الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 161 لسنة 9 ق – جلسة 18 /03 /1967 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1967 إلى آخر سبتمبر سنة 1967) – صـ 769


جلسة 18 من مارس سنة 1967

برئاسة السيد الأستاذ الدكتور محمود سعد الدين الشريف رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة الدكتور أحمد موسى وعبد الستار عبد الباقي آدم ومحمد طاهر عبد الحميد وعباس فهمي محمد بدر المستشارين.

القضية رقم 161 لسنة 9 القضائية

( أ ) عقد إداري. "إبرامه. ممارسة". حرية الإدارة في اختيار من يتعاقد معها عن طريق الممارسة أو الأمر المباشر – لا ينتفي مع هذه الحرية إخضاع عملية الممارسة لتنظيم قانوني معين – ليس في النظم المقررة للتعاقد عن طريق الممارسة مهما بلغت وقتها ما يلزم جهة الإدارة باختيار متعاقد معين [(1)].
(ب) عقد إداري. "إبرامه. ممارسة". تشريع. "تفسيره".
نصوص التشريع الواحد – لا تتناسخ بل يتعين تفسيرها باعتبارها وحدة متكاملة يفسر بعضها بعضاً – تطبيق ذلك بالنسبة لما نصت عليه المادة 124 من لائحة المناقصات والمزايدات الصادرة بقرار وزير المالية رقم 542 لسنة 1957 من اتباع شروط المناقصات العامة إذا زادت قيمة الأصناف أو الأعمال التي تقضي الضرورة بشرائها أو بالاتفاق على تنفيذها بالممارسة على مائتي جنيه وكان تسليم الأصناف أو الأعمال بعد فترة من الوقت تزيد على عشرة أيام – وذلك في ضوء ما نصت عليه المادة 119 من اللائحة ذاتها التي أجازت في حالات وظروف معينة الالتجاء إلى الممارسة دون قيد أو شرط والمادة الثامنة من القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات والتي أجازت أن يتم التعاقد عند الضرورة بطريق الممارسة – مقصود المادة 124 المذكورة في ضوء ما تقدم – هو اتباع ما يتوافق ولا يتعارض مع طبيعة الممارسة من الاشتراطات العامة الواردة في الباب الثاني من القسم الأول من اللائحة.
1 – أن المبدأ المقرر في التعاقد عن طريق الممارسة أو الاتفاق هو حرية الإدارة في اختيار من يتعاقد معها، وإن كانت هذه الحرية في الاختيار لا ينتفي معها إخضاع عملية الممارسة لتنظيم قانوني معين، وقد التقى القضاء والفقه الإداري على أنه مهما بلغت دقة النظام المقرر لإحدى طرق التعاقد عن طريق الممارسة فإنه ليس ثمة أسلوب واحد تلتزم به جهة الإدارة لاختيار متعاقد معين، وعلى هذا الأساس تتميز طرق التعاقد عن طريق الممارسة عن طريق التعاقد عن طريق المناقصات العامة.
2 – من المسلم في مجال التفسير أن نصوص التشريع الواحد يجب ألا تتناسخ بل يتعين تفسيرها باعتبارها وحدة متكاملة يفسر بعضها بعضاً على النحو الذي يحقق إعمال جميع النصوص لا إهمال لبعض منها، وإذا كانت المادة 119 من اللائحة المذكورة وهي الواردة في الباب الثالث من القسم الثاني منها – وهو الخاص بإجراءات التعاقد بالممارسة الذي وردت به المادة 124 أيضاً – قد أجازت في فقرتها السادسة شراء الأصناف أو الاتفاق على تنفيذ الأعمال عن طريق الممارسة في الحالات التي تقضي حالة الاستعجال الطارئة أو الظروف غير المتوقعة بعدم إمكان تحمل إجراءات المناقصات إذا كانت تلك المادة قد أجازت الالتجاء إلى الممارسة في هذه الحالة دون قيد أو شرط إلا أن يتحقق موجبها وهو حالة الاستعجال الذي لا يتحمل إجراءات المناقصة فإنه يكون من غير المقبول تفسير المادة 124 من ذات اللائحة الواردة في الباب ذاته بأنها تلزم الإدارة باتباع إجراءات المناقصة العامة إذا زادت مدة التسليم على عشرة أيام وكانت قيمة العملية تزيد على مائتي جنيه لأن هذا التفسير يحقق تعارضاً بين نصوص اللائحة الواحدة وتضارباً في أحكامها لا يسوغه منطق التفسير السليم، أن هذا التفسير الذي قام عليه الحكم المطعون فيه يصطدم بنص المادة الثامنة من القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات والتي صدرت اللائحة المذكورة بالاستناد إليه فقد أجازت تلك المادة عند الضرورة أن يتم التعاقد بطريق الممارسة ولم توجب على الإدارة في هذه الحالة إلا أن تتولى الممارسة لجنة يشترك في عضويتها من ينيبه وزير الخزانة فيما تزيد على 5000 جنيه وأن يكون قرار هذه اللجنة مسبباً فلا يجوز بعد ذلك تفسير نص في اللائحة الصادرة بالاستناد إلى هذا القانون بما من شأنه أن يتعارض مع نصوصه أو يعطل من تطبيقها هذا إلى أن لازم الأخذ بوجهة نظر الحكم المطعون فيه هو اتباع جميع إجراءات المناقصة في الحالات المشار إليها في المادة 124 من اللائحة وهذه الإجراءات تتعارض بطبيعتها مع إجراءات الممارسة التي لا يتصور إخضاعها لإجراءات النشر والإعلان وفتح المظاريف وغير ذلك من الإجراءات التي تتطلب زمناً طويلاً لا يتفق مع ما تقوم عليه الممارسة من سرعة ومرونة في الإجراءات وحرية تامة لجهة الإدارة في اختيار المتعاقد معها ومن ثم فإنه إذ وضح تماماً أن التفسير الذي ذهبت إليه المحكمة للمادة 124 من اللائحة للقول بإخضاع الممارسة في الحالات الموضحة بها لأحكام المناقصات العامة، إذ وضح أن هذا التفسير من شأنه أن يعطل تنفيذ بعض أحكام اللائحة المذكورة وأنه يصطدم بالقانون الذي صدرت بالاستناد إليه فضلاً عن أنه لا يستقيم مع القاعدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النوع من وسائل تعاقد الإدارة ويتعارض مع طبيعة هذا النوع وما يتطلبه من استقلال بالإجراءات التي توافقه فإنه يتعين استبعاد هذا التفسير وعلى ذلك يقتضي القول بأن كل ما قصدت إليه تلك المادة أخذاً بصريح صياغتها وعلى مقتضى المبادئ السليمة في التطبيق والتفسير وبمراعاة المبادئ الأساسية التي تحكم الصور المختلفة لوسائل تعاقد الإدارة هو اتباع الاشتراطات العامة الواردة في الباب الثاني من القسم الأول من اللائحة الخاصة بالمناقصات العامة بل أنها قصدت إلى أن تتبع من هذه الاشتراطات ما يتوافق ولا يتعارض مع طبيعة الممارسة وليس في هذه الاشتراطات ما يلزم جهة الإدارة باتباع إجراءات المناقصة العامة في الحالات الواردة بها أو ما يضع قيداً على حريتها في اختيار المتعاقد معها ويكون قصارى ما تطلبته هذه المادة إذن هو اتباع الاشتراطات العامة الواردة في الفصلين الأول والثاني من هذا الباب وهي بالذات الاشتراطات المتعلقة بالتأمينات الواردة في الفصل الثاني منه ضماناً لجدية العطاء وتنفيذاً للعقد عن أحسن وجه، يقطع في هذا أن الفقرة الأخيرة من تلك المادة قد نصت على أنه "إذا كانت الفترة (المحددة للتسلم) تقل عن عشرة أيام فيقتضي أخذ تعهد على المتعهد يضمن فيه تنفيذ التزامه في الفترة المحددة وتحتفظ المصلحة بحقها في الرجوع عليه بالتعويضات عما قد يلحقها من الأضرار" وهذه الفقرة واضحة الدلالة على أن المقصود من نص المادة 124 المذكورة هو اتباع اشتراطات التأمين فالنص لم يضع إذن قيداً على حرية الإدارة في اختيار المتعاقد معها في الممارسة خروجاً على الأصل العام المقرر وإن أكد ضمانه أصلية مقررة للمصلحة العامة لكفالة تنفيذ العقد على الوجه الأكمل.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 675 لسنة 15 ق أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعت سكرتيرية تلك المحكمة في 3/ 5/ 1961 وذكر فيها أنه بناء على طلب وزارة الزراعة تقدم بعطاء عن توريد لافتات إعلانية وبعد إجراء الممارسة بينه وبين المتنافسين أسفرت الممارسة عن أن عطاء شركة الإعلانات المصرية هو أقل عطاء بالنسبة للنماذج أرقام 1، 2، 3، 5 وهي عبارة عن 175 لافتة وأن عطاءه هو أقل عطاء بالنسبة للنماذج أرقام 4، 6، 7 وهي عبارة عن 120 لافتة غير أن الوزارة أرست العطاء بأكمله على شركة الإعلانات المصرية دون مبرر أو سند من القانون وذلك بمقولة أنها رأت عدم تجزئة العطاء خاصة وأن فرق السعر عن البنود التي تقدم فيها بأقل عطاء لا يتجاوز ثلاثين جنيهاً وينعى المدعي على القرار الصادر بإرساء العملية كلها على الشركة الإعلانات المصرية مخالفته للقانون ذلك أن شروط الممارسة لم يذكر فيها شرط عدم التجزئة وأن هذه الشركة لم يشترط عدم التجزئة إلا في آخر جلسة من جلسات الممارسة واعترض رئيس لجنة الممارسة على هذا الشرط، كما أنه لا محل للقول بأن عدم تجزئة العملية يرجع إلى أسباب فنية كيما تخرج اللافتات متشابهة لأن كل بند منفصل تماماً عن باقي البنود الأخرى ويختلف عنها في نوع الرسم المطلوب بالإضافة إلى أن البنود 4، 6، 7 التي كان عطاؤه فيها أقل عطاء لا تحوى رسوماً وكلها عبارات مكتوبة ثم أنه لا حرج من أن يقوم بتوريد اللافتات أكثر من جهة لأن كل لافتة ستوضع في مكان بعيد عن اللافتة الأخرى، وانتهى المدعي من ذلك كله إلى أن القرار الصادر بإرساء العملية بأكملها على شركة الإعلانات المصرية يكون قد صدر والحالة هذه دون سبب يبرره وطلب إلغاءه وما يترتب على ذلك من آثار وقد ردت الوزارة على الدعوى بأنه بعد أن تمت الموافقة على توريد وتركيب اللوحات الإرشادية على طريق الممارسة قامت إدارة المخازن والمشتريات في 8/ 2/ 1961 بالمرور على الشركات وحصلت على عروض عن جميع النماذج من شركة الإعلانات المصرية والشركة العربية لأنوار النيون وعلى عرض عن النماذج أرقام 4، 5، 6 من المدعي وقامت اللجنة المختصة بممارسة المتقدمين بغية الحصول على أقل الأسعار عن طريق المنافسة العلنية وأسفرت الممارسة أخيراً عن النتيجة التالية.
( أ ) لم يتقدم المدعي بعطاء عن اللوحات أرقام 1، 2، 3 وتقدمت عنها شركة الإعلانات المصرية بعرض عن النموذج رقم 1 وعدد لوحاته عشرة بسعر 59 جنيهاً للوحة وعن النموذج رقم 2 وعدد لوحاته خمسة بسعر 63 جنيهاً للوحة وعن النموذج رقم 3 وعدد لوحاته عشرة بسعر 51 جنيهاً للوحة بالإضافة إلى 300 جنيه مصاريف التركيب فبلغت جملة قيمة عرضها 1715 جنيهاً وبلغت جملة قيمة عرض الشركة العربية عن هذه النماذج الثلاث 4267 جنيهاً و250 مليماً.
(ب) أما النماذج رقم 4 وعدد لوحاته 50 رقم 5 وعدد لوحاته 150 ورقم 6 وعدد لوحاته 50 رقم 7 وعدد لوحاته 20 فقد كانت جملة قيمة عرض شركة الإعلانات المصرية ثمنها 3037 جنيهاً و500 مليم وجملة قيمة عرض المدعي 3015 جنيهاً وجملة قيمة عرض الشركة العربية لأنوار النيون 4242 جنيهاً.
ومضت الوزارة تقول أن إجمالي عطاء شركة الإعلانات المصرية عن جميع اللوحات موضوع الممارسة بلغ 4752 جنيهاً و500 مليم وهي الشركة التي قررت اللجنة إرساء العملية جميعها عليها لأنها اشترطت عدم التجزئة وأن اللجنة رأت أن العملية من الناحية الفنية تتطلب توحيد رسومات اللوحات ولم تستبعد اللجنة عطاء هذه الشركة لاشتراطها عدم التجزئة لأنها راعت أن واجبها يفرض عليها العمل لصالح خزانة الدول وليس لصالح أية شركة من الشركات كما أن الاشتراطات لم تفرض مثل هذا الشرط. وأضافت الوزارة أنه لو فرض جدلاً أن اللجنة استبعدت عطاء هذه الشركة لأنها اشترطت عدم التجزئة لكانت خزانة الدولة تحملت خسارة قيمتها 2529 جنيهاً و750 مليماً نتيجة لقبول عطائي المدعي والشركة العربية لأنوار النيون اللتين لم تشترطا عدم التجزئة – في حين أن الوفر الذي كان يمكن أن يتحقق فيما لو لم تشترط شركة الإعلانات المصرية عدم التجزئة عن اللوحات أرقام 4، 6، 7 التي تقدم المدعي فيها بأقل العروض هو 22 جنيهاً و500 مليم وهو فرق ضئيل لا يوازي من الناحية الفنية قيمة توحيد رسومات اللوحات، وأشارت الوزارة إلى أن عدم تقدم المدعي بعرض عن النماذج أرقام 1، 2، 3 إنما يوحي بعدم كفايته وبقصور إمكانياته المادية والفنية، وبجلسة 25/ 11/ 1962 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها في الدعوى قاضياً بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من رفض عطاء المدعي عن اللافتات الإرشادية عن النماذج أرقام 4، 6، 7 مع إلزام الوزارة المدعى عليها بالمصروفات". وقد استعرضت المحكمة وقائع الدعوى حسبما استظهرته من الأوراق في أن الوزارة كانت في حاجة إلى لوحات إرشادية يتم توريدها وتركيبها قبل 30/ 6/ 1961 ولضيق الوقت واقتراب السنة المالية من نهايتها وافقت في 4/ 2/ 1961 على تشغيل هذه اللوحات عن طريق الممارسة وقامت اللجنة التي شكلت لإجراء هذه الممارسة بالمرور على المؤسسات والشركات التي رأت دعوتها للتقدم بعروض وكان أن تقدم ثلاثة منها بعروضها وهي:
أولاً: المدعي وقد تقدم بعرض عن النماذج أرقام 4، 5، 6، 7.
ثانياً: شركة الإعلانات المصرية وقد تقدمت بعرض عن جميع النماذج.
ثالثاً: الشركة العربية لأنوار النيون وقد تقدمت بعرض عن جميع النماذج وقد مارست لجنة الممارسة المتقدمين بنية الحصول على أقل الأسعار عن طريق المنافسة العلنية فأسفرت الممارسة عن الآتي:
أولاً: المدعي وهو لم يتقدم بعرض عن النماذج 1، 2، 3:

      مليم جنيه مليم جنيه مليم جنيه مليم جنيه
14.750 8.300 14.750 14.750

ثانياً: شركة الإعلانات المصرية وبشرط عدم التجزئة:

جنيه جنيه جنيه جنيه مليم جنيه جنيه جنيه
59 63 51 15 8.250 15 15

ثالثاً: الشركة العربية لأنوار النيون وقد رفضت إجراء أي تخفيض على أسعارها:

مليم جنيه مليم جنيه مليم جنيه مليم جنيه جنيه مليم جنيه مليم جنيه
172.500 191.500 158.700 17.850 14 17.850 17.850

وقد أوصت لجنة الممارسة بقبول العطاء المقدم من شركة الإعلانات المصرية عن اللوحات جميعها لأنها اشترطت عدم التجزئة والفرق بينها وبين عطاء المدعي عن اللوحات التي تقدم فيها أرقام 4، 6، 7 ضئيل ولأن العملية تتطلب من الناحية الفنية توحيد رسومات اللوحات وبعد أن استعرضت المحكمة وقائع النزاع على النحو المتقدم قالت أنه ولئن كان الأصل في التعاقد بالممارسة أنه يخضع لقاعدة حرية الإدارة في اختيار المتعاقد معها دون أن تكون مقيدة بالتعاقد مع شخص معين إلا أن المادة 124 من لائحة المناقصات والمزايدات قد خرجت على هذا المبدأ في أحوال معينة إذ نصت على أنه "إذا كان تسليم الأصناف أو الأعمال التي تقضي الضرورة بإجرائها بالممارسة سيكون بعد فترة من الوقت تزيد على عشرة أيام فيتعين على لجنة الممارسة أن تتبع شروط المناقصات العامة إذا كانت القيمة تزيد على مائتي جنيه وشروط المناقصة المحلية إذا قلت القيمة عن ذلك". ولما كانت قيمة اللافتات موضوع الممارسة تبلغ آلاف الجنيهات والمدة المحددة للتسليم تزيد كثيراً على عشرة أيام فمن ثم يجب نفاذاً لحكم هذه المادة التزام القواعد التي تحكم المناقصات العامة عند البت في العطاءات المقدمة فيها، وما يستلزم ذلك من إرساء المناقصة على صاحب أقل سعر، وعلى ذلك فإنه كان يتعين على لجنة الممارسة قبول عطاء المدعي عن النماذج 4، 6، 7 باعتباره أقل عطاء ما دامت الشروط التي طرح توريد وتركيب اللافتات في الممارسة على أساسها لم تتضمن شرطاً يوجب على المتمارسين التقدم بعروضهم عن جميع نماذج اللافتات وإلا استبعدت، أو يعطي الوزارة حقاً في استبعاد أي عرض لم يقدم عن جميع النماذج، وما كان يجوز للجنة أن تدخل في اعتبارها عند المفاضلة بين عطاء المدعي وعطاء شركة الإعلانات المصرية شرط عدم التجزئة الذي قرنت به هذه الشركة عرضها لما ينطوي عليه قبول هذا الشرط من تعديل للشروط التي طرحت العملية في الممارسة على أساسها تعديلاً من شأنه الإخلال بالمساواة بين المتقدمين فيها على أساس الشروط المذكورة وتأسيساً على ذلك كله انتهت المحكمة إلى أن القرار الصادر من الوزارة بقبول عطاء شركة الإعلانات المصرية عن اللافتات الإرشادية جميعها بمختلف نماذجها يكون قد صدر فيما انطوى عليه من رفض لعطاء المدعي عن اللافتات من النماذج 4، 6، 7 رغم أنه العطاء الأقل عن هذه النماذج يكون قد صدر مشوباً بعيب مخالفة أحكام القانون الخاصة بالمناقصات العامة التي تسري على الممارسة موضوع هذه الدعوى وقد طعنت الوزارة في هذا الحكم وأقامت طعنها على أن تعاقد الإدارة عن طريق الممارسة يسمح لها بالاتفاق المباشر مع متعاقد بها دون التقيد باتباع إجراءات المناقصة وهذا ما يتميز به عقد الممارسة عن العقد الذي يتم عن طريق المناقصة في أن الإدارة عند التعاقد بطريق الممارسة تكون حرة في اختيار من يتعاقد معها دون أن تكون مقيدة بالتعاقد مع شخص معين، ولما كانت جهة الإدارة قد لجأت في تشغيل اللافتات الإعلانية المطلوبة إلى طريق الممارسة استناداً إلى نص المادة 119 من لائحة المناقصات والمزايدات – التي تجيز في الفقرة السادسة منها شراء الأصناف أو الاتفاق على تنفيذ الأعمال عن طريق الممارسة في حالات الاستعجال الطارئة أو الظروف غير المنظورة التي لا تحتمل إجراءات المناقصات فإنها تكون حرة في اختيار المتعاقد معها دون التقيد بالتعاقد مع شخص معين، وما دام القرار المطعون فيه قد سلم من عيب عدم الاختصاص وعيب الشكل وعيب إساءة استعمال السلطة ولم تلصق به المحكمة إلا عيب مخالفة القانون وقد ثبت أن السبب الأخير لا يرفق به القرارات المتعلقة بالتعاقد عن طريق الممارسة كما سبق القول فمن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وقامت به حالة من حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا.
ومن حيث إن المبدأ المقرر في التعاقد عن طريق الممارسة أو الاتفاق المباشر هو حرية الإدارة في اختيار من يتعاقد معها، وإن كانت هذه الحرية في الاختيار لا ينتفي معها إخضاع علمية الممارسة لتنظيم قانوني معين، وقد التقى القضاء والفقه الإداري على أنه مهما بلغت دقة النظام المقرر لإحدى طرق التعاقد عن طريق الممارسة فإنه ليس ثمة أسلوب واحد تلتزم به جهة الإدارة لاختيار متعاقد معين، وعلى هذا الأساس تتميز طرق التعاقد عن طريق الممارسة عن طريق التعاقد عن طريق المناقصات العامة وإذا كان هذا هو المبدأ المسلم بالنسبة إلى التعاقد عن طريق الممارسة فإنه تبين وجه الخطأ الذي وقع فيه الحكم المطعون فيه حين ألزم الإدارة باتباع أحكام المناقصة العامة في الممارسة موضوع الدعوى وما يستتبع ذلك من التزامها لمبدأ الآلية في الإرساء لما في ذلك من خروج على طبيعة الممارسة.. ومخالفة للقاعدة الأساسية التي تقوم عليها وهي التي تجعل الكلمة الأخيرة للإدارة عند اختيار المتعاقد معها.
ومن حيث إن استناد الحكم المطعون فيه إلى المادة 124 من القرار رقم 543 لسنة 1957 بإصدار لائحة المناقصات والمزايدات للخروج على هذا المبدأ ومخالفة هذا الأصل المقرر هو استناد في غير محله وبيان ذلك أن هذه المادة قد نصت على أنه "إذا كان تسليم الأصناف أو الأعمال التي تقضي الضرورة بإجرائها بالممارسة سيكون بعد فترة من الوقت تزيد على عشرة أيام فيتعين على لجنة الممارسة أن تتبع شروط المناقصات العامة إذا كانت القيمة تزيد على مائتي جنيه وشروط المناقصة المحلية إذا قلت القيمة على ذلك". ولا يمكن تفسير هذا النص بأن المشرع قد حظر الالتجاء إلى طريق الممارسة في الحالات المشار إليها فيه لأن هذا الفهم لا يستقيم مع أصول التفسير السليمة إذ أنه من المسلم في مجال التفسير أن نصوص التشريع الواحد يجب ألا تتناسخ بل يتعين تفسيرها باعتبارها وحدة متكاملة يفسر بعضها بعضاً على النحو الذي يحقق أعمال جميع النصوص لا إهمال لبعض منها، وإذا كانت المادة 119 من اللائحة المذكورة وهي الواردة في الباب الثالث من القسم الثاني منها – وهو الخاص بإجراءات التعاقد بالممارسة الذي وردت به المادة 124 أيضاً – قد أجازت في فقرتها السادسة شراء الأصناف أو الاتفاق على تنفيذ الأعمال عن طريق الممارسة في الحالات التي تقضي حالة الاستعجال الطارئة أو الظروف غير المتوقعة بعدم إمكان تحمل إجراءات المناقصات إذا كانت تلك المادة قد أجازت الالتجاء إلى الممارسة في هذه الحالة دون قيد أو شرط إلا أن يتحقق موجبها وهو حالة الاستعجال الذي لا يتحمل إجراءات المناقصة فإنه يكون من غير المقبول تفسير المادة 124 من ذات اللائحة الواردة في الباب ذاته بأنها تلزم الإدارة باتباع إجراءات المناقصة العامة إذ زادت مدة التسليم على عشرة أيام وكانت قيمة العملية تزيد على مائتي جنيه لأن هذا التفسير يخلق تعارضاً بين نصوص اللائحة الواحدة وتضارباً في أحكامها لا يسوغه منطق التفسير السليم كما أن هذا التفسير الذي قام عليه الحكم المطعون فيه يصطدم بنص المادة الثامنة من القانون رقم 236 لسنة 1954 بتنظيم المناقصات والمزايدات والتي صدرت اللائحة المذكورة بالاستناد إليه فقد أجازت تلك المادة عند الضرورة أن يتم التعاقد بطريق الممارسة ولم توجب على الإدارة في هذه الحالة إلا أن تتولى الممارسة لجنة يشترك في عضويتها من تنيبه وزارة الخزانة فيما تزيد قيمته على 5000 جنيه وأن يكون قرار هذه اللجنة مسبباً فلا يجوز بعد ذلك تفسير نص في اللائحة الصادرة بالاستناد إلى هذا القانون بما من شأنه أن يتعارض مع نصوصه أو يعطل من تطبيقها هذا إلى أن لازم الأخذ بوجهة نظر الحكم المطعون فيه هو اتباع جميع إجراءات المناقصة في الحالات المشار إليها في المادة 124 من اللائحة وهذه الإجراءات تتعارض بطبيعتها مع إجراءات الممارسة التي لا يتصور إخضاعها لإجراءات النشر والإعلان وفتح المظاريف وغير ذلك من الإجراءات التي تتطلب زمناً طويلاً لا يتفق مع ما تقوم عليه الممارسة من سرعة ومرونة في الإجراءات وحرية تامة لجهة الإدارة في اختيار المتعاقد معها ومن ثم فإنه إذ وضح تماماً أن التفسير الذي ذهبت إليه المحكمة للمادة 124 من اللائحة للقول بإخضاع الممارسة في الحالات الموضحة بها لأحكام المناقصة العامة، إذ وضح أن هذا التفسير من شأنه أن يعطل تنفيذ بعض أحكام اللائحة المذكورة وأنه يصطدم بالقانون الذي صدرت بالاستناد إليه فضلاً عن أنه لا يستقيم مع القاعدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النوع من وسائل تعاقد الإدارة ويتعارض مع طبيعة هذا النوع وما يتطلبه من استقلال بالإجراءات التي توافقه فإنه يتعين استبعاد هذا التفسير وعلى ذلك يقتضي القول بأن كل ما قصدت إليه تلك المادة أخذاً بصريح صياغتها وعلى مقتضى المبادئ السليمة في التطبيق والتفسير وبمراعاة المبادئ الأساسية التي تحكم الصور المختلفة لوسائل تعاقد الإدارة هو اتباع الاشتراطات العامة الواردة في الباب الثاني من القسم الأول من اللائحة الخاصة بالمناقصات العامة بل أنها قصدت إلى أن تتبع من هذه الاشتراطات ما يتوافق ولا يتعارض مع طبيعة الممارسة، وليس في هذه الاشتراطات ما يلزم جهة الإدارة باتباع إجراءات المناقصة العامة في الحالات الواردة بها أو ما يضع قيداً على حريتها في اختيار المتعاقد معها ويكون قصارى ما تطلبته هذه المادة إذن هو اتباع الاشتراطات العامة الواردة في الفصلين الأول والثاني من هذا الباب وهي بالذات الاشتراطات المتعلقة بالتأمينات الواردة في الفصل الثاني منه ضماناً لجدية العطاء وتنفيذاً للعقد على أحسن وجه، يقطع في هذا أن الفقرة الأخيرة من تلك المادة قد نصت على أنه "إذا كانت الفترة (المحددة للتسليم) تقل عن عشرة أيام فيقتضي أخذ تعهد على المتعهد يضمن فيه تنفيذ التزامه في الفترة المحددة وتحتفظ المصلحة بحقها في الرجوع عليه بالتعويضات مما قد يلحقها من الأضرار" وهذه الفقرة واضحة الدلالة على أن المقصود من نص المادة 124 المذكورة هو اتباع اشتراطات التأمين فالنص لم يضع إذن قيداً على حرية الإدارة في اختيار المتعاقد معها في الممارسة خروجاً على الأصل العام المقرر وإنما أكد ضمانة أصلية مقررة للمصلحة العامة لكفاية تنفيذ العقد على الوجه الأكمل.
ومن حيث إنه يترتب على ما تقدم أن الإدارة تظل في نطاق الممارسة محتفظة بحريتها الكاملة في اختيار المتعاقد معها، وإذ يتبين مما سبق إيراده في معرض تحصيل الوقائع أن القرار الصادر بإرساء العملية موضوع الممارسة على شركة الإعلانات المصرية لا يشوبه عيب في الاختصاص أو الشكل وأنه استهدف تحقيق الصالح العام تحقيقاً للتناسق بين مختلف الرسومات والنماذج وتوحيداً للإشراف المسلط على العملية وتوفيراً للجهد وبمراعاة أن هذه الشركة بحسب ما قدرته الوزارة تفوق في مقدرتها المالية وكفايتها الفنية مقدرة المدعي وكفايته، وتقديراً بأن هذه الاعتبارات تفوق في ميزتها بالنسبة للإدارة هذا الفرق الضئيل الذي يبلغ 22 جنيهاً و500 مليم بين عطاء هذه الشركة وعطاء المدعي عن النماذج أرقام 4، 6، 7 فإن هذا القرار يكون قد صدر والحالة هذه سليماً مطابقاً للقانون، ولا وجه للطعن عليه بأن في قبول عطاء هذه الشركة مع اقترانه بشرط عدم التجزئة إخلالاً بمبدأ المساواة بين المتنافسين لأن الإدارة لم تشترط على المتقدمين التزام شروط وأوضاع معينة بل تركت لهم الحرية في أن يتقدموا بعروضهم على الوجه الذي يتفق مع إمكانيات كل منهم عن كل أو بعض النماذج موضوع الممارسة محتفظة لنفسها بالحق في اختيار العطاء الذي تراه أفضلها، فهي إن قبلت عطاء الشركة المذكورة فأنها لم تقبله لأنها اشترطت عدم التجزئة وغيرها لم يقرن عطاءه لهذا الشرط بل إنها قبلته لأن العطاء الذي يعتبر أحق، بالنظر إلى ظروف المتعاقد أنه أفضل العطاءات ومن أجل ذلك كله يكون القرار المطعون فيه قد صدر مبرأ من كل عيب متعيناً رفض الطعن عليه وإذ ذهب الحكم المطعون فيه مذهباً مخالفاً فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله ويتعين لذلك إلغاؤه والقضاء برفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] بمثل هذا المبدأ سبق أن قضت المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر في القضية رقم 1654 لسنة 6 ق بجلسة 22/ 12/ 1962 والمنشور بمجموعة السنة الثامنة – المبدأ 28 – ص 299.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات