الطعن رقم 81 سنة 17 ق – جلسة 09 /06 /1949
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 789
جلسة 9 من يونيه سنة 1949
برياسة حضرة محمد المفتى الجزايرلى بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد حلمى بك وفهيم إبراهيم عوض بك ومحمد عزمى بك وعبد العزيز محمد بك المستشارين.
القضية رقم 81 سنة 17 القضائية
أ – نقض وإبرام. المادة 12 من قانون محكمة النقض. سريان حكمها على
من شهد الخصومة من زملاء المحكوم فى غيبته متى كان مركز كل منهم فى الخصومة متأثراً
بمركز زملائه. عدم قابلية موضوع النزاع للتجزئة.
ب – نقض وإبرام. المادة 12 من قانون محكمة النقض. طعن مرفوع ممن شهد الخصومة من زملاء
الغائب. لا يحكم بعدم قبوله بل يتعين وقف السير فيه.
1 – إن المادة 12 من المرسوم بقانون رقم 68 لسنة 1931 بإنشاء محكمة النقض إذ قالت:
"لا يقبل الطعن بطريق النقض فى حكم غيابى ما دام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزاً"
[(1)] فنصها هذا بحكم عموم عبارته وعلة تشريعه كما يسرى على من صدر
الحكم فى غيبته وعلى خصمه الحاضر، مما جرى به قضاء هذه المحكمة [(2)]،
يسرى أيضاً على من شهد الخصومة من زملاء المحكوم فى غيبته متى كان مركز كل منهم فى
الخصومة متأثراً بمركز زملائه وغير مستقل عنه، كما هو الشأن فى أحوال عدم التجزئة أو
التضامن أو الضمان [(3)].
فإذا طالبت وزارة الأوقاف الورثة جميعاً دون تخصيص بتسليم الأعيان الموقوفة بناءً على
وصية حررها مورثهم، فنازع الورثة فى صحة الوصية بالوقف وفى أن المورث مات مصراً عليها،
فقضت المحكمة الابتدائية بوقف السير فى الدعوى حتى يبت نهائياً من المحكمة الشرعية
المختصة فى هذا النزاع، فاستأنفت وزارة الأوقاف فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم
الابتدائى وإعادة القضية إلى محكمة الدرجة الأولى للفصل فيها، وصدر هذا الحكم حضورياً
لبعض الورثة وغيابياً لبعض، فطعن بعض الأولين فى هذا الحكم بطريق النقض فإنه لا يتأتى
البت فى هذا الطعن قبل أن يصبح الحكم المطعون فيه نهائياً غير قابل للمعارضة بالنسبة
إلى من صدر غيابياً لهم [(3)].
2 – إن نص المادة 12 من قانون محكمة النقض وإن كان فى ظاهره يقضى بوجوب الحكم بعدم
قبول الطعن الذى يرفع قبل صيرورة الحكم غير قابل للمعارضة فإن هذا مقصور على الحالة
التى يكون فيها الطعن مرفوعاً ممن صدر الحكم فى غيبته أو من خصمه الحاضر. أما إذا كان
الطعن مرفوعاً ممن شهد الخصومة من زملاء الغائب فيكون من المتعين وقف السير فيه لا
الحكم بعدم قبوله. ذلك أن صيرورة الحكم غير قابل للمعارضة إنما تتم باجراءات وأمور
لا دخل فيها للطاعن فلا هو يملك توجيهها ولا هى توجه إليه ولا من المفروض أنه يعلم
بها [(3)].
المحكمة
من حيث إن وزارة الأوقاف رفعت الدعوى على الطاعنين وباقى ورثة المرحوم
محمد باشا أحمد وطلبت الحكم بإلزام الورثة جميعاً بتسليم أعيان الوقف المبينة بصحيفة
الدعوى – تلك الأعيان التى صدر الإشهاد الشرعى بوقفها بناءً على على وصية حررها المحروم
محمد باشا أحمد، فنازع الورثة فى صحة الوصية التى أنشئ الوقف على أساسها كما نازعوا
فى أن المورث مات مصراً عليها إذ تمسكوا بأنه قد عدل عنها قبل وفاته فقضت "محكمة أول
درجة بوقف السير فى الدعوى حتى يبت نهائياً من المحكمة الشرعية المختصة فى هذا النزاع.
فاستأنفت وزارة الأوقاف فقضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف وإعادة القضية
لمحكمة أول درجة للفصل فى موضوعها. وقد صدر هذا الحكم حضورياً للطاعنين وغيابياً للسيدتين
سميرة هانم وعفت هانم محمد أحمد. فطعن الطاعنان فى هذا الحكم بطريق النقض وطلبت وزارة
الأوقاف وقف السير فى الطعن حتى يصبح الحكم غير قابل للمعارضة وذلك بالنسبة إلى السيدتين
سميرة هانم وعفت هانم.
ومن حيث إن المادة 12 من المرسوم بقانون رقم 68 سنة 1931 الخاص بإنشاء هذه المحكمة
تقول: "لا يقبل الطعن بطريق النقض فى حكم غيابى ما دام الطعن فيه بطريق المعارضة جائزاً".
وهذا النص بحكم عموم عبارته وعلته التشريعية كما يسرى على من صدر الحكم فى غيبته وعلى
خصمه الحاضر، مما جرى به قضاء هذه المحكمة، يسرى أيضاً على من شهد الخصومة من زملاء
المحكوم فى غيبته متى كان مركز كل منهم فى الخصومة متأثراً بمركز زملائه وغير مستقل
عنه، كما هو الشأن فى أحوال عدم التجزئة أو التضامن أو الضمان.
ومن حيث إن مطالبة وزارة الأوقاف الخصوم جميعاً دون تخصص بتسليم الأعيان الموقوفة يجعل
موضوع الدعوى غير قابل للتجزئة إذ طلب تسليم كل الأعيان موجه إلى كل خصم فى الدعوى،
كما أنه موجه إلى الجميع. ومن ثم لا يتأتى البت فى هذا الطعن قبل أن يصبح الحكم المطعون
فيه غير قابل للمعارضة بالنسبة إلى السيدتين سميرة هانم وعفت هانم محمد أحمد أما القول
بأنه متى كان موضوع الدعوى غير قابل للتجزئة وأصبح الحكم نهائياً فى حق بعض الخصوم
فإنه يصبح كذلك فى حق الباقين ولو كانت مواعيد الطعن لم تنته بالنسبة إليهم، وأنه بناءً
على ذلك تكون معارضة السيدتين سميرة هانم وعفت هانم غير مقبولة، وإذن فلا وجه للتربص
حتى يعلم مصيرها – هذا القول مردود بأن سماع دفاع المحكوم عليه متى عارض فى الحكم الصادر
فى غيبته هو من القواعد الأساسية المتعلقة بالنظام العام ولا يمكن أن يحول دونه أن
الحكم صدر نهائياً بالنسبة إلى زملائه الحاضرين.
ومن حيث إنه وإن كان ظاهر نص المادة 12 من قانون إنشاء هذه المحكمة يقضى بوجوب الحكم
بعدم قبول الطعن الذى يرفع قبل صيرورة الحكم غير قابل للمعارضة فإن هذا الحكم مقصور
على الحالة التى يكون فيها الطعن مرفوعاً ممن صدر الحكم فى غيبته أو من خصمه الحاضر
أما إذا كان الطعن مرفوعاً ممن شهد الخصومة من زملاء الغائب فيكون من المتعين وقف السير
فيه لا الحكم بعدم قبوله. ذلك أن صيرورة الحكم غير قابل للمعارضة إنما تتم بإجراءات
وأمور لا دخل فيها للطاعن فلا هو يملك توجيهها ولا هى توجه إليه وليس من المفروض أن
يعلم بها.
ومن حيث إنه لذلك يتعين وقف السير فى الطعن حتى يصبح الحكم المطعون فيه غير قابل للمعارضة
بالنسبة إلى السيدتين سميرة هانم وعفت هانم محمد أحمد.
[(1)] لم ينقل قانون المرافعات الجديد حكم المادة 12 من قانون محكمة النقض ولا حكم المادة 351 من قانون المرافعات القديم، بل نص فى المادة 387 الواردة فى باب المعارضة على أن الطعن فى الحكم الغيابى بطريق آخر غير المعارضة يعتبر نزولاً عن حق المعارضة. وقد قررت المذكرة التفسيرية أن المشروع "رأى أن يعدل عن القاعدة التى لا تجيز الطعن فى الأحكام الغيابية بطريق غير طريق المعارضة ما دام الطعن فيها بالمعارضة جائزاً (المادة 351 أهلى والمادة 12 من قانون محكمة النقض)" ونوهت بأن الشارع الفرنسى قد سبق عدوله عن هذه القاعدة حين عدل المادة 456 بقانون 23 مايو سنة 1942 (ويجرى نصها الجديد بجواز الاستئناف من المحكوم عليه غيابياً ولو قبل انقضاء ميعاد المعارضة).
ولقد كان هذا التعديل خليقاً بألا يبقى معه محل للبحث عن علة تشريع الحكم المعدول عنه بقصد التوسع فى تفسيره بما لا يصرح به نصه.
[(2)] انظر حكم 29 مايو سنة 1947 المنشورة قاعدته فى هذا الجزء تحت رقم 209 صفحة 448 – 449.
[(3)] قلنا فى التعليق على الحكم الصادر فى 15 يناير سنة 1948 المنشورة قاعدته فى هذه المجموعة (برقم 256 صفحة 517 وما يليها) إنه ينم عن ميل المحكمة إلى التقرير بأنه إذا تعدد المحكوم عليهم وكان الحكم حضورياً فى حق البعض وغيابياً فى حق البعض فاستئناف الحكم من الحاضر (أو الطعن فيه بالنقض) يكون غير مقبول إلى أن تصبح المعارضة فيه غير مقبولة من الغائبين، تطبيقاً للمادة 351 من قانون المرافعات (أو المادة 12 من قانون محكمة النقض) وعقبنا على هذا الرأى بأنه محل نظر وذكرنا أسباب مخالفتنا إياه، فنحيل على ذلك التعليق.
ولكن فى هذا الحكم الأخير قد صرحت المحكمة بوجهة نظرها فى المسألة فخالفت تفسير المادة 12 من قانون محكمة النقض (والمادة 351 مرافعات) على ذلك النحو الذى عرضنا لنقده. ذلك أنها قررت أن الطعن المرفوع من الحاضر قبل الفصل فى معارضة الغائب (أو قبل فوات ميعاد المعارضة) يكون واجباً وقفه إلى حين الفصل فى المعارضة (أو إلى حين انتهاء ميعادها) ولكنه لا يكون غير مقبول. والتمست العذر للطاعن من أن "صيرورة الحكم غير قابل للمعارضة (من الغائب) إنما تتم بإجراءات وأمور لا دخل فيها للطاعن فلا هو يملك توجيهها ولا هى توجه إليه وليس من المفروض أنه يعلم بها". هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تبسط رأيها فى تطبيق حكم المادة 12 من قانون محكمة النقض (والمادة 351 مرافعات) على كل من شهد الخصومة من زملاء الغائب بل قصرته على الحالات التى يكون فيها مركز كل من الزملاء فى الخصومة "متأثراً بمركز زملائه وغير مستقل عنه كما هو الشأن فى أحوال عدم التجزئة أو التضامن أو الضمان" مما أحوجها – لإعمال رأيها – إلى القول بأن موضوع الدعوى التى رفع الطعن إليها عن الحكم الصادر فيها هو موضوع غير قابل للتجزئة.
ونلاحظ ابتداءً أن المحكمة إذ جعلت مناط العمل بحكم المادة 12 هو تأثر مركز كل خصم بمركز زملائه، وإذ قالت "كما هو الشأن فى أحوال عدم التجزئة…" فلعلها قصدت بذلك أن تبين الأحوال التى ذكرتها بيان حصر لا بيان تمثيل فإن حالات عدم القابلية للتجزئة والضمان والتضامن هى وحدها التى جرى الاجتهاد فيها على الاستثناء من القواعد العامة فيما تقضى به من نسبية الآثار المترتبة على التصرفات القانونية أو على إجراءات المرافعات وقصرها على كل واحد من أصحاب الشأن فيها مستقلاً عمن عداه، وذلك لما فى حالات الضمان والتضامن وعدم القابلية للتجزئة من افتراض نيابة البعض عن البعض نيابة ناقصة يختلف مداها فى مختلف الآراء، أو لما يقتضيه عدم القابلية للتجزئة من العمل على توحيد القضاء فى الدعوى بالنسبة إلى جميع الخصوم. ولم يذهب الشراح ولا المحاكم عند البحث فيمن يستفيد من إجراءات غيره ومن يضارّ بها إلى الخروج على قاعدة النسبية إلا فى تلك الحالات الثلاث دون سواها. وكذلك فعل قانون المرافعات الجديد إذ استخلص مما رجحه من أقوال الفقهاء وأحكام المحاكم ما نص عليه فى المادة 384 من أنه "لا يفيد من الطعن (فى الحكم بأى طريق) إلا من رفعه ولا يحتج به إلا من رفع عليه"، وما استثناه فى هذه المادة فى حالات عدم القابلية للتجزئة والتضامن والضمان وما عين به وجوه الاستثناء فيها.
وبعد فلم يقنعنا القضاء بوقف الطعن المرفوع ممن حكم عليهم فى حضورهم حتى يصبح الحكم المطعون فيه غير قابل للمعارضة ممن صدر عليهم غيابياً، حتى على فرض أن موضوع النزاع غير قابل للتجزئة، ولم ندرك وجه الفائدة فى الوقت ولا وجه الضرر الذى يراد تحاشيه به. فهل الحكم فى معارضة الغائبين بقبول معارضتهم وإلغاء الحكم بالنسبة إليهم يمتد أثره إلى حق الحاضرين الطاعنين فيه بالنقض فيغنيهم عن طعنهم بحيث لا يبقى لنظر هذا الطعن محل مع احتمال الاستغناء عنه؟ أو هل الفصل فى الطعن فيه مجازفة بحق الغائبين فى المعارضة إذ قد يحكم فيه برفضه فيصبح الحكم الغيابى نهائياً باتاً بالنسبة إليهم؟ قالت المحكمة رداً على التساؤل هل الحكم الحضورى النهائى بالنسبة إلى بعض المحكوم عليهم يمنع زملاءهم الغائبين من حق المعارضة فيه إن "سماع دفاع المحكوم عليه متى عارض فى الحكم الصادر فى غيبته هو من القواعد الأساسية المتعلقة بالنظام العام ولا يمكن أن يحول دونه أن الحكم صدر نهائياً بالنسبة إلى زملائه الحاضرين" وبهذا القول نفت المحكمة الزعم بأن المدينين بالتزام غير قابل للتجزئة ينوب بعضهم عن بعض فى الخصومة، ويكون الحكم الذى يصدر لواحد منهم أو عليه حجة لزملائه أوحجة عليهم. ومتى صح هذا – ولعله الصحيح – فقد تعين أن يكون جوابها بالنفى عن السؤالين المتقدمين، ومع هذا الجواب لا يبقى للحكم بوقف الطعن أى أساس من قواعد القانون، وإلا فماذا عسى أن يكون أساس قولها إن البت فى الطعن المرفوع إليها من الحاضرين "لا يتأتى" قبل أن يصبح الحكم المطعون فيه غير قابل للمعارضة بالنسبة للغائبين؟
يبقى البحث فى هل كان موضوع الدعوى غير قابل للتجزئة بحيث يتعين تطبيق المادة 12 على التفسير الذى ذهبت إليه المحكمة؟ جاء فى بيان موضوع الدعوى أن "مطالبة وزارة الأوقاف للخصوم جميعاً دون تخصيص بتسليم الأعيان الموقوفة يجعل موضوع الدعوى غير قابل للتجزئة إذ طلب تسليم كل الأعيان موجه إلى كل خصم فى الدعوى كما أنه موجه إلى الجميع".
ونحن مع احترامنا الكامل لقضاء المحكمة نخالفها فيما ذهبت إليه من اعتبار هذا الطلب غير قابل للتجزئة. ذلك أن مورث المحكوم عليهم (ومنهم الطاعنون) كان قد أوصى لوزير الأوقاف بوقف أعيان يملكها، ولما توفى أشهد الوزير بالوقف تنفيذاً للوصية، فنازع ورثة الموصى فى صحة الوقف لأسباب منها أنه رجع عن وصيته قبل وفاته، فرفعت وزارة الأوقاف هذه الدعوى عليهم بطلب تسليم الأعيان المدعى وقفها، واختارت هذا الوضع ظانة أنه يغنيها عن رفع دعوى الوقف أمام المحكمة الشرعية وراجية ألا يثير الورثة النزاع فى الوقف أو إن نازعوا أن تحكم المحكمة المدنية بعدم جدية منازعتهم فتقضى عليهم بالتسليم دون أن تقف الدعوى إلى أن تفصل المحكمة الشرعية فى صحة الوقف. ومن هذا يتضح أن دعوى التسليم قد أقيمت على حق عينى لوزارة الأوقاف سببه إشهاد بالوقف تتعلق صحته بصحة إيصاء المورث لوزير الأوقاف بإصدار الوقف، وأن طلب التسليم وإن جاء مستقلاً عن طلب تقرير الحق المنشئ له، لثقة الطالب بسلامة سنده، إلا أنه لما نازع الورثة فى صحة الوصية وصحة الوقف المترتب عليها قد أصبح طلب التسليم متفرعاً فى الحقيقة على طلب أساسى بملكية جهة الوقف للأعيان الموقوفة وبنفاذ الوصية على ورثة الموصى فيما أنشأت للواقف من صفة فى إصدار الوقف.
ومما لا جدال فيه أن حق الملكية قابل للتجزئة حصصاً شائعة فى المملوك ولو كان الشئ بطبيعته مما لا يقبل الانقسام، أما الحق فى تسلم المملوك فلا يعدو أن يكون فرعاً عن حق الملكية يتبعه فى وصفه فيكون مثله قابلاً للتجزئة. وإليك البيان:
ليس فى القانون المدنى المصرى إلا نص واحد يعالج الالتزامات غير القابلة للانقسام وهو نص المادة 116 التى تقرر أنه "متى كان الوفاء بالتعهد غير قابل للانقسام بالنسبة لحالة الأشياء المتعهد بها أو بالنسبة للغرض المقصود من التعهد فكل واحد من المتعهدين ملزم بالوفاء بالكل وله الرجوع على المتعهدين معه". وقد نقل القانون المدنى الجديد هذا الحكم فى المادتين 300 و301 وأضاف إليه فى المادة 302 حكم الالتزام غير القابل للانقسام فى حالة تعدد الدائنين. أما القانون الفرنسى فقد أورد أحكاماً مفصلة فى هذا الصدد، منها نص المادة 1217 على أن الالتزام يكون قابلاً للانقسام أو غير قابل له بحسب ما إذا كان محله شيئاً تمكن تجزئته مادياً أو معنوياً عند تسليمه، أو فعلا يتجزأ أو لا يتجزأ تنفيذه؛ ومنها نص المادة 1220 على أن الالتزام القابل للانقسام يجب تنفيذه فيما بين المدين به والدائن كأنه غير قابل للتجزئة وأن التجزئة إنما تكون بالنسبة إلى ورثتهما فلا يجوز لكل من ورثة الدائن إلا المطالبة بنصيبه ولا تجوز مطالبة ورثة المدين إلا بنصيب كل منهم؛ ومنها نص المادة 1221 على أنه يستثنى من حكم المادة السابقة الالتزام بعين معينة فإن وارث المدين الذى يحوز العين (دون باقى الورثة) تجوز مطالبته بالعين كلها.
ومما قرره الفقهاء فى شرح هذه الأحكام أن ملكية الأشياء المادية قابلة للتجزئة دائماً ولو لم تكن هذه الأشياء قابلة بطبيعتها للانقسام. وإذن يصح أن يملك الإنسان نصف حصان أو ربع تمثال أو خمس صورة، كما يحدث فى التركات حين يملك كل وارث قدر حصته شائعاً فى كل شئ تتكون منه التركة إلى أن تتم القسمة من جميع الورثة. أما الالتزام بتسليم عين معينة كالعقار فقد قالوا فيه إنه التزام قابل للتجزئة فى حالة ما يكون كل واحد من ورثة المدين أو من المدينين المتعددين حائزاً لجزء معين من العين وفى حالة ما يكونون جميعاً حائزين لها بالاشتراك فيما بينهم، وفى هاتين الحالتين لا تجوز مطالبة كل منهم إلا بالتخلى عن نصيبه هو فى العين، فالدائن وشأنه مع غيره من المدينين. أما إن كان أحد المدينين حائزاً لكل العين فإن التزامه بالتخلى عنها يكون عندئذ فقط غير قابل للانقسام بحيث تجوز مطالبته وحده بتسليمها إلى الدائن (اقرأ فى هذا الموضوع بودرى وبارد – الالتزمات جزء 2 رقم 1312 وما يليه وخاصة رقم 1324 واقرأ رودبير فى كتاب التضامن وعدم القابلية للتجزئة رقم 410 ورقم 428).
ويبين من هذا أن الالتزام بتسليم العين أو التخلى عنها لا يكون غير قابل للتجزئة إلا إذا أمكنت مطالبة أحد المدينين وحده بوفاء كل الالتزام، وأن هذا الفرض لا يتحقق إلا إذا كانت العين كلها فى حيازة المدين الواحد.
وبتطبيق هذه القواعد على صورة الدعوى الحالية يبدو أن وزارة الأوقاف أقامت دعواها على جميع ورثة المدعى باعتبار أنهم خلفاؤه فى الالتزام بتنفيذ الوصية الوقف، أو باعتبار أنهم المنازعون لها فى ملكيتها للأعيان الموقوفة الملزمون بالتخلى عنها والامتناع عن التعرض لحق مالكها، وكل من هذين الالتزامين منقسم بين الورثة بنسبة نصيب كل منهم فى التركة أو بنسبة ما هو حائزه فعلاً من ذات العين المتنازع عليها، على اعتبار أن الدعوى تقوم إما على أساس الالتزام الشخصى وإما على أساس الحق العينى. ومتى كان الالتزام والحق هنا قابلين بطبيعتهما للانقسام بين الورثة المتعددين (سواء باعتبارهم مدينين بالتزام شخصى أو باعتبارهم مجرد متعرضين لحق عينى) فلا وجه للقول بأن مركز أحدهم يتأثر بمركز غيره فى الخصومة، ولا للخوف من أن الحكم الذى يصدر فى حق أحدهم قد يكون تنفيذه مستحيلاً مع تنفيذ الحكم الذى يصدر فى حق غيره، تلك الاستحالة المطلقة التى جعلتها محكمة النقض الفرنسية مناط البحث فيمن يفيد من الطعن فى الأحكام ومن يحتج به عليه فى حالة ما يكون موضوع النزاع غير قابل للتجزئة (اقرأ جلاسون وتيسييه جزء 3 رقم 868).
وما كان توجيه طلب التسليم فى هذه الدعوى إلى كل واحد من الورثة وإليهم جميعاً إلا بمعنى مطالبة كل واحد بقدر نصيبه ومطالبتهم جميعاً بمجموع المطلوب منهم. وكثيراً ما يحدث ذلك فى الدعاوى التى ترفع على مدعى عليهم متعددين، ولا يكون من أثره جعل الالتزام القابل للتجزئة بطبيعته غير قابل لها.
على أنه لو قضى لوزارة الأوقاف على بعض الورثة بتسليم العين بمعنى وجوب تخليهم عنها، وقضى عليها برفض دعواها أو وقفها فى حق بعض آخر، فلا يكون من المستحيل تنفيذ الحكمين معاً إذ يكون تنفيذ الحكم الأول بتسليم أنصباء المحكوم عليهم شائعة فى العين (أو بتسلم ما يكونون حائزين له من أجزائها فعلا). ومما يحدث كل يوم أن يقضى لشريك على الشيوع بملكيته حصته الشائعة وتسليمها إليه فلا يثير التنفيذ بتسلم الحصة الشائعة أية صعوبة عملية. لذلك لم ندرك قول محكمة النقض إن طلب التسليم غير قابل للتجزئة.
