الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 106 سنة 15 ق – جلسة 23 /01 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 305

جلسة 23 من يناير سنة 1947

برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتى الجزايرلى بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.


القضية رقم 106 سنة 15 القضائية

وقف. النزاع فى لزوم عقد الإيجار بدعوى الغبن فيه. خضوعه للقانون المدنى. الغبن لا يفسد الإيجار فى القانون. هذا النزاع لا شأن له بولاية الناظر على الوقف.
إن النزاع فى لزوم إجارة الوقف بدعوى الغبن هو بطبيعته نزاع مدنى صرف يخضع لحكم القانون المدنى، والإيجار لا يفسده الغبن فى هذا القانون [(1)]. ذلك بأنه كلما كان مدار البحث فى صدد الوقف هو القانون الواجب التطبيق فالتفرقة واجبة بين الوقف من حيث ذاته وبين نشاطه فى ميدان التعامل. فأما المرجع فى تعرف ذات الوقف وتقصى مقوماتها فهو الشريعة الإسلامية، وأما متى وجد الوقف وبدا منه نشاط فى ميدان التعامل فباع أو ابتاع وآجر أو استأجر فشأنه فى هذا كله شأن أشخاص القانون كافة، حقيقيين كانوا أو اعتباريين، من حيث خضوعهم جميعاً لأحكام القانون المدنى دون الشريعة الإسلامية، إذ هذه الشريعة كانت فى مصر الشريعة العامة التى تحكم المعاملات وغيرها ثم استبدل بها القانون المدنى بالنسبة إلى المعاملات فأصبح هذا القانون وحده دونها هو الواجب التطبيق على كل ما هو داخل فى دائرة التعامل بقطع النظر عن طبيعة الأشخاص المتعاملين. والشارع المصرى فيما شرعه من أحكام عامة للعقود عند وضعه القانون المدنى قد نحا نحو الشرائع التى غلبت سلطان الإرادة، فجاء فى ذلك شبيهاً بالشريعة الإسلامية والشريعة الفرنسية من حيث إن الأصل عنده – كالأصل عندهما – أن الغبن ليس سبباً للطعن فى العقود، بيد أنه مع ذلك خالف هاتين الشريعتين فلم يورد كل ما أوردتاه من استثناء على هذا الأصل. والحالة الوحيدة المستثناة فى القانون المدنى هى حالة بيع عقار القاصر بغبن يزيد على خمس الثمن [(2)]، ومع ذلك فإنه لم يرتب للقاصر فى هذه الحالة حق نقض العقد بل رتب له الحق فى طلب تكملة الثمن مشترطاً إقامة الدعوى بهذا الحق فى غضون سنتين من وفاة البائع أو بلوغ القاصر سن الرشد وإلا سقط الحق فيه.
ثم إن المنازعة فى لزوم إجارة الوقف بدعوى الغبن الفاحش لا يصح اعتبارها منازعة فى ولاية الناظر على الوقف مما يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، لأن حكم ولاية الناظر على الإيجار – وفق ما هو مقرر فى الشريعة وفى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية معاً – هو أنه لا يملك الإيجار للمدة الطويلة إلا بإذن القاضى، مما يفيد أنه مستقل به فى الإيجار للمدة غير الطويلة، وإذا كانت الشريعة الإسلامية تقول بعدم لزوم عقد الإيجار المشوب بالغبن الفاحش، فإن ذلك ليس سببه أن ولاية الناظر فى الإيجار تنحل عنه حين يعقد العقد بالغبن، إذ تصرفه فى هذه الحالة، فى الرأى المختار، هو تصرف صادر من أهله فى محله، بل سببه أن الغبن فى ذاته سبب للفسخ.


الوقائع

تتحصل وقائع هذا الطعن فى أن وزارة الأوقاف المطعون ضدها عينت ناظرة على وقف أبى الأنوار السادات فى 10 من يناير سنة 1942، ومن بين أعيان هذا الوقف 124 ف و23 ط و8 س كانت تحت حراسة المسيو هانس أنجرخت بمقتضى حكم صادر من المحكمة المختلطة، وفى 30 من أبريل سنة 1942 آجر الحارس المذكور هذه الأطيان إلى مورث الطاعنين لمدة ثلاث سنوات من أول نوفمبر سنة 1942 بسعر 5 ج و800 م الفدان وفى 8 من يوليه سنة 1942 حكم بانتهاء الحراسة وتسليم أعيان الوقف إلى وزارة الأوقاف فأقامت على مورث الطاعنين أمام محكمة شبين الكوم الابتدائية الدعوى رقم 94 سنة 1943 كلى طالبة الحكم بفسخ عقد الإيجار وبتسليمها الأطيان وبإلزام المورث بأن يدفع أجر المثل وقدره 10 ج و500 م للفدان من أول نوفمبر سنة 1943 حتى التسليم على أساس أن الحارس آجر الأطيان للمورث بغبن فاحش على الوقف.
وفى 24 من يونيه سنة 1943 حكمت المحكمة بندب خبير زراعى لتقدير أجرة الأطيان وقت تأجيرها. وقد باشر الخبير مأموريته وقدم تقريره الذى ورد فيه أن أجرة المثل هى ثمانية جنيهات ولكن المحكمة أخذت بالعقد بناءً على أن تأجير الأرض بغبن فاحش لا يكون سبباً فى فسخ عقد الإيجار إلا إذا كان هناك غش أو تدليس من المؤجر والمستأجر، ولم يقم دليل على ذلك، وحكمت فى 30 من ديسمبر سنة 1943 برفض طلب الفسخ وبإلزام المورث بأن يدفع مبلغ 550 ج و793 م باقى إيجار سنة 1943 بعد أن خصمت له مبلغ 150 ج كان قد دفعها من الأجرة.
استأنفت الوزارة هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر طالبة تعديل الحكم إلى 1105ج و521 م باقى إيجار السنة المذكورة. وفى 31 من يناير سنة 1945 حكمت المحكمة على مقتضى تقرير الخبير بتعديل الحكم الابتدائى بإلزام الطاعنين بأن يدفعوا من تركة مورثهم مبلغ 816 ج و350 م تطبيقاً لأحكام الشريعة الإسلامية التى تقضى بأن يتم المستأجر بغبن فاحش أجر المثل.
أعلن هذا الحكم للطاعنين فى 26 من يونيه سنة 1945 فطعن فيه وكيلهم بطريق النقض الخ الخ.


المحكمة

وحيث إنه مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه خالف القانون إذ أعمل حكم الشريعة الإسلامية فاعتبر الغبن الفاحش سبباً لعدم لزوم عقد الإيجار – موضوع الدعوى – بالنسبة للأجرة المتفق عليها، فى حين أن الشريعة الإسلامية لا انطباق لها فى هذا الشأن، وأن القانون المدنى هو وحده الذى ينطبق عليه، وهو لا يجعل الغبن سبباً للمنازعة فى لزوم العقود كافة إلا فى حالة واحدة هى حالة بيع عقار القاصر.
وحيث إن القول فى الفقه الإسلامى بفساد إجارة الوقف بسبب الغبن إذا جاوز الخمس نقضاً فى أجر المثل إنما هو تفريغ من قول الفقهاء فى باب المعاملات إن الغبن لا يؤثر فى سلامة العقود ما لم يصاحبه تغرير إلا إذا كان فاحشاً ووقع على مال اليتيم أو الوقف أو بيت المال. ووجه هذا القول أن التصرف فى هذه الأنواع من الأموال يجب أن يكون فى دائرة المصلحة لها بحيث إذا لم يكن كذلك وكان فيه غبن فاحش وقع باطلاً عند البعض بناءً على أنه لا مجيز له عند مباشرته، وفاسداً عند البعض الآخر لصدور التصرف من أهله فى محله. وهذا الرأى هو المختار.
وحيث إن الشرائع الأخرى قد اختلفت نظرتها إلى الغبن، فمنها شرائع – كالقانون المدنى الفرنسى – غلبت سلطان الإرادة وحرية التعاقد فجاء الأصل فيها أن الغبن لا يؤثر فى سلامة العقود، ولم تستثن من هذا الأصل إلا عقوداً معينة اشترطت أن يبلغ الغبن فيها حداً من الجسامة، فكان معياره معياراً مادياً، الاعتبار فيه بمبلغ الغبن لا بحال المغبون. ووجهة هذه الشرائع أن عقود المعاوضة التى يجرى فيها الغبن هى عقود لازمة فوجب لكى تستقر المعاملات أن تصان عن الفسخ ولو أتيح لكل عاقد ناله غبن أن يفسخ عقده لصعب الإلزام بها ولجرى النزاع فى لزومها. ويقابل هذه الشرائع شرائع أخرى – كالقانون المدنى الألمانى وقانون الالتزامات السويسرى – غلبت عليها المذاهب الاشتراكية المتأثرة بمبادئ العدالة الاجتماعية فجعلت الغبن سبباً لإبطال العقود كافة، وجعلت معياره شخصياً العبرة فيه بحال العاقد، بحيث إذا دل هذا الحال على أنه إنما تعاقد تحت ضغط حاجة أو ضرورة أو كان غراً ناقص التجربة جاز له أن يتخذ من الغبن سبباً للطعن فى عقده.
وحيث إن الشارع المصرى فيما شرعه من أحكام عامة للعقود عند وضعه القانون المدنى قد نحا نحو الشرائع التى غلبت سلطان الإرادة فجاء فى ذلك شبيهاً بالشريعة الإسلامية والشريعة الفرنسية، من حيث إن الأصل عنده، كالأصل عندهما، أن الغبن ليس سبباً للطعن فى العقود بيد أنه مع ذلك خالف هاتين الشريعتين فلم يورد ما أوردتاه من استثناءات على هذا الأصل، إذ بينما الشريعة الإسلامية تستثنى العقود كافة متى كانت واقعة على مال الصغير أو الوقف أو بيت المال، وبينما القانون الفرنسى يستثنى عقود بيع العقار وقسمته وقبول الوارث تركة مورثه – بينما هاتين الشريعتان تبسطان رقعة الاستثناء على هذا النحو، إذا بالقانون المصرى يضيق من هذه الرقعة فلا يجعل فيها متسعاً إلا لحالة واحدة بعينها هى حالة بيع عقار القاصر بغبن يزيد على خمس ثمنه. ثم هو لم يرتب على الغبن فى هذه الحالة حق القاصر فى نقض العقد، بل رتب عليه فقط حقه فى طلب تكملة الثمن مشترطاً إقامة الدعوى بهذا الحق فى غضون سنتين من وفاة البائع أو بلوغه سن الرشد وإلا سقط الحق فيه.
وحيث إن القانون المدنى هو وحده الذى يحكم المعاملات المدنية فلا يخرج منها عن حكمه إلا ما أحال هو فيه على قانون آخر أو ما قصرت نصوصه عن تناوله فيرجع فيه إلى العرف وقواعد العدل. ولما كان النزاع فى لزوم عقد الإيجار بدعوى الغبن فيه – هو بطبيعته – نزاعاً مدنياً صرفاً فإنه يكون ولابد خاضعاً لحكم القانون المدنى.
وحيث إن هذا النظر قد يعترضه بادئ الرأى بالنسبة إلى إجارة الوقف أن الوقف نظام أوجدته الشريعة الإسلامية وقد أقره القانون المدنى دون أن يضع له أحكاماً من عنده فوجب الرجوع فيه إلى مصدره. وعلى فرض أن من مسائل الوقف ما هو داخل فى دائرة المعاملات التى انبسط عليها سلطان القانون المدنى فإن الولاية على الوقف ليست من هذه المسائل، وعدم جواز تأجير الوقف بأقل من أجر المثل هو قيد على ولاية الناظر فكان الرجوع فيه إلى الشريعة التى قررت هذه الولاية وعينت حدودها، ثم إن الواقف إذ يقف لا يريد أن يحكم وقفه إلا الشريعة التى نشأ فى ظلها نظام الوقف، فكان تطبيق أحكام شريعة أخرى منافياً إرادة الواقف، وهى إرادة حرية بأن توضع موضع الاعتبار.
ولكن حيث إنه كلما كان مدار البحث هو القانون الواجب التطبيق وجبت التفرقة بين الوقف من حيث ذاته وبين نشاطه فى ميدان التعامل، ذلك لأن الوقف فى ذاته هو ثمرة الفقه الإسلامى الذى أوجده وحدد ماهيته وعين مقوماته، ولما كان القانون المدنى قد نص فى المادة السابعة على أن الأموال الموقوفة هى "المرصدة على جهة بر لا تنقطع ويصح أن تكون منفعتها لأشخاص بشروط معلومة حسب المقرر باللوائح فى شأن ذلك" فقد دل بهذا النص على أن الوقف فى عرفه هو بذاته الوقف كما وضعته الشريعة الإسلامية، ومن ثم كانت هذه الشريعة وحدها هى المرجع فى تعرف هذه الذات وتقصى مقوماتها. أما إذا وجد الوقف وبدا منه نشاط فى ميدان التعامل فباع أو ابتاع وآجر أو استأجر فشأنه فى هذا كله شأن أشخاص القانون كافة، حقيقيين كانوا أو اعتباريين، من حيث خضوعهم جميعاً لأحكام القانون المدنى دون الشريعة الإسلامية، لأن هذه الشريعة كانت فى مصر الشريعة العامة التى تحكم المعاملات وغيرها ثم استبدل بها القانون المدنى بالنسبة إلى المعاملات، فأصبح هذا القانون، وحده دونها، هو الواجب التطبيق على كل ما هو داخل فى دائرة التعامل بقطع النظر عن طبيعة الأشخاص المتعاملين.
وحيث إن القول بأن المنازعة فى لزوم إجارة الوقف بدعوى الغبن الفاحش هى منازعة تثير بحثاً فى ولاية الناظر على الوقف ومن ثم كانت خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية – هذا القول مردود بأن حكم ولاية الناظر على إيجار الوقف هو أنه لا يملك الإيجار للمدة الطويلة وفق ما هو مقرر فى الشريعة الإسلامية وفى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية معاً إلا بإذن القاضى، مما يفيد أنه مستقل به فى الإيجار للمدة غير الطويلة، وإن كانت الشريعة الإسلامية تقول بعدم لزوم عقد الإيجار المشوب بالغبن الفاحش فإن ذلك ليس سببه أن ولاية الناظر فى الإيجار تنحل عنه حين يعقد العقد بالغبن، إذ تصرفه فى هذه الحالة فى الرأى المختار هو تصرف صادر من أهله فى محله كما سبق البيان، بل سببه أن الغبن فى ذاته سبب لفسخ العقود كافة متى كانت واقعة على مال القاصر أو الوقف أو اليتيم، مما لا دخل له فى ولاية الناظر.
وحيث إن القول بأن الواقف إذ يقف إنما يريد أن يكون الحكم للشريعة الإسلامية فى كل ما يتصل بوقفه، فإنه مردود بأن إرادة الواقف هذه – لو صحت – ليس من شأنها أن تبطل حكم القانون الذى أخضع الوقف فى معاملاته مع الغير لأحكام القانون المدنى.
وحيث إنه بناءً على ذلك يكون الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاءه بعدم لزوم عقد الإيجار بسبب الغبن المدعى به قد خالف القانون فوجب نقضه.
وحيث إن الموضوع صالح للحكم.
وحيث إنه لما تقدم من الأسباب يكون قضاء الحكم الابتدائى بعدم الاعتداد بالغبن الفاحش قضاءً سليماً ومن ثم يتعين تأييده.


[(1)] يلاحظ ما جاء فى الحاشية التالية.
[(2)] أورد القانون المدنى الجديد استثناءً آخر خاصاً بإيجار الوقف، فنص فى المادة 631 على أنه "لا تصح إجارة الوقف بالغبن الفاحش إلا إذا كان المؤجر هو المستحق الوحيد الذى له ولاية التصرف فى الوقف، فتجوز إجارته بالغبن الفاحش فى حق نفسه لا فى حق من يليه من المستحقين". ونص فى الفقرة الثانية من المادة 632 على أنه "إذا أجر الناظر الوقف بالغبن الفاحش وجب على المستأجر تكملة الأجرة إلى أجر المثل وإلا فسخ العقد". وذلك بعد أن نص فى الفقرة الثانية من المادة 630 على أنه يجوز للناظر تأجير الوقف لأصوله وفروعه على "أن يكون ذلك بأجر المثل".

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات