الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 145 سنة 16 ق – جلسة 27 /11 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 491

جلسة 27 من نوفمبر سنة 1947

برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: محمد المفتى الجزايرلى بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك وعبد الرحيم غنيم بك المستشارين.


القضية رقم 145 سنة 16 القضائية

سن. تقدير سن الموظف بطريقة قانونية. لا تجوز إعادة النظر فى هذا التقدير بعد ذلك حتى ولو ثبت خطؤه من شهادة الميلاد.
إن السن متى قدرت مرة بالطريقة القانونية تكون فى خصوص الاستخدام أمراً مفروغاً منه غير قابل بتاتاً لإعادة النظر فيه، واجباً الأخذ به أبداً حتى لو ثبت خطؤه بيقين، كما لو عثر على شهادة ميلاد مخالفة لتقدير القومسيون الطبى.
وكون أمر السن من النظام العام من حيث إنه من مقومات الشخصية لا ينافى أن الشارع – تمشياً أيضاً مع النظام العام الذى يقضى بأن علاقة العامل بالحكومة من حيث دخوله فى خدمتها وبقاؤه فيها وحقه فى المعاش يجب أن تتقرر على أساس ثابت لا أن تترك قلقة حائرة إلى مدى غير معلوم – يجئ فى خصوص هذه العلاقة بحكم يجعلها مستقرة منذ بدئها، ولا يدع مجالاً للمنازعة فيها. وذلك دون أن يكون لهذا الحكم الخاص أدنى مساس بالحجية القانونية لشهادة الميلاد فيما عداه.


الوقائع

بناءً على طلب إدارة المستخدمين بوزارة الداخلية قدر القومسيون الطبى عمر الطاعن بعشرين سنة فى 7 يوليو سنة 1903 وقرر أنه لائق. وفى 13 من الشهر المذكور التحق بخدمة الحكومة. ثم فى 12 من نوفمبر سنة 1929 قبل المعاملة بأحكام القانون الجديد للمعاشات رقم 37 لسنة 1929 الصادر فى 28 مايو سنة 1929. وفى 8 من يوليو سنة 1942 قدم طلباً إلى مدير مصلحة الأملاك الأميرية بأنه يريد اعتزال الخدمة ويطلب منحه إجازة ثم إحالته على المعاش ومنحه معاش التقاعد طبقاً لأحكام القانون رقم 37 لسنة 1929 الذى قبل المعاملة به. وفى 8 من مايو سنة 1943 قدم إليه طلباً بأن صحته لا تساعده على الاستمرار فى أداء عمله ويرجو إحالته على القومسيون الطبى لتقرير إحالته على المعاش. وفى 12 من يونيه سنة 1943 قدم إليه طلباً آخر بمنحه إجازة لمدة 24 يوما تبتدئ من 14 من يونيه سنة 1943 وتنتهى فى 7 من يوليو سنة 1943 الذى هو اليوم السابق لإحالته على المعاش. وفى 13 من يونيه سنة 1943 أخطرته مصلحة الأملاك بأن وزارة المالية قررت إحالته على المعاش اعتباراً من 8 يوليو سنة 1943 اليوم التالى لبلوغه سن الستين.
وفى أول يوليو سنة 1943 قدم إلى المصلحة طلباً بتسوية المعاش المستحق له حيث إنه فصل من الخدمة لغاية 7 من يوليو سنة 1943 بسبب بلوغه السن القانونية وعلى هذا سوى معاشه فبلغ 24 ج و55 م شهرياً.
وفى 27 من ديسمبر سنة 1943 رفع الطاعن على وزارة المالية الدعوى رقم 1445 سنة 1944 كلى بمحكمة مصر الابتدائية بأنه أحيل على المعاش لأنه يبلغ الستين فى 7 من يوليو سنة 1943 ولكنه عثر على شهادة ميلاده التى ثبت أنه ولد فى 10 من يوليو سنة 1884 وبذلك لا يبلغ سن التقاعد إلا فى 10 يوليو سنة 1944 مما يجعل إحالته على المعاش سابقة لأوانها. ولذلك فهو يطلب إلزام الوزارة بجعل معاشه 27 ج و535 م شهرياً ابتداءً من 8 يوليو سنة 1944 وبأن تدفع إليه مبلغ 168 ج و288 م قيمة الفرق بين مرتبه والمعاش مع علاوة غلاء المعيشة عن سنة ويومين وذلك مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
وفى 28 من فبراير سنة 1945 قضت المحكمة برفض الدعوى رفع الطاعن استئنافاً عن هذا الحكم طالباً إلغاءه والحكم بإلزام وزارة المالية بتعديل معاشه إلى 27 ج و535 م ابتداءً من 10 من يوليو سنة 1944 وبأن تدفع إليه مبلغ 148 ج و980 م مع الفوائد من يوم رفع الدعوى حتى الوفاء مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. وفى 12 من مايو سنة 1946 قضت محكمة الاستئناف برفضه وتأييد الحكم المستأنف وإلزام الطاعن بالمصاريف ومبلغ 300 قرش مقابل أتعاب المحاماة.
وفى 16 من أكتوبر سنة 1946 طعن الطاعن بطريق النقض فى هذا الحكم وطلب إلى هذه المحكمة قبول الطعن شكلاً وفى الموضوع نقض الحكم وأصلياً إلزام المطعون عليها بتعديل معاشه إلى 27 ج و535 م ابتداءً من 10 يوليو سنة 1944 وبأن تدفع إليه مبلغ 148 ج و980 م مع الفوائد المستحقة عنه من يوم رفع الدعوى حتى الوفاء – واحتياطياً إحالة الدعوى على محكمة الاستئناف.


المحكمة

ومن حيث إنه (الطعن) بنى على أربعة أسباب يتحصل ثلاثة منها فى أن الحكم أخطأ تطبيق المادة 8 من قانون المعاشات إذ قرر أن للحكومة الحق فى التمسك على الطاعن بالسن التى قدرها له القومسيون الطبى ولو ثبت خطأ التقدير من شهادة الميلاد، مع أن شهادة الميلاد من النظام العام، والمادة المذكورة جعلتها الأصل فى تقدير السن، أما تقدير القومسيون فلا يلجأ إليه إلا عند عدم وجود هذه الشهادة، فإذا ما وجدت فى أى وقت أثناء الخدمة سقط ذلك التقدير الحكمى ووجب الأخذ بالتقدير الحقيقى الثابت بالشهادة الرسمية.
من حيث إنه لما كانت إدارة الشئون العامة ورعاية مصالح الدولة تقتضى أن يكون العاملون عليها صالحين لتحمل أعبائها والسير بها لغايتها، ولما كان السن من أهم العناصر فى تقدير تلك الصلاحية، عنيت القوانين واللوائح المنظمة للاستخدام بتعيين السن اللائقة للدخول فى الخدمة العامة وللخروج منها واستحقاق المعاش فقالت المادة 8 من قانون المعاشات الجديد رقم 37 لسنة 1929 "تحسب مدة الخدمة الملكية فى تسوية المعاشات والمكافآت ابتداءً من سن الثمانى عشرة سنة كاملة" وقالت المادة 14 منه "متى بلغت سن الموظف أو المستخدم ستين سنة وجبت إحالته على المعاش حتما". ونصت قوانين أخرى على سن معينة فى خصوص بعض وظائف الدولة لا يتولاها إلا من بلغها. وإذ كان هذا هو حكم السن كان وقت تقديره فى عرف القانون عند دخول العامل فى الخدمة ليبين أولاً وقبل كل شئ هل هو أم ليس هو فى السن المقررة للاستخدام. ولذلك عنى الشارع برسم طريقة هذا التعرف فقال فى الفقرة 2 من المادة 8 من قانون المعاشات المذكور "يعتمد فى تقدير سن الموظفين والمستخدمين على شهادة الميلاد أو على مستخرج رسمى من دفتر المواليد. وفى حالة عدم إمكان الحصول على إحدى هاتين الشهادتين يكون تقدير السن بمعرفة القومسيون الطبى" – ثم إنه لما كانت المصلحة العامة تقتضى استقرار العلاقة بين الحكومة وعمالها على أساس ثابت قالت الفقرة الأخيرة من المادة 8 منه "ولا يجوز الطعن فى التقدير بهذه الطريقة بحال من الأحوال". وهذا نص عام مطلق سار فى حق الحكومة والعمال على السواء قاض بأن السن متى قدرت مرة بالطريقة القانونية تكون فى خصوص الاستخدام أمراً مفروغاً منه غير قابل بتاتاً لإعادة النظر فيه، واجباً الأخذ به أبداً حتى لو ثبت خطؤه بيقين كما لو عثر على شهادة ميلاد مخالفة لتقدير القومسيون الطبى.
ومن حيث إن السبب الذى من أجله وضعت الفقرة الأخيرة من المادة 8 فى قانون المعاشات الجديد رقم 37 لسنة 1939 يوضح تعميم حكمها وإطلاقه، ذلك أن المادة الثامنة من قانون المعاشات القديم رقم 5 لسنة 1909 المقابلة للمادة 8 من القانون الجديد كانت اكتفت برسم طريقة تقدير السن وهى هى فى القانونين ولم تكن بها تلك الفقرة. فتقدم وزير المالية إلى مجلس الوزراء بمذكرة قال فيها: "كثيراً ما يقرر الموظفون لدى التحاقهم بخدمة الحكومة أن ليس لديهم شهادة ميلاد وأنهم يجهلون الجهة التى ولدوا فيها أو يعطون بيانات عن جهة ميلادهم وتاريخه بوجه التقريب، ولكن المباحث التى تقوم بها المصلحة للحصول على مستخرج رسمى من سجل المواليد تذهب سدى لأن الجهة المختصة لا تهتدى إلى تاريخ الميلاد، فتضطر المصلحة حينئذ أن تعتاض عن شهادة الميلاد بشهادة من القومسيون الطبى ومن طبيبين من أطباء الجيش بالنسبة للعسكريين لتقدير سن الموظف. غير أنه عندما يدنو تاريخ إحالتهم إلى المعاش لبلوغهم السن القانونية محسوبة على قاعدة التقدير الطبى أو لمناسبة أخرى لا يكون فيها من مصلحتهم التعويل على ذلك التقدير يقدمون شهادة ميلادهم أو يعطون بيانات غير التى قدموها فى البدء تسمح بالاستدلال على تاريخ ميلادهم بالضبط فتضطر المصلحة إذا تولت المباحث عن هذا التاريخ أن تعدل جميع التقديرات التى كانت مبنية على شهادة القومسيون الطبى، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من الارتباك والشك فى حالة الموظف تجاه المصلحة ومن إمكان تلاعبه فى تحديد سنه حسبما توحى إليه مصلحته الخاصة. كل ذلك لم يقصد إليه المشرع فى المادة الثامنة من قانون 15 أبريل سنة 1909 وفى المادة 40 من قانون 14 يوليه سنة 1913. فاستناداً إلى المادة 71 من قانون 15 أبريل سنة 1909 والمادة 65 من قانون 14 يوليو سنة 1913 اللتين تجيزان لوزير المالية أن يعرض على مجلس الوزراء الأحوال التى يظهر له أنها تستدعى تفسيراً لأحكام هذين القانونين وتقضيان بنشر تفسير مجلس الوزراء فى الجرائد الرسمية واعتباره تفسيراً تشريعياً يعمل به، وبعد أخذ رأى قسم القضايا، بحثت المصلحة هذا الموضوع فرأت أنه عند تقدير السن بواسطة القومسيون الطبى لعدم تقديم شهادة الميلاد يكون التقدير المذكور نهائياً ولا يمكن الرجوع فيه بأية حالة. أما فيما يتعلق بالموظفين الموجودين الآن بالخدمة الذين لم يقدموا شهادة ميلاد وكان تقدير سنهم بواسطة القومسيون الطبى فيعطون مهلة ستة أشهر – تبدأ من تاريخ نشر هذا التفسير فى الجريدة الرسمية – لتقديم تلك الشهادة إذا تيسر لهم ذلك وبعد هذا الميعاد يعتبر تقدير القومسيون الطبى نهائياً ولا تقبل أية شهادة تقدم فيما بعد كما أنه لا تقبل أية شهادة تقدم فى هذا الميعاد باسم مختلف عن الاسم المعروف به الموظف فى الحكومة". وفى 20 من يناير سنة 1927 صدر قرار مجلس الوزراء بالموافقة على هذه المذكرة تحقيقاً لاستقرار علاقة الحكومة بعمالها من البداية. ثم فى 28 من مايو سنة 1929 صدر قانون المعاشات الجديد رقم 37 سنة 1929 – فكان بديهاً أن يتضمن حكم ذلك القرار فيصير قانوناً حسما للخلاف الذى كان قد ثار بشأنه من حيث كونه تفسيراً يملكه مجلس الوزراء أو تشريعاً لا يملكه. فهكذا أضيفت تلك الفقرة الأخيرة إلى المادة 8 وهكذا جاء نصها عاماً مطلقاً".
ومن حيث إنه لا يجوز الاعتراض على ذلك بالقول بأن تحديد السن بموجب شهادة الميلاد من النظام العام، ولا بأن القانون جعلها هى الأصل فى تقدير السن، فإذا ما وجدت سقط كل تقدير حكمى سابق ووجب الأخذ بالسن الحقيقية، ولا بأن لائحة القومسيون الطبى قررت فى المادة 3 من الباب الثامن الخاص بتقدير السن "يقدر القومسيون السن تقديراً معيناً والسن المقدرة على هذه الصورة تعتبر سن المستخدم الحقيقية فى تاريخ إعطاء الشهادة به ما لم يقدم فيما بعد ما يثبت جلياً خلاف ذلك" زعماً بأن كل هذا يقتضى تخصيص عموم نص تلك الفقرة الثالثة من المادة 8 بأن تستثنى منه حالة ظهور شهادة الميلاد.
ومن حيث إن هذا الاعتراض مردود (أولا) بأن كون أمر السن من النظام العام من حيث إنه من مقومات الشخصية لا ينافى أن الشارع – تمشياً أيضاً مع النظام العام الذى يقضى بأن علاقة العامل بالحكومة من حيث دخوله وبقاؤه فى الخدمة وحقه فى المعاش يجب أن تتقرر على أساس ثابت لا أن تترك قلقة حائرة إلى مدى غير معلوم – يجئ فى خصوص هذه العلاقة بحكم يجعلها مستقرة منذ بدئها ولا يدع مجالاً للمنازعة فيها، وذلك دون أن يكون لهذا الحكم الخاص أدنى مساس بالحجية القانونية لشهادة الميلاد فيما عداه. (وثانياً) بأن الشارع وهو فى سبيل ذلك الاستقرار كان طبيعياً أن يجعل شهادة الميلاد الأصل فى تقدير السن، وكان طبيعياً أيضاً فى حالة عدم الحصول على شهادة الميلاد مع ضرورة تقدير السن عند الدخول فى الخدمة أن يرسم طريقاً آخر لتقديرها فى هذه الحالة ويوجب الأخذ به. ثم كان لزاماً عليه تحقيقاً للاستقرار المنشود أن يعتبر هذا التقدير نهائياً ممنوعاً مطلقاً الطعن فيه حتى لو ظهرت شهادة الميلاد، وإلا ظلت علاقة الحكومة بالعامل غير مستقرة أبدا. (وثالثاً) بأن لائحة القومسيونات الطبية لا يمكن أن يعارض بها قانون المعاشات الصادر بعدها.
ومن حيث إنه لما كان ذلك كذلك كان الحكم المطعون فيه – إذ قال باعتبار تقدير القومسيون الطبى بلا التفات إلى شهادة الميلاد التى عثر عليها فيما بعد هذا التقدير – قد صادف حكم القانون.
ومن حيث إن حاصل السبب الرابع أن المحكمة خالفت الثابت بمستندات الدعوى إذ قالت إن الطاعن قدم المستخرج الرسمى من دفتر قيد المواليد بعد إحالته على المعاش مع أنه قدمه أثناء وجوده بالخدمة وقبل صدور قرار الإحالة.
ومن حيث إن هذا القول لا جدوى فيه للطاعن إذ أن تقديم هذا المستخرج سواء أثناء الخدمة أو بعدها لا يفيده شيئاً متى كان تقدير القومسيون الطبى لسنه يجب أن يعتبر نهائياً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات