الطعن رقم 115 سنة 15 ق – جلسة 28 /11 /1946
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 260
جلسة 28 من نوفمبر سنة 1946
برياسة حضرة جندى عبد الملك بك وكيل المحكمة وحضور حضرات: أحمد نشأت بك ومحمد المفتى الجزايرلى بك وأحمد على علوبة بك وسليمان حافظ بك المستشارين.
القضية رقم 115 سنة 15 القضائية
مسئولية مدنية:
أ – مسئولية السيد عن فعل خادمه. مناطها. حادث وقع من موظف نتيجة عبثه بمسدس تسلمه
من الوزارة التى هو تابع لها بحكم وظيفته، مسئولية الوزارة عن تعويض الضرر الناشئ عنه.
ب – حكم. تسبيبه. إثبات. شهود. إيراد أسباب تصديق الشاهد أو عدم تصديقه. لا إلزام.
1 – إن القول بأن المادة 152 من القانون المدنى إذ نصت على مسئولية السيد عن فعل خادمه
قد جاءت استثناءً من الأصل المقرر بالفقرة الأولى من المادة 151 [(1)]
التى بمقتضاها لا يسأل الإنسان إلا عن فعله هو قول لا سند له من النص ولا من علته التشريعية،
بل القول الحق هو أن مسئولية السيد أساسها خطؤه بسوء اختيار من عهد إليهم بخدمته وبتقصيره
فى مراقبتهم. وهذه المادة ليست إلا تطبيقاً خاصاً لقواعد المسئولية الشخصية، إلا أن
الشارع قد أراد أن يجعل من خطأ الخادم قرينة قاطعة على خطأ سيده فلم يغنه عموم نص المادة
151 [(2)].
والمادة 152 إذ تقرر مسئولية السيد عن "الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان واقعاً
منهم فى حال تأدية وظائفهم" قد عممت فلم تجعل المسئولية واجبة فقط عن الأضرار الناشئة
من تأدية الوظيفة نفسها بل جعلتها واجبة أيضاً عن الأضرار الناشئة عن كل فعل وقع حال
تأدية الوظيفة ولو لم يكن من أعمال الوظيفة ذاتها ولكن هيأه للخادم أداؤه الوظيفة [(3)]
بحيث لولا هذا الأداء ما كان هذا الفعل ليقع كما وقع. فإذا كان الضرر الذى وقع من الموظف
نتيجة عبثه بسلاح تسلمه بحكم وظيفته فالوزارة التى هو تابع لها مسئولة عن تعويض هذا
الضرر.
2 – الاطمئنان إلى أقوال شاهد وعدم الاطمئنان إلى أقوال آخر مرجعه إلى وجدان القاضى
فهو ليس ملزماً بإبداء أسباب تصديقه رواية دون أخرى [(4)].
الوقائع
أقام المطعون قبله بصفته الشخصية وبصفته ولى ابنه القاصر إبراهيم
الدعوى 809 سنة 1942 كلى بمحكمة مصر الابتدائية على الطاعنة وعلى محمود فتحى محمد الشافعى
أفندى الكونستابل ببوليس مديرية القليوبية طالباً الحكم عليهما بصفتيه بمبلغ 500 جنيه
على سبيل التعويض عن إصابته وابنه برصاصة انطلقت من مسدس الكونستابل الحكومى بإهماله
وعدم احتياطه أثناء وجوده بمنزلهما فى زيارة عائلية، من ذلك المبلغ 400 جنيه لشخص المدعى،
100 جنيه لابنه. وفى 5 من يوليو سنة 1943 قضت المحكمة بإلزام المدعى عليهما متضامنين
أن يدفعا إلى الطاعن بصفتيه مبلغ 70 جنيهاً منه 50 جنيهاً له شخصياً و20 جنيهاً له
بصفته ولياً على ابنه. وقد استأنفت الطاعنة هذا الحكم بالاستئناف الذى رفعته أمام محكمة
استئناف مصر واستأنفه الكونستابل محمود فتحى محمد الشافعى أفندى طالبين إلغاء الحكم
الابتدائى ورفض دعوى المطعون قبله واستأنفه هذا أيضاً طالباً تعديل الحكم والقضاء له
بطلباته الابتدائية. وبعد أن ضمت محكمة الاستئناف الاستئنافين الثانى والثالث إلى الأول
قضت فى 21 من مايو سنة 1945 بتأييد الحكم المستأنف لأسبابه ولأسباب أضافتها إليها.
لم تعلن الطاعنة بحكم الاستئناف لكنها طعنت فيه بالنقض الخ الخ.
المحكمة
وبما أن الطعن أقيم على أسباب ثلاثة: أولها أن الحكم المطعون فيه
أخطأ فى تفسير المادة 152 من القانون المدنى وفى تطبيقها. ذلك أن هذه المادة لا تلزم
السيد بتعويض عن أفعال خدمه الضارة إلا إذا وقعت منهم حال تأدية وظائفهم وهى استثناء
جاء على خلاف القاعدة العامة التى تجعل أساس المسئولية خطأ المسئول نفسه، والاستثناء
لا يجوز التوسع فيه. ولما كان مناط مسئولية السيد هو بصريح النص وقوع الخطأ من الخادم
حال تأدية وظيفته وكان الفعل المنسوب إلى الكونستابل وقع منه وهو لا يؤدى وظيفته، فإن
محكمة الموضوع إذ آخذت الوزارة بعمله، وفقاً للمادة 152، تكون قد أخطأت فى تطبيقها.
ولئن كان بعض الفقهاء والمحاكم قد توسع فى تطبيق هذه المادة فجعلها تتناول الأحوال
التى لا يقع فيها الفعل من الخادم حال تأدية الوظيفة إذا كان هو قد تجاوز حدودها أو
أساء استعمالها أو كان الفعل وقع منه بمناسبتها، فإن فى ذلك خطأ فى تفسير نص استثنائى
بما لا يحتمله. ثم إن هذا البعض قد اشترط ضمن ما اشترط لتطبيق المادة 152 على الأحوال
المذكورة توافر رابطة السببية بين الفعل والوظيفة، وهذا ما لم تهتم محكمة الموضوع باستظهاره
مكتفية فى أمره بقول قاصر عن إفادته. على أن أكثر الآراء تطرفاً فى توسيع مسئولية السيد
يقول بانعدامها إذا قام اتصال من لحقه الضرر بالخادم على أساس صفته الشخصية لا باعتباره
تابعاً، وزيارة الكونستابل لمنزل المطعون ضده لم يكن لها شأن بوظيفته. وكذلك تنعدم
مسئولية السيد إذا كان الباعث على الفعل غريباً عن الوظيفة، كما هو الحال فى واقعة
الدعوى، حيث كان الكونستابل يرهب الابن مداعباً بمسدسه لما ألحف هذا فى مطالبة والده
بنقود. والسبب الثانى يتحصل فى أن التحقيق الجنائى الذى جرى لمعرفة كيفية إصابة المطعون
قبله وابنه دل على أن الإصابة إما أن تكون نتيجة مقذوف نارى انطلق من خارج سكن المطعون
قبله وقت زيارة الكونستابل له أو أنه من مسدس الكونستابل والابن يعبث به بعد أن تجرد
حامله منه أثناء الزيارة، أو أنه من المسدس وهو فى يد صاحبه يرهب به الابن مداعباً
منعاً من إلحافه فى مطالبة والده بنقود. وقد اعتبرت محكمة الموضوع أن الإصابة وقعت
على هذه الصورة الأخيرة متبعة تصوير النيابة كما لو كان قرارها فى ذلك الشأن قضاءً
حائزاً لقوة الأمر المقضى، وذلك دون أن توازن بين مختلف الصور التى كانت مطروحة عليها
وترجح إحداها بناءً على أسباب من شأنها أن تؤدى إلى هذا الترجيح. وبذلك يكون حكمها
قاصر التسبيب.
وبما أن القول بأن المادة 152 من القانون المدنى إذ نصت على مسئولية السيد عن فعل خادمه
جاءت استثناءً من الأصل المقرر بالفقرة الأولى من المادة 151 الذى بمقتضاه لا يسأل
الإنسان إلا عن فعله هو قول ليس له سند من النص ولا من علة تشريعه. بل القول الحق هو
أن مسئولية السيد أساسها خطؤه بسوء اختيار من عهد إليهم بخدمته وبتقصيره فى مراقبتهم.
ومن ثم لا تكون المادة 152 إلا تطبيقاً خاصاً لقواعد المسئولية الشخصية، وقد كان يمكن
الاستغناء عنها بعموم نص المادة 151 لو لم يرد الشارع أن يجعل من خطأ الخادم قرينة
قاطعة على خطأ سيده. ومتى كان هذا مقرراً وجب تفسير هذه المادة بحيث يسرى حكمها على
كل حالة تتناولها عبارتها وفحواها.
وبما أن هذه المادة تقرر مسئولية السيد عن "الضرر الناشئ للغير عن أفعال خدمه متى كان
واقعاً منهم فى حالة تأدية وظائفهم". وتعميم النص على الأضرار الواقعة حال تأدية الوظيفة
دون قصره على الأضرار الناشئة من تأديتها لا يجعل مسئولية السيد قاصرة على أعمال الوظيفة
فحسب بل يجعلها شاملة لكل فعل ولو لم يكن من أعمال الوظيفة لكن هيأه للخادم أداؤها
بحيث لولا هذا الأداء ما كان الفعل يقع كما وقع. وإن كان هذا محل خلاف فى القانون الفرنسى
حيث تبدو الفقرة الثالثة من المادة 1384 من القانون المدنى إذ تقول:"…du dommage
cause par leurs domestiques est préposés dans les functions auxquelles ils les ont
employés" ضيقة المدى فأحرى بهذا الخلاف ألا يوجد فى القانون المصرى حيث تتسع المادة
152 بقولها:"… du dommage causé par ses serviteurs quand ce dommage a été causé
par eux en exercant leurs fonctions" لكل الأضرار الواقعة حال أداء الوظيفة، سواء
كانت ناشئة عن خطأ فى أعمال الوظيفة نفسها أو فى أعمال هيأها للخادم قيامه بالوظيفة
فى الحدود المرسومة من قبل.
وبما أن الحكم الابتدائى استخلص من تحقيق النيابة للحادث كيفية حصوله على الصورة التى
اقتنع بها قضاة الموضوع، قائلا إن الكونستابل محمود فتحى محمد الشافعى أفندى غادر بنها
إلى القاهرة فى مأمورية رسمية هى القبض على أحد المجرمين حاملاً مسدساً حكومياً كان
قد سلم إليه عند مغادرته بنها، وفى القاهرة زار ابنة خالته زوجة المطعون ضده، وفى أثناء
مجالسة الأسرة لزائرها فى غرفة الاستقبال طلب أحد أبناء المطعون ضده من والده نقوداً
فشهر الكونستابل مسدسه عليه ليرهبه مداعباً فانطلق منه خطأ مقذوف أصاب الغلام فى كتفه
الأيمن ووالده فى ساعده الأيسر، وخشى الكل مغبة الأمر على قريبهم فانعقدت نيتهم على
إخفاء حقيقة الواقع، وعاد الكونستابل إلى مقر عمله حيث أثبت فى دفتر الأحوال أن رصاصة
انطلقت من مسدسه عفواً، ثم سار تحقيق الحادث موجهاً فى أول الأمر إلى إلقاء تبعة المقذوف
على مجهول نسب إليه إطلاق النار من الطريق إلى أن أفشت فتحية ابنة المطعون ضده سر الحادث،
فقيدته النيابة ضد الكونستابل جنحة بالمادة 244 من قانون العقوبات وأرسلت أوراق التحقيق
إلى مديرية القليوبية لمجازاته إدارياً فجوزى بخصم مرتب سبعة أيام. وظاهر من ذلك أن
محكمة الموضوع كونت رأيها فى تصوير الحادث من التحقيق الذى كان بين يديها مصدقة برواية
فتحية عند مكذبة ما عداها من روايات اعتقدت أنها قيلت تنفيذاً لرغبة شهود الحادث فى
إخفاء حقيقته. ولما كان الاطمئنان إلى قول شاهد وعدم الاطمئنان إلى قول آخر مرجعه إلى
وجدان القاضى فليس هو ملزماً بإبداء أسباب تصديقه رواية دون أخرى. ولئن كان الحكم قد
انتهى إلى نفس التصوير الذى انتهت إليه النيابة من قبل فلا يعنى هذا أنه التزم قرارها
وتقيد به ولو أن بحثه قد أدى إلى النتيجة عينها.
وبما أن حكم الاستئناف وهو فى مقام الرد على دفع الطاعنة المسئولية عن نفسها بأن الكونستابل
فتحى وقت وقوع الحادث منه لم يكن يؤدى عمله لديها بل كان فى زيارة شخصية بحتة قال:
"إن الآلة النارية (المسدس) التى نشأت عنها الإصابة لم يتسلمها الكونستابل المذكور
من الوزارة إلا بحكم وظيفته، وبسبب وجود هذا المسدس معه كموظف استطاع أن يلهو به ويعبث
فى دار المصابين فيصوبه إليهما من غير أن يتحقق من خلوه من الرصاص، وهو عمل ينطوى على
رعونة وإهمال وعبث بما فى عهدته من سلاح يجعل الوزارة باعتبارها مخدومته مسئولة عن
نتائجه". وهذا يفيد أن أداء الوظيفة هو الذى هيأ للموظف الفعل الذى نشأ عنه الضرر.
ومتى كان ذلك كذلك فلا عبرة بالباعث الذى دفعه إلى فعلته. هذا وليس فى الواقع الذى
أثبته الحكم ما يفيد أن الضرر الذى لحق المطعون ضده وابنه وقع نتيجة الزيارة الشخصية
التى كان الكونستابل يؤديها لهما حتى يقال إن المطعون قبله وابنه كانا إذ ذاك على اتصال
بصفته الخاصة لا باعتباره تابعاً، بل إن الضرر وقع نتيجة عبث الموظف بسلاح فى عهدته
بحكم وظيفته فلا مفر للوزارة من المسئولية.
وبما أنه يبين مما تقدم أن الحكم المطعون فيه لم يخطئ فى تفسير المادة 152 من القانون
المدنى ولا فى تطبيقها، وأنه لم يقصر فى تسبيب قضائه، ومن ثم يكون مبدأ الطعن الأول
والثانى على غير أساس.
وبما أن السبب الثالث مبنى على أن الحكم فى تقديره للتعويض كان أيضاً قاصر التسبيب
معيب الإسناد. وذلك أن محكمة أول درجة قدرت التعويض على أساس أن المطعون ضده عولج عدة
أشهر وتكبد فى ذلك وفى معالجة ابنه مصروفات، ورغم أن الطاعنة تقدمت إلى محكمة الاستئناف
بشهادة من مستشفى الهلال الأحمر الذى عولج فيه المصابان تثبت أن مدة علاج أولهما لم
تتجاوز خمسة وعشرين يوماً والآخر لم تزد على ثمانية أيام، وأن المستشفى لم يتقاضهما
أجراً، فإن المحكمة أغفلت الرد على هذا المستند، وأيدت الحكم الابتدائى فى شأن التعويض
لأسبابه.
وبما أن المطعون ضده كان يطلب لنفسه ولابنه تعويضاً مقداره 500 جنيه وقد وصف حكم الدرجة
الأولى هذا التعويض بأنه مبالغ فيه، وقدر التعويض الذى رآه مناسباً للضرر الذى أصابهما
بمبلغ 70 جنيهاً، ثم استطرد قائلاً: "وقد تعالج المدعى الأول (يقصد المطعون ضده) عدة
أشهر وتكبد فى ذلك مصروفات كما تكبدها لأبنه أيضاً. وهذا الاستطراد فى القول – بعد
أن وزنت محكمة الموضوع الضرر وقدرت التعويض المكافئ له – هو من قبيل التزيد الذى يقوم
الحكم بدونه، ومن ثم يكون هذا السبب غير منتج وبالتالى غير مقبول.
[(1)] المادة 151 يقابلها فى القانون المدنى الجديد
المادتان 163 و173، والمادة 152 تقابلها المادة 174.
[(2)] أنظر فى هذا المعنى الحكم الصادر من الدائرة الجنائية فى 27
من مارس سنة 1930 (مجموعة القواعد القانونية جـ 2 رقم 14 ص 6) والحكم الصادر فى 7 من
نوفمبر سنة 1932 المجموعة المذكورة جـ 3 رقم 1 ص 1).
[(3)] أنظر فى هذا المعنى الحكم الصادر من الدائرة الجنائية فى 22
من مارس سنة 1937 (مجموعة القواعد القانونية جـ 4 رقم 62 ص 56).
[(4)] تقررت هذه القاعدة فى حكم سابق نشر فى هذا الجزء تحت رقم 100
بصفحة 218.
