القضيتان رقما 46 و47 سنة 17 ق – جلسة 19 /05 /1949
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 770
جلسة 19 من مايو سنة 1949
برياسة حضرة أحمد حلمى بك وحضور حضرات: حسن الهضيبى بك ومحمد عزمى بك وعبد العزيز محمد بك ومحمد على رشدى بك المستشارين.
القضيتان رقما 46 و47 سنة 17 القضائية
أ – حكم شرعى فى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية. مناط حجيته. كونه
صادراً فى حدود اختصاص المحكمة الشرعية. خطؤه بتطبيق قاعدة أو قانون غير واجب التطبيق.
لا سلطان للقضاء المدنى عليه. مثال.
ب – نقض. حكم بقسمة تركة مؤسس على حكم فى الاستحقاق فى الميراث. صيرورة حكم القسمة
نهائياً لا تحول دون الطعن فى حكم الاستحقاق. مصير حكم القسمة يتعلق بالفصل فى الطعن.
جـ – قوة الشئ المحكوم فيه. وارث لم يظهر فى الخصومة. لا يعتبر محكوماً عليه مباشرة
بل هو من الغير الذى له حق الطعن بالتعدى فلا يحوز الحكم قبله حجية ما.
1 – إن مناط توافر الحجية للحكم الذى تصدره المحكمة الشرعية فى مسألة من مسائل الأحوال
الشخصية هو أن يكون قد صدر فى حدود اختصاصها قانوناً. فإذا ما تحقق هذا المناط ثبتت
للحكم حجيته ولم يعد ثمة (للقضاء المدنى) سبيل للرقابة على ما قضى به فى موضوع النزاع
ولا لمؤاخذته إن أخطأ بتطبيق مبدأ أو قانون غير الواجب تطبيقه. وإذ أن ولاية المحاكم
الشرعية فى الفصل فى مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالأتراك كانت ثابتة لها دائماً
قبل إبرام معاهدة الإقامة بين مصر وتركيا، وإذ أن النص فى هذه المعاهدة على القانون
الواجب التطبيق ليس شرطاً لقيام هذه الولاية وإنما هو لا يعدو أن يكون إيراداً لحكم
كان متعيناً على المحاكم الشرعية اتباعه، فإن مخالفته ليس من شأنها أن تحد من الحجية
الواجبة للحكم الذى تصدره فى هذا الصدد متى صار انتهائياً.
2 – إن قسمة المال هى إجراء لا يمس موضوع الحق فيه، والأصل أن تُعلق القسمة على الفصل
فى المنازعة فى هذا الحق لا أن تحول دونه. فإذا صدر حكم بإجراء القسمة على أساس حكم
بتقسيم الميراث صدر من المحكمة الشرعية فى حق بعض الورثة وحكم من محكمة الاستئناف المدنية
بالتعويل فى حق وارث آخر على حكم المحكمة الشرعية، فإن صيرورة حكم القسمة نهائياً حائزاً
قوة الأمر المقضى لا يحول دون الطعن بالنقض فى حكم محكمة الاستئناف، لأن مصير هذا الحكم
إذ يكون معلقاً بنتيجة الفصل فى الطعن فيه فإن حكم القسمة يتعلق بهذا المصير نفسه [(1)].
3 – الوارث الذى لم يظهر فى الخصومة يعتبر ممثلاً فيها عن طريق نيابة الوارث الآخر
أو بعبارة أدق عن طريق المورث الذى يتلقى الحق عنه إلا أنه مع ذلك لا يعتبر محكوماً
عليه مباشرة بل يكون من الغير الذى له حق الطعن بالتعدى فلا يجوز الحكم قبله حجية ما.
فالحكم الذى يعتبر حكماً شرعياً متعدياً إلى أحد الورثة وأنه يحوز قبله قوة الأمر المقضى
أسوة بأخويه المحكوم عليهما فى نفس الحكم يكون مخطئاً.
الوقائع
فى يوم 9 من مارس سنة 1947 طعنت النبيلة عين الحياة هانم إبراهيم
بطريق النقض فى حكم محكمة استئناف مصر الصادر يوم 26 من يناير سنة 1947 فى الاستئنافين
رقمى 542 و647 س ق 62 وذلك بتقرير طلبت فيه الطاعنة قبول الطعن شكلاً ونقض الحكم المطعون
فيه والحكم أصلياً بحجية ونفاذ الحكمين التركيين الصادرين من محكمة استامبول فى 27
من أكتوبر سنة 1941 و13 من يونيه سنة 1945 وإجراء التوريث فى تركة نجوان هانم عبد الله
على مقتضاهما، واحتياطياً إحالة القضية على محكمة استئناف مصر للفصل فيها مجدداً الخ.
وقيد هذا الطعن بجدول المحكمة برقم 46 س ق 17 الخ الخ.
وفى 10 من مارس سنة 1947 طعن الأمير محمد على إبراهيم والنبيل عمرو إبرهيم بطريق النقض
فى الحكم نفسه وذلك بتقرير طلبا فيه قبول الطعن شكلاً ونقض الحكم المطعون فيه والحكم
بتعديل حكم محكمة مصر الابتدائية الصادر فى 25 من ديسمبر سنة 1944 فى القضية رقم 1072
سنة 1942 كلى والحكم لهما بتثبيت ملكيتهما فى ستة قراريط من أربعة وعشرين قيراطاً شائعة
فى تركة المغفور لها نجوان هانم عبد الله من منقول وعقار وأطيان موضحة حدودها ومعالمها
بعريضة افتتاح الدعوى وتسليمها لهما مناصفة بينهما الخ الخ.
وقيد هذا الطعن بجدول المحكمة برقم 47 س ق 17 الخ الخ.
وبجلسة 15 من أبريل سنة 1948 المحددة للنظر فى الطعنين قررت المحكمة ضم الطعن الثانى
إلى الأول وسمعت المرافعة فى عدة جلسات وقد صرحت المحكمة بجلسة 27 من مايو سنة 1948
بتقديم مذكرات تكميلية فى حكم المحكمة العليا الشرعية الصادر فى 12 من أبريل سنة 1943
وهل هو يسرى أم لا فى حق النبيلة عين الحياة إبراهيم وقد أودعت الخ الخ.
المحكمة
أولا – عن الطعن رقم 47 س ق 17:
من حيث إن الطعن بنى على أربعة أسباب يتحصل الأول والثانى منها فى أن الحكم المطعون
فيه إذ طبق قواعد الشريعة الإسلامية فى توزيع تركة المرحومة نجوان هانم عبد الله بدلاً
من تطبيق قواعد القانون التركى وهو قانون جنسية المورثة تأسيساً على أن الورثة جميعاً
مصريون يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون وتأويله. ذلك أن الشارع المصرى قد جرى على الأخذ
بمبدأ شخصية القوانين فى مسائل الأحوال الشخصية منذ إنشاء المحاكم المختلطة ثم المحاكم
الأهلية. وقد وضح ذلك جلياً من نص المادة 77 مدنى مختلط و54 مدنى أهلى وأحكام القانون
رقم 90 لسنة 1937 والمادة التاسعة من معاهدة الإقامة بين الحكومتين المصرية والتركية
الموقعة فى 7 من أبريل سنة 1937 وأخيراً فى تصريح الحكومة المصرية فى مؤتمر مونترو
بأنها قد جرت من تلقاء نفسها على مبدأ شخصية القوانين فى مسائل الأحوال الشخصية. ومقتضى
ذلك أن يرجع فى المواريث إلى قانون بلد المتوفى بغير اعتبار لجنسية الورثة، ولما كانت
المرحومة السيدة نجوان تركية الجنسية فان توزيع تركتها يجب أن يخضع للقانون التركى.
ومع ذلك فان ورثتها ليسوا مصريين جميعاً إذ أن زوجها المرحوم فريدون باشا وابنتها المرحومة
الأميرة شويكار كانا تركيى الجنسية عند وفاتها.
ومن حيث إن هذين السببين مردودان بأن الحكم المطعون فيه لم يقم قضاءه فى جوهره على
أن القانون الواجب التطبيق هو الشريعة الإسلامية دون القانون التركى، ولا على أن الورثة
جميعاً مصريون بحيث يصح أن يوجه إليه طعن من هاتين الناحيتين وإنما كان البحث فيه متجهاً
إلى الفصل فى النزاع على الاختصاص القضائى بين المحاكم التركية والمحاكم المصرية من
جهة وبين المحاكم الأهلية والمحاكم الشرعية من جهة أخرى، وخلص من ذلك كله إلى تقرير
اختصاص هذه المحاكم الأخيرة وسلطتها فى إعمال القانون الواجب التطبيق والفصل فى الجنسية
متى كانت موضع نزاع وتوقف على الفصل فيها تعيين المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق،
وانتهى إلى أن الحكم الذى أصدرته المحكمة الشرعية حجية قانونية تلزم المحكمة فى الفصل
فى النزاع المطروح عليها، فلا يجوز لها بعد ذلك الخوض فيما تعرضت له محكمة الدرجة الأولى
من البحث فى الجنسية أو مدى قواعد النظام العام فى الميراث.
ومن حيث إن قول الحكم المطعون فيه بعد ذلك بأنه "وإن كانت المحاكم الشرعية تلتزم بحكم
الشريعة الإسلامية دائماً بالنسبة للقانون الواجب التطبيق مما يجعل أمر تعيين المحكمة
المختصة لصيقاً بالقانون الواجب التطبيق ومتلازماً معه، وقد يختلف حكم الشرع وأحكام
هذا القانون، غير أن هذا أمر لا مناص منه على الوضع الحالى، فنصوص المعاهدة والقوانين
لم تشر إلى غيره ولم تنظم هذه الحالة مع أنها كانت متوقعة ومع أن المحاكم الشرعية لا
تأخذ بالمخالفة، فكان لا بد من تدخل المشرع، أما ولم يتدخل فلا تملك المحاكم الأهلية
مهما كانت الأسباب أن تقوم به وتضيف إليها هذا الاختصاص الذى لم تصرح به القوانين والمعاهدات
بل وتمنعها منه صراحة لائحة الترتيب". هذا القول وإن كان ظاهر الخطأ فى أساسه إذ لا
تلازم بين اختصاص المحاكم الشرعية وتطبيق حكم الشريعة الإسلامية لأن القانون رقم 91
لسنة 1937 – والخطاب فيه موجه إلى المحاكم الشرعية على وجه الخصوص بوصفها من محاكم
الأحوال الشخصية المصرية – قد ضبط اختصاصها بالمسائل التى تتعلق بغير المصريين على
أساس كون القانون الواجب التطبيق وفقاً لأحكام المادة 3 منه قانوناً غير أجنبى أى قانون
إحدى الدول غير الموقعة على معاهدة مونترو، وقد حددت هذه المادة القانون الواجب التطبيق
فى مسائل الأحوال الشخصية وهو فى مسائل المواريث قانون بلد المتوفى، ولأن معاهدة الإقامة
بين مصر وتركيا التى صدر بانفاذها مرسوم فى 15 من مايو سنة 1938 – والخطاب فيه موجه
إلى المحاكم الشرعية أيضاً – قد نصت على وجوب تطبيق القانون الأهلى للمتقاضين وهو فى
مسائل المواريث قانون بلد المتوفى كذلك – هذا القول وإن كان ظاهر الخطأ فإن المستفاد
من سياق الحكم أنه إنما قصد به نفى اختصاص المحاكم الأهلية. وعلى أى حال فهو لا يعدو
أن يكون تزيداً لا يقتضيه الحال ويقوم الحكم بدونه، إذ هو مقام – كما تقدم – على حجية
الحكم الشرعى.
ومن حيث إن محصل السبب الثالث أن الحكم المطعون فيه إذ قرر أن تعيين القانون الواجب
التطبيق يجب أن يتبع تعيين المحكمة المختصة وفقاً للقاعدة العامة فى القانون الدولى
الخاص، وأن التشريعات التى صاحبت إلغاء الامتيازات إذ ابتدعت قاعدة أخرى محصلها تعيين
الاختصاص بالقانون الواجب التطبيق تكون قد تناقضت مع القاعدة العامة فوجب إهمال حكم
هذه التشريعات – إذ قرر الحكم ذلك يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون وتأويله.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن انتهى إلى تقرير الاختصاص فى الفصل فى النزاع
للمحاكم المصرية دون المحاكم التركية اتجه للبحث فى تعيين أية المحاكم المصرية تختص
به فقال "وحيث وقد انتفى اختصاص المحاكم التركية بنظر النزاع وثبت الاختصاص للمحاكم
المصرية عموماً وجب البحث فى أمر المحكمة المختصة به منها. إذ من المقرر أن قواعد تنازع
الاختصاص تسبق قواعد تنازع القوانين فى التطبيق. فاذا ما تعينت المحكمة المختصة عينت
هى القانون الواجب التطبيق. وهذا الحكم من قواعد القانون الدولى الخاص يسرى على النزاع
ولا يؤثر فيه ما ورد باتفاق إلغاء الامتيازات وما صاحبه من تشريعات ابتدعت قاعدة أخرى
تقضى بالعكس بتعيين الاختصاص بالقانون الواجب التطبيق، إذ لم تكن تركيا، على فرض اعتبار
جنسية المورثة مع أنها لا تعتبر إلا عند تعيين القانون الواجب التطبيق لا عند الاختصاص،
وعلى فرض ما قال به المستأنفون عن جنسية بعض الخصوم، من الدول التى وقعته وشملها، كما
أن المعاهدة المعقودة بينها وبين مصر خلو من مثل هذه القواعد. ولا يمكن أن يحتج بالقانون
91 لسنة 1937 فى الأمر، وقد شملت مواده أحكاماً تناقض ما ثبت بالمعاهدة سواء من ناحية
الاختصاص أو من ناحية القانون الواجب التطبيق. والقاعدة أنه إذا تعارضت نصوص معاهدة
ما مع نصوص القانون الداخلى فان كان الأخير سابقاً فنصوص المعاهدة هى الواجبة التطبيق،
وكذلك الحال إن كان القانون لاحقاً وتناقض معها صراحة أو ضمناً. ومرد ذلك أن الدولة
لا يمكنها أن تنهى التزاماتها بعمل فردى من جانبها بل يجب إتباع الطرق المقررة فى القانون
الدولى العام لأن للمعاهدة فى الواقع قوة أكبر من قوة القانون". ثم قال الحكم بعد ذلك
"وحيث إن الحكم السابق فى شأن الاختصاص هو الواجب الاعتبار ولا يؤخذ عليه تصريح الحكومة
المصرية عند معاهدة مونترو عن مبدأ شخصية القوانين ولا ما يقال عن معاهدة الإقامة وأنها
متفقة معه إذ لا نزاع فى وجود التناقض بين بعض الأحكام".
ومن حيث إن هذا الذى ذهب إليه الحكم المطعون فيه، وإن خالف القانون لأن محل إعمال قاعدة
القانون الدولى الخاص التى تقضى بأن تعين المحكمة المختصة القانون الواجب التطبيق هو
أن يكون البلد ذا نظام قضائى موحد، ولأن البحث فى مبدأ شخصية القوانين فى موضع الكلام
عن اختصاص المحاكم المصرية هو إقحام لا مبرر له – إن خالف القانون فى ذلك كله فان هذه
المخالفة لا تأثير لها فى النتيجة التى انتهى إليها وفصل فى الدعوى على أساسها وهى
تقرير اختصاص المحاكم الشرعية بنظر النزاع فى الوراثة بين الطرفين، وهى نتيجة لا مخالفة
فيها للقانون، ومن ثم يتعين رفض هذا السبب.
ومن حيث إن محصل السبب الرابع أن الحكم المطعون فيه إذ التزم حكم المحكمة الشرعية فى
تحديد نصيب المرحومة الأميرة شويكار فى التركة بوصف أن له حجية موفورة يكون قد خالف
القانون. ذلك أن هذا الحكم وقد طبق الشريعة الإسلامية فى النزاع مخالفاً أحكام معاهدة
الإقامة بين مصر وتركيا التى توجب تطبيق القانون التركى يكون قد وقع باطلاً لمخالفته
للنظام العام ولزوال الولاية عن المحكمة التى أصدرته بمخالفتها شرط اختصاصها، وبذلك
تصبح المحكمة المدنية حرة فى تطبيق القانون الواجب التطبيق على المنازعة فى الملكية
المطروحة عليها وهو القانون التركى.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن مناط توافر الحجية للحكم الذى تصدره المحكمة الشرعية
فى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية هو أن يكون قد صدر فى حدود اختصاصها قانوناً. وهذا
الشرط ضرورى ولكنه كاف للاحتجاج بالحكم وترتب آثاره عليه، بحيث إنه إذا انعدم هذا الشرط
زالت عن الحكم حجيته، أما إذا توافر فلا سبيل للرقابة على ما قضى به فى موضوع النزاع
ولا الأخذ عليه فيما عسى أن يكون قد أخطأ فيه من تطبيق مبدأ أو قانون غير واجب التطبيق.
والقول بأن ولاية المحكمة الشرعية تزول عنها أصلاً إن هى لم تطبق معاهدة الإقامة من
حيث القانون الواجب التطبيق، وأن الحكم الذى تصدره فى هذه الحالة يكون مخالفاً للنظام
العام – هذا القول لا يستقيم إلا على أساس أن ولاية المحكمة الشرعية قد استمدتها من
المعاهدة، وأن هذه الولاية هى – بمقتضى أحكام المعاهدة ذاتها – ولاية مشروطة بشرط جوهرى
هو أن تطبق أحكام القانون الذى نصت المعاهدة على وجوب تطبيقه بحيث إن أخلت بهذا الوجوب
تخلف الشرط وزالت الولاية تبعاً لذلك. لكن هذا الأساس غير صحيح فليس فى النص فى المعاهدة
على تطبيق القانون الأهلى للمتقاضين معنى اشتراط قيام ولاية المحاكم الشرعية فى الفصل
فى مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالأتراك على وجوب هذا التطبيق، إذ أن هذه الولاية
كانت ثابتة لها دائماً قبل إبرام هذه المعاهدة. وبذلك لم يكن النص فيها على القانون
الواجب التطبيق إلا إيراداً لحكم إن كان متعيناً على المحاكم الشرعية اتباعه إلا أن
مخالفته ليس من شأنها أن تحد من الحجية الواجبة له بعد أن صار انتهائياً، ولا تجعل
لمحكمة النقض سبيلاً للرقابة عليه، لأن هذه المخالفة لا تعدو أن تكون خطأ فى تطبيق
قاعدة موضوعية شأن مخالفة الحكم لها شأنه مثلاً فى مخالفة المادة 280 من لائحة ترتيب
المحاكم الشرعية التى توجب تطبيق الرأى الراجح من مذهب أبى حنيفة.
ومن حيث إنه متى تقرر ذلك فان الحكم المطعون فيه، إذ اعتبر للحكم الذى أصدرته المحكمة
الشرعية فى المنازعة بين طرفى النزاع حجية قانونية، لا يكون قد خالف القانون ولذلك
يتعين رفض هذا السبب.
ثانياً – عن الطعن رقم 46 س ق 17:
ومن حيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بأن الحكم الذى أصدرته
محكمة مصر الشرعية بأن المرحومة الأميرة شويكار ترث فى تركة والدتها المرحومة السيدة
نجوان النصف فرضاً يتعدى إلى الطاعنة ويحوز قبلها قوة الأمر المقضى يكون قد أخطأ فى
تطبيق القانون وتأويله. ذلك لأن هذا الحكم لم يصدر فى وجهها إذ تنازلت الأميرة شويكار
عن مخاصمتها، ولم تكن ممثلة فى الدعوى لأن أخويها لم يكونا يمثلانها فيها قانوناً.
ومن حيث إن قول النيابة العامة بأن هذا الطعن متعين الرفض لأنه غير منتج بعد أن أصبح
الحكم بقسمة تركة المرحومة السيدة نجوان وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية نهائياً حائزاً
لقوة الأمر المقضى بالنسبة إلى الورثة جميعاً ومنهم الطاعنة – هذا القول وقول المطعون
عليهما بأن مصير هذا الطعن لن يؤثر فى حجية حكم القسمة مردودان بأن قسمة المال هى إجراء
لا يمس موضوع الحق فيه والأصل فيه أن يعلق على الفصل فى المنازعة فى هذا الحق لا أن
يحول دونه، ومتى كان الحكم الصادر من محكمة مصر الابتدائية الأهلية قد قضى بتأييد حكم
محكمة عابدين الجزئية بإجراء القسمة تأسيساً على صيرورة الحكم الصادر من المحكمة الشرعية
والحكم المطعون فيه نهائيين فليس فى ذلك ما يحول دون قبول النظر فى هذا الطعن، لأن
مصير الحكم المطعون فيه يكون معلقاً على نتيجة الفصل فى هذا الطعن وعلى هذا المصير
نفسه يتعلق حكم القسمة.
ومن حيث إن مبنى الحكم المطعون فيه فى انسحاب حجية الحكم الشرعى إلى الطاعنة "أن النزاع
يدور حول مسألة من مسائل الأحوال الشخصية خاصة بالوراثة ونصيب كل من الورثة قد اختصم
فى الدعوى أخو المستأنفة (الطاعنة) فقضت المحكمة الشرعية بالوراثة وعينت النصيب لكل
فهو حكم فى حالة قانونية نشأت بمجرد وقوع سببها فيتعدى الحكم إلى من لم يشمله من الإخوة
ويسرى على المستأنفة (الطاعنة)، ولا تقتصر قوته على الخصوم فى الدعوى بل هو من قبيل
الأحكام التى تحوز قوة الأمر المقضى بالنسبة إليها وإلى أخويها" ومحصل ذلك أنه اعتبر
الحكم الشرعى متعدياً إلى الطاعنة ورتب على هذا الاعتبار أنه يحوز قبلها قوة الأمر
المقضى أسوة بأخويها المحكوم عليهما فى نفس الحكم.
ومن حيث إن هذا الذى ذهب إليه الحكم يخالف القانون لأن الحكم الصادر من المحكمة العليا
الشرعية بتأييد الحكم الصادر من محكمة مصر الشرعية بتاريخ 15 من سبتمبر سنة 1942 بإثبات
وفاة المرحومة السيدة نجوان وبأن المرحومة الأميرة شويكار من ورثتها بصفتها بنتاً لها
وتستحق نصف تركتها فرضاً – هذا الحكم لا يتعدى إلى الطاعنة ولا يحوز قبلها قوة الأمر
المقضى، لأنها لم تكن محكوماً عليها به، لا مباشرة لأن الدعوى لم توجه إليها ولا فى
المعنى لأن أخويها المدعى عليهما فى تلك الدعوى لم يمثلاها فيها شرعاً. وذلك لأن الأصل
فقهاً أن الوراثة خلافة فيخلف الوارث المورث فى تركته ملكاً ويداً وتصرفاً، وقد بنى
الفقهاء على ذلك ما قرره المتقدمون منهم من أن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت فيما
يدعى له وعليه وما قاله المتأخرون من أن أحد الورثة ينتصب خصماً عن بقيتهم إلا أن ذلك
لا يعنى أكثر من أن أحدهم يقوم مقام جميعهم فى النيابة عن الميت فيما يدعى له أو عليه.
فإذا ادعى شخص الوراثة قبل وارث أو غير وارث فهو إنما يدعى حقاً للميت وهو المال الموروث،
لأن الوراثة شرعت أحكامها فى أصل المال نظراً للميت ولذلك جعلت أمواله لأقرب الناس
إليه نظراً له من جهة أن انتفاع أقاربه بأمواله من بعده من أهم ما يقصده من اقتنائها.
ولذلك أيضاً قرر الفقهاء "أن من حق الميت إيصال ماله لورثته" ومن ثم ينتصب الوارث المدعى
عليه خصماً عن الباقين ويكون الحكم عليه حكماً عليهم، لأن الحكم فى الوراثة حكم على
الميت فيكون حكماً على كل من يتلقى الحق عنه. أما استيفاء الوارث حقه – بعد ثبوته –
وإن كانت التركة شائعة لم تقسم فهو حق خالص له ولا حق فيه للمورث فلا تدخل فيه الخلافة.
فإذا ادعاه ونازعه فيه وارث آخر كان النزاع فى حق خاص بشخصه فلا يمثل فيه إلا نفسه
ولا يتعدى الحكم فيه إلى من عداه من الورثة الآخرين. هذه أحكام الفقه فى معنى النيابة
وحدها وفى أثر الحكم الذى يصدر فى خصومة لم يخاصم فيها إلا أحد الورثة. وهى صريحة فى
أن من لم يشهد الخصومة ولم يدع عليه يعتبر ممثلاً فيها ومحكوماً عليه مباشرة باستثناء
واحد فى الحالة التى يتغلب فيها حق الوارث على حق الميت.
ومن حيث إن الشارع المصرى قد سلك مسلكاً وسطاً بين هذه الأحكام إذ نصت المادة 341 من
لائحة ترتيب المحاكم الشرعية على أن "كل حكم يكون متعدياً لغير المحكوم عليه مباشرة
يجوز لمن يتعدى إليه أن يطعن فيه… فى أى وقت إلا إذا سقط الحق فى رفع الدعوى بسبب
من الأسباب". ومعنى ذلك أن الوارث الذى لم يظهر فى الخصومة يعتبر ممثلاً فيها عن طريق
نيابة الوراث الآخر، أو بعبارة أدق عن طريق المورث الذى يتلقى الحق عنه، إلا أنه مع
ذلك لا يعتبر محكوماً عليه مباشرة، بل يكون من الغير الذى له حق الطعن بالتعدى فلا
يحوز الحكم قبله حجية ما.
ومن حيث إنه بتطبيق القواعد الفقهية على الحكم الصادر من المحكمة الشرعية فى وراثة
المرحومة الأميرة شويكار يبين أن دعواها بالوراثة هى مما يتعدى الحكم فيها إلى جميع
الورثة حتى غير الظاهر منهم فى الخصومة، لأنها دعوى على الميت إعمالاً لحقه فى إيصال
ماله إلى ورثته كما تقدم، أما طلب استيفاء نصيبها فى المال الموروث – وفقاً لأحكام
الشريعة الإسلامية ومنازعة المدعى عليهما لها فى ذلك على أساس أن القانون التركى هو
الواجب التطبيق – فهو طلب لا يتوجه إلى الميت الذى لا يفترض له حقاً معيناً فى تطبيق
قانون دون آخر فى توزيع ماله بل إلى شخصى المدعى عليهما لا يمثلان فيه غيرهما من الورثة.
وبذلك يكون أثر الحكم قاصراً عليهما لا يتعداهما إلى الطاعنة.
ومن حيث إن تطبيق المادة 341 من لائحة إجراءات المحاكم الشرعية يقضى من ناحية أخرى
بأن لا يكون للحكم الصادر من المحكمة الشرعية حجية قبل الطاعنة.
[(1)] هذا تطبيق واضح لنص المادة 31 من قانون محكمة النقض (447 من القانون الجديد) القاضى بأن نقض الحكم يترتب عليه إلغاء جميع الأحكام والأعمال اللاحقة للحكم المنقوض متى كان ذلك الحكم أساساً لها، فلا شك أن هذا يقتضى أن الحكم لا يحول دون الطعن فيه أن يكون الحكم اللاحق المؤسس عليه غير مطعون فيه أو غير معيب فى ذاته بما يستوجب نقضه أو غير قابل لأى سبب من الأسباب للطعن فيه.
