الطعن رقم 201 سنة 17 ق – جلسة 21 /04 /1949
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 760
جلسة 21 من أبريل سنة 1949
برياسة حضرة محمد المفتى الجزايرلى بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد حلمى بك ومحمد عزمى بك وعبد العزيز محمد بك ومحمد على رشدى بك المستشارين.
القضية رقم 201 سنة 17 القضائية
أ – عقد. إيجاب. قبول ضمنى. استخلاص الإيجاب من إنذار، واستنتاج
القبول من السكوت عن الرد على الإنذار ومن الاستمرار فى وضع اليد. جائز.
ب – حكم. تسبيبه. إنذار. عدم الاعتداد ببعض ما ورد به دون إيراد أسباب لذلك. انعدام
الأساس القانونى الذى قام عليه.
1 – إذا أنذر أحد الشركاء شريكه فى الأطيان مكلفاً إياه أن يسلمه نصيبه فيها مفرزاً
وإلا كان ملزماً بإيجاره على أساس مبلغ معين، واستخلصت المحكمة استخلاصاً سائغاً من
عبارة الإنذار صدور إيجاب من معلنه بتأجير أطيانه للمعلن إليه بالسعر المبين بالإنذار
فى حالة تأخره عن التسليم فى الموعد المحدد به، كما استنتجت قبول المعلن إليه لهذا
الإيجاب قبولاً ضمنياً من سكوته عن الرد على ما تضمنه الإنذار، ومن استمرار وضع يده
على الأطيان المشتركة – ومنها أطيان المعلن – مدة ثلاث سنوات، وكانت المحكمة فى ذلك
كله لم تخرج عن ظاهر مدلول عبارة الإنذار، فإنها فى استنتاجها القبول الضمنى للايجاب
من هذه القرائن التى من شأنها أن تنتجه لا تكون قد خالفت القانون [(1)].
2 – متى كان الحكم، بعد أن أثبت أن الإنذار الذى عده إيجاباً من المنذر قبله المعلن
إليه الإنذار، قد تضمن أن تحسب على هذا المعلن إليه الأطيان محل النزاع بواقع صافى
أجرة الفدان كذا جنيهاً، لم يعتبر، عند تحديده الأجرة، بعبارة "صافى الأجرة" الواردة
فى الإنذار، بل خصم للمستأجر من الأجرة مبلغ ما سدده من الأموال الأميرية، دون أن يورد
وجهاً لذلك، فإنه يكن معدوم الأساس القانونى [(2)] باطلاً فى خصوص حساب الأجرة.
[(1)] قرر الطاعن فى سبب الطعن أن الحكم قد أخطأ فى تطبيق القانون، لأن الإنذار الذى
أعلنه لا يتضمن إيجاباً بالمعنى القانونى، ولأن سكوت خصمه المعلن بالإنذار لا يصح اعتباره
قبولاً ضمنياً منه لهذا الإيجاب إذ لا ينسب لساكت قول.
[(2)] التعبير بعدم قيام الحكم على أساس قانونى أو بأنه معدوم الأساس القانونى هو ترجمة
لعبارة défaut de base légale التى استعملتها محكمة النقض الفرنسية فى حالات ما يكون
الحكم المطعون فيه غير خال من الأسباب ولكن تكون أسبابه قاصرة عن إيراد العناصر الواقعية
اللازمة لتبرير ما طبقه الحكم من القواعد القانونية بحيث تعجز محكمة النقض عن مراقبة
تطبيق القانون. وقد اضطرت محكمة النقض الفرنسية إلى ابتداع هذه الحالة من حالات الطعن
بالنقض لتكون وسطاً بين حالة مخالفة القانون حيث يمكن إدراك وقوع المخالفة والعلم بها
من الحكم نفسه وبناء النقض على أساسها وبين بطلان الحكم بطلاناً شكلياً لخلوه من الأسباب
إطلاقاً. على أنه لما كانت حالات الطعن محصورة فى القانون وكان من المتعين إلحاق عيب
قصور الأسباب بمخالفة القانون أو ببطلان الحكم لخلوه من الأسباب فقد رأى بعض الفقهاء
إلحاقه بالحالة الأولى ورأى بعضهم إلحاقه بالحالة الثانية. ولم يكن لهذا الخلاف فى
الرأى ثمرة عملية فى فرنسا. لكن القانون المصرى قد فرق بين الطعن فى الحكم بمخالفة
القانون وبين الطعن فيه ببطلانه، ورتب على هذه التفرقة نتيجتين هامتين: الأولى أن الأحكام
الصادرة من المحاكم الابتدائية بصفة استئنافية فى قضايا وضع اليد وفى مسائل الاختصاص
يجوز الطعن فيها بمخالفة القانون ولكن لا يجوز الطعن فيها بالبطلان، والثانية أن محكمة
النقض إذا نقضت الحكم لمخالفته للقانون يجوز لها أن تحكم فى موضوع الدعوى متى كانت
صالحة للحكم فى حين أنه لا يجوز لها ذلك إذا هى نقضت الحكم لبطلانه.
لذلك قد تنبهت محكمة النقض المصرية فى أول عهدها إلى وجوب الحسم فى هذه المسألة فصرحت
فى كثير من أحكامها الأولى بأن خضوع قاضى الموضوع لرقابة محكمة النقض فى تكييف فهم
الواقع فى الدعوى بحكم القانون وفى تطبيق ما ينبغى تطبيقه من أحكام القانون يحتم عليه
أن يسبب حكمه التسبيب الكافى لتمكين محكمة النقض من إجراء هذه الرقابة، فإن قصر حكمه
عن ذلك فعجزت محكمة النقض عن التقرير بنفى المدعى به من مخالفة القانون أو من الخطأ
فى تطبيقه أو فى تأويله، "نقضت الحكم لخلوه من الأسباب الموضوعية أو لعدم قيامه على
أساس قانونى". وبهذا قطعت المحكمة بأن قصور أسباب الحكم هو من قبيل خلوه من الأسباب،
وكثيراً ما نصت على بطلان الحكم وأشارت إلى المادة 103 من قانون المرافعات (انظر كتاب
النقض فى المواد المدنية رقم 187 وما يليه ورقم 196 وما يليه).
بعد هذا وبعد أن جرى قضاء المحكمة – دون تردد – بعدم قبول الطعون التى تتمحض عن قصور
الأسباب فى أحكام المحاكم الابتدائية فى دعاوى وضع اليد، لم تعد المحكمة تعبر عن هذا
العيب بعدم قيام الحكم على أساس قانونى وأخذت تنقض الأحكام المعيبة فى تسبيبها لبطلانها
إعمالاً لحكم المادة 103 من قانون المرافعات ثم صارت تنقض الأحكام لقصور أسبابها أو
"لقصورها" دون أن تنص على البطلان أو تشير إلى المادة 103.
والآن وقد عادت محكمة النقض – فى هذا الحكم وفى غيره من الأحكام التى أصدرتها فى العهد
الأخير – إلى التعبير بانعدام الأساس القانونى للحكم المطعون فيه، فقد وجب التنبيه:
أولا إلى أنها صرحت بأن انعدام الأساس القانونى للحكم هو من قبيل بطلانه، وبذلك قد
نفت كل شبهة فى طبيعة هذا العيب على ما جرى به قضاؤها من قبل. ثانيا أنها لم تحدد معنى
هذا التعبير ولم تضبط مدلوله بما يميزه عن سائر الصور التى يقع بها القصور فى الأسباب.
وقد حاول الشراح فى فرنسا حصر الصور المختلفة التى جرى فيها قضاء محكمتهم على نقض الأحكام
لقيامها على غير أساس قانونى (كتاب النقض فى المواد المدنية فى المكان السابقة الإشارة
إليه)، أما عندنا فلن يستطيع شارح القانون إجراء هذا الحصر إلا باستقراء قضاء المحكمة
بعد أن تتعدد أحكامها الناقضة وتتناول مختلف الصور التى تظهر فى العمل.
وأخيراً فإن محكمة النقض الفرنسية ذاتها قد عدلت فى أحكامها الحديثة عن التعبير بانعدام
الأساس القانونى ودرجت على استعمال عبارة "إن المحكمة لم تبرر حكمها من ناحية القانون"
"Elle n'a pas légalement justifié sa décission" (كتاب النقض فى المواد المدنية هامش
صفحة 454). فهل مع ذلك تكون محكمتنا بحاجة إلى أن تعود إلى استعمال عبارة "إن الحكم
معدوم الأساس القانونى" فى مثل هذا الموطن بعد أن اطردت أحكامها على التعبير "بقصور
الأسباب" أو "بقصور الحكم" وعلى اعتباره صورة من صور البطلان؟
