكرته، وعدلت النيابة عما جاء بمذكرتها خاصا بالضمان وفوّضت الرأى للمحكمة ثم أجل النطق بالحكم لجلسة 25 فبراير سنة 1932 ومنها إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
بما أن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وبما أن محصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن – كما يفهم من تقرير الطعن والمذكرات الأصلية والتكميلية – أن الحكم الاستئنافى قد أخطأ فى تطبيق القانون لأنه إن كان مبنيا على نصوص الضمان القانونى فان المشترى واضع يده على العين المبيعة إليه ومنتفع بها انتفاع المالك ولم يعارضه أحد فى حيازته لها ولا فى انتفاعه بها من تاريخ المشترى الحاصل فى سنة 1928 إلى الآن. والقانون لا يلزم البائع بالضمان إلا عند معارضته فى وضع يده أو فى انتفاعه أو عند تكدير حيازته ولو بإنذاره ممن يدّعى حقا عينيا على المبيع بتكليفه بدفع الدين أو تخلية العقار المرهون، وهذا لم يحصل لإسماعيل بك الصيرفى. أما الإنذار الصادر من البنك العقارى الذى ارتكن عليه المشترى فانه لم يكن معلنا إليه ولا إلى البائعين له ولا إلى البائعين لمن باع له، ولهذا لا يعدّ فى نظر القانون نزاعا فى وضع يد إسماعيل بك ولا يوجب الضمان. وإن كان مبنيا على أن الطاعنين ضمنا فى البند الثالث من عقد البيع خلو المبيع من الرهن والحقوق العينية فان العقد لم يشتمل على بيان حكم خاص لحالة ما إذا ظهر أن المبيع مرهون وحينئذ يجب الرجوع إلى باب الضمان فى القانون لأنه المبين دون سواه لعلاقة البائع بالمشترى فى هذه الحالة ولا ضمان قانونا عند عدم معارضة المشترى فى حيازته وانتفاعه. على أن الحكم المطعون فيه لم يتعرّض لبيان سبب الحكم بالشطب هل هو الضمان القانونى أو التعهد الخاص المدوّن فى العقد مع أن الذى يظهر من وقائعه أنه استند على الضمان العام لأنه تكلم عن إنذار البنك العقارى وأنه مهدّد لملكية المشترى.
عن الوجه الأوّل
بما أن القانون المدنى نص فى المادة 266 على أن البيع الصحيح يترتب عليه التزام البائع بتسليم المبيع للمشترى وبضمانة عدم منازعته فيه، وفى المادة 300 على أن من باع شيئا يكون ضامنا للمشترى والانتفاع به بدون معارضة من شخص آخر له حق عينى على المبيع وقت البيع، وأن وجوب هذا الضمان لا يحتاج إلى شرط مخصوص به فى العقد، وظاهر من نص المادتين أن حق الضمان لا ينشأ إلا من وقت منازعة الغير للمشترى فى حيازته للمبيع وانتفاعه به منازعة مبنية على دعوى حق عينى على المبيع. وحينئذ يكون مجرّد اكتشاف وجود حق رهن على العين المبيعة دون حصول معارضة من صاحب الرهن للمشترى مع احتمال حصول تلك المعارضة فى المستقبل لا يبيح قانونا للمشترى رفع دعوى الضمان لجواز عدم حصول التعرّض مستقبلا من صاحب حق الرهن، بل تكون دعواه سابقة لأوانها، وهذا ما جرى عليه الفقه والقضاء.
وبما أن القانون مع تحديده ضمان البائع فى المادتين 266 و300 مدنى ولو لم ينص على ذلك فى عقد البيع فإنه أباح للمتعاقدين تضييق مدى الضمان فى المادة 301 مدنى وأباح لهما بمقتضى قواعد التعهدات العامة أن يوسعا حدود الضمان القانونى بالنص فى العقد على أكثر مما حدّده القانون، لأن كل شرط يشترطه العاقدان فى دائرة ما أباحه القانون، أى غير مخالف للنظام العام ولا للآداب، يكون ملزما للطرفين وواجب الاحترام منهما.
وبما أن نتائج البيع التى بينها القانون من جهة التزامات كل من المتعاقدين لم يقصد بها إلزام المتعاقدين بعدم الخروج عنها، ولكنه وضعها باعتبار أنها هى فكرة المتعاقدين وما يقصدانه غالبا وقت البيع. فاذا لم يذكر فى عقد البيع التزامات خاصة بالضمان صريحة يفرض القانون أن المتعاقدين أرادا ما بينه فى مواده. ولهذا يجب على من يريد مخالفة ما فرضه القانون من الضمان، إذا أراد تشديد الضمان على البائع، أن يبين فى العقد الشرط الذى يفهم منه صراحة وبلا شك تشديد الضمان ومخالفة ما نص عليه القانون. أما اشتمال العقد على بيان ما أضمره القانون بعبارات عامة فانه لا يدل دلالة صريحة على أن البائع تعهد بضمان أشدّ مما فرضه القانون ويكون فى هذه الحالة من الواجب تطبيق الضمان القانونى دون زيادة عليه لأنه فى حالة الاشتباه يكون التفسير بما فيه الفائدة للمتعهد (مادة 140 مدنى).
وبما أن نص البند الثالث من العقد هو: "يضمن البائع أن العقارات المبيعة خالية من جميع الرهون والحقوق العينية وغيره".
وبما أنه بمراجعة الحكم المطعون فيه يتبين منه فى سرد الوقائع والأسباب أنه تكلم أوّلا عن الإنذار الصادر من البنك العقارى الذى اعتبره إسماعيل بك الصيرفى دالا على وجود حقوق عينية على المبيع ومهدّدا لملكيته. ثم تكلم على البند الثالث من العقد دون أن يقرّر بوضوح إن كان قضاؤه بالزام البائعين بشطب الرهن مبنيا على الضمان القانونى أو إن كان اعتبر الشرط الثالث من العقد تعهدا بضمان الحقوق العينية ولو لم ينشأ عنها تعرّض فعلا.
وبما أن إجمال المحكمة وعدم بيانها الأسباب التى بنت عليها حكمها بالزام الطاعنين بشطب الرهن واحتمال أن تكون استندت على الضمان القانونى (مع أن هذا الضمان لا يوجد ما دام الأمر قاصرا على ظهور حقوق عينية على المبيع لم يقترن بتعرّض أحد للمشترى) أو احتمال أنها أخذت باعتبار الشرط الثالث من العقد تشديدا للضمان – هذا الإجمال يدخل تحت عدم تسبيب الحكم أو عدم كفاية الأسباب، وهذا مخالف لنص المادة 103 مرافعات وموجب لنقض الحكم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات