الطعن رقم 5 سنة 16 ق – جلسة 17 /04 /1947
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 398
جلسة 17 من أبريل سنة 1947
برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد المفتى الجزايرلى بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك ومحمد صادق فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 5 سنة 16 القضائية
أ – مسئولية تقصيرية. خطأ موجب لها. مثاله. تقصير وزارة الأشغال
فى تعهد أنابيب المياه بالصيانة.
تعويض:
ب – عرض المدعى عليه بالتعويض كامل المبلغ الذى قدره أحد الخبراء لإصلاح الضرر. ذلك
العرض يصح اعتباره تسليماً بالمسئولية.
جـ – تقدير الضرر. موضوعى. تعيين العناصر القانونية المكونة للضرر. مسألة قانونية تراقبها
محكمة النقض. يجب أن يراعى فى تقدير الضرر المتغير قيمته عند الحكم لا وقت وقوعه.
1 – إذا قضت المحكمة بإلزام وزارة الأشغال العمومية بتعويض الضرر الناشئ عن الخلل الذى
أحدثه فى منزل المدعى تسرب المياه إليه نتيجة كسر أنبوبتها، وأسست تقريرها خطأ الوزارة
على تقصيرها فى مراقبة الأنابيب وملاحظتها وتعهدها فى باطن الأرض والكشف عليها من آن
لآخر للتأكد من سلامتها ودوام صلاحيتها، فهذا الحكم لا يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون.
2 – إذا كان المدعى عليه فى دعوى التعويض قد عرض على مدعيه كامل المبلغ الذى قدره الخبير
المنتدب فى دعوى إثبات الحالة لجبر الضرر الحاصل للمدعى فلا يكون للمدعى عليه من بعد
وجه للقول بأن الخطأ الذى عزاه الحكم إليه مستنداً إلى ذلك العرض لم يكن له من سند،
إذ ذلك العرض من شأنه أن يفيد التسليم بمسؤوليته [(1)].
3 – التعويض يقدر الضرر، ولئن كان هذا التقدير من المسائل الواقعية التى يستقل بها
قاضى الموضوع فإن تعيين العناصر المكونة قانوناً للضرر والتى يجب أن تدخل فى حساب التعويض
من المسائل القانونية التى تهيمن عليها محكمة النقض، لأن هذا التعيين من قبيل التكييف
القانونى للواقع.
وكلما كان الضرر متغيراً تعين على القاضى النظر فيه، لا كما كان عندما وقع بل كما صار
إليه عند الحكم، مراعياً التغير فى الضرر ذاته من زيادة راجع أصلها إلى خطأ المسؤول
أو نقص كائناً ما كان سببه، ومراعياً كذلك التغير فى قيمة الضرر بارتفاع ثمن النقد
أو انخفاضه وبزيادة أسعار المواد اللازمة لإصلاح الضرر أو نقصها. ذلك أن الزيادة فى
ذات الضرر التى يرجع أصلها إلى الخطأ والنقص فيه أياً كان سببه غير منقطعى الصلة به.
أما التغير فى قيمة الضرر فليس تغيراً فى الضرر ذاته. وإذ كان المسئول ملزماً بجبر
الضرر كاملاً فإن التعويض لا يكون كافياً لجبره إذا لم يراع فى تقديره قيمة الضرر عند
الحكم. ومن ثم كان لا وجه للقول بأن تغير القيمة لا يمت إلى الخطأ بصلة، كما لا وجه
للقول بأن المضرور ملزم بالعمل على إصلاح الضرر، فإذا هو تهاون فعليه تبعة تهاونه،
فإن التزام جبر الضرر واقع على المسؤول وحده، ولا على المضرور أن ينتظر حتى يوفى المسؤول
التزامه.
الوقائع
فى 26 من أبريل سنة 1941 أقامت المطعون ضدها على الطاعنة أمام محكمة
مصر الابتدائية الدعوى 797 سنة 1941 كلى بصحيفة جاء فيها أن من أعيان الوقف المشمول
بنظرها منزلا بحلوان بشارع إبراهيم باشا ظهر بمبانيه فى خلال شهر ديسمبر سنة 1939 خلل
تبين أنه راجع إلى تسرب المياه من أنابيب تالفة لمصلحة التنظيم موضوعة فى أرض الشارع،
فرفعت المطعون ضدها دعوى مستعجلة بإثبات الحالة حكم فيها فى 24 من ديسمبر سنة 1939
بندب خبير لبيان ما حدث بمبانى المنزل من اختلال وأسبابه، ولتقدير الضرر الناشئ من
ذلك، وقد قدم الخبير تقريراً بين فيه الخلل وأرجعه إلى تسرب المياه من الأنابيب وقدر
إصلاحه بمبلغ 35 ج و650 م. ونظراً لأن هذا التقدير قليل، فقد طلبت المطعون ضدها الحكم
على الطاعنة بمبلغ 298 ج على سبيل التعويض منه 250 ج لإصلاح الخلل، 48 ج أجرة سكنها
منذ اضطرارها لإخلال المنزل بسبب خلله من يناير سنة 1940 إلى حين رفع الدعوى، زادت
المطعون ضدها المبلغ الذى طلبته إلى 853 ج و250 م من ذلك 750 ج للإصلاح والباقى مقابل
الأجرة.
وفى 8 من نوفمبر سنة 1941 حكمت المحكمة بندب خبير آخر لمعاينة المنزل من جديد وبيان
ما به من خلل وطريقة إصلاحه ومقدار التكاليف وقد قدر هذا الإصلاح بمبلغ 119 ج و97 م.
وفى 27 من مارس سنة 1944 قضت المحكمة بإلزام الطاعنة أن تدفع إلى المطعون ضدها مبلغ
209 ج و847 م من ذلك 119 ج و97 م تكاليف الإصلاح و90 ج و750 م أجرة السكن من يناير
سنة 1940 لغاية سبتمبر سنة 1942.
استأنفت الطاعنة هذا الحكم طالبة إلغاءه ورفض الدعوى فيما يزيد على مبلغ 35 ج و650
م. واستأنفته المطعون ضدها فرعياً طالبة تعديله بزيادة المبلغ المحكوم به ابتدائياً
إلى 853 ج و250 م. وفى 8 من أكتوبر سنة 1945 قضى بتعديل الحكم المستأنف وإلزام الطاعنة
بمبلغ 218 ج و97 م منه 119 ج و97 م تكاليف الإصلاح وفقاً لتقدير الخبير الثانى و99
ج مقابل خلو المنزل بسبب الخلل الذى حدث به فى المدة من يناير سنة 1940 لغاية سبتمبر
سنة 1942 باعتبار ريعه الشهرى ثلاثة جنيهات.
أعلنت الطاعنة بهذا الحكم فى 22 من نوفمبر سنة 1945 فطعنت فيه بالنقض الخ.
المحكمة
وحيث إنه (الطعن) بنى على سببين أولهما يتحصل فى أن الحكم المطعون
فيه بعد أن أثبت أن مصدر الماء الذى تسرب إلى منزل الوقف هو كسر بأنبوبة المياه نتيجة
الضغط عليها من جذور شجرة قريبة – بعد أن أثبت الحكم ذلك اعتبر الطاعنة مخطئة لأنها
لم تتابع الكشف على أنابيبها من آن لآخر للتحقق من سلامتها، فى حين أن هذا الخطأ الذى
نسبه إليها لا أصل له من أوراق الدعوى. كما أخطأ الحكم فى تكييف الواقع الذى استخلصه
لأنه اعتبر التفاف جذور الشجرة على الأنبوبة خطأ من الطاعنة فى حين أنه ضرب من ضروب
القوة القاهرة التى لا يد لأحد فيها.
وحيث إن الحكم قال فى بيان الخطأ الذى رتب عليه مسؤولية الطاعنة "إن المسؤولية التقصيرية
هى مؤاخذة الشخص عن خطأ يسند إليه وتصرف يأتيه (عملاً أو تركاً) يترتب عليه إلزامه
بتعويض الضرر الناشئ عن خطئه. فمواسير المياه، بحكم وضعها تحت الأرض، قد يترتب على
الخلل الطارئ عليها ضرر المبانى المجاورة قبل تكشف آثار الخلل، ولذلك يقتضى من المسؤول
عنها أن يدأب على مراقبتها وملاحظتها وتعهدها فى باطن الأرض ليستوثق من دوام صلاحيتها
وإلا كان مقصرا مسؤولاً. وفى تطبيق ذلك تكون وزارة الأشغال مسؤولة عما وقع من الضرر
للمنزل بسبب تسرب المياه إلى جدرانه ومبانيه إذ كان يجب عليها مراقبة المواسير وتعهدها
لتكفل بذلك دوام صلاحيتها وعدم حصول ضرر منها، ولو اقتضى ذلك الكشف عليها من آونة لأخرى
للتأكد من سلامتها من كل ما يعرضها للتلف. ولا يكفى لذلك مجرد الملاحظة السطحية اكتفاءً
بالمبادرة إلى إصلاح ما قد يختل منها بعد ظهوره، فترك الماسورة من غير فحص من وقت لآخر،
وإسناد ما أصابها من كسر إلى التفاف جذور شجرة قريبة من غرس وزارة الأشغال أمر كان
حتماً على الوزارة تلافيه، والسكوت عن ذلك إهمال وخطأ نشأ عنه ضرر يترتب عليه التعويض
لا محالة". وبعد أن قدرت محكمة الاستئناف تكاليف الإصلاح على أساس تقرير الخبير المنتدب
فى دعوى الموضوع أيدت قضاء محكمة الدرجة الأولى بالنسبة إليها للأسباب التى أوردتها
ولما لا يتعارض معها من أسباب الحكم الابتدائى. وقد جاء فيه تدليلاً على خطأ الطاعنة
قوله: "وليس أدل على تقصير المدعى عليها من أنها عرضت فعلاً على المدعية مبلغاً من
المال مقابل الضرر الذى حل بها من جراء هذه الحادثة، وهذا العرض يعتبر ولا شك تسليماً
بحصول التقصير ومن ثم وجبت المساءلة". ولما كانت الطاعنة مسلمة فى مذكرتها بأنها عرضت
أمام محكمة الدرجة الأولى كامل المبلغ الذى قدره الخبير المنتدب فى دعوى إثبات الحالة
لإصلاح المنزل، وكان هذا العرض من شأنه أن يفيد التسليم بالمسئولية، فإنه لا وجه لزعم
الطاعنة بأن الخطأ الذى أسنده الحكم لها لا سند له. ثم إن الحكم لم يعتبر التفاف جذور
شجرة على الأنبوبة فى ذاته خطأ من الطاعنة، كما تقول، بل الذى آخذها به هو إهمالها
الكشف عن أنابيبها من وقت لآخر وتعهدها بالصيانة من كل ما يعرضها للتلف – ذلك الإهمال
الذى لولاه لما حصل الضرر.
وحيث إن محصل السبب الآخر أن الحكم المطعون فيه، إذ قدر تكاليف الإصلاح على أساس ما
كانت تساويه وقت الحكم لا وقت وقوع الضرر، وإذ ألزم الطاعنة بمقابل الخلو عن مدة التقاضى
كلها لا عن المدة اللازمة للاصلاح فحسب، خالف القانون. ذلك أن حق التعويض ينشأ ويتحدد
عند وقوع الفعل الضار، ولا يؤثر فى هذا الحق من المؤثرات إلا ما يرتبط والفعل ارتباط
العلة بالمعلول، وإبطاء المطعون ضدها فى رفع الدعوى، والخبراء فى مباشرة العمل، والقضاة
فى الحكم مع انخفاض سعر العملة واشتداد الغلاء فى الأثناء – كل ذلك عوامل منقطعة الصلة
بالفعل الضار. ثم إن من واجب المضرور أن يسعى لجبر الضرر فان تهاون فاستفحل الضرر كانت
مغبة تهاونه عليه.
وحيث إن التعويض إنما يقدر بقدر الضرر، ولئن كان تقديره فى المسائل الواقعية التى يستقل
بها قضاة الموضوع فإن تعيين العناصر المكونة للضرر قانوناً والتى يجب أن تدخل فى حساب
التعويض من المسائل القانونية التى تهيمن عليها محكمة النقض، لأن هذا التعيين من قبيل
التكييف القانونى للواقع.
وحيث إنه كلما كان الضرر متغيراً تعين على القاضى النظر فيه، لا كما كان عندما وقع
بل كما صار إليه عند الحكم، مراعياً التغير فى الضرر ذاته من زيادة راجع أصلها إلى
خطأ المسؤول أو نقص كائناً ما كان سببه، ومراعياً كذلك التغير فى قيمة الضرر بارتفاع
ثمن النقد أو انخفاضه وبزيادة أسعار المواد اللازمة لإصلاح الضرر أو نقصها. ذلك أن
الزيادة فى ذات الضرر التى يرجع أصلها إلى الخطأ والنقص فيه، أياً كان سببه، غير منقطعى
الصلة به. أما التغير فى قيمة الضرر فليس هو تغيراً فى الضرر ذاته، ولما كان المسؤول
ملزماً بجبر الضرر كاملاً فإن التعويض لا يكون كافياً لجبره إذا لم يراع فى تقديره
قيمة الضرر عند الحكم به. ومن ثم لا وجه للقول بأن تغير القيمة لا يمت إلى الخطأ بصلة.
ولا وجه كذلك للقول بأن المضرور ملزم بالعمل على إصلاح الضرر فإن تهاون كانت تبعة تهاونه
عليه، لأن التزام جبر الضرر واقع على المسؤول وحده، ولا على المضرور أن ينتظر حتى يوفى
المسؤول التزامه.
وحيث إن هذا النظر فى جملته مؤيد بالمادة 368 من قانون المرافعات فيما تجيزه من إضافة
التعويض المستجد من تاريخ الحكم الابتدائى إلى التعويض الأصلى استثناءً من القاعدة
التى تمنع من قبول طلبات جديدة لأول مرة فى الاستئناف.
وحيث إن الحكم المطعون فيه وهو بسبيل تقدير تكاليف إصلاح منزل الوقف قال "ومن حيث إنه
بالنسبة لتقدير التعويض فمن المقرر أنه يجب أن يتكافأ التعويض مع الضرر وأن يلاحظ فى
التقدير مقدار الخسارة الواقعة ومقدار المكسب الضائع، وتقدير الخسارة يكون بتقدير تكاليف
إعادة الشئ لأصله بحسب ما تساويه وقت الحكم بالتعويض، لأن الأصل أن للمضرور الحق فى
طلب التعويض عيناً، أى إعادة الشئ لأصله، فأساس التعويض فى هذه الحالة لم يتغير إنما
المبلغ القيمى المقدر لإعادة الشئ لأصله هو الذى يقع فيه التغير تبعاً لارتفاع وانخفاض
العملة وقوتها الشرائية وارتفاع وانخفاض ثمن المواد والتكاليف اللازمة لإصلاح الضرر
وإعادة الشئ إلى أصله، ولا يتأتى مراعاة تلك الاعتبارات إلا وقت الحكم حتى يتسنى للقاضى
تقدير المبلغ الذى يعتبره متكافئاً تكافؤاً حقيقياً لإصلاح الضرر. ومن حيث إن الخبير
الذى ندبته محكمة أول درجة قدر قيمة التعويض لإعادة الشئ لأصله بمبلغ 119 ج و97 م مراعياً
فى ذلك أسعار المواد وقت وضع التقرير ومراعياً ما أشار به من ضرورة هدم بعض الحوائط
وإعادة بنائها وترى المحكمة الأخذ بتقديره لأن تقديره كان فى أواخر سنة 1942 أى فى
وقت كانت الأسعار فيه بلغت منتهى ارتفاعها حسب قول الست عائشة فى مذكرتها أمام محكمة
أول درجة ولم يقدم من الطرفين ما يثبت أنها تغيرت بعد ذلك إلى وقت الحكم".
وحيث إن الحكم، وقد قدر تكاليف الإصلاح بحسب ما تساويه وقت صدوره، لم يخالف القانون
على ما سبق بيانه. ثم إنه إذ لم يتقيد فى تقدير مقابل الخلو بالمدة اللازمة للاصلاح
لم يخطئ فى القانون كذلك.
[(1)] قد يكون عرض المبلغ من جانب المدعى عليه إيجاباً لصلح لم يقبله المدعى حين تمسك بما طلبه فى دعواه زائداً على المبلغ المعروض، كما قد يكون العرض إيفاءً بمبلغ التعويض بعد التسليم بالخطأ الموجب له. والظاهر أن محكمة النقض لم تقصد إلى القول بأن العرض يتضمن التسليم بالمسؤولية فى جميع الأحوال، بل كان مرادها أن ما استخلصه منه قاضى الموضوع فى صورة القضية بجانب ما توافر لديه من الأدلة على ثبوت المسؤولية كان كافياً لحمل الحكم ونفى القصور عن أسبابه.
