الطعن رقم 54 سنة 16 ق [] – جلسة 03 /04 /1947
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 390
جلسة 3 من أبريل سنة 1947
برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتى الجزايرلى بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.
القضية رقم 54 سنة 16 القضائية [(1)]
اختصاص. أحوال شخصية. هبة. مسائل الهبة يحكمها قانونان: القانون
المدنى، وقانون الأحوال الشخصية. الرجوع فى الهبة سافرة كانت أو مستورة. يرجع فى ذلك
إلى قانون الأحوال الشخصية وتحكم فيه محاكمها.
(المواد 16 من لائحة الترتيب و44 و48 و50 و51 و88 و103 مدنى)
إن مسائل الهبة فى نظر الشارع ليست كلها من الأحوال الشخصية ولا هى كلها من الأموال
العينية، ومن ثم كانت الهبة محكومة بقانونين لكل مجاله فى التطبيق: القانون المدنى
فيما أورده من أحكام لها بالذات مكملة بالأحكام العامة للالتزامات، وقانون الأحوال
الشخصية فى غير ذلك من مسائلها.
وإذا كان القانون المدنى لم يتعرض بتاتاً إلى أمر الرجوع فى الهبة وليس فيما وضعه لها
ولأسباب انتقال الملكية وزوالها من نصوص، ولا فيما أورده للالتزامات من أحكام عامة،
ما ينافى الرجوع فى الهبة، كان لا مندوحة عن الرجوع فى هذا الأمر إلى قانون الأحوال
الشخصية، سافرة كانت الهبة أو مستورة.
وعلى ذلك فالحكم الذى يقضى بوقف الفصل فى طلب ثبوت ملكية عين مبيعة بعقد يستر هبة رجع
فيها البائع حتى تفصل جهة الأحوال الشخصية فى أمر الرجوع عن الهبة لا يكون مخالفاً
للقانون [(2)].
الوقائع
فى 4 من يوليو سنة 1939 حرر عقد يفيد أن المطعون ضدها باعت ابنتها
الطاعنة 337 متراً و50 سنتى على الشيوع فى منزل بمدينة الفيوم مساحته 450 متراً بشارع
الخليج الأعظم رقم 42 بثمن قدره 1500 جنيه دفعته الطاعنة، وورد فى العقد أن المطعون
ضدها تحملت بما على المنزل من دين ممتاز مستحق للبائعة لها، وأنها استأجرت من الطاعنة
الحصة الواقع عليها العقد من أول يوليو سنة 1933 إلى غاية ديسمبر سنة 1940 بأجرة قدرها
144 جنيهاً دفعتها لها، وسجل هذا العقد فى 12 من يوليو سنة 1939. وفى 10 من نوفمبر
سنة 1942 أقامت المطعون ضدها على الطاعنة أمام محكمة بنى سويف الابتدائية الدعوى رقم
33 سنة 1943 كلى بأن العقد يستر هبة رجعت فيها بسبب سوء معاملة ابنتها لها طالبة الحكم
أولاً باعتباره هبة، وثانياً أصلياً بثبوت ملكيتها فى الحصة موضوعه وكف منازعة الطاعنة
لها فيها، واحتياطياً وقف الدعوى بالنسبة إلى هذا الطلب حتى تفصل جهة الأحوال الشخصية
المختصة فى أمر الرجوع عن الهبة. وفى 28 من مارس سنة 1944 حكمت المحكمة باعتبار العقد
هبة ووقف الدعوى بالنسبة إلى الطلب الثانى حتى تفصل فى الرجوع المحكمة الشرعية. واستأنفت
الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالبة إلغاءه ورفض الدعوى، كما استأنفته المطعون
ضدها فرعياً طالبة تعديله بتعليق الوقف على الفصل من جهة الأحوال الشخصية المختصة.
وفى 31 من ديسمبر سنة 1945 قضت محكمة استئناف مصر برفض الاستئناف الأصلى وبتأييد الحكم
المستأنف فيما قضى به من اعتبار عقد 4 من يوليو سنة 1939 هبة ومن وقف الدعوى، وبتعديله
فيما عدا ذلك وجعل الوقف معلقاً على فصل جهة الأحوال الشخصية.
أعلنت الطاعنة بهذا الحكم فى 21 من مارس سنة 1946 فطعنت فيه بالنقض الخ الخ.
المحكمة
وحيث إن الطعن بنى على أن لائحة ترتيب المحاكم الأهلية وإن كانت
اعتبرت الهبة من الأحوال الشخصية التى يمتنع على هذه المحاكم النظر فى مسائلها فإن
القانون المدنى الذى صدر فيما بعد قد نص على الهبة ضمن أسباب انتقال الملكية والحقوق
العينية، وخصها بفصل ضمنه أحكامها فدل الشارع بذلك على أنه لم يعتبر الهبة من الأحوال
الشخصية إلا من حيث أهلية الواهب والموهوب له، وهذه هى الناحية الوحيدة التى تخضع فيها
الهبة لمحاكم الأحوال الشخصية وقوانينها، وفيما عدا ذلك فهى عقد مدنى لا يحكمه إلا
القانون المدنى. وما جاء فى هذا القانون بالمواد 48 و50 و51 فى الهبة و44 فى أسباب
انتقال الملكية والحقوق العينية و88 فى زوالها والنصوص العامة فى الالتزامات – كل ذلك
ينافى الرجوع فى الهبة ويجعل منها عقداً ملزماً كغيرها من العقود. ثم إن الهبة متى
أفرغت فى صورة عقد آخر عملاً بالمادة 48 من القانون المدنى فإن القول بجواز الرجوع
فيها يترتب عليه إهدار هذا النص، ولهذا كله كان يتعين على محكمة الموضوع الفصل فى الدعوى
برمتها، وهى إذ قضت بالوقف فى طلب ثبوت الملكية حتى تفصل جهة الأحوال الشخصية فى أمر
الرجوع عن الهبة خالفت القانون.
وحيث إن الهبة بحسب الأصل هى من الأحوال العينية لتعلقها بالمال، بيد أن الشارع لما
وجد أنها هى والوصية والوقف تبرعات تقوم غالباً على فكرة التصدق المندوب إليه ديانة
فقد نص فى المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية على منعها من النظر "فى مسائل
الهبة والوصية والمواريث وغيرها مما يتعلق بالأحوال الشخصية" ومع ذلك فإنه أفرد للهبة
فى القانون المدنى فصلا خاصا (المواد 48 وما بعدها) أورد فيه أحكامها الشكلية وأحكاماً
أخرى موضوعية. ومقتضى هذا أن مسائل الهبة فى نظر الشارع ليست كلها من الأحوال الشخصية
ولا هى كلها من الأحوال العينية، ومن ثم كانت الهبة محكومة بقانونين لكل مجاله فى التطبيق:
القانون المدنى فيما أورده من أحكام لها بالذات مكملة بالأحكام العامة للالتزامات،
وقانون الأحوال الشخصية فى غير ذلك من مسائلها. وهذه المسائل ليست مقصورة على أهلية
الواهب والموهوب له، كما تزعم الطاعنة، لأن الأهلية فى التصرفات والعقود كافة هى من
مسائل الأحوال الشخصية، ولائحة ترتيب المحاكم الأهلية إذ خولت هذه المحاكم ولاية الحكم
فى دعاوى الحقوق ومنعتها من النظر فى دعاوى الأحوال الشخصية أبقت هذه الدعاوى الأخيرة
لجهات الحكم التى كانت تختص بها من قبل بحيث لم يكن المشرع فى حاجة للنص فى المادة
16 من لائحة الترتيب على استثناء الهبة دون غيرها من العقود من اختصاص المحاكم المدنية
إذا كان كل غرضه من ذلك أن يجعل أهلية العاقدين فى الهبة خاضعة للقانون الشخصى.
وحيث إن القانون المدنى لم يتعرض بتاتاً إلى أمر الرجوع فى الهبة، وليس فيما وضعه لها
ولأسباب انتقال الملكية وزوالها من نصوص ولا فيما أورده للالتزامات من أحكام عامة ما
ينافى الرجوع فى الهبة. ذلك أن الرجوع فى نظر الشرائع التى تجيزه ليس إلا فسخاً ذا
أثر رجعى يقع بمجرد مشيئة الواهب، وكونه كذلك يجعل عقد الهبة عقداً غير لازم. وإذا
كانت المادة 48 من القانون المدنى نصت على انتقال الملكية فى الأموال الموهوبة بمجرد
الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له فليس فى هذا النص الذى جعل من الهبة عقداً
بين طرفين، لا تصرفاً من جانب واحد، ما يستوجب أن تكون الهبة عقداً لازماً ولا ما يتعارض
مع كونها عقداً غير لازم. وكذلك المادتان 50 و51 اللتان إنما جاءتا نتيجة كون الهبة
عقداً لا يتم إلا بإيجاب وقبول. ثم إنه لا تعارض يبن النص فى المادة 44 على انتقال
الملكية بالهبة وبين جواز فسخها بالرجوع، شأنها فى ذلك شأن غيرها من العقود الناقلة
للملكية، ولا بين النص فى المادة 88 على عدم زوال الملكية عن المالك دون اختياره وبين
اقتران الهبة بشرط فاسخ متعلق بإرادة الواهب، ذلك الشرط الجائز فى فقه المادة 103 من
القانون المدنى. وإذ كان القانون المدنى لم يتعرض صراحة أو دلالة إلى الرجوع فى الهبة
بالمنع أو الإجازة فإنه لا مندوحة عن الرجوع فى ذلك إلى قانون الأحوال الشخصية.
وحيث إنه متى كان هذا هو حكم الرجوع فى الهبة فإنه يكون سارياً عليها، سافرة كانت أو
مستورة، لأن ستر الهبة لا يعدو أن يكون نوعاً من الصورية أجازه الشارع تفادياً من شرط
رسمية العقد، والقاعدة فى الصورية أن العقد الصورى لا وجود له بالنسبة إلى المتعاقدين
إذ العبرة بالعقد الحقيقى الذى قصداه، فوجب أن يخضع هذا العقد للأحكام المقررة له قانوناً.
وحيث إن قضاء الحكم المطعون فيه بوقف الدعوى مقام على أن "الشارع المصرى مع أنه عقد
للهبة فصلاً خاصاً فى القانون المدنى إلا أنه لم يضمن هذا الفصل كل أحكام الهبة، وبصفة
خاصة لم يضمن هذا الفصل شيئاً عن الرجوع فى الهبة فى حين أن هذا الرجوع هو الخصيصة
البارزة التى تميز الهبة عن كثير من العقود، وما كان الشارع ليغفل هذه الناحية من الهبة
على خطورتها وأهميتها وتميزها لولا أنه قدر بحق أنها ناحية شخصية يجمل به تركها لمحاكم
الأحوال الشخصية، فجاء هذا الترك منه متمشياً مع المنع الوارد فى لائحة ترتيب المحاكم
الأهلية، وعلى هذا النحو فى تفسير القانون يسهل التوفيق بين ما تعارض فى الظاهر بين
نصوص لائحة الترتيب وما جاء من النصوص فى القانون المدنى خاصاً بالهبة، كما يسهل إعمال
هذه النصوص جميعاً"، وعلى أن "القضاء الفرنسى فى هذا الذى ذهب إليه من إخراج الهبة
المغطاة من عموم القاعدة التى تشترط الرسمية لصحة عقد الهبة من حيث الشكل هو المأخذ
الذى أخذ عنه الشارع المصرى الرخصة التى وردت فى المادة 48 من القانون المدنى، وهذا
القضاء قد حرص على أن يقرر فى أحكامه أن ستر الهبة بوصفها بصفة عقد آخر من عقود المعاوضة
لا يؤثر فيها إلا من ناحية واحدة هى إعفاؤها من الشرط الشكلى، أما فيما عدا ذلك فهى
خاضعة كل الخضوع لأحكام الهبة. وعلى ذلك فليس لمن تعاطى هذه الرخصة وكان طرفاً فى هبة
استترت بعقد من عقود المعاوضة أن يتعلق بأهداب العقد الساتر فراراً من أحكام العقد
المستتر لما فى ذلك من مجافاة لأحكام العقد الحقيقى الذى كان طرفاً فيه فضلاً عما فيه
من مجافاة لأحكام القانون العامة". وليس فى هذا الذى قال به الحكم مخالفة للقانون بل
إعمال لأحكامه التى سبق بيانها. ومن ثم يكون الطعن على غير أساس.
[(1)] فى هذا الحكم تقريرات قانونية كثيرة جر إليها
الاستطراد فى البحث لم تأت بها فى هذا التلخيص لكونها تقريرات فرعية، مؤثرين نشر الحكم
برمته، فلزم التنبيه.
[(2)] ويلاحظ أن القانون المدنى الجديد قد عرض للرجوع فى الهبة فى
الفصل الذى عقده لها وأفرد للرجوع فيها فرعاً خاصاً هو الفرع الثالث من هذا الفصل،
أجاز فيه للواهب الرجوع فى هبته برضاء الموهوب له أو بحكم القضاء مع قيام العذر المقبول
وانتفاء المانع، ومثل للأعذار المقبولة للرجوع وذكر موانعه ثم بين الآثار التى تترتب
عليه (المواد 500 إلى 504) وبذلك قد أصبح القضاء المدنى هو المختص وحده فى كل ما يتعلق
بالهبة والرجوع فيها.
