الطعن رقم 17 سنة 16 ق – جلسة 05 /06 /1947
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 453
جلسة 5 من يونيه سنة 1947
برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد المفتى الجزايرلى بك وأحمد على علوبة بك ومصطفى مرعى بك ومحمد صادق فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 17 سنة 16 القضائية
اختصاص:
أ – التصرفات التى حرم المرسوم بقانون رقم 114 لسنة 1945 الطعن فيها أمام القضاء. هى
تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية التى تكون مستندة إلى قانون الأحكام
العرفية. الإجراءات التى تتخذ تنفيذاً لهذه التصرفات. هذا المرسوم لا يحميها.
ب – العبرة فى اختصاص المحاكم بالتعويض عن الأعمال الإدارية المخالفة للقوانين. هى
بمجرد الادعاء بالمخالفة. (المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم)
جـ – مصلحة. لا فائدة من الطعن فى الحكم الصادر بعدم الاختصاص إذا كان مبنياً على ما
يؤدى إلى رفض الدعوى.
د – تموين. لجنة الغزل والمنسوجات المشار إليها فى الأمر العسكرى رقم 196. من اختصاصها
التصرف فى توزيع الغزل.
1 – الذى يبدو من نص المرسوم بقانون رقم 114 لسنة 1945 بشأن عدم قبول الطعن فى التدابير
التى أصدرتها السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية ومقصود الشارع منه أن ما حرم
الطعن فيه أمام القضاء إنما هى تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية ومندوبيها
التى تكون مستندة إلى قانون الأحكام العرفية، أما الإجراءات التى اتخذت تنفيذاً لهذه
التصرفات من الموكول إليهم أمر التنفيذ فإن المرسوم المذكور لا يحميها. وإذن فهو لا
ينطبق على الدعوى المؤسسة على أن وزارة التموين – وهى بسبيل تنفيذ القوانين والأوامر
العسكرية الخاصة بتنظيم إنتاج المنسوجات وتوزيع الغزل اللازم لإنتاجها – قد خالفت هذه
القوانين والأوامر. فإذا قضت المحكمة فى هذه الدعوى بعدم الاختصاص كان قضاؤها خاطئاً
وصح الطعن فيه.
2 – العبرة فى اختصاص المحاكم بالتعويض عن أعمال الحكومة المخالفة للقوانين ليست بوقوع
المخالفة بالفعل بل هى بمجرد الادعاء بها [(1)].
3 – إذا كان الحكم الذى قضى فى دعوى تعويض مرفوعة على الحكومة بعدم اختصاص المحاكم
بالنظر فيها قد بنى على أن التصرف المشكو منه لا مخالفة فيه للقانون فإن ابتناءه على
هذا الذى يؤدى إلى رفض الدعوى ولا يؤدى إلى عدم الاختصاص لا يجوّز الطعن فيه بهذا المطعن
إذ لا مصلحة تعود على الطاعن من ورائه [(2)].
4 – إن المادة الثانية من الأمر العسكرى رقم 196 قد خصت لجنة الغزل والمنسوجات بإيجاد
التوازن بين الكميات اللازمة للاستهلاك المحلى من الغزل والمنسوجات القطنية وبين ما
تنتجه مصانع النسيج الآلية والأنوال اليدوية، وتدبير ما قد يبدو من عجز فى الإنتاج
باستيراد الكميات اللازمة من الخارج، وإنشاء نظام لتوزيع الغزل والمنسوجات الوطنية،
وتيسير إمداد النساجين وتجار التجزئة والمستهلكين بالكميات اللازمة لهم، وخولتها الحق
فى أن تعيد النظر فى العقود قيد التنفيذ التى يكون النساجون قد أبرموها ببيع مصنوعاتهم،
وأن تقرر عند الاقتضاء إلغاءها فوراً بلا تعويض وبغير إعلان سابق، وذلك تمكيناً لها
من الحصول على الكميات اللازمة للتوزيع. وإذن فالتصرف فى توزيع الغزل هو من اختصاص
تلك اللجنة. وعلى ذلك فقرار وزارة التموين سحب الترخيص من حامله تنفيذاً لقرار تلك
اللجنة لا مخالفة فيه للقانون.
الوقائع
فى 28 من أكتوبر سنة 1941 صدر الأمر العسكرى رقم 191 ملزماً كل
من يحوز نولاً يدوياً للنسيج أن يبلغ عنه المحافظة أو المديرية فى خلال ثمانية أيام
من تاريخ صدوره حاظراً على النساجين صناعة الأقمشة بهذه الأنوال ابتداءً من 15 من نوفمبر
سنة 1941 ما لم يحصلوا على ترخيص من وزارة التموين التى خول وزيرها أن يقرر شروط وأوضاع
توريد الغزل إليهم بقرار يصدره وأجيز له سحب الترخيص المشار إليه فى أى وقت. وفى 4
من نوفمبر سنة 1941 صدر الأمر رقم 196 بتأليف لجنة الغزل والمنسوجات القطنية ومهمتها
إيجاد التوازن بين الكميات اللازمة للاستهلاك المحلى من الغزل والمنسوجات المشار إليها
فى الجدول الملحق بالأمر ولها فى سبيل أداء هذه المهمة أن تنشئ نظاماً لتوزيع الغزل
والمنسوجات القطنية يكفل إمداد النساجين وتجار التجزئة والمستهلكين بالكميات اللازمة
لهم وأن تقدم من المقترحات ما ترى أنه يعين على تحقيق الغرض المقصود من إنشائها. وفى
16 من نوفمبر سنة 1942 صدر الأمر العسكرى رقم 349 فعدل تشكيل اللجنة ووسع اختصاصها
وفصله وجعل قراراتها نافذة إذا اعتمدها وزير التموين ونص على أن يكون توزيع الغزل ببطاقات
شخصية تبطل عند تصرف حاملها فى مصنعه. ويقول الطاعنان إنهما لم يكونا مشتغلين بصناعة
النسيج عند صدور الأمر رقم 191 وإنه لم يكن فى حوزتهما وقتئذ أية أنوال يدوية، فلما
أعلنت وزارة التموين فى أوائل سنة 1942 أنها تعفى خريجى مدارس النسيج من القيود الواردة
بهذا الأمر وتهيأ لهما بذلك الحصول على الغزل إذا اشتغلا بالنسيج على أنوال يدوية تقدم
كل منهما فى 11 من مايو سنة 1942 إلى الوزارة بطلب خيوط الغزل اللازمة لثلاثين نولاً
فردت الوزارة فى 7 من يوليو سنة 1942 تسألهما هل الأنوال الوارد ذكرها فى طلبهما تامة
الأدوات والتركيب وتطلب منهما إذا لم تكن كذلك تعيين التاريخ الذى تكون فيه مستعدة
للمعاينة، فشجعهما هذا على المضى فى مشروعهما وكتبا للوزارة فى 20 من يوليو سنة 1942
طالبين مهلة لتشييد مصنع للنسيج وبعد أن شيداه أرسلت الوزارة لجنة عاينته وإذا بها
لا ترخص لكل منهما إلا بثمانية رزم من الغزل فى الشهر لنول واحد على أن يقوم كل منهما
على نوله بنفسه. وأثبت الحكم أن لجنة الغزل والمنسوجات المشكلة بالأمر رقم 196 قررت
فى 2 من مايو سنة 1942 منع أرباب مصانع الغزل من شراء أنوال غير التى فى حيازتهم حتى
لا يزداد عدد أنوالهم جدياً أو صورياً فيترتب على ذلك اضطراب عملية توزيع الغزل فى
الحالين، وأنها فى 20 من يوليو سنة 1942 قررت الترخيص لكل خريج من خريجى المدارس الصناعية
الذين تقدموا بطلبات للحصول على الغزل حتى ذلك اليوم ولم تعاين أنوالهم بثمانية رزم
فى الشهر لنول واحد بشرط قيام كل منهم على نوله بنفسه، وأنها فى 21 من سبتمبر سنة 1942
قررت صرف الغزل للنساجين اللذين استرخصوا فى الميعاد المقرر بالأمر رقم 191 والذين
كانت أنوالهم تحت المعاينة مصرة على قرارها السابق بالنسبة إلى خريجى المدارس الصناعية.
وفى 11 من مارس سنة 1943 أنذر الطاعنان الوزارة بأن كتابها المؤرخ فى 7 من يوليو سنة
1942 أغراهما بإنشاء مصنع للنسيج مجهز بستين نولاً كلفهما إنشاؤه مالاً كثيراً وأن
قرارها بقصر الترخيص لهما على الغزل اللازم لنولين فقط حملهما من الأضرار إلى تاريخ
الإنذار ما لا تقل قيمته عن ثلاثة آلاف جنيه وأنها إذا لم تعدل عن قرارها هذا فى خلال
عشرة أيام فإن الضرر سوف يزيد زيادة قيمتها 250 ج شهرياً. ثم فى 14 من أبريل سنة 1943
أنذراها بأنهما أثناء الميعاد الذى حدداه فى إنذارهما السابق اتفقا مع إحدى شركات الغزل
على أن يبيعاها الأنوال الموجودة بالمصنع الذى شيداه بالمحلة الكبرى وعددها 44 نولاً
على أن يتوليا الإدارة الفنية بمرتب شهرى علاوة على الثلث فى صافى الأرباح، وأنه بعد
تمام هذا الاتفاق رؤى عرضه على وزارة التموين لاعتماده والتصريح للشركة بنقل خيوط الغزل
منها إلى المصنع بالمحلة الكبرى، ونبه الطاعنان فى إنذارهما هذا على الوزارة بإجابة
هذا الطلب فى خلال ثلاثة أيام استدراكاً للخسارة التى لحقت بهما من جراء حرمانهما من
الغزل اللازم للمصنع وإلا حق عليها التعويض. وعلى أثر هذا الإنذار سحبت وزارة التموين
من الطاعنين الترخيص لهما بالغزل الذى قررته لهما فأقاما عليها فى 7 من يوليو سنة 1943
الدعوى رقم 3291 سنة 1943 كلى أمام محكمة مصر الابتدائية طالبين الحكم عليها بتعويض
عن تصرفها معهما قدره ثلاثة آلاف جنيه مع ما يستجد منه باعتبار 250 ج فى الشهر منذ
انتهاء المهلة التى حدداها لها بإنذارهما المعلن فى 11 من مارس سنة 1943 حتى الوفاء.
دفعت الوزارة بعدم اختصاص المحاكم بنظر الدعوى بناءً على أن الأمر العسكرى رقم 196
جعل توزيع الغزل مما تستقل به جهة الإدارة بغير رقابة من القضاء. وفى 4 من ديسمبر سنة
1944 قضت محكمة مصر برفض الدفع وبالاختصاص وبرفض الدعوى. وفى 7 من فبراير سنة 1945
استأنف الطاعنان هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر فيما قضى به من رفض دعواهما طالبين
إلغاءه فى هذا الخصوص والقضاء لهما بطلباتهما الابتدائية واستأنفته وزارة التموين فرعياً
فيما قضى به من الاختصاص طالبة إلغاءه فى هذا الصدد والقضاء بعدم اختصاص المحاكم بنظر
الدعوى. وبعد أن ضم الاستئنافان أحدهما إلى الآخر حكمت المحكمة فى 12 من نوفمبر سنة
1945 فى موضوع الاستئناف الفرعى بالغاء الحكم المستأنف وبعدم اختصاص المحاكم بنظر الدعوى
وفى موضوع الاستئناف الأصلى برفضه.
وفى أول يناير سنة 1946 أعلن الطاعنان بهذا الحكم فطعنا فيه الخ. الخ.
المحكمة
من حيث إن المطعون ضدها دفعت بعدم قبول الطعن استناداً إلى المرسوم
بقانون رقم 114 سنة 1945 وانضمت النيابة إليها فى هذا الدفع.
وحيث إن المادة الأولى من هذا المرسوم نصت على أن لا نسمع أمام المحاكم المدنية أو
الجنائية أية دعوى أو طلب أو دفع يكون الغرض منه الطعن فى أى إعلان أو تصرف أو أمر
أو تدبير، وبوجه عام أى عمل أمرت به أو تولته السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية
أو مندوبوها عملا بالسلطة المخولة لهم بمقتضى نظام الأحكام العرفية. وذلك سواء أكان
هذا الطعن مباشرة من طريق المطالبة بإبطال شئ مما ذكر أو بسحبه أو بتعديله أو كان الطعن
غير مباشر من طريق المطالبة بتعويض أو بحصول مقاصة أو بإبراء من تكليف أو التزام أو
برد مال أو باسترجاعه أو باسترداده أو باستحقاقه أو بأية طريقة أخرى". ولما عرض هذا
المرسوم على مجلس الشيوخ أقره. وقد قالت لجنة العدل فى تقريرها عنه "قد توجد اعتبارات
سياسية أو نظامية تمنع الحاكم العسكرى من الإدلاء ببواعث هذه التصرفات التى تحصل فى
ظروف خاصة تحيط بالبلاد وتهدد سلامتها وأمنها فوجب إصدار تشريع يسدل به الستار على
حالة استثنائية مضت وانتهى عهدها وصار من المصلحة العامة ألا تثار من جديد مشكلاتها
التى لا حد لها مع غض النظر عن بعض المصالح الخاصة التى قد يكون أصابها ضرر من هذه
التصرفات تغليباً للمصلحة العامة على كل اعتبار".
وحيث إن الذى يبدو من نص المرسوم ومقصود الشارع منه أن ما حرم الطعن فيه أمام القضاء
إنما هى تصرفات السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية ومندوبيها التى تكون مستندة
إلى قانون الأحكام العرفية، أما الإجراءات التى اتخذت تنفيذاً لهذه التصرفات من الموكول
إليهم أمر التنفيذ فان المرسوم المذكور لا يحميها.
وحيث إن دعوى الطاعنين – على ما أثبته الحكم المطعون فيه – مؤسسة على أن وزارة التموين
وهى بسبيل تنفيذ القوانين والأوامر العسكرية الخاصة بتنظيم إنتاج المنسوجات وتوزيع
الغزل اللازم لإنتاجها خالفت هذه القوانين والأوامر. ذلك أن الكتاب الذى أرسلته الوزارة
إلى الطاعنين فى 7 من يوليو سنة 1942 رداً على طلبهم المؤرخ فى 11 من مايو سنة 1942
يتضمن – فى رأيهما – التزاماً منها بالترخيص لهما بالغزل اللازم لستين نولاً فما كان
لها أن تقصر ترخيصها على الغزل الكافى لنولين فقط، ثم إنه لم يكن لها أن تسحب هذا الترخيص
برغم أنهما إذ باعا مصنعهما إلى الغير خالفا شرطه فى حين أن هذا البيع – على قولهما
– إنما كان موقوفا على اعتماد الوزارة له. والدعوى على هذه الصورة ليست طعناً فى القوانين
والأوامر المذكورة بل فى طريقة تنفيذها على الطاعنين. ومن ثم لا ينطبق عليها المرسوم
بقانون رقم 114 سنة 1945 ويكون الدفع بعدم قبول الطعن على غير أساس.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إنه بنى على أربعة أسباب محصل أولها أن الحكم المطعون فيه – إذ أقام قضاءه بعدم
اختصاص المحاكم بنظر الدعوى على أن تصرف المطعون ضدها مع الطاعنين لم يكن مخالفاً للقانون
ولا للأوامر العسكرية السالفة الذكر بل مطابقاً لها – خالف الأوضاع القانونية لأنه
خاض فى بحث الموضوع توسلاً إلى الفصل فى الدفع. ثم إنه إذ قضى فى موضوع الاستئناف الفرعى
بعدم الاختصاص وفى موضوع الاستئناف الأصلى برفضه وقع فى تناقض يبطله.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قال فى خصوص الوجه الأول من هذا السبب: "إنه وإن كان من
المتفق عليه أن المحاكم الوطنية تكون مختصة بالفصل فى التعويضات التى يطلبها الأفراد
من الحكومة عما يلحقهم من أضرار ناشئة عن إجراءات إدارية تقع مخالفة للقوانين والأوامر
العسكرية إلا أنه من المجمع عليه أيضا أن هذه المحاكم تكون غير مختصة بذلك متى كانت
إجراءات السلطة التنفيذية القائمة على تنفيذ تلك القوانين والأوامر لم تقع مخالفة لأشكالها
وأوضاعها أو للغرض الذى رمى إليه الشارع من وضعها". وبعد أن عرض الحكم وقائع الدعوى
قال إن "وزارة التموين فى كافة تصرفاتها مع رافعى الاستئناف الأصلى كانت فى حدود القوانين
والأوامر العسكرية وقرارات اللجان المختصة ولم تقع منها أية مخالفة فيما اتخذته معهما
من إجراءات". ثم رتب على ذلك عدم اختصاص المحاكم بنظر دعواهما بالتعويض عن الأضرار
الناجمة من هذه الإجراءات وأخذ على الحكم الابتدائى أنه وقد انتهى إلى أن تصرفات الوزارة
لا مخالفة فيها للقوانين كان عليه أن يقضى بعدم الاختصاص لا برفض الدعوى.
وحيث إن الحكم وإن أخطأ فى تفسير الفقرة العاشرة من المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم
الأهلية – لأنه جعل العبرة فى الاختصاص بوقوع المخالفة لا بمجرد الادعاء بها مخالفاً
بذلك ما جرى به قضاء هذه المحكمة فى الطعن رقم 109 سنة 15 القضائية – فإنه لا مصلحة
للطاعنين فى التحدى بهذا الخطأ. ذلك أن ما يؤخذ على محكمة الموضوع فى هذا الخصوص أنها
– وقد أقام الطاعنان دعواهما على الادعاء بمخالفة الوزارة للقوانين – كان عليها أن
تحكم بالاختصاص ثم تمضى فى بحث موضوع الادعاء كما فعلت وترفض الدعوى بعد إذ تبينت ألا
مخالفة من الوزارة، وليس ثمة فائدة تعود على الطاعنين من تصحيح هذا الخطأ القانونى.
وحيث إن الحكم برفض موضوع الاستئناف الأصلى مقام على أنه "لا محل لنظر طلب التعويض
بمعرفة المحكمة ما دامت غير مختصة بنظر الدعوى" وقضاؤها بذلك غير مناقض لحكمها بعدم
الاختصاص.
وحيث إن السبب الثانى يتحصل فى أن وزارة التموين استندت فى دفع دعوى الطاعنين إلى صور
من القرارات الصادرة فى 2 من مايو و20 من يوليو و21 من سبتمبر سنة 1942 من لجنة الغزل
والمنسوجات المشكلة بمقتضى الأمر العسكرى 196. وقد دفع الطاعنان بأن صور القرارات المذكورة
عرفية وبأن القرارات نفسها لا يعتد بها لعدم اعتماد وزير التموين إياها، مما ترتب عليه
أن المحكمة الابتدائية أصدرت قراراً فى 29 من مايو سنة 1944 بتكليف الوزارة بتقديم
أصل محاضر جلسات لجنة الغزل ومحضر اللجنة التى عاينت أنوال الطاعنين، لكن المحكمة فصلت
فى الدعوى دون أن تهتم بتنفيذ قرارها هذا. وقد قرر الطاعنان فى مذكراتهما المقدمة فى
الاستئناف طعونهما فى صور تلك القرارات التى اعتمدت عليها المحكمة الابتدائية وتظلما
من إغفالها تنفيذ قرار تقديم أصولها، بيد أن محكمة الاستئناف لم تعن بالتحدث عن شئ
من ذلك، ولهذا يكون حكمها قاصر الأسباب.
وحيث إن الطاعنين لم يقدما إلا صورة غير رسمية من صحيفة استئنافهما ومن مذكرتيهما فى
الاستئناف، وليس من شأن هذه الصورة العرفية أن تصلح دليلاً على صحة ما أسنداه إلى الحكم
المطعون فيه من قصور.
وحيث إن السبب الثالث حاصله أن الحكم قال بأن الإنذار الذى أعلنه الطاعنان إلى الوزارة
فى 14 من أبريل سنة 1943 اشتمل على ما يفيد أنهما باعا أنوالهما بالفعل وأصبحا مستخدمين
لدى الشركة التى اشترتها مما يترتب عليه سحب الترخيص لهما بالغزل طبقاً للأوامر العسكرية
فى هذا الشأن ولقرارات اللجان المشكلة بمقتضاها فى حين أن كل ما يفيده الإنذار هو حصول
الاتفاق على البيع معلقاً نفاذه على اعتماد الوزارة له وبذلك يكون الحكم مسخ الإنذار
وصرفه عن معناه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه وهو يتحدث عن سحب الترخيص من الطاعنين قال إن السبب فى ذلك
راجع إلى ما جاء بإنذار 14 من أبريل سنة 1943 عن اتفاقهما مع إحدى شركات الغزل على
بيع أنوال مصنعهما على أن يقوما هما بالإدارة الفنية مقابل مرتب شهرى والثلث فى صافى
الأرباح ثم اقتبس الحكم من الإنذار قولهما: "وبعد أن تم هذا الاتفاق بين الطالبين والشركة
المذكورة رؤى عرضه على وزارة التموين لاعتماده والتصريح للشركة بنقل خيوط الغزل منها
إلى المصنع" وعقب قائلا: "ولما كانت عبارة هذا الإنذار صريحة بأن بيعهما أنوالهما للشركة
قد تم فعلا وأنهما أصبحا مستخدمين عندها للقيام بالإدارة الفنية فقط رأت وزارة التموين
بحق أنهما خالفا الشرط الأساسى الذى استلم كل منهما بمقتضاه الترخيص بنول واحد وهو
شرط اشتغاله عليه شخصياً حسب قرارى اللجنة فى 20 من يوليو سنة 1942 و21 من سبتمبر سنة
1942 فسحبت منه الترخيص". وهذا المعنى الذى استفاده قاضى الموضوع من الإنذار تحتمله
عبارته ومن ثم لا مسخ ولا تحريف.
وحيث إن السبب الرابع مبناه أن الحكم أخطأ فى تطبيق الأوامر العسكرية رقم 191 و196
و349 وفى تأويلهما من وجوه: أولا لأنه استخلص من الأمر رقم 191 بات طلبات الترخيص بالنسج
على الأنوال أغلق منذ 15 من نوفمبر سنة 1941 فى حين أن نصوص هذا الأمر لا تفيد ذلك.
وثانياً لأنه اعتبر أن اقتصار لجنة الغزل والمنسوجات على الترخيص لكل من الطاعنين بثمانى
رزم من الغزل لنول واحد مما خصها به الأمر رقم 196 فى حين أن اختصاصها لا يعدو إبداء
الاقتراحات على الهيئات المختصة بإصدار قرارات الاستيلاء. وثالثاً لأنه أجاز سحب الترخيص
بالغزل من الطاعنين اعتماداً على المادة الرابعة من الأمر رقم 196 والمادة الثامنة
من الأمر رقم 349 فى حين أن هذين النصين لا انطباق لهما.
وحيث إنه مع تسليم الطاعنين فى تقرير الطعن بأن للوزارة مطلق الحرية فى منح الترخيص
بالنسج أو منعه، ومع كون هذا المعنى مستفاداً من النص فى الأمر رقم 191 على تخويل وزارة
التموين سحب الترخيص وقتما يشاء فإنه لا مصلحة لهما فى التحدى بالوجه الأول من هذا
السبب.
وحيث إن الوجه الثانى مردود بأن المادة الثانية من الأمر رقم 196 خصت لجنة الغزل والمنسوجات
بإيجاد التوازن بين الكميات اللازمة للاستهلاك المحلى من الغزل والمنسوجات القطنية
وبين ما تنتجه مصانع النسيج الآلية والأنوال اليدوية وتدبير ما قد يبدو من عجز فى الإنتاج
باستيراد الكميات اللازمة من الخارج وإنشاء نظام لتوزيع الغزل والمنسوجات الوطنية وتيسير
إمداد النساجين وتجار التجزئة والمستهلكين بالكميات اللازمة لهم، وخولتها الحق فى أن
تعيد النظر فى العقود قيد التنفيذ الذى يكون النساجون قد أبرموها ببيع مصنوعاتهم وأن
تقرر عند الاقتضاء إلغاءها فوراً بلا تعويض وبغير إعلان سابق، وذلك تمكيناً لها من
الحصول على الكميات اللازمة للتوزيع، ومن ثم يبين أن التصرف فى توزيع الغزل كان من
صميم اختصاص اللجنة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أقر وزارة التموين على سحب الترخيص للطاعنين بما كان مقرراً
لهما من خيوط الغزل استنادا إلى أن هذا الترخيص مقيد بشرط قيام كل منهما بنفسه على
نوله حسب قرار لجنة الغزل والمنسوجات الصادر فى 21 من سبتمبر سنة 1942 وإلى أن المادة
الثامنة من الأمر رقم 345 تقضى بأن بطاقات توزيع الغزل تصبح لاغية فى حالة وفاة حاملها
أو نقل المصنع إلى جهة أخرى أو انتقال ملكيته إلى الغير ثم إلى المادة الرابعة من الأمر
رقم 196. واستناد الحكم فى هذا الشأن إلى قرار اللجنة المذكورة وإلى الأمر رقم 349
صحيح وكاف لحمله بصرف النظر عن الأمر رقم 196 ومن ثم يكون الوجه الثالث مرفوضاً كذلك.
[(1)] سبق تقرير هذه القاعدة بالحكم الصادر فى
القضية رقم 109 سنة 15 القضائية المنشور بهذا الجزء تحت رقم 117 ص 267.
[(2)] بهذا المعنى سبق أن قضت محكمة النقض فى 11 أبريل سنة 1935 (الجزء
الأول من هذه المجموعة رقم 244 ص 667 وما يليها) فقررت أنه متى كانت أسباب الحكم المطعون
فيه، الصادر بعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر دعوى التعويض المترتبة على مخالفة إجراء
إدارى للقانون، تصلح فى واقع الأمر لأن تكون أسباباً للحكم برفض الدعوى موضوعاً فإن
مصلحة الطاعن فى طعنه على هذا الحكم تصبح نظرية صرفا لا يعبأ بها قانوناً ويتعين رفض
الطعن لعدم المصلحة.
