الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 11 سنة 16 ق – جلسة 23 /01 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 317

جلسة 23 من يناير سنة 1947

برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتى الجزايرلى بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.


القضية رقم 11 سنة 16 القضائية

أ – وقف. علاقاته الحقوقية بالغير. خضوعها لأحكام القانون المدنى.
ب – وقف. ناظر الوقف. ليس له الاستدانة إلا بشروط معينة وإلا ضمن الدين من ماله، وليس له الإقرار بدين على الوقف فإن إقراره لا ينفذ على الوقف.
1 – الوقف له حكمان: حكم من حيث إنه نظام قائم له شخصية قانونية، وحكم من حيث علاقاته الحقوقية بالغير. فأما ماهيته وكيانه وأركانه وشروطه والولاية عليه وناظره ومدى سلطانه فى التحدث عنه والتصرف فى شئونه، وما إلى ذلك مما يخص نظام الوقف فهو على حاله خاضع لحكم الشريعة الإسلامية. وقد قنن الشارع بعض أحكامه بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية وأخيراً بالقانون رقم 48 لسنة 1946 فعلى المحاكم الأهلية إعمال موجب ذلك عند الاقتضاء فيما يعترضها من مسائله. أما العلاقات الحقوقية بين الوقف والغير فهى خاضعة لحكم القانون المدنى [(1)].
2 – إن الشريعة الإسلامية فى التعريف باختصاصات ناظر الوقف ومدى ولايته عليه بينت أنه ليس له الاستدانة إلا بشروط معينة. ولا الإقرار بدين على الوقف. ومن المقرر فى الاستدانة أن الناظر إذا استدان على الوقف بلا شرط من الواقف ولا إذن من القاضى مع تمكنه من الاستئذان ضمن الدين من ماله فلا يملك قضاءه من غلة الوقف [(2)]، والمقرر فى الإقرار أن إقرار الناظر بدين على الوقف لا يصح مطلقاً، فإن أقر وقع إقراره باطلاً لا عبرة به ألبتة ولا ينفذ على الوقف.


الوقائع

تتحصل وقائع الطعن فى أن السيدة زينب هانم محمد علام وقفت منزلاً كائناً بكوم الشيخ سلامة بالقاهرة آل النظر عليه إلى بنتها السيدة رقية أحمد حسنى التى وكلت المطعون ضده وهو زوج بنتها فى إدارة الوقف. وقد حصل أن نزعت ملكية المنزل الموقوف للمنافع العامة وبإذن المحكمة الشرعية فى 7 من نوفمبر سنة 1929 استبدل به المنزل رقم 6 شارع شرقى صائم الدهر بروض الفرج، وأودع خزانة المحكمة مبلغ 408 ج و593 م الذى بقى بعد الاستبدال من ثمن المنزل المنزوع ملكيته. وفى 26 من أغسطس سنة 1934 أذنت المحكمة الشرعية للناظرة بصرف هذا المبلغ فى إنشاء دورين وسطح على منزل الوقف على أن لا تصرف شيئاً زيادة على المبلغ المذكور إلا بعد الرجوع إلى المحكمة، وإذ لم يف المبلغ بمصاريف العمارة أذنت لها المحكمة فى 16 من نوفمبر سنة 1935 باستدانة مبلغ 170 ج لصرفه فى إتمام العمارة على الوجه المبين بتقرير الخبير المنتدب لتقدير ذلك. فاستدانت الناظرة مبلغ 118 ج من لويس جيلا ولتأخرها فى وفاء هذا الدين استصدر الدائن حكما بإقامته حارساً على عين الوقف التى بقيت تحت حراسته حتى استوفى دينه وانتهت حراسته.
وفى 21 من مارس سنة 1939 حصل المطعون ضده على ورقة من السيدة رقية أحمد حسنى بوصفه ناظرة على الوقف تقر فيها بأنها مدينة له فى مبلغ 271 ج و769 م مجموع ما صرفه فى شؤون الوقف وتتعهد بوفاء هذا الدين على أقساط شهرية مقدار كل قسط 5 جنيهات ابتداءً من أول أبريل سنة 1939 بحيث لو تأخرت عن دفع قسطين حل الدين جميعه وكان للدائن اتخاذ ما يراه من الإجراءات ضد الوقف للحصول على مطلوبه ومنها تعيينه حارساً على عينه. وقد رفع المطعون ضده على الناظرة الدعوى رقم 106 لسنة 1940 لدى قاضى الأمور المستعجلة بمحكمة مصر طلب فيها الحكم بتعيينه حارساًًًًً قضائياً على منزل الوقف. وبجلسة 15 من نوفمبر سنة 1939 قدم الطرفان محضر صلح مؤرخاً فى 9 من نوفمبر سنة 1939 باتفاقهما على تعيين المدعى المطعون ضده حارساً على الوقف ابتداءً من شهر يناير سنة 1940 حتى يستوفى دينه قبل الوقف وطلبا إحالة الدعوى على محكمة مصر للتصديق عليه فصدقت عليه فى 23 من يونيه سنة 1940.
فى 3 من ديسمبر سنة 1940 توفيت الناظرة وأقيم عبد العزيز بكير أفندى ناظراً على الوقف فرفع على المطعون ضده الدعوى رقم 1201 سنة 1941 مستعجل مصر وطلب فيها رفع الحراسة على منزل الوقف ولكنه توفى فشطبت الدعوى. وفى 2 من أغسطس سنة 1941 أقيمت الطاعنة ناظرة بعده على الوقف وجددت الدعوى فى 8 من سبتمبر سنة 1941 بناءً على أن الناظرة السابقة ما كانت تملك الإقرار بالدين على الوقف فيكون الاتفاق على الحراسة باطلاً. وفى 29 منه قضت المحكمة برفضها وأقيم الحكم على أن الحراسة المطلوب رفعها اتفاقية تقررت بمحضر صلح فليس للطاعنة أن تطلب رفعها قبل إبطال محضر الصلح من المحكمة الموضوعية المختصة.
وفى 15 من نوفمبر سنة 1941 رفعت الطاعنة الدعوى رقم 261 سنة 1942 مستعجل مصر على المطعون ضده طالبة الحكم باستبدالها به وتعيينها حارساً على منزل الوقف حتى يفصل فى دعوى الموضوع التى سترفعها ببطلان الصلح، وأسست دعواها على أنه أخل بواجبه فى الحراسة، وفى 15 من ديسمبر سنة 1941 قضت المحكمة برفضها وأقيم الحكم على أن الطاعنة لم تقدم دليلا على الخيانة ولا سوء الإدارة.
وفى 27 من يناير سنة 1942 رفعت الطاعنة على المطعون ضده الدعوى رقم 608 سنة 1942 كلى أمام محكمة مصر الابتدائية طالبة بطلان محضر الصلح المصدق عليه فى الدعوى رقم 130 سنة 1940 كلى مصر مع مشتملاته كافة بما فيها الدين المقر به على الوقف والحراسة التى ترتبت على عينه. وفى 4 من ديسمبر سنة 1943 قضت المحكمة برفض الدعوى.
وفى 23 من يوليو سنة 1944 رفعت الطاعنة استئنافاً عن هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طلبت فيه إلغاءه والحكم بطلباتها المقدمة إلى محكمة أول درجة. وفى 21 من أكتوبر سنة 1945 قضت محكمة الاستئناف برفضه وتأييد الحكم المستأنف.


المحكمة

ومن حيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم أنه جاء مخالفاً للقانون إذ أن المحكمة قد أغفلت الأساس الذى بنيت عليه الدعوى – وهو أن الإقرار بمديونية الوقف الذى أسس عليه محضر الصلح قد وقع باطلاً، لأن ناظر الوقف لا يملك الاستدانة على الوقف إلا بإذن القاضي، ولا يصح إقراره بدين على الوقف – فلم تجر عليه حكم القانون الذى يقضى ببطلان هذا الإقرار وما ترتب عليه، ولكنها نقلت الدعوى إلى أساس آخر هو أن المبالغ التى تضمنها الإقرار مؤيدة بالمستندات، وأنه لا يصح للوقف أن يستفيد من مال غيره بلا مقابل، وعلى ذلك قضت بصحة الإقرار ورفض الدعوى.
ومن حيث إن الدعوى قد أقيمت على أساس أن محضر الصلح الحاصل بين المطعون ضده وناظرة الوقف السابقة والمؤسس على إقرارها بمديونية جهة الوقف له قد وقع باطلاً، لأن ناظر الوقف لا يملك الإقرار بالدين على جهة الوقف وليس له الاستدانة على الوقف إلا بإذن القاضى.
ومن حيث إن الشارع لما أنشأ المحاكم الأهلية وقنن لها الأحكام التى تعمل بها فى قضائها نص فى لائحة ترتيبها على خروج المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف من اختصاصها، وتحدث فى القانون المدنى عن أنواع الأموال فعد منها الأموال الموقوفة مكتفياً فى هذا وذاك بالإشارة إلى وجود الوقف دون أن يضع له نظاماً من عنده فى قوانينه الوضعية، فهو بذلك يكون قد دل على أن الوقف فى عرفه هو الوقف كما هو فى الشريعة الإسلامية التى كانت هى القانون المعمول به قبل وضع القانون المدنى. ولما كان الشارع لم يستثن المسائل غير المتعلقة بأصل الوقف والتى خص بها المحاكم الأهلية من حكم القانون المدنى فإن هذا القانون يكون هو الواجب العمل به فيها كما فى غيرها من دعاوى الحقوق. وحاصل ذلك أن الوقف له حكمان: حكم من حيث إنه نظام قائم له شخصية قانونية وحكم من حيث علاقاته الحقوقية بالغير. فأما ماهيته وكيانه وأركانه وشروطه والولاية عليه وناظره ومدى سلطانه فى التحدث عنه والتصرف فى شؤونه، وما إلى ذلك مما يخص نظام الوقف، فهو على حاله خاضع لحكم الشريعة الإسلامية. وقد قنن الشارع بعض أحكامه بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية وأخيراً بالقانون رقم 48 لسنة 1946. وعلى المحاكم الأهلية إعمال موجب ذلك عند الاقتضاء فيما يعترضها من مسائله. وأما العلاقات الحقوقية بين الوقف والغير فهى خاضعة لحكم القانون المدنى.
ومن حيث إن الشريعة فى التعريف باختصاصات ناظر الوقف ومدى ولايته عليه بينت أنه ليس له الاستدانة إلا بشروط معينة ولا الإقرار بدين على الوقف. ومن المقرر فى الاستدانة أن الناظر إذا استدان على الوقف بلا شرط من الواقف ولا إذن من القاضى مع تمكنه من الاستئذان ضمن الدين من ماله فلا يملك قضاءه من غلة الوقف، وأن إنفاق الناظر من مال نفسه فى لوازم الوقف وعمارته الضرورية ليس استدانة فله الرجوع به فى غلة الوقف ولو بلا أمر القاضى، وعمارة مأذون الناظر كعمارة الناظر توجب الرجوع. والمقرر فى الإقرار أن إقرار الناظر بدين على الوقف لا يصح مطلقاً، فإن أقر وقع إقراره باطلاً لا عبرة به ألبتة ولا ينفذ على الوقف.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه مؤسس على أن إقرار الناظر بمديونية الوقف يكون صحيحاً ونافذاً على الوقف متى شهدت له الوقائع والمستندات. ولما كان حكم إقرار الناظر بدين على الوقف هو – على ما سبق إيراده – أنه باطل بطلاناً أصلياً، فكان المتعين على المحكمة أن تقضى ببطلانه هو وما ترتب عليه. أما إذ هى لم تفعل وأنفذته على الوقف، فإن حكمها يكون مخالفاً للقانون ويتعين نقضه بلا حاجة إلى النظر فى باقى أسباب الطعن. ولا يشفع للحكم أن يكون قد تعرض لقاعدة عدم جواز الإثراء على حساب الغير وقال بسريان حكمها على الوقف، فإن ذلك محله أن يكون المتمسك بها مستعملاً لحقه فى الرجوع على الوقف بما أنفق رافعاً به الدعوى أو دافعاً دعوى الوقف ببراءة ذمته منه. أما والدعوى ليست إلا مجرد بطلان محضر صلح لابتنائه على إقرار باطل فلا مجال لتلك القاعدة فيها، إذ لا جدوى لها فى دفعها إذ هى ليس من شأنها أن تصحح الباطل.
ومن حيث إن الدعوى صالحة للحكم فيها.
ومن حيث إنه لما كان محضر الصلح المطلوب بطلانه هو وما اشتمل عليه من مديونية الوقف وقبول الحراسة على عينه مؤسساً على إقرار ناظرة الوقف السابقة بدين على الوقف، ولما كان هذا الإقرار باطلاً وكان ما بنى على الباطل باطلاً كذلك، فإن دعوى الطاعنة تكون فى محلها ويكون متعيناً إلغاء الحكم الابتدائى الصادر برفضها. هذا والمطعون ضده وشأنه فى رفع دعوى بالرجوع بما يقول إنه أفاد الوقف بما أنفقه فى لوازمه وعمارته الضرورية.


[(1)] راجع بهذا المعنى الحكم الصادر فى ذات الجلسة فى القضية رقم 106 سنة 15 المنشور بهذا الجزء تحت رقم 141 بصفحة 305.
[(2)] قد فرق الحكم بين الاستدانة التى لا تصح إلا بإذن القاضى وبين إنفاق الناظر من مال نفسه فى لوازم الوقف وعمارته الضرورية، وقال إن للناظر الرجوع فى غلة الوقف بما أنفقه من ذلك ولو بغير إذن القاضى، وإن عمارة مأذون الناظر كعمارة الناظر توجب الرجوع.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات