الطعن رقم 20 سنة 16 ق – جلسة 20 /11 /1947
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 478
جلسة 20 من نوفمبر سنة 1947
برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: محمد المفتى الجزايرلى بك وأحمد على علوبة بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.
القضية رقم 20 سنة 16 القضائية
موظف. حق الحكومة فى فصل عمالها بلا حاجة إلى المحاكم التأديبية.
حق مطلق بشرط أن يكون الفصل لاعتبارات أساسها المصلحة العامة ولأسباب جدية قائمة بذات
الموظف. الإثبات. عبؤه على المدعى.
للحكومة الحق المطلق فى فصل عمالها بلا حاجة إلى المحاكم التأديبية. والمراد بكون هذا
الحق مطلقاً هو تفرد الحكومة بتقدير صلاحية العامل للعمل وبتقرير استمرار استعانتها
به أو عدم استمرارها. وليس معناه أن لها أن تستعمله إن بالحق وإن بالباطل، بل هذا الحق
لا يكون مشروعاً للحكومة إلا لاعتبارات أساسها المصلحة العامة ولأسباب جدية قائمة بذات
العامل المستغنى عنه. فإن هى تعدت هذه الحدود فصدر منها الفصل عن هوى كان ذلك منها
عملاً غير مشروع. وإذا ما ادعى عليها بالعدوان فى ذلك كان على المدعى عبء الإثبات.
الوقائع
رفع الطاعن الدعوى رقم 1381 سنة 1941 كلى لدى محكمة مصر الابتدائية
على المطعون عليهما بأنه كان رئيساً لقسم الإحصاء والاستعلامات بمصلحة الطيران المدنى
التابعة لوزارة الدفاع فى الدرجة الرابعة بمرتب 546 جنيهاً سنوياً – وأنه فى 27 من
سبتمبر سنة 1939 ندب إلى العمل بديوان الوزارة. ثم فى 8 من مايو سنة 1940 قرر مجلس
الوزراء إحالته على المعاش. ونفذت وزارة الدفاع هذا القرار اعتباراً من 13 مايو سنة
1940. وبما أنه أحيل على المعاش وهو فى الرابعة والخمسين من عمره لا لمصلحة عامة بل
لغرض شخصى هو إخلاء مكانه لغيره ستر بأسباب ماسة بشرفه من حيث إنه موظف ووطنى مخلص
فهو يطلب إلزامهما متضامنتين بأن تدفعا إليه مبلغ خمسة آلاف جنيه والمصاريف ومقابل
أتعاب المحاماة. وفى 5 من يناير سنة 1943 قضت المحكمة برفض الدعوى وألزمت الطاعن بالمصاريف
و200 قرش أتعاب محاماة.
وفى 16 من فبراير سنة 1943 رفع الطاعن استئنافاً عن هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر
طالباً إلغاءه وإلزام المطعون عليهما متضامنتين بأن تدفعا إليه مبلغ خمسة آلاف جنيه
مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وفى 25 من نوفمبر سنة 1945 قضت المحكمة
برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف وألزمت الطاعن بالمصاريف وبمبلغ 300 قرش أتعاب
محاماة.
وفى 7 من فبراير سنة 1946 طعن بطريق النقض فى هذا الحكم وطلب إلى هذه المحكمة قبول
الطعن شكلاً وفى الموضوع نقض الحكم ومن باب أصلى الحكم بطلباته سالفة الذكر. وعلى سبيل
الاحتياط إحالة الدعوى على محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد الخ الخ.
المحكمة
ومن حيث إن الطعن بنى على أربعة أسباب.
ومن حيث إن الوجه الأول من السبب الأول يتحصل فى أن المحكمة إذ قضت برفض الدعوى أسست
ذلك على أن فصل الطاعن لم يقع مخالفاً للقانون مع أنه مخالف له إذ كان بقرار من مجلس
الوزراء بلا موافقة من مجلس التأديب مع أن الطاعن ليس من طبقة الموظفين الخاضعين لأحكام
الأمر العالى الصادر فى 14 من ديسمبر سنة 1888 بل هو من طبقة المستخدمين المعاملين
بالأمر العالى الصادر فى 10 من أبريل سنة 1883 الذى تقضى المادة 9 منه بعدم إمكان فصلهم
إلا بموافقة مجلس التأديب.
ومن حيث إنه لما كانت كل مسؤولية تستلزم حتما وبطبيعة الحال تمكن متحملها من وسائل
القيام بأعبائها كانت المسؤولية العظمى الواقعة على الحكومة عن إدارة الشؤون العامة
ورعاية مصالح الدولة قاضية بأن يكون لها وحدها اختيار من ترى فيهم الصلاحية لمعاونتها
على أداء مهمتها، وحق مراقبة أحوالهم وفصل من تراه منهم أصبح غير صالح لهذه المعاونة،
وحق الانفراد بتقرير عدم صلاحيته. وتلك الحقوق من الحقوق الأساسية المطلقة الثابتة
للحكومة بحكم القانون الطبيعى بلا حاجة إلى أن ينص قانون خاص عليها إذ هى نتيجة حتمية
لمسئوليتها ولازمة من لوازمها الضرورية. ثم لما كانت إدارة شؤون الدولة على خير حال
تقتضى أن يكون عمال الحكومة وجمهور الناس مطمئنين إلى أخذها بالعدل وتحريها وجه المصلحة
العامة فى إجراءاتها فتحقيقاً لهذا الاطمئنان وانتصافاً من نفسها عمدت الحكومة إلى
وضع قواعد لضبط أمور الاستخدام العام إما بأوامر عالية وقوانين، وإما بقرارات من الهيئة
الكلية للحكومة أى مجلس الوزراء الذى هو بحكم الدستور مهيمن على مصالح الدولة، وإما
بقرارات ومنشورات من وزارة المالية وهى الهيئة القوامة على علاقة الحكومة بعمالها من
الناحية المالية. لكن ذلك من الحكومة لا يعدو أن يكون تنظيماً لاستعمال حقوقها فى اختيار
عمالها وفصلهم وتحديداً لعلاقاتها بهم وليس هو تنازلاً عن تلك الحقوق الملازمة لمسؤوليتها
الثابتة أبداً لها. وبهذا الاعتبار جاءت الأوامر العالية والقوانين المتعلقة بمجالس
ومحاكم التأديب حيث تشير إلى ما للحكومة من الحق المطلق فى فصل عمالها بلا حاجة إلى
المحاكم التأديبية.
ومن حيث إن المعنى المراد بكون هذا الحق مطلقاً هو تفرد الحكومة بتقدير صلاحية العامل
للعمل وبتقرير استمرار أو عدم استمرار استعانتها به. وليس معناه أن لها أن تستعمله
إن بالحق وإن بالباطل على حد سواء. ذلك أن مهمة الحكومة إنما هى رعاية المصالح العامة،
وإذ كان حق الفصل إنما ثبت لها بموجب هذه الرعاية وعلى أساسها لتقوم بها بالعدل وللخير
العام فإن هذا الحق لا يكون مشروعاً للحكومة إلا فى حدود تلك الرعاية فحسب، أى لاعتبارات
أساسها المصلحة العامة ولأسباب جدية قائمة بذات العامل المستغنى عنه. وإن عدت الحكومة
هذه الحدود فصدر الفصل عن هوى كان ذلك منها عملا غير مشروع مخالفاً للقانون. فإذا ما
ادعى عليها بالعدوان كان على المدعى عبء الإثبات لأن البينة على من ادعى.
ومن حيث إن الطاعن يستند فى دعواه إلى المادة 9 من الأمر العالى الصادر فى 10 من أبريل
سنة 1883 التى تقول "لا يمكن فى سائر الأحوال رفت المستخدم إلا بموافقة رأى مجلس الإدارة
على ذلك".
ومن حيث إن الحكم الابتدائى – الذى أخذ الحكم المطعون فيه بأسبابه فى هذا الخصوص –
قضى برفض الدعوى على أساس أن للحكومة الحق المطلق فى فصل كل عامل من عمالها وإحالته
على المعاش بقرار من مجلس الوزراء سواء فى ذلك الموظف والمستخدم مستنداً فى ذلك إلى
أمرين: الأول أن الرفت المعنى فى المادة 9 إنما هو الفصل التأديبى بسبب سوء السلوك
أو التقصير فى الواجب – والآخر أن المادة 14 من الأمر العالى الصادر فى 24 من ديسمبر
سنة 1888 بإنشاء المحكمة العليا التأديبية تقول "أحكام أمرنا هذا لا تمس ما للحكومة
من الحق المطلق فى رفع أى موظف من وظيفته بدون توسط المحكمة العليا التأديبية"، فهى
بعموم نصها خولت الحكومة حقاً مطلقاً فى فصل جميع عمالها أياً كانوا بدون توسط مجلس
التأديب.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فهم معنى الوقت الوارد فى المادة 9 من أمر 10
من أبريل سنة 1883. ذلك أن هذا الأمر نص على الجزاءات التأديبية فى المادة 8 منه وذكر
فيها الرفت وعبر عنه فى النص الفرنسى بلفظ revocation ثم قضى فى المادة 9 بأن المستخدم
employé لا يمكن رفته وفى الفرنسى عبر عنه هنا بلفظ Renvoi فى سائر الأحوالen aucun
cas إلا بموافقة مجلس الإدارة. وذلك يفيد أن مدلول الرفت الوارد فى المادة 8 هو الفصل
التأديبى وأن مدلول الرفت الوارد فى المادة 9 هو الفصل على وجه العموم أياً كانت أسبابه
وظروف أحواله فيشمل الفصل التأديبى والفصل المصطلح على تسميته بالإدارى الذى يقع بغير
المحاكمة التأديبية، ويفيد أن حق الفصل صار مقيداً بموافقة مجلس الإدارة بالنسبة إلى
المستخدم المعامل بهذا الأمر العالى.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ أيضاً فهم مدلول المادة 14 من أمر 24 من ديسمبر
سنة 1888. أما أولا فلأن المقصود فيها بلفظ كل موظف وفى النص الفرنسى fonctionnaire
هو كل من تجوز إحالتهم على المحكمة العليا التأديبية، وأولئك هم المعينون بأمر عال
وحدهم لا كل عمال الحكومة على السواء بدليل أن المادة 13 من الأمر نفسه قالت "لا تتبع
أحكام أمرنا هذا فى حق المستخدمين السارية عليهم أحكام أوامرنا الصادرة فى 10/ 4/ 1883
و24/ 5/ 1885 و19/ 2/ 1887 المختصة بمجالس التأديب". ومن ثم يكون تعميم مدلول لفظ موظف،
وهو فى عرف القانون المعين بأمر عال، حتى يشمل المستخدم، وهو فى عرف القانون المعين
بغير أمر عال، مخالفاً كل المخالفة لعرف القانون ولهذا الأمر العالى بالذات. وأما ثانياً
فلأن المعنى المتجلى من عبارة المادة 14 من أمر 24 من ديسمبر سنة 1888 ليس هو تخويل
الحكومة حقاً لم يكن لها من قبل بل تقرير أن الأمر المذكور لم يرد قيداً على ذلك الحق
المطلق الثابت أبداً للحكومة فى فصل الموظف متى رأت أنه أصبح غير صالح للعمل، وأن إنشاء
المحكمة العليا التأديبية ليس من شأنه أن يجعل فصل الموظف موقوفاً على موافقتها بل
الأمر للحكومة إن شاءت حاكمت الموظف تأديبياً أمام تلك المحكمة وإن شاءت فصلته بلا
محاكمة تأديبية.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه إن يكن – على ما تقرر آنفاً – أخطأ فى تبرير قضائه فإن
هذا القضاء قد صادف حكم القانون إذ هو مستقيم على أساس قانونى آخر. ذلك أن الأمر العالى
الصادر فى 10 من أبريل سنة 1883 إذ كان فى المادة 9 منه اشترط فى فصل الموظف موافقة
رأى مجلس الإدارة فإنه كان فيما سبق من مواد قد نص على إنشاء مجلس يسمى مجلس الإدارة
والتأديب وجعل له اختصاصات إدارية باعتباره مجلس إدارة واختصاصات تأديبية باعتباره
مجلس تأديب. لكن بعد ذلك صدر أمر عال فى 24 من مايو سنة 1885 ناصاً فى المادة الأولى
منه على أنه جاء "بتعديل نصوص أمر 10/ 4/ 1883 المتعلقة بتشكيل مجالس الإدارة والتأديب
وسير أعمالها". ثم أورد التعديل فى باقى المواد وهو يقضى بأن مجلس الإدارة والتأديب
لم يعد إلا مجلس تأديب فقط ولم يبق له إلا الاختصاصات التأديبية دون الإدارية التى
كانت له لما كان مجلس إدارة وتأديب معاً، ومن ذلك يبين أن الأمر العالى الأخير نزع
من مجلس الإدارة والتأديب صفة كونه مجلس إدارة. وبذلك يكون قد ألغى جميع أحكام الأمر
العالى الأول المعتبر فيها كونه مجلس إدارة، ومنها الحكم الوارد فى المادة 9 منه، ومن
ثم يكون اشتراط موافقة مجلس الإدارة على فصل المستخدم – وهو القيد الذى كانت أوردته
هذه المادة على حق الحكومة المطلق فى ذلك – قد زال بزوال مجلس الإدارة فعاد للحكومة
حق فصل المستخدم مطلقاً كما كان.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الوجه الأول من السبب الأول من الطعن مرفوضاً.
ومن حيث إن الوجه الآخر من السبب الأول والسبب الثانى يتحصلان فى أن فصل الطاعن من
وظيفته بنى على ورود تقارير باتصاله بهيئات غير مرغوب فى تسرب الأخبار إليها مع أنه
كان قد أخلى من عمله بإدارة الطيران منذ 27 من سبتمبر سنة 1939 وندب إلى الإدارة العامة
بوزارة الدفاع ولم يعهد إليه بأى عمل فيها. ولما كان اتصال الطاعن بمختلف الهيئات سواء
المرغوب عنها أو فيها هو من مقتضيات عمل وظيفته فإن فصله بسبب هذا الاتصال يكون مخالفاً
للقانون، ثم إن عدم قيام الطاعن بأى عمل يجعل ألا محل للتخوف من إفشائه أى سر وألا
سبب يدعو لإحالته على المعاش. ويتحصل السبب الثالث فى أن الحكم أقيم على واقعة غير
ثابتة ولا سند لها فى أوراق الدعوى وهى ورود تقارير باتصال الطاعن بهيئات غير مرغوب
فى تسرب الأخبار إليها، وقد أنكر الطاعن وجود أى تقرير فى حقه، وتحدى الوزارة أن تقدم
تلك التقارير فلم تفعل، وعلى الرغم من ذلك أسست المحكمة مشروعية فصله على هذه الواقعة
المختلفة.
ومن حيث إن هذا الذى يثيره الطاعن مردود كله بأن الحكم لم يقم قوله بمشروعية فصله على
ورود تقارير باتصاله بتلك الهيئات ولا على مجرد اتصاله بها المعترف هو به بل على أن
الطاعن لم يثبت عدم صحة السبب الذى بنى عليه فصله.
ومن حيث إن السبب الرابع يتحصل فى أن المحكمة أخلت بحق دفاع الطاعن فقد تظلم إليها
فى صحيفة الاستئناف من أن المحكمة الابتدائية رفضت إجابته إلى طلب الإحالة على التحقيق
ليثبت بجميع طرق الإثبات بما فيها البينة والقرائن أن فصله لم يكن للمصلحة العامة بل
لأسباب شخصية قولاً منها بأن الإثبات بهذه الطرق غير جائز، وطلب فى نفس الصحيفة إلى
محكمة الاستئناف الإحالة على التحقيق لإثبات ذلك فلم تستجب هى أيضاً بل قالت إنه لم
يتقدم إليها بالطلب المذكور.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قال فى صدد هذا السبب "إن المستأنف قد أورد أمام محكمة
أول درجة البيانات التى يريد أن يصل بها إلى إثبات ما يدعيه من أن فصله لم يكن للمصلحة
العامة، وإنه كان لغرض شخصى وذكر أن هذه البيانات قرائن كافية لإثبات ما يدعيه، وكرر
هذه البيانات فى عريضة استئنافه دون أن يزيد عليها شيئاً جديداً أو طلباً آخر". وذلك
الذى قاله الحكم غير مخالف لما جاء فى صحيفة الاستئناف التى يستند إليها الطاعن فى
خصوص هذا السبب فإن سياق عبارتها لا يدل على أن الطاعن تقدم إلى محكمة الاستئناف بطلب
الإحالة على التحقيق وكذلك طلباته الختامية فيها خالية من هذا الطلب.
