الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 62 سنة 15 ق – جلسة 21 /03 /1946 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الخامس (عن المدة من 22 نوفمبر سنة 1945 لغاية 9 يونيه سنة 1949) – صـ 132

جلسة 21 من مارس سنة 1946

برياسة حضرة أحمد نشأت بك وحضور حضرات: محمد المفتى الجزايرلى بك وأحمد على علوبة بك وسليمان حافظ بك ومصطفى مرعى بك المستشارين.


القضية رقم 62 سنة 15 القضائية

بيع:
ا – خيار البائع. شروطه. وفاء البائع بما التزم به أو إظهار استعداده للوفاء. (المادة 332 مدنى)
ب – عربون. التعريف به. نية العاقدين هى التى يعول عليها فى إعطاء العربون حكمه القانون. استخلاص هذه النية. تفسير العقد بما تحتمله عباراته. سلطة محكمة الموضوع فى ذلك.
1 – إن الخيار المقرر للبائع فى المادة 332 من القانون المدنى شرطه أن يكون البائع قد وفىّ بما التزم به فى عقد البيع أو، على الأقل، أظهر استعداده للوفاء به. فإذا تحقق هذا الشرط وتأخر المشترى عن أداء الثمن كان البائع مخيراً بين طلب فسخ البيع وطلب إلزام المشترى بالثمن. أما حيث يكون البائع قد تخلف عما التزم به، فإن تخلفه هذا من شأنه أن يحول بينه وبين طلب الفسخ. ذلك بأن ما جاء بالمادة 332 من القانون المدنى ليس إلا تطبيقاً محضاً لقاعدة الشرط الفاسخ الضمنى التى تسرى على جميع العقود التبادلية [(1)]، ومن المقرر فى هذه القاعدة أن طلب الفسخ المؤسس على تقصير أحد العاقدين لا يكون حقاً للعاقد الآخر إلا إذا كان قد وفىّ بتعهده أو أظهر استعداده للوفاء به.
وعلى ذلك فإذا كان الواقع الذى أثبتته محكمة الموضوع أن البائع تخلف بغير عذر عن توقيع عقد البيع النهائى، فإن قضاءها برفض دعواه التى طلب فيها الفسخ تأسيساً على أنه قصر فى القيام بتعهده لا تكون فيه مخالفة للقانون.
2 – العربون هو ما يقدمه أحد العاقدين إلى الآخر عند إنشاء العقد، وقد يريد العاقدان بالاتفاق عليه أن يجعلا عقدهما مبرماً بينهما على وجه نهائى، وقد يريد أن يجعلا لكل منهما الحق فى إمضاء العقد أو نقضه. ونية العاقدين هى وحدها التى يجب التعويل عليها فى إعطاء العربون حكمه القانونى [(2)].
وعلى ذلك فإذا استخلص الحكم من نصوص العقد أن نية عاقديه انعقدت على تمامه، وأن المبلغ الذى وصف فيه بأنه عربون ما هو فى الواقع إلا قيمة التعويض الذى اتفقا على استحقاقه عند الفسخ المسبب عن تقصير أحد المتعاقدين فى الوفاء بما التزم به، وكان ما استظهرته محكمة الموضوع من نية المتعاقدين على هذا النحو تفسيراً للعقد تحتمله عباراته، فذلك يدخل فى سلطتها التقديرية التى لا تخضع فيها لرقابة محكمة النقض.


الوقائع

تتحصل وقائع هذا الطعن فى أن الطاعن أقام على المطعون ضدها الدعوى رقم 1096 سنة 1943 أمام محكمة مصر الابتدائية وطلب فيها الحكم بفسخ عقد البيع المبرم بينه وبينها والمؤرخ فى 11 من يونيه سنة 1942 واعتباره كأن لم يكن، وقال الطاعن فى صحيفة دعواه بياناً لطلبه وتأييداً له إنه يملك منزلاً كائناً بعطفة أمين إبراهيم بروض الفرج، وإنه بموجب العقد الذى سلف ذكره باع المنزل المذكور للمطعون ضدها نظير ثمن قدره 1050 ج دفعت منه وقت التعاقد 100 ج والتزمت بدفع الباقى عند تحرير العقد النهائى الذى اتفق الطرفان على تحريره فى 25 من يوليه سنة 1942 وإنه ذهب إلى محكمة الأزبكية فى هذا اليوم المعين لتحرير العقد النهائى ودفع باقى الثمن فلم يجد المدعى عليها وانتظرها طول هذا اليوم فى قلم كتاب المحكمة فلم تحضر، فأرسل لها تلغرافاً فى ذات اليوم سجل عليها فيه تأخيرها. وفى 27 من يوليه سنة 1942 وجه إليها إنذاراً أثبت فيه تأخيرها عن الوفاء بما التزمت به فى العقد الابتدائى، وضمن الإنذار تنبيهاً منه لها بأنه اعتبر عقد البيع المبرم بينهما مفسوخاً بسبب إخلالها بما تعهدت به فيه. ودفعت المطعون ضدها هذه الدعوى بأنها غير جدية، وأن رافعها لا يريد بها إلا التحلل من عقد البيع بعد أن ارتفعت أثمان العقارات، وأنها منذ تحرير عقد البيع انصرفت إلى الاستعداد لتحرير العقد النهائى فاستخرجت الشهادات العقارية اللازمة، أهلية وشرعية ومختلطة، وأعدت فعلا مشروع عقد رسمى نهائى بالبيع دفعت عنه فى قلم عقود محكمة مصر المختلطة رسماً قدره 54 ج و300 م وأنها أخطرت البائع ليحضر فى القلم المذكور يوم 25 من يوليه سنة 1942 ليوقع معها عقد البيع النهائى فلم يحضر فوجهت إليه إنذاراً فى 28 من يوليه سنة 1942 طلبت إليه فيه الحضور لنفس الغرض فى أول أغسطس سنة 1942 فلم يحضر أيضاً.
وفى 20 من ديسمبر سنة 1942 قضت محكمة مصر برفض دعوى الطاعن مع إلزامه بالمصاريف ومائتى قرش مقابل أتعاب محاماة مؤسسة قضاءها على أنه قد بان لها من ظروف الدعوى ووقائعها أن المطعون ضدها لم تقصر فى واجبها وأن التأخير فى تحرير العقد النهائى إنما جاء تعمداً بفعل الطاعن رغبة منه فى التحلل من تعهداته. وفى 9 من فبراير سنة 1944 استأنف الطاعن هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر وفيه طلب الحكم له بذات الطلبات التى تضمنتها صحيفة افتتاح دعواه. وفى 11 من مارس سنة 1945 قضت محكمة استئناف مصر بقبول الاستئناف شكلا وبرفضه موضوعاً وتأييد الحكم المستأنف مع إلزام المستأنف بالمصاريف الخ. وفى 4من أبريل سنة 1945 أعلن هذا الحكم للطاعن الخ الخ.


المحكمة

وحيث إن حاصل ما ينعاه الطاعن فى أوجه طعنه على الحكم المطعون فيه أنه: أولا – انصرف عن البحث فى هل يملك الطاعن حق الفسخ أولا يملك هذا الحق إلى البحث فى هل تخلف الطاعن عن القيام بتعهداته أو لم يتخلف، ورتب على ما رآه من تخلف الطاعن عن القيام بما تعهد به إهدار حقه فى طلب الفسخ، فى حين أن إخلال الطاعن بتعهداته إن صح أن يحمله التعويض الجزائى المتفق عليه فإنه لا يصح قانوناً أن يحرمه حقه فى طلب فسخ البيع متى كانت المشترية قد تأخرت عن دفع الثمن. ثانياً – إذ قضى برفض طلب الفسخ رغم تأخير المشترية فى أداء الثمن قد خالف حكم المادة 332 من القانون المدنى التى تخول للبائع الخيار بين طلب فسخ البيع وبين طلب إلزام المشترى بالثمن. ثالثاً – إذ اعتبر البيع موضوع الدعوى بيعاً تاماً منجزاً قد خالف القانون لأن البيع المذكور ليس إلا بيعاً بعربون، ومتى كان الأمر كذلك كان لكل من عاقديه حق نقضه متى شاء.
وحيث إن الطاعن عندما أقام دعواه بفسخ عقد البيع أسسها على أن المطعون ضدها أخلت بما التزمت به من دفع باقى الثمن فى يوم 25 من يوليه سنة 1942 وهو اليوم الذى عينه المتعاقدان لتحرير العقد النهائى. وقد دفعت الطاعنة الدعوى بأنها كانت حريصة على أن يتم البيع النهائى فى موعده فاستخرجت الشهادات العقارية اللازمة، وأعدت مشروع العقد النهائى ودفعت عنه الرسم المطلوب وكان ذلك كله قبل 25 من يوليه سنة 1942 وأن الطاعن هو الذى تخلف عن الحضور فى اليوم المذكور إلى قلم العقود بمحكمة مصر المختلطة كما تخلف عن الحضور إلى القلم المذكور فى يوم أول أغسطس سنة 1942 رغم تكليفه بذلك تكليفاً رسمياً بالإنذار الذى أعلن إليه فى 28 من يوليه سنة 1942.
وحيث إنه وقد كان كل من طرفى الخصومة يلقى على غريمه تبعة التخلف عن الحضور لتوقيع العقد النهائى فإن ما أجرته محكمة الموضوع من بحث ما سلفه كل من الطرفين تأييداً لوجهة نظره كان لازماً للفصل فى الدعوى وليس خارجاً عن نطاقها، خلافاً لما يدعيه الطاعن. وإذا كانت المحكمة قد استندت فى قضائها برفض دعوى الفسخ إلى أن الطاعن هو الذى تخلف عن الحضور لتوقيع العقد النهائى، وأنه بهذا التخلف قد أعاق المطعون ضدها عن أن تدفع إليه الثمن المطلوب منها… فإن قضاءها بذلك صحيح لا غبار عليه. وعلى ذلك يكون الوجه الأول من أوجه الطعن واجب الرفض.
وحيث إنه عن الوجه الثانى من أوجه الطعن فإن الخيار المقرر للبائع فى المادة 332 من القانون المدنى شرطه أن يكون البائع قد وفىّ بما التزم به فى عقد البيع أو أظهر استعداده للوفاء به على الأقل، فإذا تحقق هذا الشرط وتأخر المشترى عن أداء الثمن كان البائع مخيراً بين طلب فسخ البيع وطلب إلزام المشترى بالثمن، أما حيث يكون البائع قد تخلف عما التزم به من توقيع العقد النهائى فإن تخلفه هذا من شأنه أن يحول بينه وبين طلب الفسخ. ذلك لأن ما جاء فى المادة 332 من القانون المدنى ليس إلا تطبيقاً محضاً لقاعدة الشرط الفاسخ الضمنى التى تسرى على جميع العقود التبادلية، ومن المقرر فى هذه القاعدة أن طلب الفسخ المؤسس على تقصير أحد العاقدين لا يكون حقاً للعاقد الآخر إلا إذا كان قد وفى بتعهده أو أظهر استعداده للوفاء به. ومتى كان الواقع الذى أثبته الحكم المطعون فيه أن الطاعن قد تخلف بغير عذر عن توقيع البيع النهائى فإن ما قضى به الحكم المذكور من رفض دعوى الفسخ تأسيساً على أن طالب الفسخ قد قصر فى القيام بتعهده يكون قضاء لا مخالفة فيه للقانون. ولهذا يتعين رفض الوجه الثانى من أوجه الطعن.
وحيث إنه عن الوجه الثالث فإن كون العاقدين قد وصفا ما دفعته المشترية عند التعاقد الابتدائى بأنه عربون لا يفيد حتماً أنهما أرادا أن يجعلا عقدهما معلقاً على خيار النقض، لأن العربون هو ما يقدمه أحد العاقدين للآخر عند إنشاء العقد، وقد يريد العاقدان بالاتفاق عليه أن يجعلا عقدهما مبرماً بينهما على وجه نهائى، وقد يريدان به أن يجعلا لكل منهما الحق فى إمضاء العقد أو نقضه، ونية العاقدين هى وحدها التى يجب التعويل عليها فى إعطاء العربون حكمه القانونى.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد استخلص من نصوص العقد أن نية عاقديه انعقدت على إتمامه، وأن المبلغ الذى وصف فيه بأنه عربون ما هو فى الواقع إلا قيمة التعويض الذى اتفق على استحقاقه عند الفسخ المسبب عن تقصير أحد المتعاقدين فى الوفاء بما التزم به. وما استظهرته محكمة الموضوع من نية المتعاقدين على هذا النحو هو تفسير للعقد تحتمله عباراته، وهو من أجل ذلك يدخل فى سلطتها المطلقة التى لا تخضع فيها لرقابة محكمة النقض.


[(1)] سبق القول بأن القانون الجديد أورد أحكام الشرط الفاسخ فى العقود الملزمة للجانبين فى فرع خصصه لانحلال العقد (المادة 157 وما يليها).
[(2)] استحدثت المادة 103 من القانون الجديد النص الآتى: "دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق فى العدول عنه، إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك. فإذا عدل من دفع العربون، فقده. وإذا عدل من قبضه رد ضعفه، هذا ولو لم يترتب على العدول أى ضرر".

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات