الطعن رقم 121 سنة 14 ق – جلسة 13 /12 /1943
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 358
جلسة 13 ديسمبر سنة 1943
برياسة حضرة صاحب العزة منصور إسماعيل بك، وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك ومحمود فؤاد بك المستشارين.
القضية رقم 121 سنة 14 القضائية
اختصاص. مسائل الأحوال الشخصية التي تعرض أثناء نظر الدعوى العمومية.
لا تختص المحاكم الجنائية بالفصل فيها. الدفع بمسألة من المسائل الفرعية خاصة بتلك
الأحوال. شرط قبوله. أن يكون جدياً. مثال في دعوى تزوير عقد زواج.
إنه وإن كانت المحاكم الجنائية لا تختص بالفصل في مسائل الأحوال الشخصية التي تعرض
أمامها أثناء نظر الدعوى العمومية بل يتعين عليها أن تكل أمر الفصل فيها إلى قاضي الأحوال
الشخصية إلا أنه يشترط لقبول الدفع بمسألة من هذا القبيل يتوقف عليها نفي الجريمة عن
المتهم أن يكون جدّياً. فإذا ما تبينت المحكمة أن الدفع لا يؤيده الظاهر وأنه لم يقصد
به إلا عرقلة سير الدعوى وتأخير الفصل فيها كان لها ألا تجيبه. وإذن فإذا كان المتهم
في تزوير عقد زواج قد تمسك بأنه لما راجع مطلقته ما كان يعلم أن هناك موانع شرعية تمنع
من عقد زواجه عليها لأنه كان يجهل أنه سبق أن حرر عقد زواج بينها وبين آخر، وأنه لما
ظهر له ذلك من بعد التجأ إلى المحكمة الشرعية طالباً فسخ عقد هذا الآخر لحصوله في أثناء
العدّة، وبناء على ذلك طلب إلى المحكمة أن توقف محاكمته الجنائية حتى يفصل من المحكمة
الشرعية في دعوى الفسخ، فلم تجبه المحكمة إلى ذلك بناء على ما أوردته في حكمها من الأسباب
التي حصّلت منها اقتناعها بأن هذا الدفع لم يكن إلا بقصد تعطيل الفصل في الدعوى فإنه
لا تثريب على المحكمة فيما فعلته.
المحكمة
وحيث إن حاصل أوجه الطعن أن الطاعن تمسك أمام محكمتي الموضوع بأنه
لما راجع مطلقته هانم إبراهيم حجازي ما كان يعلم أن هناك موانع شرعية تمنع من عقده
عليها لأنه كان يجهل أنه سبق أن حرر عقد زواج بينها وبين علي علي الأمير، وأنه لما
ظهر له بعد ذلك وجود هذا العقد التجأ إلى المحاكم الشرعية يطلب فسخه لحصوله أثناء العدّة
من جهة ولأن التوكيل الذي استند إليه أخو الزوجة في مباشرة عقد زواجها نيابة عنها كان
مزوّراً، وطلب إلى المحكمة أن توقف محاكمته الجنائية حتى يفصل من المحكمة الشرعية في
دعوى الفسخ، ولكنها لم تجبه إلى طلبه، وفصلت في مسألة ليست من اختصاصها مما يستوجب
نقض حكمها.
وحيث إنه وإن كانت المحاكم الجنائية ليست مختصة بالنظر في مسائل الأحوال الشخصية التي
تعرض أمامها أثناء نظر الدعوى العمومية بل يتعين عليها أن تكل أمر الفصل فيها إلى قاضي
الأحوال الشخصية إلا أنه يشترط لقبول الدفع بمسألة من المسائل الفرعية خاصة بتلك الأحوال
يتوقف عليها نفي الجريمة عن المتهم المرفوعة عليه الدعوى أن يكون هذا الدفع جدّياً،
فإذا تبين للمحكمة أن الدفع لا يؤيده الظاهر وأنه لم يقصد به إلا عرقلة سير الدعوى
العمومية وتأخير الفصل فيها كان لها أن ترفضه.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على هانم إبراهيم حجازي والطاعن بأنهما "في ليلة 4 رمضان
سنة 1361 الموافق 14 سبتمبر سنة 1942 بناحية العزيزة من أعمال مركز المنزله اشتركا
بطريق الاتفاق والمساعدة مع عبد الرحمن سمرة غنيم مأذون ناحية العزيزة الموظف العمومي
الحسن النية في ارتكاب تزوير في ورقة أميرية هي عقد زواج أولاهما بالثاني حالة تحريرها
المختص بوظيفته. وكان ذلك يجعل واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة بأن تقدّما إلى هذا
المأذون وطلبا منه أن يعقد زواجهما مقرّرين عدم وجود مانع شرعي يمنع هذا الزواج مع
أن المتهمة الأولى كانت عندئذ زوجة لعلي علي الأمير وكانت هي والمتهم الثاني يعلمان
ذلك فتمت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة". والحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه
بالحكم المطعون فيه أورد واقعة الدعوى ثم بين أدلة الإثبات فيها وردّ على الدفع الذي
تقدّم به الطاعن بطلب إيقاف الدعوى حتى يفصل في الدعوى الشرعية بقوله "حيث إن وقائع
الدعوى تتحصل في أن المتهمة الأولى كانت متزوّجة بالمرحوم علي علي عوف أخا المتهم الثاني
ورزقت منه بولد ثم توفى عنها فتزوجت بأخيه المتهم الثاني وعاشت معه مدة انتهت بالطلاق
فرجعت إلى منزل ذويها وأقامت بينهم ثم عقد لها على المدعو علي علي الأمير ثم بعد ذلك
عقد عليها المتهم الثاني (الطاعن) رغم قيام الزوجية بينها وبين علي علي الأمير. وحيث
إن المتهم الثاني يقول إنه لجأ إلى المحكمة الشرعية للفصل في العقدين: العقد الخاص
بزواجه والعقد الخاص والعقد الخاص بزواجها بعلي علي الأمير لأنه يعتقد أن عقد علي علي
الأمير باطل، ومن ثم هو يطلب عدم الفصل في القضية الجنائية حتى يفصل في الدعوى الشرعية.
وحيث إنه لا خلاف في أن العقد الذي بموجبه تزوّج علي علي الأمير بالمتهمة الأولى صدر
قبل العقد الثاني المطعون فيه، ولا خلاف كذلك في أن المتهمين قرّرا أمام الموظف المختص
أن كلاً منهما خالٍ من الموانع الشرعية. ونقطة البحث تدور عما إذا كان المتهمان يعلمان
وقت تحرير العقد الثاني الخاص بزواجهما بالعقد الأوّل أم لا. فإذا ثبت علمهما بالعقد
الأوّل وقعت الجريمة لأنه يحرم على الرجل أن يتزوّج امرأة غيره، وقد ذكر الله سبحانه
وتعالى ذلك في سورة النساء وأشار إليه الأستاذ محمد زيد الإبياني بك في كتابة (شرح
الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية) الجزء الأوّل ص 51. وحيث إن تبين علم المتهمين
من المسائل التي لا يحتاج البحث فيها إلى المحاكم الشرعية أو إلى الشرع في شيء. ومن
ثم لا محل لمجاراة المتهم الثاني في طلبه الخاص بانتظار الفصل من المحكمة الشرعية.
وحيث إنه قد يكون خير معين لتبين علم المتهمين هو ظروف تحرير عقد زواجهما وهو العقد
المطعون عليه كما قد يكون خير معين لتبين هذه الظروف هو الموظف الذي قام بتحرير العقد
وهو مأذون الشرع الشريف بناحية العزيزة الشيخ عبد الرحمن سمرة غنيم، فقد شهد أمام المحكمة
بأن المتهم الثاني حضر إليه في المساء حوالي الساعة العاشرة وصمم على كتابة العقد تلك
الليلة ورفض الانتظار للصباح. وفعلاً كتب العقد في الساعة الواحدة صباحاً. وحيث إنه
يؤخذ من هذا الإلحاح وهذه الرغبة في الإسراع في كتابة العقد ورفض كل انتظار إلى بزوغ
النهار وعدم حضور أحد من أهل العروس أن المتهمين يعلمان بأن هناك أمراً يهدّدهما أو
حادثاً يخشيانه، وليس هذا الأمر إلا سبق الزواج بعلي علي الأمير وهروب الزوجة وخوف
افتضاح الأمر وضبطها قبل إتمام العقد. وحيث إنه لذلك قد يكون في أقوال المأذون الذي
حرر العقد الأول ما يساعد على معرفة علم المتهمة الأولى بزواجها بعلي علي الأمير وقد
شهد هذا المأذون أمام المحكمة بأن علي علي الأمير طلب إليه عقد زواجه بالمتهمة الأولى
فذهب إليها بشخصه وسألها بحضور عمها وأخيها عن قبولها للزواج بعلي علي الأمير فأجابت
بالإيجاب كما أقسمت بالله العظيم أنها حاضت ثلاث حيضات. وحيث إن عبد العزيز حسن حجازي
شهد أمام المحكمة بما شهد به المأذون كما شهدت والدة المتهمة الأولى السيدة محمد البلتاجي
بأنها كانت متغيبة ببورسعيد وعند حضورها أخبرتها ابنتها أن المأذون سألها عن عدد الحيضات
وعن زواجها بعلي علي الأمير. وحيث إن علي علي الأمير قد دخل على المتهمة الأولى دخولاً
صحيحاً وعاشرها معاشرة الأزواج كما هو ثابت من شهادته ومن شهادة محمد إبراهيم حجازي
ومن أقوال والدتها السيدة البلتاجي وأخيها عبد القادر إبراهيم حجازي ومما شهد به نبيه
عبد العزيز حجازي والسيد غزال وأحمد إسماعيل غزال من تشاجر المتهمة الأولى وزوجة علي
علي الأمير الأخرى بسبب هذا الزواج. وحيث إن المتهمة الأولى بعد أن كانت تنكر علمها
بزواجها بعلي علي الأمير عادت وقررت أمام المحكمة وقرّرت بزواجها به، وأن المتهم الثاني
حضر إليها بعد الزواج وسألها عما إذا كانت قد تزوجت حقاً وعندما أجابته بالإيجاب أخذ
يشككها في قيمة هذا الزواج، ثم طلب ردّها إلى عصمته فقبلت ذلك، وترى المحكمة الأخذ
بهذا القول لأنه مؤيد بما شهد به الشهود السابق الإشارة إليهم. وحيث إنه لذلك تكون
المتهمة وقت أن قرّرت أمام المأذون عبد الرحمن سمرة غنيم بعدم وجود مانع شرعي يمنع
زواجها بالمتهم الثاني كانت تعلم بسبق زواجها بعلي علي الأمير ودخوله بها. ومن ثم فقد
قررت هذه العبارة وهي تعلم أنها مزوّرة. وحيث إنه بالنسبة للمتهم الثاني فيؤخذ علمه
بعقد علي علي الأمير من إسراعه في العقد على المتهمة الأولى ومما قررته المتهمة الأولى
أمام المحكمة من حضوره إليها وعلمه بالزواج وإغوائها لترك منزل الزوجية ومما شهد به
محمد إبراهيم حجازي أخو المتهمة الأولى من أن المتهم الثاني حضر وطلب ردّ أخته المتهمة
الأولى فأنبأه بزواجها ومن شهادة السيدة البلتاجي من أن المتهم الثاني أرسل شخصاً لطلب
ردّ مطلقته المتهمة الأولى فأنبأته بزواجها كما شهد عبد القادر إبراهيم حجازي بأن المتهم
الثاني طلب ردّ أخته المتهمة الأولى فأنبأه بزواجها فهدّد وأنذر. وشهد كذلك نبيه عبد
العزيز حجازي بأن المتهم الثاني عندما علم بزواج المتهمة الأولى بعلي علي الأمير أقسم
أنها لن تبيت معه تلك الليلة كما شهد كل من محمود علي الأمير وإبراهيم إبراهيم الأمير
بعلم المتهم الثاني بزواج المتهمة الأولى بعلي علي الأمير. وحيث إنه متى تبين أن المتهم
الثاني كان يعلم بسبق زواج المتهمة الأولى بعلي علي الأمير واشترك معها في التقرير
أمام المأذون بعدم وجود مانع شرعي يمنع زواجها به وهو يعلم أن هذا القول كذب وزور".
وحيث إنه يبين من هذا الذي أثبته الحكم أن المحكمة اعتمدت على أدلة من شأنها أن تؤدّي
إلى أن الطاعن كان يعلم بأن التهمة الثانية سبق أن عقد زواج بينها وبين علي علي الأمير،
فتكون مجادلة الطاعن على الصورة الواردة بطعنه في هذا الشأن لا معنى لها سوى محاولة
فتح باب المناقشة في موضوع الدعوى وتقدير أدلة الثبوت فيها مما لا شأن لمحكمة النقض
به. أما عن طلب إيقاف الدعوى فإنه ثابت من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة أنه تم
الصلح على أن تعاشر المتهمة الثانية علي علي الأمير، وأنها كانت تعاشره فعلاً وقت نظر
الدعوى، وأنه صدر حكم ابتدائي من المحاكم الشرعية برفض دعوى الفسخ. فإذا أضيف إلى هذا
ما أثبته الحكم على الوجه المتقدّم وخصوصاً تصديق المحكمة لأقوال المأذون الذي باشر
عقد الزواج بين المتهمة الثانية وعلي علي الأمير من أنه سأل الزوجة شخصياً وأنها أجابته
بالموافقة على الزواج، وبما يقطع بأن عدّتها كانت قد انقضت – كان ذلك جميعه مما يفيد
أن المحكمة اطمأنت لأسباب معقولة بأن الدفع الذي تقدّم به الطاعن لا يؤيده الظاهر،
وأنه لم يقصد به إلا تعطيل نظر الدعوى الجنائية وتأخير الفصل فيها مما يبيح لها رفضه.
