الطعن رقم 438 لسنة 23 ق – جلسة 21 /11 /1981
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة والعشرون (من أول أكتوبر سنة 1981 إلى آخر سبتمبر سنة 1982) – صـ 22
جلسة 21 من نوفمبر سنة 1981
برئاسة السيد المستشار محمد صلاح الدين السعيد نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد محمد عبد المجيد ومحمد عزيز أحمد علي وعادل عبد العزيز بسيوني وجمال السيد دحروج – المستشارين.
الطعن رقم 438 لسنة 23 القضائية
عاملون – بالمحاكم – تأديب – مجلس تأديب – تشكيله.
عاملون بالمحاكم – تأديب – صدور قرار من رئيس محكمة شمال القاهرة الابتدائية بإحالة
أحد العاملين بالمحاكم إلى مجلس التأديب – صدور القرار من مجلس التأديب المشكل برئاسته
يجعل القرار معيباً بعيب جوهري – الأصل العام يقضي بامتناع من سبق أن أبدى رأياً في
شأن الأمر المحال بسببه العامل إلى التأديب من الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها
– لا يجوز القياس على ما ورد بالمادة 98 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون
رقم 46 لسنة 1972 والتي تقضي بأنه لا يمنع من الجلوس في هيئة مجلس التأديب سبق الاشتراك
في طلب الإحالة إلى المعاش أو رفع الدعوى التأديبية – هذا النص الأخير نص استثنائي
لا يجوز القياس عليه أو التمسك به في غير النطاق الذي في شأنه – انتظمت المواد من 164
حتى 169 من القانون سالف الذكر على تأديب العاملين بالمحاكم وقد خلت هذه النصوص من
نص مماثل لنص المادة 98 سالفة الذكر أو من نص يحيل إليها.
إجراءات الطعن
في يوم الثلاثاء الموافق 26 من إبريل سنة 1977 أودع الأستاذ عبد
المسيح يوسف المحامي قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا بالنيابة عن الطاعن تقرير طعن
قيد بجدول المحكمة تحت رقم 438 لسنة 23 القضائية، في القرار الصادر بجلسة 29 من يوليه
سنة 1976 من مجلس تأديب العاملين بمحكمة شمال القاهرة في الدعوى رقم 5 لسنة 76 المقامة
ضد الطاعن والذي قضى بوقفه عن العمل – مع صرف نصف الأجر – لمدة ثلاثة أشهر، وطلب الطاعن
للأسباب المبينة في تقرير الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار
المطعون فيه وببراءته مما نسب إليه وإلزام الجهة الإدارية المصروفات والأتعاب.
وبعد إعلان تقرير الطعن قدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً ارتأت
فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع الحكم بإلغاء القرار المطعون وإعادة الدعوى
التأديبية إلى مجلس التأديب لنظرها من جديد أمام هيئة أخرى.
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 8 من إبريل سنة 1981،
وبجلسة 27 من مايو سنة 1981 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا
(الدائرة الرابعة) لنظره بجلسة 20 من يونيه سنة 1981، وبجلسة 17 من أكتوبر سنة 1981
سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات على النحو المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجأت
إصدار الحكم إلى جلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند
النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية، بمراعاة أن القرار المطعون فيه صدر في 29
من يوليه سنة 1976 وأن الطاعن تقدم في 22 من سبتمبر سنة 1976 إلى لجنة المساعدة القضائية
بهذه المحكمة بطلب قيد برقم 158 لسنة 22 القضائية لإعفائه من رسوم الطعن تقرر رفضه
في 28 فبراير سنة 1977، فأقام طعنه الماثل في 26 من إبريل سنة 1977.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يخلص من الأوراق – في أن السيد/…. تقدم
بشكوى ضد الطاعن، تضمنت أن الشاكي أقام الدعوى رقم 5711 لسنة 75 مدني كلي شمال القاهرة
ضد السيد/…… والسيدة/…. بطلب الحكم بصحة ونفاذ عقد البيع الابتدائي المؤرخ في
8 من إبريل سنة 1975، وقد تداولت تلك الدعوى بجلسات المحكمة إلى أن تقرر حجزها للحكم
لجلسة 8 من إبريل سنة 1976. وكان المدعى عليهما في الدعوى المذكورة قد أقاما في 25
من ديسمبر سنة 1975 الدعوى رقم 7153 لسنة 1975 مدني كلي شمال القاهرة ضد المدعي بطلب
الحكم بفسخ عقد البيع المشار إليه، وتحدد لنظر هذه الدعوى جلسة 5 من فبراير سنة 1976
أمام الدائرة الخامسة مدني كلي شمال القاهرة، وبتلك الجلسة قررت المحكمة شطبها وأضاف
الشاكي في شكواه أنه فوجئ في فترة حجز الدعوى رقم 5711 لسنة 1975 للحكم، بمذكرة مقدمة
من المدعى عليهما تضمنت أن الدعوى 7153 لسنة 1975 قد انضمت إلى الدعوى 5711 سنة 1975
وصدر فيهما حكم بجلسة 8 من إبريل سنة 1976 قضى بفسخ عقد البيع موضوع الدعوى رقم 7153
لسنة 1975 وبرفض الدعوى 5711 لسنة 1975 وموضوعها صحة ونفاذ عقد البيع، في حين أن دعوى
الفسخ رقم 7153 سنة 1975 شطبت بجلسة 5 من فبراير سنة 1976، وقال الشاكي أن تواطأ قد
تم بين كاتب الجلسة وكاتب الجدول والخصوم، حيث اصطنع ملف جديد للدعوى المشطوبة وتم
عرضه على السيد رئيس الدائرة وتم إعلان الشاكي إعلاناً غير قانوني ثم صدر الحكم دون
أن يقوم أصل الصحيفة وطلب الشاكي اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق وقائع شكواه. وقد
أجرت المراقبة العامة للتفتيش الإداري بوزارة العدل تحقيقاً في الموضوع عرضته بمذكرة
على السيد المستشار مدير عام إدارة المحاكم الذي أحال الأوراق في 27 من يونيه سنة 1976
إلى السيد المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة للنظر، وفي 4 من يوليه سنة 1976 أشر السيد
المستشار رئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة على مذكرة التحقيق بإحالة المشكو إلى المحكمة
التأديبية، وأصدر في 7 من يوليه سنة 1976 قراره بإحالة السيد/ الطاعن لمحاكمته تأديبياً
بجلسة 15 من يوليه سنة 1976 لما نسب إليه من أنه أخل بواجبات وظيفته، وأتى ما من شأنه
أن يقلل من الثقة اللازم توافرها في الأعمال القضائية، كما يقلل من اعتبار الهيئة التي
ينتمي إليها. وقد قيدت الدعوى أمام مجلس تأديب العاملين بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية
برقم 5 لسنة 1976، وفي 27 من يوليه سنة 1976 عقد مجلس التأديب جلسته برئاسة السيد المستشار…
لنظر الدعوى المذكورة ثم قرر إصدار الحكم فيها بجلسة 29 من يوليه سنة 1976 وفيها صدر
الحكم بمعاقبة السيد/ الطاعن بالوقف عن العمل – مع صرف نصف الأجر – لمدة ثلاثة أشهر،
واستند مجلس التأديب في ذلك إلى ثبوت ما نسب إلى المذكور.
ومن حيث إن الطعن يقوم أساساً على بطلان القرار المطعون فيه ذلك لأن السيد المستشار
رئيس المحكمة هو الذي أصدر قرار إحالة الطاعن إلى المحاكمة التأديبية الأمر الذي يفقده
الصلاحية لنظر الدعوى كما يقوم الطعن على أن القرار المطعون فيه قد بني على زعم باطل
وهو أن الطاعن اصطنع ملفاً لقضية سبق أن قررت المحكمة شطبها وهو ما يخالف الثابت من
الأوراق، وأن الجزاء الموقع على الطاعن مشوب بعيب عدم المشروعية لعدم التناسب الجسيم
بينه وبين الذنب الإداري الذي يمكن نسبته إليه وهو مجرد خطأ مرده السهو بسبب زحمة العمل.
ومن حيث إن الثابت من سياق الوقائع على نحو ما سلف بيانه أنه بعد أن تولت المراقبة
العامة للتفتيش الإدارية بوزارة العدل تحقيق الشكوى المقدمة ضد الطاعن أحالت الأوراق
إلى السيد المستشار مدير عام المحاكم الذي أحالها بدوره إلى السيد المستشار رئيس محكمة
شمال القاهرة للنظر، وفي 4 من يوليه سنة 1976 قام السيد المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة
بالتأشير على مذكرة التحقيق بإحالة الطاعن إلى المحاكمة التأديبية، وإصدار قراره بإحالته
إلى تلك المحاكمة، وفي 17 من يوليه سنة 1976 انعقد مجلس تأديب العاملين بمحكمة شمال
القاهرة برئاسة السيد المستشار لمحاكمة الطاعن وأصدر في 29 من يوليه سنة 1976 القرار
المطعون فيه.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن ثمة قدر من الضمانات الجوهرية يجب أن
تتوافر كحد أدنى في كل محاكمة تأديبية وهذا القدر تمليه العدالة المجردة وضمير الإنصاف
والأصول العامة في المحاكمات وإن لم يرد عليه نعي، ويستلهم من المبادئ الأولية المقررة
في القوانين الخاصة بالإجراءات سواء في المحاكمات الجنائية أو التأديبية ذلك أن القرار
التأديبي هو في الواقع من الأمر قضاء عقابي في خصوص الذنب الإداري، حتى أن المشرع في
المادة 166 من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 نعت قرار مجلس
التأديب بلفظ حكم فقضي بأن لا توقع العقوبات إلا بحكم من مجلس التأديب – ومن بين الضمانات
الجوهرية حيدة الهيئة التي تتولى محاكمة العامل، ومن مقتضى هذا الأصل في المحاكمات
الجنائية والتأديبية أن من يبدي رأيه يمتنع عليه الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها،
وذلك ضماناً لحيدة القاضي أو عضو مجلس التأديب الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم بينه
وبين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضيه وتجرده من التأثر بعقيدة سبق أن كونها
عن المتهم موضوع المحاكمة. وقد رددت هذا الأصل المادتان 247، 248 من قانون الإجراءات
الجنائية كما بينت المادة 146 من قانون المرافعات المدنية والتجارية الأحوال التي يكون
فيها القاضي غير صالح لنظر الدعوى ممنوعاً من سماعها ولو لم يرده أحد الخصوم ومن بين
هذه الأحوال سبق الإفتاء أو الكتابة في الدعوى أي إبداء الرأي فيها ورتبت المادة 147
من ذات القانون جزاء البطلان على عمل القاضي أو قضائه في الأحوال المتقدمة، ولا ينال
مما سبق ما تقضي به الفقرة الأخيرة من المادة 98 من قانون السلطة القضائية سالف الذكر
التي تقضي بأنه لا يمنع من الجلوس في هيئة مجلس التأديب سبق الاشتراك في طلب الإحالة
إلى المعاش أو رفع الدعوى التأديبية ذلك أن هذا النص ورد في مجال مساءلة القضاء تأديبياً
المنصوص عليها في الفصل التاسع من الباب الثاني من القانون المذكور، بينما انتظمت المواد
من 164 حتى 179 منه على تأديب العاملين بالمحاكم وقد خلت هذه القواعد من نص مماثل لنص
المادة 98 سالف الذكر أو من نص يحيل إليها وهذا النص الأخير هو نص استثنائي فلا يجوز
القياس عليه أو التمسك به في غير النطاق الذي ورد في شأنه ويتعين الالتجاء إلى الأصل
العام السابق بيانه والذي يقضي بامتناع من سبق أن أبدى رأياً في شأن الأمر المحال بسببه
العامل إلى التأديب من الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها يكون القرار الذي يصدر على
خلاف هذا الأصل معيب بسبب جوهري ينحدر به إلى البطلان.
ومن حيث إن السيد المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة الابتدائية هو الذي قرر إحالة الطاعن
إلى المحاكمة التأديبية وأصدر قرار إحالته إلى مجلس التأديب متضمناً ما نسب إليه من
مخالفات فإن مفاد ذلك أن عقيدته قد اطمأنت مسبقاً إلى صحة الاتهام المسند إلى الطاعن.
وإذا أبدى رأيه في موضوع الاتهام الذي وجهه للطاعن على هذا النحو فإنه في ضوء ما سلف
يكون غير صالح قانوناً للجلوس في مجلس تأديبي الطاعن ويكون القرار الصادر من مجلس التأديب
المشكل برئاسته والأمر كذلك قد شابه البطلان ويتعين الحكم بإلغائه، ولا سبيل للتصدي
لموضوع الطعن لما ينطوي عليه ذلك من إخلال بإجراءات التقاضي وتفويت درجة من درجاته.
ومن حيث إنه متى استبان ما سلف فإن القرار المطعون فيه يكون قد وقع باطلاً لمخالفته
للنظام العام، ويتعين لذلك الحكم بإلغائه دون ما حاجة إلى مناقشة أوجه الطعن الأخرى
وإعادة الدعوى التأديبية إلى مجلس تأديب العاملين بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية لنظرها
من جديد أمام هيئة أخرى وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه وإعادة الدعوى التأديبية إلى مجلس تأديب العاملين بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية للفصل فيها من هيئة أخرى، وألزمت الجهة الإدارية المصروفات.
