الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 27 سنة 1 ق – جلسة 14 /01 /1932 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 52

جلسة 14 يناير سنة 1932

برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة باشا وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك وأمين أنيس باشا.


القضية رقم 27 سنة 1 القضائية

( أ ) طعن بطريق النقض. جواز توقيع التقرير به من نائب من أقسام قضايا الحكومة بالنيابة عنها. (المادة 55 من قانون المحاماة أمام المحاكم الأهلية).
(ب) تعيين شخصية المصلحة المتقاضية. يكفى فيه ذكر وظيفة من يمثلها دون اسمه فى الإعلان.
(جـ) الوفاء بالتعهدات. طارئ جعل التنفيذ مرهقا للمدين. ليس سببا من أسباب فسخ العقد. نظرية الظروف الطارئة. عدم جواز العمل بها فى غير الصور المنصوص عليها قانونا.
(المواد 177 و178 و119 مدنى)
1 – لا بطلان إذا قرّر بالطعن عن إحدى مصالح الحكومة نائب من أقسام القضايا فان هذا النائب وإن لم يكن محاميا مقرّرا أمام محكمة النقض إلا أن صلاحيته لتمثيل الحكومة والنيابة عنها مستفادة من نص المادة 55 من قانون المحاماة الأهلية.
2 – يكفى لتعيين شخصية المصلحة المتقاضية أن تذكر فى الورقة وظيفة من يمثل هذه المصلحة، وإذن فلا بطلان إذا اقتصر فى إعلان الطعن المرفوع من مصلحة مّا على ذكر وظيفة ممثل هذه المصلحة دون اسمه.
3 – الالتزام العقدى لا ينقضى بالفسخ إلا إذا أصبح الوفاء غير ممكن بتاتا لطروء حادث جبرى لا قبل للملتزم بدفعه أو التحرز منه. أما العارض الذى كان كل أثره هو أن جعل التنفيذ مرهقا للملتزم فحسب، كارتفاع ثمن المبيعات التى التزم التاجر توريدها ارتفاعا باهظا، فلا ينقضى به الالتزام ولا تبرأ ذمة الملتزم. فاذا حكم القاضى فى مثل هذه الصورة بفسخ الالتزام تطبيقا لنظرية انفساخ الالتزام بالظروف الطارئة، ومراعاة لمقتضيات العدالة، كان حكمه مخالفا للقانون متعينا نقضه. لأن الشارع وإن كان قد أخذ بنظرية حساب الطوارئ فى بعض الأحيان إلا أنه استبقى زمامها بيده يتدخل بها فيما شاء وقت الحاجة وبالقدر المناسب ولمصلحة العاقدين كليهما، وليس على القضاء إلا أن يطبق القانون على ما هو عليه.


الوقائع

تتلخص وقائع هذه المادة على ما جاء بالحكم المطعون فيه أن الحكومة شهرت مناقصة خاصة بتوريد 8420 إردبا من الذرة العويجة فرست فى 21 يونيه سنة 1919 على محمد أفندى إبراهيم متولى بسعر 2 جنيه و550 مليما للأردب الواحد، على أن يورّد للمصلحة ما تطلبه منها فى ثمانية أيام تمضى من تاريخ الطلب التحريرى الذى يرسل له، وعلى أنه إذا تأخر فى توريد أى جزء فللمصلحة أن تشتريه على حسابه ويكون ملزما بكل زيادة عن الثمن المتفق عليه، كما لها أن تلغى العقد وتخطره بالغائه. وقد قبل المتعهد أن يكون للمصلحة الحق فى أن تأخذ أقل أو أزيد من الكمية المتفق على توريدها بشرط أن لا تتجاوز الزيادة 25% وأن يكون لها الحق فى الاستغناء بأى حال من الأحوال عن أخذها كلها أو بعضها دون أن يكون له حق مطالبتها بالاستلام أو بأى تعويض كان. وقد أخذ الملتزم فى توريد ما طلب منه حتى 19 يناير سنة 1920 فطلبت منه المصلحة توريد 250 أردبا من الذرة، ولما لم يورّدها حررت له خطابا موصى عليه بتاريخ 21 يناير سنة 1920 تطلب منه التوريد وتحذره عاقبة التأخير فيه فلم يجبها. ثم أرسلت له خطابا آخر فى 11 فبراير سنة 1920 تطلب منه توريد ألفى أردب فلم يورّد منها إلا 136.5 أردبا، فاشترت من السوق على حسابه ما لزمها وقتئذ وقدره 96 أردبا وأخطرته بذلك وبأنها تريد معرفة ما إذا كان مستعدا لتوريد الكمية المطلوبة منه أم لا. وكررت عليه الطلب فأجابها بخطابه المؤرّخ 21 مارس سنة 1920 بأنه لا يستطيع القيام بتوريد الذرة لندورها ومضاعفة ثمنها فاشترت المصلحة ما لزمها بسعر السوق وأخطرته بالشراء ثم رفعت هذه الدعوى لمحكمة اسكندرية الابتدائية الأهلية تطالبه بفروق الأثمان بعد خصم ما كان له عندها من تأمين وما استحقه من ثمن شراء، وبلغ ما طلبت الحكم بالزامه بدفعه لها مبلغ 5181 جنيها و91 مليما، ورفع هو عليها دعوى فرعية طالبها فيها بأن تدفع له 2509 جنيهات و75 مليما، فقضت محكمة اسكندرية بتاريخ 30 ديسمبر سنة 1930 برفض الدعوى الفرعية وفى الدعوى الأصلية بالزام المدّعى عليه بأن يدفع للمصلحة 5181 جنيها و91 مليما وبالفوائد والمصاريف. فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم. ومحكمة استئناف مصر حكمت بتاريخ 19 أبريل سنة 1931 بالغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى الأصلية وبالزام مصلحة الحدود بأن تدفع لخصمها 2509 جنيهات و75 مليما مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. فطعنت الحكومة فى هذا الحكم بالنقص فى 17 أغسطس سنة 1931 بعد أن أعلن لها فى 18 يوليه سنة 1931 وأخطرت خصمها بهذا الطعن فى 20 أغسطس سنة 1931 وقدّمت مذكرتها فى 6 سبتمبر سنة 1931 ولم يقدّم المدّعى عليه مذكرة بأقواله، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 3 نوفمبر سنة 1931 طالبة قبول الطعن ونقض الحكم.
وبجلسة المرافعة المحدّدة أخيرا لنظر هذه القضية صمم الطاعن على طلباته والنيابة على طلباتها كذلك ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
عن شكل الطعن وميعاده
من حيث إن التقرير بالطعن فى قلم الكتاب حصل فى 17 أغسطس سنة 1931 والحكم المطعون فيه قد أعلن للطاعنة فى 18 يوليه فالطعن فى الميعاد.
ومن حيث إن الذى قرّر بالطعن بقلم الكتاب بالنيابة عن مصلحة أقسام الحدود التابعة لوزارة الحربية هو جورج روفائيل أفندى النائب بقسم قضايا وزارة الأشغال والحربية، وهو وإن لم يكن محاميا مقرّرا أمام هذه المحكمة إلا أن صلاحيته لتمثيل الحكومة والنيابة عنها مستفادة من نص المادة 55 من قانون المحاماة الأهلية.
ومن حيث إن الإخطار بالطعن للمدّعى عليه وإن كان قد حصل بمعرفة الحكومة المصرية النائب عنها حضرة صاحب السعادة مدير عموم مصلحة أقسام الحدود بغير ذكر اسم لهذا المدير إلا أنه يجب اعتباره صحيحا لأنه لم يدع لبسا فى معرفة الطاعن الذى هو مصلحة أقسام الحدود التابعة لوزارة الحربية والتى ينوب عنها قسم القضايا.
ومن حيث إنه لذلك يكون الطعن قد رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
عن الموضوع:
ومن حيث إن محصل الطعن أن الحكم المطعون فيه قد بنى على أن المدّعى عليه فى الطعن – عند توقيعه على شروط المناقصة والعقد فى يونيه سنة 1919 – لم يكن ليخطر بباله ما بلغته أثمان الذرة التى التزم توريدها من الارتفاع الفاحش الذى أخل بتوازن العقد الاقتصادي، وأنه إذا كان واجبا احترام العقود باعتبارها قانون المتعاقدين ما دام تنفيذها لم يصبح بعد مستحيلا استحالة مطلقة فانه يجب أن يكون ذلك مقيدا بمقتضيات العدالة وروح الإنصاف بحيث إن طرأت عند تنفيذ العقد ظروف لم يكن ليتوقعها العاقدان كان من شأنها أن تؤثر على حقوقهما وواجباتهما وتخل بتوازنهما إخلالا خطرا وتجعل تنفيذ العقد مرهقا للمدين لدرجة لم يكن ليتوقعها بحال من الأحوال، تعين إعفاء المدين من تنفيذ تعهداته وفسخ العقد على حساب الدائن حتى لا يثرى هذا على حساب مدينه. كما بنى ذلك الحكم أيضا على أن القانون المصرى وإن لم يصرح بأخذه بنظرية انفساخ الالتزام بالظروف الطارئة التى لم يكن ليتوقعها العاقدان والتى تجعل التنفيذ مرهقا للمدين، إلا أنه قد عمل بها فى المواد 168 و119 و122 من القانون المدنى إذ أباح للمحاكم أن تأذن المدين بوفاء الدين على أقساط أو أن تعطيه ميعاد للوفاء إذا لم يترتب على ذلك ضرر جسيم لرب الدين، وإذ لم يجعل المدين ملزما بالتضمينات المترتبة على عدم الوفاء أو التأخير فيه إلا إذا كان كلاهما ناشئا عن تقصير الملتزم، ولم يدخل فى هذه التضمينات إلا ما كان متوقعا حصوله عقلا من الخسارة إذا كان عدم الوفاء ليس ناشئا عن تدليس. وتقول الطاعنة والنيابة العامة إن القانون المصرى لا يعترف بنظرية حساب الطوارئ (théorie de ľimprevision) على الوجه الذى يقول به الحكم المطعون فيه بل هو بالعكس يعتبر المدين مقصرا فى عدم الوفاء أو فى التأخير فيه بمجرّد ثبوت أيهما عليه فعلا، ولا يعفيه من التزامه إلا إذا أثبت هو أنه قد استحال عليه تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة بقوّة قاهرة أو حادث فجائى لا قبل له بدفعه أو التحرّز منه. ثم يطبق الطاعن والنيابة العامة هذه الأصول على صورة الدعوى الحالية فيقولان إنه كان على الملتزم – وعقده على ما سبق ذكره – أن يتحوّط لارتفاع الأسعار الملحوظ عند العقد، وإنه على كل حال لا ينبغى اعتبار ارتفاع الأسعار مع وجود الصنف فى السوق طارئا يمكن أن يحل الملتزم مما قيد نفسه به.
ومن حيث إن الذى يؤخذ حقيقة من فقه المواد 177 و178 و119 من القانون المدنى أن الالتزام العقدى لا ينقضى بالفسخ إلا إذا أصبح الوفاء غير ممكن، وأن الملتزم يعتبر مقصرا ومسئولا بالتضمينات إذا لم يقم فعلا بالوفاء أو إذا تأخر فيه، وأنه لا يستطيع إخلاء عهدته إلا إذا أثبت أن الوفاء أصبح – قبل تكليفه – مستحيلا استحالة مطلقة بطروء حالة قاهرة أو حادث جبرى لا قبل له بدفعه أو التحرّز منه، وأن التضمينات التى يستحقها من له الالتزام تشمل ما أصابه من خسارة وما ضاع عليه من ربح بشرط أن يكون ذلك ناشئا مباشرة عن عدم الوفاء أو عن التأخير فيه. فان كان الملتزم مدلسا فوق كونه مقصرا دخل فى التضمينات ما كان يتوقع وما كان لا يتوقع حدوثه عقلا من الكسب والخسارة وقت العقد، وإن كان مقصرا فقط فلا يدخل فيها إلا ما كان من ذلك متوقع الحصول عقلا وقت العقد.
ومن حيث إن الواضح فى أسباب الحكم المطعون فيه أن محكمة الاستئناف تسلم بذلك الذى تفيده نصوص القانون المدنى على ما سبق ذكره، وتسلم كذلك بأن ذلك العارض الذى ادّعى الملتزم أنه طرأ على تنفيذ العقد وهو ارتفاع ثمن الذرة ارتفاعا فاحشا لم يكن ليمنع عليه الصنف من السوق ولا ليجعل تنفيذ العقد مستحيلا استحالة مطلقة؛ لكنها – إذ رأت ما يترتب على بقاء حكم العقد من الضرر البليغ بالملتزم المحكوم عليه – سلكت سبيل التأوّل فى القانون فقيدت حكم احترام العقود باعتبارها قانون المتعاقدين ما دام لم يصبح تنفيذها مستحيلا استحالة مطلقة بقيد وضعته هى من عند نفسها، وهو مراعاة مقتضيات العدالة وروح الإنصاف، لتصل بذلك إلى جواز الحكم بفسخ الإلزام كلما رأى القاضى أن مقتضيات العدالة وروح الإنصاف تسمح له بالفسخ ولو لم يبلغ الطارئ المفاجئ الذى جعل التنفيذ مرهقا للدين مبلغ الحادث الجبرى أو القوّة القاهرة التى تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا استحالة مطلقة موجبة الفسخ بحكم القانون. وضعت المحكمة هذا القيد وخالت أن فى نظرية الإثراء على حساب الغير ونظرية الإفراط فى استعمال الحق ما يدعمه، ثم عرجت بعد ذلك إلى نصوص القانون المدنى فقالت إن حكمى المادتين 168 و122 يمكن اعتبارهما تطبيقين لهذه النظرية وانتهت من ذلك كله إلى الحكم المطعون فيه القاضى بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى الطاعنة.
ومن حيث إنه وإن كانت هذه النظرية تقوم على أساس من العدل والعفو والإحسان إلا أنه لا يصح لهذه المحكمة أن تستبق الشارع إلى ابتداعها فيكون عليها هى وضعها وتبيان الظروف الواجب تطبيقها فيها وتحديد ما ينبغى على قاضى الموضوع اتخاذه من الوسائل القانونية فى حق العاقدين كليهما توزيعا للغرم بينهما.
ومن حيث إن هذه المحكمة لا تستطيع هى الأخرى أن تسلك مسلك محكمة الاستئناف فى تأوّل نصوص القانون على نحو ما جرت هذه عليه مما لا ترى هى فائدة مّا من مناقشتها فيه. لأنها تلاحظ أن الشارع المصرى منذ أن وقعت الحرب العالمية التى أخلت بالتوازن الاقتصادى فى الحقوق والواجبات المترتبة على كثير من العقود، إخلالا دونه الإخلال المدّعى به فى صورة الدعوى الحالية، قد اكتفى فى معالجة هذا الاختلال بما رآه وقتئذ من وقف الآجال وإعطاء المهل والتدخل فى عقود إجارات الأطيان والأماكن المبنية للسكنى وتحديد أسعار المواد الغذائية والحاجية وغير ذلك مما هو معروف فى تاريخ التشريع المصرى، تاركا العقود الأخرى خاضعة لأحكام القانون والمبادئ العامة، وأنه كان من أثر وقوف الشارع هذا الموقف أن أحجم القضاء المصرى (الأهلى والمختلط) عن الأخذ بنظرية مراعاة مقتضيات العدالة والإنصاف فى أقسى الأحوال الملحة بوجوب أخذ المدين بروح العفو والعدل والإنصاف. فقرّر هذا القضاء فى كثير من أحكامه أن حالة الحرب ذاتها مع ما أثرت به فى جميع الشئون لا تعتبر حالة قاهرة تفسخ الالتزام إلا اذا جعلت الوفاء مستحيلا استحالة مطلقة، كما قرّر أن ارتفاع أثمان المبيعات التى التزم توريدها على دفعات متعاقبة ارتفاعا فاحشا مبهظا للمدين لا يمكن اعتباره حادثة قهرية ينقضى بها الالتزام وتبرأ ذمة الملتزم.
ومن حيث إن هذه التشريعات المختلفة الصادرة أثناء الحرب وبعد الصلح كما تدل على صلاحية الأخذ بنظرية حساب الطوارئ فى بعض الأحيان فهى تدل كذلك على أن الشارع أراد أن يستبقى زمامها بيده يتدخل بها فيما شاء وقت الحاجة وبالقدر المناسب ولمصلحة كلا العاقدين، فما يكون للقضاء بعد ذلك إلا أن يطبق القانون على ما هو عليه.
ومن حيث إنه ينتج من جميع ما تقدّم أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فى تأويل القانون بتقريره المساواة بين الطارئ الذى قد يجعل تنفيذ الالتزام مرهقا للملتزم وبين الحادث الجبرى الذى يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا استحالة مطلقة، وتقريره الأخذ فى كليهما بفسخ الالتزام على حساب الدائن وإبراء ذمة المدين، وفى هذا الخطأ مخالفة للقانون تستوجب نقض الحكم وإعادة القضية إلى محكمة استئناف مصر لتفصل فيها من جديد.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات