القضيتان رقم 546 لسنة 9 ق ورقم 1364 لسنة 10 ق – جلسة 25 /02 /1967
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1967 إلى آخر سبتمبر سنة 1967)
– صـ 679
جلسة 25 من فبراير سنة 1967
برئاسة السيد الأستاذ الدكتور محمود سعد الدين الشريف رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة الدكتور أحمد موسى، عادل عزيز زخاري، يوسف إبراهيم الشناوي، عباس فهمي محمد بدر المستشارين.
القضيتان رقم 546 لسنة 9 القضائية ورقم 1364 لسنة 10 القضائية
( أ ) "اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري". "منشآت آيلة للسقوط".
القانون رقم 605 لسنة 1951 في شأن المنشآت الآيلة للسقوط – اختصاص المحكمة الجنائية
في حالة امتناع صاحب الشأن عن تنفيذ الأمر الصادر إليه بالهدم خلال المدة المحددة بمعاقبة
الممتنع والأمر بالترميم أو بالهدم أو بالإزالة – في أحوال الضرورة الملحة يجوز للسلطة
القائمة على أعمال التنظيم أن تهدم العقار بنفسها بالطريق الإداري في حالة ما إذا كان
يهدد بالانهيار العاجل – ليس لصاحب الشأن دور في هذه الحالة وبالتالي ليس ثمة ما يدعو
إلى عرض الأمر على المحكمة الجنائية – اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بطلب إلغاء
قرار الهدم في هذه الحالة [(1)].
(ب) – قرار إداري. "سببه".
رقابة القضاء الإداري لركن السبب – حدودها – لجهة الإدارة حرية تقدير أهمية الحالة
والخطورة الناجمة عنها والتصرف التي تتخذه حيالها.
1 – طبقاً للقانون رقم 605 لسنة 1951 معدلاً بالقانون 289 لسنة 1956 للسلطة القائمة
على أعمال التنظيم أن تصدر قراراً بهدم العقار الآيل للسقوط تحدد فيه لصاحب الشأن المدة
التي يجب عليه هدم العقار قبل انتهائها فإذا لم يقم بذلك قدمته إلى المحاكمة الجنائية
لمعاقبته ولتأمر المحكمة بالترميم أو الهدم أو بالإزالة، بمعنى أن صاحب الشأن لا يعتبر
مرتكباً للجريمة التي نص عليها القانون والتي تجيز إحالته إلى محكمة الجنح، إلا إذا
خالف الأمر الصادر إليه من السلطة القائمة على التنظيم فلم يقم بتنفيذ قرار الهدم أو
الإزالة في الميعاد المحدد غير أنه في أحوال الضرورة الملحة يجوز للسلطة القائمة على
أعمال التنظيم أن تهدم العقار بنفسها بالطريق الإداري إذا ما تبين لها أن العقار في
حالة تهدد بالانهيار العاجل فتصدر قراراً بالهدم يصبح واجب التنفيذ إذا ما وافقت عليه
اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون. ولما كان القرار الصادر بالهدم
في هذه الحالة إنما هو قرار إداري تصدره جهة الإدارة وتتولى تنفيذه بنفسها بالطريق
الإداري دون أن يكون لصاحب الشأن دور في ذلك، فمن ثم فلا يكون هناك ثمة وجه لعرض الأمر
على المحكمة الجنائية ولا تكون هناك شبهة في أن المشرع لم يعهد إلى تلك المحكمة بأي
اختصاص بالنسبة إلى هذا النوع من قرارات الهدم من شأنه أن يحجب مجلس الدولة بهيئة قضاء
إداري عن ممارسة اختصاصه الأصيل في النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية
ومن بينها قرارات الهدم المشار إليها.
2 – أن رقابة القضاء الإداري لصحة الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب
تجد حدها الطبعي في التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصاً
سائغاً من أصول موجودة تنتجها مادياً أو قانوناً، فإذا كانت مستخلصة من أصول غير موجودة
أولاً تنتجها أو كان تكييف الوقائع على فرض وجودها مادياً لا تنتج النتيجة التي يتطلبها
القانون كان القرار فاقداً لركن من أركانه وهو ركن السبب ووقع مخالفاً للقانون أما
إذا كانت النتيجة مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانونياً فقد قام
القرار على سببه وكان مطابقاً للقانون، وإذا كان للقضاء الإداري أن يراقب صحة الوقائع
التي تكون ركن السبب وصحة تكييفها القانوني إلا أن لجهة الإدارة حرية تقدير أهمية الحالة
والخطورة الناجمة عنها والتصرف الذي تتخذه حالياً.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أن المدعي أقام الدعوى
رقم 157 لسنة 17 القضائية ضد وزير الإسكان ومحافظ القاهرة بصفته الرئيس الأعلى لبلدية
القاهرة وآخرين، بصحيفة أودعها سكرتارية محكمة القضاء الإداري بتاريخ أول نوفمبر سنة
1962 طالباً الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار الهدم الصادر من لجنة الفصل في المنشآت
الآيلة للسقوط بتاريخ 29 من سبتمبر سنة 1929 في قضية التنظيم رقم 731 سنة 1962 هدم
كلي القاهرة وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وقال المدعي بياناً لدعواه أنه
يملك النصف شيوعاً في العقار رقم 18 شارع معروف قسم قصر النيل وهو عبارة عن منزل مكون
من أربعة أدوار، وبتاريخ أول مايو سنة 1962 أبلغته هيئة الإدارة بقرار الهدم رقم 28
لسنة 1962 الذي تضمن أنه وجد بالعقار شروخ رأسية وعرضية خطرة ورشح ورطوبة بحوافظ الدور
الأرضي وترخيم في بعض الأسقف وأنه لإزالة الخلل يقتضي الأمر هدم الدورين العلويين لغاية
سطح الدور الأول فوق الأرض ونظراً لأن العقار سليم وليس به أي خلل يبرر هدمه فقد اعترض
كتابة على ما جاء بقرار الهدم – وطلب إعادة المعاينة في حضوره غير أن جهة الإدارة لم
تجبه إلى طلبه ولم تقدمه إلى المحكمة الجنائية وإنما عرضت الموضوع على لجنة الفصل في
المنشآت الآيلة للسقوط وحددت اللجنة جلسة 29 من سبتمبر سنة 1962 لنظر الموضوع، وقد
حضر أمام اللجنة وأبدى دفاعاً محصله أنه لا يوجد بالمنزل خلل يبرر بعد أن استصدر ترخيصاً
من السلطة القائمة على أعمال التنظيم بإصلاح العقار وبعدم أن أتم الإصلاح فعلاً وتكبد
في سبيل ذلك مبلغ 1331 جنيهاً و850 مليماً وقدم إلى اللجنة المستندات الدالة على ذلك
وطلب إلغاء قرار الهدم وعلى سبيل الاحتياط إعادة معاينة المنزل في حضوره، إلا أن –
اللجنة أصدرت في آخر الجلسة قراراً بالتصريح للسلطة القائمة على أعمال التنظيم بهدم
الدورين العلويين على نفقة المالك واستندت في ذلك إلى ما جاء بالقرار الأول رقم 28
لسنة 1962 ولما كان قرار لجنة الهدم مخالفاً للقانون لأنه لم يبن على سبب يبرره كما
أن اللجنة غفلت عن تحقيق الدفاع الذي أبداه أمامها كما لم ترد عليه وبنت قرارها على
أنه لم يبد دفاعاً ما فمن ثم كان القرار المطعون فيه باطلاً لما شابه من قصور ومن إخلال
بحق الدفاع ولابتنائه على سبب غير صحيح وإذ كان من شأن تنفيذ ذلك القرار الباطل إلحاق
أضرار جسيمة به ونتائج يتعذر تداركها مستقبلاً فقد أقام الدعوى يطلب وقف القرار المطعون
فيه حتى يقضي موضوعاً بإلغائه.
وقد دفعت إدارة قضايا الحكومة بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى تأسيساً
على أن المشرع ناط بجهة قضائية أخرى سلطة إلغاء قرارات الهدم إذ تقضي المادة الثامنة
من القانون 605 سنة 1954 في شأن المنشآت الآيلة للسقوط بأن كل مخالفة لأحكام القانون
يعاقب عليها بالحبس فضلاً عن الحكم بترميم المنشأة أو هدمها أو إزالتها ومؤدى ذلك أن
المشرع عهد بالفصل في قرارات الترميم أو الهدم أو الإزالة للقاضي الجنائي، ولذلك فلا
يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالنظر في إلغاء القرارات المشار إليها أو وقف تنفيذها
كما دفعت الحكومة بعدم قبول الدعوى بمقولة أن القرار المطعون فيه هو قرار غير نهائي
استناداً إلى أن القانون رقم 605 سنة 1954 قد حدد السبيل التي بمقتضاها يصبح قرار الهدم
نهائياً وتنحصر في ثلاثة أولها تنفيذ قرار الهدم بموافقة أصحاب الشأن والثاني عن طريق
اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون والثالث عن طريق الدعوى الجنائية.
وإذ لم يقترن القرار المطعون فيه بإحدى هذه الوسائل فإنه يكون قرار غير نهائي. وأما
بالنسبة إلى موضوع الدعوى فقالت إدارة قضايا الحكومة أن المعاينة التي أجراها مهندس
التنظيم تدل دلالة واضحة على أن بقاء الأدوار التي تقرر هدمها تشكل خطراً داهماً على
أرواح الناس، وقد عرض هذا التقرير على اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون
فأصدرت قرارها بناء عليه وبذلك يكون قرار الهدم قد استند إلى أسباب صحيحة تبرره فهو
مطابق للقانون ولا وجه لما أبداه المدعي من أن اللجنة لم تعاين العقار قبل إصدار القرار
المطعون فيه ذلك لأن القانون لم يلزمها باتخاذ هذا الإجراء وما دامت قد اطمأنت إلى
الأسباب الثابتة في الأوراق المعروضة عليها أما ما ذكره المدعي من أن القرار غير مسبب
فهو غير صحيح لأن اللجنة بنت قرارها على الأسباب الواردة في تقرير مهندس التنظيم.
وبجلسة 5 من فبراير سنة 1963 أصدرت المحكمة حكمها بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه. وبعد
أن تم تحضير الدعوى حددت لنظرها جلسة 21 من يناير سنة 64 وتداولت في الجلسات حتى أصدرت
المحكمة بجلسة 26 من مايو سنة 1964 حكماً يقضي بإلغاء القرار المطعون فيه مع إلزام
الحكومة بالمصروفات وأقامت المحكمة قضاءها بالنسبة إلى الدفع بعدم الاختصاص على أنه
يشترط في الطعن المقابل المانع لاختصاص مجلس الدولة أن تكون سلطة إلغاء القرار الإداري
منوطه بالجهة القضائية الأخرى، وهو ما لا يتوافر للمحكمة الجنائية التي لا تختص بإلغاء
القرار، وهذا فضلاً عن أن المادة السابعة من القانون 605 سنة 1954 المشار إليه تجيز
للإدارة هدم البناء بالطريق الإداري قبل إحالة الموضوع إلى المحكمة الجنائية، ولذلك
فإن الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى يكون على غير أساس متعيناً رفضه. وأما بالنسبة
للدفع بعدم قبول الدعوى فذهبت المحكمة إلى أن القرارات الصادرة من لجنة الفصل في المنشآت
الآيلة للسقوط هي قرارات نهائية صادرة من لجنة إدارية ذات اختصاص قضائي ولا تخضع لتصديق
سلطة أعلى ومن ثم يختص مجلس الدولة بنظر الدعاوى التي ترفع بطلب إلغائها. وأما بالنسبة
للموضوع فقد أقامت المحكمة قضاءها على أن القانون رقم 605 لسنة 1954 معدلاً بالقانون
رقم 289 لسنة 1956 نظم الأحكام الواجبة الاتباع في شأن المنشآت الآيلة للسقوط، والأصل
فيها أن يترك الأمر لمالك العقار لتنفيذ ما تراه السلطة القائمة على أعمال التنظيم
مع تقرير الضمانات الكفيلة بحفظ حقه في المعارضة والالتجاء إلى القضاء، غير أن المشرع
رأى استثناء إفساح المجال لجهة الإدارة في اتخاذ ما تراه من الإجراءات التحفظية عند
الضرورة، فأجازت المادة السابعة في أحوال الخطر الداهم إخلاء المبنى بالطريق الإداري
واتخاذ ما تراه لازماً من الاحتياطات والتدابير في فترة لا تقل عن أسبوع إلا في أحوال
التهديد بالانهيار العاجل فيكون لها الحق في الإخلاء فوراً وعليها أن تعلن أولى الشأن
بالحضور أمام اللجنة لتحكم بصفة مستعجلة بالهدم بعد سماع أقوال الخصوم وعمل المعاينات
والتحقيقات التي ترى ضرورة لها، وحاصل ذلك أن السلطة الاستثنائية التي خولها القانون
لجهة الإدارة عند الضرورة إنما تباشر على وجهين الأول إذا كانت حالة العقار تنذر بالخطر
الداهم ولا يحتمل الأمر المدة التي تقتضيها الإجراءات العادية فللإدارة – أن تتخذ إجراءات
تحفظية تتمثل في إخلاء السكان بالطريق الإداري والثاني في حالة التهديد بالانهيار العاجل
فلها أن تقرر هدم العقار على أن تعرض أمره على اللجنة لتفصل في قرار الهدم طبقاً للأوضاع
التي رسمها القانون. ولما كان قد استبان للمحكمة أن قرار الهدم لم يكن يتعلق بالقرار
ذاته وإنما صدر القرار لغاية أخرى وهي تغليب جانب وزارة الإسكان التي كانت إحدى الشركات
تقيم مبنى لها في مكان مجاور، وكانت هناك خشية من سقوط المباني المحيطة نتيجة للهزات
التي تحدث عند دق الأساسات، مع أنه كان يكفي لتحقيق هذا الهدف اتخاذ الإجراءات التحفظية
المنصوص عليها في القانون، وهو ما اتبعته جهة الإدارة وارتضاه المدعي وشاغلوا دكاكين
العقار، يؤكد ذلك أن جهة الإدارة سمحت للمذكورين بالعودة إلى محلاتهم بعد انتهاء وضع
الأساسات، فإنه يترتب على ذلك انتفاء واقعة التهديد بالانهيار العاجل، وهو شرط العرض
على اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون لتقرير الهدم. وإذ فصلت اللجنة
في الموضوع على تلك الصورة فإنها تكون قد فصلت في أمر لا اختصاص لها فيه مما يجعل قرارها
باطلاً ومن ناحية أخرى فقد تقدم المدعي إلى تلك اللجنة بدفاع محصلة أنه أصلح العقار،
وقدم إليها المستندات الدالة على ذلك وطلب منها أن تقوم بالمعاينة، إلا أن اللجنة لم
تجبه إلى طلبه ولم تعن بالرد عليه وذكرت في أسباب قرارها أنه لم يبد دفاعاً وبذلك تكون
قد أخلت بحق الدفاع إخلالاً جسيماً وشاب قرارها قصور في التسبيب مما يبطل القرار لمخالفة
القانون.
ومن حيث إن الطعن في الحكمين المشار إليهما يقوم على وجهين أولهما: أن المحكمة أخطأت
في تأويل القانون وتطبيقه حين رفضت الدفع بعدم اختصاصها بنظر الدعوى ذلك لأنه يشترط
حتى يختص مجلس الدولة بإلغاء قرار إداري ألا يكون المشرع قد عهد بالنظر في طلب إلغائه
إلى جهة قضائية أخرى صراحة أو ضمناً، ذلك لأن القانون الخاص يقيد العام. ولما كانت
المادة الثانية من القانون 605 سنة 1954 تنص على أن كل مخالفة لأحكام هذا القانون يعاقب
عليها بالحبس لمدة لا تزيد على أسبوع وبغرامة لا تجاوز عشرة جنيهات أو بإحدى هاتين
العقوبتين فضلاً عن الحكم بترميم المنشأة أو هدمها أو إزالتها فإن مؤدى ذلك أن المشرع
عهد إلى القاضي الجنائي بالفصل في موضوع ترميم المنشآت الآيلة للسقوط أو هدمها أو إزالتها
ولذلك فلا يختص مجلس الدولة بالنظر في إلغاء القرارات التي من هذا القبيل وليس بلازم
– كما ذهب إلى ذلك الحكم المطعون فيه أن يكون هناك طريق طعن مقابل حتى يمتنع على محكمة
القضاء الإداري نظر الطعن ذلك لأنه يكفي لكي يخرج النزاع عن اختصاص مجلس الدولة أن
يكون المشرع قد عهد بهذا الاختصاص إلى جهة قضائية أخرى وفضلاً عن ذلك فإن المادة السادسة
ألزمت أصحاب الشأن بتنفيذ قرار اللجنة في المدة المحددة لهذا التنفيذ فإذا خالفوا حكم
النص فإن المشرع افترض أن أصحاب الشأن ارتضوا سلفا عرض الموضوع على المحكمة الجنائية
لتقضي بالعقوبة فضلاً عن الحكم بترميم المنشأة أو هدمها أو إزالتها، وفي القول ببقاء
اختصاص القضاء الإداري ما قد يؤدي إلى التضارب بين الأحكام فيما لو قضت محكمة القضاء
الإداري بإلغاء قرار الهدم وقضت المحكمة الجنائية بالهدم أو بالإزالة، ولذلك فإن التفسير
السليم لأحكام القانون تقتضي القول بعدم اختصاص مجلس الدولة بنظر مثل هذه الدعاوى.
والثاني: ليس صحيحاً أن قرار الهدم لم يكن لسبب يتعلق بالعقار ذاته وإنما بسبب وضع
أساسات مبنى وزارة الإسكان فلم تتوافر حالة الضرورة التي تسوغ اختصاص اللجنة المنصوص
عليها في القانون على ما ذهب إلى ذلك الحكم المطعون فيه بل إنه يبين من مراجعة الأوراق
أنه وجدت بالعقار شروخ رأسية وأخرى عرضية متعرجة وخطرة، ورشح في حوائط الدور الأرضي
وترخيم ببعض الأسقف الأمر الذي يدل على توافر حالة الضرورة التي تجيز العرض على اللجنة
المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون كما أنه لا وجه لما ذهب إليه الحكم المطعون
فيه من أن اللجنة لم تحقق دفاع المطعون عليه والذي يتحصل في أنه أصلح العقار، ذلك لأنه
يبين من عريضة الدعوى أن الترميم أجرى في سنة 1956 وهو لا يفيد في ذاته أن العقار كان
صالحاً وغير آيل للسقوط عندما تقرر هدم العقار سنة 1962 بالإضافة إلى ذلك فإن اللجنة
حرة في إجراء المعاينة أو عدم إجرائها، أما ما ذكرته المحكمة من أنه شاب قرار اللجنة
قصور في التسبب فإنه مردود بأن اللجنة أثبتت رأيها بصورة صريحة معتمدة في ذلك على الأسباب
الواردة في المحضر الذي حررته السلطة القائمة على أعمال التنظيم.
ومن حيث إنه عن الوجه الأول من الطعن المتعلق بالاختصاص فإنه يبين من تقصي أحكام القانون
رقم 605 سنة 1951 في شأن المنشآت الآيلة للسقوط معدلاً بالقانون رقم 289 سنة 1956 أن
المادة الثانية منه تنص على ما يأتي "تنشأ في كل مدينة أو قرية لها مجلس بلدي لجنة
تختص بدراسة التقارير المقدمة من مهندس في شأن المنشآت الآيلة للسقوط ومعاينتها وفحصها
وإصدار قرار فيها وتشكل هذه اللجنة على الوجه الآتي…" وتنص المادة الرابعة على أن
"على اللجنة أن تصدر قرارها مسبباً في خلال أسبوع من تقديم تقرير مهندس التنظيم إلى
في حالة الخطر فيجب أن يصدر القرار في أربعة وعشرين ساعة على الأكثر، ويجب أن يشتمل
قرار اللجنة على المدة التي تحددها لتنفيذه". وتنص المادة السادسة على أن "على ذوي
الشأن تنفيذ قرار اللجنة في المدة المحددة لهذا التنفيذ" وتنص المادة السابعة على أن
"يجوز للسلطة القائمة على أعمال التنظيم في أحوال الخطر الداهم إخلاء البناء وكذلك
المباني المجاورة عند الضرورة من السكان بالطريق الإداري واتخاذ ما تراه لازماً من
الاحتياطات والتدابير في مدة لا تقل عن أسبوع إلا في حالة تهديد البناء بالانهيار العاجل
فيكون لها الحق في القيام بإخلائه فوراً كما يكون لها في حالة الضرورة القصوى هدم البناء
بعد موافقة لجنة تؤلف برئاسة قاض يندبه رئيس المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها
العقار وعضوية اثنين من المهندسين يصدر بتعيينها قرار من وزير الشئون البلدية والقروية
وعلى السلطة القائمة على أعمال التنظيم إعلان أولي الشأن للحضور أمام اللجنة وتصدر
اللجنة قرارها مسبباً في خلال أسبوع من تاريخ عرض الأمر عليها بعد سماع أقوال الخصوم
وإجراء ما تراه من معاينات وتحقيقات مستعجلة "وتنص المادة الثامنة على أن" كل مخالفة
لأحكام هذا القانون يعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على أسبوع وبغرامة لا تجاوز عشرة
جنيهات أو بإحدى هاتين العقوبتين فضلاً عن الحكم بترميم المنشأة أو هدمها أو إزالتها،
فإذا لم يقم صاحب الشأن بتنفيذ الحكم الصادر بذلك في المدة التي تحدد لهذا الغرض جاز
للسلطة القائمة على أعمال التنظيم إجراء هذه الأعمال على نفقته وتحصل منه التكاليف
بالطريق الإداري.
ومن حيث إن مفاد هذه النصوص أنه وإن كان للسلطة القائمة على أعمال التنظيم أن تصدر
قراراً بهدم العقار الآيل للسقوط تحدد فيه لصاحب الشأن المدة التي يجب عليه هدم العقار
قبل انتهائها فإذا لم يقم بذلك قدمته إلى المحاكمة الجنائية لمعاقبته ولتأمر المحكمة
بالترميم أو الهدم أو الإزالة، بمعنى أن صاحب الشأن لا يعتبر مرتكباً للجريمة التي
نص عليها القانون والتي تجيز إحالته إلى محكمة الجنح، إلا إذا خالف الأمر الصادر إليه
من السلطة القائمة على التنظيم فلم يقم بتنفيذ قرار الهدم أو الإزالة في الميعاد المحدد
غير أنه في أحوال الضرورة الملحة يجوز للسلطة القائمة على أعمال التنظيم أن تهدم العقار
بنفسها بالطريق الإداري إذا ما تبين لها أن العقار في حالة تهدد بالانهيار العاجل فتصدر
قراراً بالهدم يصبح واجب التنفيذ إذا ما وافقت عليه اللجنة المنصوص عليها في المادة
السابعة من القانون. ولما كان القرار الصادر بالهدم في هذه الحالة إنما هو قرار إداري
تصدره جهة الإدارة وتتولى تنفيذه بنفسها بالطريق الإداري دون أن يكون لصاحب الشأن دور
في ذلك، فمن ثم فلا يكون هناك ثمة وجه لعرض الأمر على المحكمة الجنائية ولا تكون هناك
أية شبهة في أن المشرع لم يعهد إلى تلك المحكمة بأي اختصاص بالنسبة إلى هذا النوع من
قرارات الهدم من شأنه أن يحجب مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري عن ممارسة اختصاصه الأصيل
في النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية ومن بينها قرارات الهدم المشار
إليها.
ومن حيث إنه لما كان الثابت من الأوراق أنه بعد أن قدم مهندس التنظيم تقريره بأن حالة
العقار تستلزم هدم أجراء منه عرض الأمر على اللجنة المنصوص عليها في المادة الثانية
من القانون فأمرت بهدم تلك الأجزاء دون أن تحدد لصاحب الشأن مدة تنفذ فيها القرار،
بل رفعت الأمر إلى اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة من القانون طالبة موافقتها
على الهدم، فأصدرت اللجنة قرارها بالموافقة بتاريخ 29 من سبتمبر سنة 1962، وإذ كان
القرار المشار إليه وهو الذي انصب عليه الطعن هو قرار إداري نهائي على النحو السالف
بيانه ولم يعهد المشرع إلى جهة قضائية أخرى بالنظر في طلب إلغائه فمن ثم ينعقد الاختصاص
في ذلك لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ويكون هذا الوجه من أوجه الطعن على غير أساس.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى الوجه الثاني من الطعن المتعلق بموضوع الدعوى فإن رقابة القضاء
الإداري لصحة الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب تجد حدها الطبيعي في
التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصاً سائغاً من
أصول موجودة تنتجها مادياً أو قانونياً، فإذا كانت مستخلصة من أصول غير موجودة أو لا
تنتجها أو كان تكييف الوقائع على فرض وجودها مادياً لا نتج النتيجة التي يتطلبها القانون
كان القرار فاقداً لركن من أركانه وهو ركن السبب ووقع مخالفاً للقانون أما إذا كانت
النتيجة مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً فقد قام القرار على
سببه وكان مطابقاً للقانون، وإذا كان للقضاء الإداري أن يراقب صحة الوقائع التي تكون
ركن السبب وصحة تكييفها القانوني إلا أن لجهة الإدارة حرية تقدير أهمية الحالة والخطورة
الناجمة عنها والتصرف الذي تتخذه حيالها.
ومن حيث إنه يبين من مراجعة أوراق الطعن أنه بتاريخ 8 من إبريل سنة 1962 قدم المهندس
المختص تقريراً عن العقار رقم 18 شارع الشيخ معروف قسم قصر النيل جاء فيه أنه بمعاينة
العقار اتضح أنه "مكون من أربعة أدوار بالأرض وله واجهة على شارع الشيخ معروف ووجد
به شروخ رأسية وأخرى عرضية متعرجة وخطرة ورشح ورطوبة بحوائط الدور الأرضي وترخيم ببعض
الأسقف ولإزالة الخلل يقتضي هدم الدورين العلويين لغاية سطح الدور الأول فوق الأرض
وتنكيس باقي العقار تنكيساً فنياً". ومثبت في صدر هذا التقرير أن المنزل "أصلاً مغلق"
ثم عرض التقرير على اللجنة المنصوص عليها في المادة الثانية من القانون فقررت بتاريخ
10 من إبريل سنة 1962 هدم الدورين العلويين لغاية سطح الدور الأول فوق الأرض. وقد أعلن
هذا القرار إلى المطعون عليه بتاريخ أول مايو سنة 1962 فكتب على صورة الإخطار أنه يتحفظ
بحقه في المعارضة لأنه سبق أن قام بإصلاح المنزل ولا يوجد به أي خلل أو شروخ وطلب إجراء
المعاينة في مواجهته وبتاريخ 9 من مايو سنة 1962 أرسل مراقب عام تنظيم الوسط كتاباً
إلى السيد رئيس لجنة الفصل في موضوع المنشآت الآيلة للسقوط طلب الموافقة على هدم العقار
طبقاً للمادة السابعة من القانون 605 سنة 1954 فحدد رئيس اللجنة جلسة 26 من سبتمبر
سنة 1962 لنظر الموضوع وأخطر المطعون عليه بذلك فحضر مع محاميه أمام اللجنة وقدم حافظة
مستندات اشتملت على ترخيص بإصلاح العقار وتنكيسه صادر بتاريخ 24 من مارس سنة 1955 وثابت
فيه أن الإصلاح أجرى في سنة 1956 كما طلب من اللجنة معاينة العقار وفي آخر الجلسة أصدرت
اللجنة قرار بالتصريح بهدم الدورين العلويين على نفقة المالك وأثبتت في قرارها أن المالك
لم يبد دفاعاً ما، وأن ما جاء بقرار السلطة القائمة على أعمال التنظيم رقم 28 سنة 1962
إنما يقطع بخطورة العقار مما يستوجب هدمه وكان بعض شاغلي الدكاكين الموجودة بالدور
الأرضي قد تقدموا بطلبات في 12 من مايو سنة 1962 طالبين التصريح لهم بالعودة إلى محلاتهم
نظراً لأن عملية دق الأساسات بمبنى وزارة الإسكان قد انتهت فعرض الأمر على المهندس
المختص الذي أشر بتاريخ 28 من مايو سنة 1962 أنه "بمعاينة الدكاكين وجد أن عملية دق
الخوازيق قد تمت وأرى أنه لا مانع من فتح الدكاكين تحت مسئولية طالب الفتح".
ومن حيث إنه يتضح من ذلك أنه وإن كانت معاينة العقار المملوك للمطعون عليه قد أجريت
بسبب عملية وضع الأساسات الخاصة بمبنى وزارة الإسكان وخشية أن تتأثر العقارات المحيطة
بالهزات التي تحدث أثناءها وقد يؤدي ذلك إلى انهيارها وتعريض أرواح الناس للخطر إلا
أن ما أسفرت عنه المعاينة إنما كشفت عن حالة العقار وتدل على مدى خطورة الإبقاء عليه
بحالته وهذه الحالة تمثل الواقع الصحيح الذي لا يستطيع المطعون عليه أن يجادل في قيامه
دون أن يقدم الدليل على ذلك، ولا يكفي أن ينكر المطعون عليه تلك العيوب أو يطلب إعادة
المعاينة أو ندب أهل الخبرة للتحقق من صلاحية العقار بدعوى أنه قام فعلاً بإصلاحه،
ذلك لأن الإصلاحات التي أجراها المطعون عليه حسب أقواله في سنة 1956 أي قبل تاريخ المعاينة
التي أجرتها السلطة القائمة على التنظيم بمدة لا تقل عن ست سنوات ليست بذاتها صالحة
لأن يستفاد منها الدليل على أن العقار كان صالحاً للاستعمال عند إجراء المعاينة سنة
1962، ويضاف إلى ذلك أن واقعة وجود الخلل بالعقار قد تأكدت من التقرير الذي قدمته اللجنة
المشكلة طبقاً للمادة الثانية من القانون والذي جاء فيه أن اللجنة أعادت معاينة العقار
بتاريخ 22 من يوليه سنة 1964 فاتضح لها أنه باق على حاله وأنها ما زالت عند رأيها في
شأن القرار الصادر بالهدم. ونتيجة لما تقدم لا يكون هناك ثمة أساس لما ذهب إليه الحكم
المطعون فيه من أن قرار الهدم لم يصدر بسبب يتعلق بالعقار ذاته، وهي الواقعة التي استخلصت
منها محكمة القضاء الإداري انتفاء واقعة التهديد بالانهيار العاجل.
ومن حيث إنه لا اعتداد بما أثاره الحكم المطعون فيه من أن قرار اللجنة شابه قصور في
التسبيب أو أنه أخل بحق الدفاع إخلالاً جوهرياً ذلك لأنه بالنسبة إلى الاعتراض الأول
فإنه مردود بأن اللجنة استندت في قرارها إلى ذات الأسباب التي تضمنها قرار الهدم رقم
28 سنة 1962 وهي تكفي لحمله، لأن المشرع لم يلزم اللجنة بإجراء المعاينة أو بالقيام
بأي عمل آخر قبل إصدار قرارها بل ترك لها حرية تكوين اقتناعها من أية عناصر تطمئن إليها
وأما بالنسبة للسبب الثاني فإن اللجنة ليست ملزمة بالرد على الدفاع الذي يقدم إليها
بل إن من حقها أن تطرحه جانباً إذا ما اتضح لها فساده، أو أنه غير منتج في المنازعة
كما هو الشأن بالنسبة إلى الحالة المعروضة ذلك لأن قول المطعون عليه أن أصلح العقار
في سنة 1956 لا يعد دفاعاً سليماً بالنسبة إلى ما أثبتته السلطة القائمة على أعمال
التنظيم من وجود خلل بالعقار في سنة 1962 يستوجب هدمه.
ومن حيث إنه يخلص من كل ما تقدم أن قرار الهدم صدر من السلطة المختصة بذلك وطبقاً للأوضاع
التي نص عليها القانون وبني على أسباب صحيحة مستخلصة من أصول تنتجه فمن ثم يكون مطابقاً
للقانون وبمنأى عن الطعن، وإذ ذهب الحكمان المطعون فيهما مذهباً مخالفاً فإنهما يكونان
قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه ويتعين القضاء بإلغائهما ورفض الدعوى بشقيها مع إلزام
المدعي بالمصروفات.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعنين رقم 546 لسنة 9 القضائية ورقم 1364 لسنة 10 القضائية شكلاً وفي موضوعهما بإلغاء الحكمين المطعون فيهما وبرفض الدعوى بشقيها وألزمت المدعي بالمصروفات.
[(1)] راجع في تأييد هذا المبدأ حكم محكمة النقض (الدائرة المدنية) الصادر في الطعن رقم 234 لسنة 33 القضائية بجلسة 30/ 3/ 1967 والمنشور بمجموعة النقض السنة 18 العدد الثاني مبدأ رقم 113 ص 733.
