الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 110 سنة 15 ق – جلسة 27 /02 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 356

جلسة 27 من فبراير سنة 1947

برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتى الجزايرلى بك وأحمد على علوبة بك وسليمان حافظ بك المستشارين.


القضية رقم 110 سنة 15 القضائية

أ – مواريث. خضوعها لأحكام الشريعة الإسلامية. حكم تصرف الوارث فى التركة المدينة. القانون المدنى هو الذى يقرره على أساس ما خولته الشريعة للوارث من حقوق.
ب – مواريث. تركة. انتقالها إلى الوارث. تجرى عليه أحكام الشريعة الإسلامية. حق الدائن فى تتبع تركة مدينه بعد وفاته لاستيفاء دينه.
1 – إن الشارع إذ أخضع دعاوى الحقوق للقانون المدنى وجعلها من اختصاص المحاكم المدنية قد أبقى المواريث خاضعة للشريعة الإسلامية تقضى فيها المحاكم الشرعية بصفة أصلية طبقاً لأرجح الأقوال فى مذهب الحنفية، فإن تعرضت لها المحاكم المدنية بصفة فرعية كان عليها أن تتبع نفس المنهج. ثم صدر القانون رقم 77 لسنة 1943 مقنناً أحكام الإرث فى الشريعة الإسلامية فلم يغير الوضع السابق بل أكده، وأعقبه القانون رقم 25 لسنة 1944 فنص صراحة على أن "قوانين المواريث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية فيهما هى قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا بالنسبة إلى المصريين كافة من مسلمين وغير مسلمين [(1)]، على أنه إذا كان المتوفى غير مسلم جاز لورثته طبقاً لأحكام الشريعة الغراء الاتفاق على أن يكون التوريث طبقاً لشريعة المتوفى".
وإذ كان الرجوع إلى الشريعة الإسلامية بوجه عام وإلى أرجح الآراء فى فقه الحنفية بوجه خاص متعيناً بالنسبة إلى حقوق الورثة فى التركة المدينة ومدى تأثرها بحقوق دائنى المورث باعتبار ذلك من أخص مسائل المواريث، فإن القانون المدنى إذ يقرر حكم تصرف الوارث فى التركة المدينة، باعتبار هذا التصرف عقداً من العقود، إنما يقرر ذلك على أساس ما خولته الشريعة للوارث من حقوق.
2 – إن التركة عند الحنفية، مستغرقة كانت أو غير مستغرقة، تنشغل بمجرد الوفاة بحق عينى لدائنى المتوفى يخول لهم تتبعها واستيفاء ديونهم منها بالتقدم على سواهم ممن تصرف لهم الوارث أو من دائنيه. وهذا هو القانون الواجب على المحاكم المدنية إذا ما تعرضت للفصل فى مسائل المواريث بصفة فرعية. ولا يحول دون ثبوت هذا الحق العينى لدائن التركة التعلل بأن الحقوق العينية فى القانون المدنى وردت على سبيل الحصر، وبأن حق الدائن هذا من نوع الرهن القانونى الذى لم يرد فى التشريع الوضعى، وذلك لأن عينية الحق مقررة فى الشريعة الإسلامية، وهى – على ما سبق القول – القانون فى المورايث.
وإذن فالحكم الذى ينفى حق الدائن فى تتبع أعيان تركة مدينه تحت يد من اشتراها ولو كان المشترى حسن النية وعقده مسجلاً يكون مخالفاً للقانون [(2)].


الوقائع

تتحصل وقائع هذا الطعن فى أن وزارة الأوقاف (الطاعنة) كان لها دين على المرحوم محمد أفندى مراد مورث المطعون ضدهم الثلاثة الأخيرين بموجب حكم صادر من محكمة مصر الابتدائية فى 31 من ديسمبر سنة 1939 فى الدعوى الاستئنافية رقم 7 سنة 1938 قضى بإلزامهم بأن يدفعوا لها من تركة مورثهم المذكور مبلغ 67 ج و215 م والمصاريف ومائة قرش مقابل أتعاب المحاماة، ونظراً إلى أن إجراءات التنفيذ على المنقولات لم تؤد إلى حصول الوزارة على دينها فقد اتخذت إجراءات التنفيذ العقارى على منزل مرقوم رقم 11 بحارة الميضة بدائرة قسم السيدة زينب مساحته 41 متراً مربعاً على اعتبار أنه ملك لورثة المدين بأن أعلنتهم فى 13 من سبتمبر سنة 1942 بتنبيه نزع ملكية سجل فى 19 من ذلك الشهر، ثم استصدرت حكماً فى 27 من ديسمبر سنة 1942 بنزع ملكية المنزل وبيعه بالمزاد الجبرى وفاءً لمبلغ 81 ج و655 م عدا ما يستجد من المصاريف، وعينت للبيع جلسة 14 من مارس سنة 1943 – وقبل حلول هذه الجلسة رفع الدياسطى حواس وابنه حامد المطعون ضدهما الأول والثانى أمام محكمة مصر الابتدائية الدعوى رقم 1929 سنة 1943 كلى على وزارة الأوقاف وباقى المطعون ضدهم وقالا بصحيفتها المعلنة فى 13 من مارس سنة 1943 إن ملكية المنزل المذكور قد آلت إليهما بطريق الشراء من على إبراهيم أحمد الطباخ وأخيه محمد إبراهيم أحمد الطباخ المطعون ضدهما الثالث والرابع وذلك بموجب عقد بيع رسمى مؤرخ فى 31 من ديسمبر سنة 1942 ومسجل فى 16 من فبراير سنة 1943 بثمن قدره 220 ج وكانت الملكية قد انتقلت إلى هذين الأخيرين بطريق الشراء من الست زينب محمد عطية الأعصر المطعون ضدها الخامسة بموجب عقد بيع مؤرخ فى 28 من مارس سنة 1942 ومسجل فى 23 من أبريل سنة 1942 بثمن قدره 200 ج وإلى هذه بطريق الشراء من ورثة المرحوم محمد أفندى مراد المطعون ضدهم الثلاثة الأخيرين بموجب عقدين مؤرخين فى 29 من مايو سنة 1940 و17 من يوليه سنة 1940 ومسجلين فى 26 من يوليه سنة 1940 و16 من سبتمبر سنة 1940 بثمن قدره 132 ج. وإذ آلت الملكية إلى المدعيين على هذا النحو فقد طلبا الحكم أصلياً بتثبيت ملكيتها للمنزل المحكوم بنزع ملكيته خالياً من كل حق للغير، واحتياطياً بإلزام باقى المطعون ضدهم متضامنين بأن يدفعوا لهما مبلغ 400 ج قيمة الثمن والتعويضات وفوائد هذا المبلغ بسعر 5% سنوياً من تاريخ المطالبة الرسمية لحين الوفاء.
وقد دفعت وزارة الأوقاف هذه الدعوى بأن لها بوصف كونها دائنة لتركة المرحوم محمد أفندى مراد حقاً عينياً على التركة يخول لها استيفاء دينها من أعيانها فى يد أى إنسان، وأن تصرف الورثة فى التركة قبل استيفائها الدين مقيد بقاعدة أن لا تركة إلا بعد وفاء الدين، ولكن المحكمة لم تأخذ بهذا الدفاع وقالت إن التفسير الصحيح لهذه القاعدة هو أن التركة تدخل فوراً بالوفاة فى ملك الوارث محملة بديون المورث بحيث يكون الوارث مسئولاً عن هذه الديون كما لو كان المورث نفسه على قيد الحياة، وأن حق الدائن على التركة لا يمكن أن تتغير طبيعته بوفاة المورث فينقلب حقاً عينياً بل يظل حقاً شخصياً يزول بخروج التركة من يد الوارث إلى يد شخص حسن النية عمل على صيانة حقه وحافظ عليه بالتسجيل. وبناءً على ذلك حكمت المحكمة فى 17 من فبراير سنة 1944 بتثبيت ملكية المطعون ضدهما الأول والثانى إلى المنزل المبين الحدود والمعالم بصحيفة الدعوى خالياً من كل حق للغير وألزمت الطاعنة بالمصاريف.
استأنفت الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر وطلبت بصحيفة استئنافها المعلنة فى 22 من مايو سنة 1944 إلغاءه والقضاء برفض دعوى المطعون ضدهما الأول والثانى وإلزامهما بالمصاريف. واستندت الطاعنة فيه إلى خطأ المحكمة الابتدائية فى تأويل قاعدة أن لا تركة إلا بعد وفاء الديون متمسكة بما أبدته فى دفاعها أمام تلك المحكمة فى صدد تأويل هذه القاعدة. ثم أضافت إلى ذلك فى المذكرة المقدمة منها إلى محكمة الاستئناف أنها تتمسك أيضاً من باب الاحتياط بدعوى إبطال التصرف وأساسها المادة 143 من القانون المدنى التى تنص على أن للدائنين فى جميع الأحوال حق طلب إبطال الأفعال الصادرة من مدينيهم بقصد ضررهم.
ومحكمة الاستئناف حكمت فى 17 من مارس سنة 1945 بتأييد الحكم المستأنف وإلزام الطاعنة بالمصاريف، وذلك بناءً على ما قالته من أن هذا الحكم فى محله للأسباب التى بنى عليها وأن ما أثارته وزارة الأوقاف عن دعوى إبطال التصرف لحصوله إضراراً بها فى غير محله، لأن أساس الحكم بالبطلان لهذا السبب أن يتوفر سوء القصد لدى المشترى أيضاً وهو ما لم تقل به وزارة الأوقاف فضلاً عن أنه لم يقم عليه دليل.
أعلنت الطاعنة بهذا الحكم فى أول يوليه سنة 1945 فطعنت فيه بطريق النقض الخ الخ.


المحكمة

وحيث إن الطعن أقيم على خمسة أسباب محصل الثلاثة الأول منها أن الحكم المطعون فيه إذ نفى حق الطاعنة فى تتبع أعيان تركة مدينها بعد وفاته لاستيفاء دينها منها حيث وجدت يكون قد خالف أحكام الشريعة الإسلامية التى هى القانون الواجب التطبيق فى مسائل المواريث، من ناحية تحديد الحقوق التى تتعلق بالتركة والترتيب بينها، ومن ناحية تعلق حق كل من الدائن والوارث بالتركة وحكم تصرف الوارث فى أعيانها قبل وفاء الدين.
وحيث إن الشريعة الإسلامية فى الديار المصرية كانت هى القانون فى دعاوى الحقوق كافة وفى مسائل الأحوال الشخصية إلا ما استثنى منها بالنسبة إلى غير المسلمين، وكان مذهب أبى حنيفة هو المذهب المعمول به منذ الفتح الإسلامى إلى أن بدأ التنظيم القضائى فى مصر فصدرت فى 14 من يونيو سنة 1883 لائحة بترتيب المحاكم الأهلية، ثم صدر فى 28 من أكتوبر سنة 1883 القانون المدنى بأحكام الأموال والالتزامات والعقود المعينة وحقوق الدائنين. وقد ورد فى المادة 15 من لائحة الترتيب: "تحكم المحاكم المذكورة فيما يقع يبن الأهالى من دعاوى الحقوق مدنية كانت أو تجارية…." وفى المادة 16: "ليس للمحاكم المذكورة أن تنظر فى المنازعات… ولا فى المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف ولا فى مسائل الأنكحة وما يتعلق بها من قضايا المهر والنفقة وغيرها ولا فى مسائل الهبة والوصية والمواريث وغيرها مما يتعلق بالأحوال الشخصية…." وهى المسائل التى بقيت فى اختصاص المحاكم الشرعية التى كان قد صدر بلائحة ترتيبها أمر عال فى 17 من يونيو سنة 1880. وقد نصت المادة 280 من تلك اللائحة المعدلة بالقانون رقم 24 لسنة 1920على أنه: "يجب أن تكون الأحكام بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة…". ولما تعرض القانون المدنى لأسباب اكتساب الملكية فى المادة 44 ذكر الميراث بينها، ثم عقد له الفصل الثالث من الباب الثانى لكنه لم يورد به إلا المادتين 54 و55 وأولاهما تجعل "الحكم فى المواريث على حسب المقرر فى الأحوال الشخصية المختصة بالملة التابع لها المتوفى" والأخرى تنص على أن "تراعى فى أهلية الموصى لعمل الوصية وفى صيغتها الأحكام المقررة لذلك فى الأحوال الشخصية المختصة بالملة التابع لها الموصى" ولم يقصد الشارع بهاتين المادتين إلا وضع القاعدة فى حالة تنازع الشرائع الأجنبية الواجب تطبيقها على مسائل الميراث والوصية الخاصة بالأجانب إذا تعرضت المحاكم الأهلية للفصل فيها بصفة فرعية. يدل على ذلك النص الفرنسى للمادة 54 إذ تقول:"le statut personnel du défunt" وللمادة 55 إذ تقول: "le statut personnel du testateur". وأكد ذلك القانون رقم 26 لسنة 1944 الذى صحح عبارتى المادتين 54 و55 دون أن يغير معناهما بأن استبدل بقول أولاهما: "الأحوال الشخصية المختصة بالملة التابع لها المتوفى" وبقول الأخرى: "الأحوال الشخصية المختصة بالملة التابع لها الموصى" قوله "قانون بلد المتوفى" و"قانون بلد الموصى". وفيما عدا هذه القاعدة لتنازع القوانين من الناحية الدولية فإن القانون المدنى لم يضع للميراث فيما يخص المصريين أية أحكام شكلية أو موضوعية. ويؤخذ من تلك النصوص أن الشارع إذ أخضع دعاوى الحقوق للقانون المدنى وجعلها من اختصاص المحاكم الأهلية، فإنه أبقى المواريث خاضعة للشريعة الإسلامية تقضى فيها المحاكم الشرعية بصفة أصلية طبقاً لأرجح الأقوال فى مذهب الحنفية، فإن تعرضت لها المحاكم الأهلية بصفة فرعية كان عليها أن تتبع نفس المنهج. ثم صدر القانون رقم 77 لسنة 1943 مقنناً أحكام الإرث فى الشريعة الإسلامية فلم يغير الوضع السابق بل أكده وأعقبه القانون رقم 25 لسنة 1944 فنص صراحة على أن "قوانين الميراث والوصية وأحكام الشريعة الإسلامية فيهما هى قانون البلد فيما يتعلق بالمواريث والوصايا بالنسبة إلى المصريين كافة من مسلمين وغير مسلمين، على أنه إذا كان المتوفى غير مسلم جاز لورثته طبقاً لأحكام الشريعة الغراء الاتفاق على أن يكون التوريث طبقاً لشريعة المتوفى".
وحيث إنه إن كان الرجوع إلى الشريعة الإسلامية بوجه عام وإلى أرجح الآراء فى فقه الحنفية بوجه خاص متعيناً بالنسبة إلى حقوق الورثة فى التركة المدينة ومدى تأثرها بحقوق دائنى المورث باعتبار ذلك من أخص مسائل المواريث فإن القانون المدنى – لا الشريعة الغراء – هو الذى يقرر حكم تصرف الوارث فى التركة المدينة – باعتبار هذا التصرف عقداً من العقود – على أساس ما خولته الشريعة للوارث من حقوق.
وحيث إن محل وفاء الدين العادى عند الحنفية هو ذمة المدين، فلا تعلق له بماله ما لم يحجر عليه بسبب دينه أو يصب بمرض موت فيتعلق الدين به. والأصل عندهم أن الذمة تخرب بوفاة المدين فينقضى الدين، ما لم يخلف المدين تركة أو يكن له كفيل فتقوى بهما الذمة وتستمر من الوفاة حتى يوفى الدين أو يتنازل عنه ربه. ثم إن الوفاة عن تركة يترتب عليها تعلق حق الدائن بالتركة كلها تعلق دين الرهن بالمرهون، وهذا لا يمنع أن يتعلق بها أيضاً حق الوارث، كل على معنى، فتعلق حق الدائن إنما يكون بمالية التركة، بمعنى أنه يستوفى دينه من أموالها كما يستوفى الدائن برهن دينه من العين المرهونة، لا يحول دون ذلك وصية ولا ميراث؛ وتعلق حق الوارث إنما يكون بأعيان التركة بمعنى أنه يؤدى إليه منها ما يبقى بعد سداد الدين شأن الوارث فى ذلك شأن مورثه أثناء مرض الموت. وقد رتب فقهاء الحنفية على استمرار الذمة بعد الوفاة وعلى تعلق الدين بالتركة أن للميت حاجة إلى قضاء دينه من تركته فيجب أن يبقى على ملكه ما يقوم بحاجته هذه. ومن ثم لا خلاف بينهم فى أن التركة إذا كانت مستغرقة بالدين فإنها تكون كلها مشغولة بحاجة المتوفى فتبقى جميعها على ملكه بعد موته ولا ينتقل شئ منها إلى الورثة. وهم يستدلون على ذلك بقوله تعالى فى آية المواريث من سورة النساء: "من بعد وصية يوصى بها أو دين" وبتكراره هذا المعنى فى أربعة مواضع عقب بيان ما فرضه لكل وارث من نصيب فى التركة. وبمقتضى ذلك أن لا نصيب له فيها إلا بعد وفاء الدين. أما إذا كانت التركة غير مستغرقة بالدين فهنا الخلاف. ففريق لا يفرق بينها وبين التركة المستغرقة فى الحكم أخذاً بمطلق نص الآية، وآخر يرى أنه لا ينتقل من أموال التركة إلى الوارث إلا ما زاد على مقدار الدين، وثالث يقول بأن الدين غير المستغرق للتركة لا يمنع من تملك الوارث لجميع أموالها فتنقل ملكيتها له متعلقاً بها حق الدائن مقدماً على حق الوارث وعلى حقوق من يتصرف فيها، وحكم التركة فى ذلك حكم الأعيان المرهونة إذا تصرف فيها المدين الراهن، وحجة هذا الفريق أن التركة تزيد على الدين وهى مع ذلك لم تشغل جميعها بحاجة المتوفى، ثم إن تعلق حق الدائن بها على الوجه السابق يضمن له استيفاء دينه من التركة فى يد الوارث أو فى يد من يتصرف له فيها. ومن ثم فليس ما يمنع أن تنتقل إلى الوارث كلها مشغولة بحق الدائن. وهذا هو أرجح الأقوال فى مذهب أبى حنيفة. وحاصل ما تقدم أن التركة عند الحنفية، مستغرقة كانت أو غير مستغرقة، تنشغل بمجرد الوفاة بحث عينى لدائنى المتوفى يخول لهم تتبعها واستيفاء ديونهم منها بالتقدم على سواهم ممن تصرف لهم الوارث أو من دائنيه.
وحيث إن عدم انتقال التركة المستغرقة إلى الوارث حتى يوفى الدين أو يتركه ربه – بإجماع الرأى عند الحنفية – وانتقال التركة غير المستغرقة إلى الوارث متعلقاً بها حق الدائن – على أرجح الأقوال عندهم – وانشغال التركة فى الحالين بحق عينى للدائن توافرت فيه خصيصتا التتبع والتقدم – كل ذلك هو القانون الواجب على المحاكم الأهلية تطبيقه إذا تعرضت للفصل فى مسائل المواريث بصفة فرعية. ولا يحول دون ثبوت هذا الحق العينى لدائن التركة التعلل بأن الحقوق العينية فى القانون المدنى وردت على سبيل الحصر، وبأن حق الدائن هذا من نوع الرهن القانونى الذى لم يرد فى التشريع الوضعى. ذلك لأن عينية الحق مقررة فى الشريعة الإسلامية، وهى على ما سبق القول القانون فى المورايث. وهذا النظر قد أقره الشارع فى القانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بتنظيم الشهر العقارى والمعمول به من أول يناير سنة 1947 فيما نصت عليه المادة 14 من وجوب التأشير بالمحررات المثبتة لدين من الديون العادية على المورث فى هامش تسجيل إشهادات الوراثة أو الأحكام النهائية أو غيرها من السندات المثبتة لحق الإرث وقوائم جرد التركة إذا اشتملت على حقوق عينية عقارية، ومن أن هذا التأشير إذا تم قبل ذلك التسجيل يخول الدائن "الاحتجاج بحقه على كل من تلقى من الوارث حقاً عينياً عقارياً وقام بشهره قبل هذا التأشير". وفيما ورد فى مذكرته الإيضاحية من أن النص المشار إليه يرمى إلى "تنظيم القاعدة المعروفة التى تقضى بأن لا تركة إلا بعد وفاء الديون وتخول دائن التركة أن يتتبع أعيانها لاستيفاء حقه منها بطريق الأفضلية على الوارث ومن يتعامل معه".
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ اعتبر المنزل المخلف عن مدين الطاعنة ملكاً خالصاً للمطعون ضدهما الأول والثانى يكون قد أهدر حقها فى تتبعه بالتنفيذ تحت أيديهما خلافاً للقانون، ومن ثم يتعين نقضه فى هذا الخصوص بغير حاجة إلى التعرض للسبب الرابع القائم على افتراض عدم قبول الأسباب الثلاثة الأول.
وحيث إن موضوع الطلب الأصلى فى هذا الشأن صالح للفصل فيه.
وحيث إن الطاعنة مسلمة فى تقرير الطعن بأن تركة مدينها غير مستغرقة بالدين، ومتى كان ذلك كذلك فإن ملكية منزله وإن انتقلت بالميراث إلى ورثته ومنهم إلى المطعون ضدهما الأول والثانى بتصرفات متتالية فإنها تنتقل إليهما مثقلة بحق الطاعنة. ومن ثم يتعين إلغاء الحكم الابتدائى بالنسبة إلى قضائه بخلو هذا المنزل من كل حق للغير ورفض دعوى المطعون ضدهما الأول والثانى بالخلو. وبناءً على ذلك تنتفى مصلحة الطاعنة فى دعوى إبطال التصرف، وبالتالى فى التحدى بالسبب الخامس للطعن، وتقوم مصلحة المطعون ضدهما الأول والثانى فى الطلب الاحتياطى.


[(1)] تنص الفقرة الأولى من المادة 875 من القانون المدنى الجديد على أن "تعيين الورثة وتحديد أنصبائهم فى الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسرى فى شأنها أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة فى شأنها".
وتنص المادة 915 على أنه "تسرى على الوصية أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة فى شأنها".
[(2)] يلاحظ ما استحدثه قانون تنظيم الشهر العقارى رقم 114 لسنة 1946 فى المادتين 13 و14 من شهر حق الإرث وتسجيل قوائم جرد التركة والتأشير عليها بالمحررات المثبتة لديون عادية وأثر هذا التأشير فى الاحتجاج بالحقوق على من يتلقى من الوارث حقوقا عينية.
ويلاحظ كذلك ما استحدثه القانون المدنى الجديد من أحكام تتعلق بجرد التركات وتسوية ديونها فى المواد 883 وما يليها و891 وما يليها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات