الطعن رقم 1096 لسنة 29 ق – جلسة 17 /11 /1959
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 10 – صـ 896
جلسة 17 من نوفمبر سنة 1959
برياسة السيد محمود ابراهيم اسماعيل المستشار, وبحضور السادة: أحمد زكي كامل, والسيد أحمد عفيفي, ومحمد عطية اسماعيل, وعادل يونس المستشارين.
الطعن رقم 1096 لسنة 29 القضائية
(أ, ب) حكم. ضوابط التدليل. صلاحية الأدلة لأن تكون عناصر إثبات
سائغة. ما لا يتعارض مع هذا الضابط.
تكملة محكمة الموضوع للدليل بالعقل والمنطق واستخلاصها منه ما ترى أنه لابد مؤد إليه.
ما لا يعيب التدليل.
استطراد الحكم بذكر أمور تنصل في جملتها بالباعث على الجريمة.
(ج) نقض. المصلحة في الطعن. انتفاؤها. مثال.
إثارة المتهم ما قاله الحكم في جزئيات الدعوى المستقاه من الدلالات المادية للدعوى
طلبا للصورة الصحيحة للحادث عند اعتراف المتهم بارتكابه والالتفات عن دفاعه من أنه
كان وقت حصوله يدافع عن نفسه.
(د, هـ) قتل عمد. المسئولية والعقاب. محكمة الموضوع.
القصد الجنائي. ماهيته.
تقدير توافره من عدمه مسألة موضوعية. التدليل الكافي على توافره. مثال.
الظروف المشددة للعقوبة. سبق الإصرار. ماهيته. البحث في وجوده من عدمه مسألة موضوعية.
التدليل الكافي على توافره. مثال.
(و) دفاع. طلب ندب خبير لإبداء الرأي في حالة المتهم العقلية. متى لا تلتزم المحكمة
بإجابته؟
عند إيراد الحكم أسبابا سائغة كاشفة عن عدم استناده إلى أساس جدي. مثال.
مسئولية جنائية. أسباب امتناعها. الجنون وعاهة العقل. الدفع بذلك من حيث صلته بالتسبيب.
عدم التزام المحكمة الاستعانة برأي خبير فني في أمر تبينته من عناصر الدعوى وما بوشر
فيها من تحقيقات.
(ز) متى لا تلتزم محكمة الجنايات إجابة طلب الدفاع بسماع شاهد في الدعوى؟
عند عدم سلوك المتهم الطريق الذي رسمه القانون في المواد من 185 إلى 187 أ. ج.
(ح) إجراءات المحاكمة. بطلان. تصحيحه بسقوط الحق في التمسك به إذا تم الإجراء بحضور
محامي المتهم ودون اعتراض منه.
مثال في سماع أقوال الطبيب الشرعي والمترجم بغير حلف.
(ط) خبير. حلفه اليمين بوصفه خبيرا.
أداء الخبير يمينا عند مباشرته لوظيفته يغني عن تحليفه في كل قضية يحضر فيها أمام المحاكم.
(ى) دفاع. ما لا يعتبر إخلالا بحق الدفاع. حكم. ما لا يعيب التدليل.
اعتماد الحكم على الخطابات المتبادلة بين المتهم ووالدته والتي لم يطلع عليها الدفاع
للتدليل على واقعة لا أثر لها في الحكم بإدانة المتهم.
1 – لمحكمة الموضوع أن تتبين حقيقة الواقعة وتردها إلى صورتها الصحيحة التي تستخلصها
من جماع الأدلة المطروحة عليها, وهى ليست مطالبة بألا تأخذ إلا بالأدلة المباشرة, بل
لها أن تستخلص الحقائق القانونية من كل ما يقدم إليها من أدلة – ولو كانت غير مباشرة
– متى كان ما حصله الحكم من هذه الأدلة لا يخرج عن الاقتضاء العقلي والمنطقي.
2 – لا يعيب الحكم ما استطرد فيه من أمور تتصل في جملتها بالباعث على الجريمة والدافع
للمتهم على ارتكابها وهما ليسا من عناصرها القانونية.
3 – لا يجدي المتهم إثارة ما قاله الحكم في جزئيات الدعوى, ما دام هو معترف اعترافا
صريحا باعتدائه على المجني عليها, ولم تسايره المحكمة فيما صوره من أنه كان مدافعا
عن نفسه, ولأنه واضح من الحكم أن حديثه في هذه الجزئيات لم يخرج فيه عن الدلالات التي
أرجعها إلى الماديات الثابتة من المعاينة ومن الظروف التي لابست الحادث وتلته, ولم
يكن معالجة الحكم لها إلا انبعاثا منه في طلب الصورة الصحيحة لما حدث.
4 – تعمد القتل مسألة موضوعية لم يعرفها القانون, وهى أمر داخلي متعلق بالإرادة يرجع
تقرير توفره أو عدم توفره إلى سلطة قاضي الموضوع وحريته في تقدير الوقائع – فإذا استظهر
الحكم نية القتل في قوله "… إن الثابت من ظروف الدعوى وما تقدم تفصيلا ومن التقارير
الطبية وما أورته الصور أن المتهم فاجأ أمه بالضرب العنيف "بيد الهون" على رأسها ثم
انهال على رأسها مرات أخرى بلا رحمة وبعنف حتى سقطت بين يديه مضرجة بدمائها ولم يتركها
بعد سقوطها, بل انهال عليها ضربا على رقبتها وهى ملقاة على ظهرها, وفتتت الضربات عظام
الغضروف الدرقي, يدفعه حقده وحفيظته – تلك التي قطعت أوصال المودة في القربى – بما
تتوافر معه نية القتل العمد العدوان وإزهاق الروح, وبما نشأت عنه الصدمة العصبية, والارتجاج
المخي وانسداد المسالك الهوائية التي انتهت بما أراده وصمم عليه من قتلها والتخلص منها"
فإن ما أورده الحكم تدليلا على قيام هذه النية سائغ واضح في إثبات توافرها لدى المتهم.
5 – سبق الإصرار ظرف مشدد ووصف للقصد الجنائي, والبحث في وجوده أو عدم وجوده داخل تحت
سلطة قاضي الموضوع, وإذ كان هذا الظرف من الأمور النفسية الذي قد لا يكون له في الخارج
أثر محسوس يدل عليه مباشرة, فللقاضي أن يستنتجه من وقائع الدعوى وظروفها, ما دام موجب
هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلا مع هذا الاستنتاج, وما دامت المحكمة لم تخطئ في
تقدير هذا الظرف كما عرفه القانون – فإذا استدل الحكم على سبق الإصرار بقوله: "…
إنه متوافر من الظروف السابقة كلها التي شرحتها المحكمة تفصيلا, ومن حاجة المتهم الملحة
إلى المال وجشعه واستدانته من أمه وغيرها ومغامرته في الحصول عليه بكل الوسائل – حتى
على حساب أمانته وشرف وظيفته – وما وصل إليه حاله في الشهر الأخير من الضيق المالي
– مع كثرة مطالب الحياة ومع اعتقاده أن أمه في بسطة من العيش وسعة من المال ومع ذلك
فإنها تضن عليه ببعض هذا المال مما لها من معاش واستحقاق في الوقف ورصيد بالبنك – فضاق
ذرعا بكل ذلك وظن أن هذا منتهى القسوة عليه وأنه لا سبيل ولا أمل له إلا في الإجهاز
عليها, ولا مخلص له مما هو فيه إلا أن يتخلص منها فيرثها في الوقف وفي أموالها ويأخذ
ما لديها, فدبر الأمر وفكر فيه وتروى منذ أن أغلفت بابها دونه في الصباح ورفضت أن تعطيه
ما طلب أو بعضه فذهب يرتب جريمته ويدبر لها ويجهز شهودها من قبل, ولم يقل لزوجه ولا
لأخيها – الذي لقيه مصادفة – شيئا عن ذهابه لها لأنه أعد للأمر جريمته وسلك سبيل التخفي
في ذهابه إليها وفي الوصول إليها وفي كيفية قتلها, بل دبر أمر كيفية إخفاء آثار جريمته,
بما يقطع كله في أنه إنما فكر وصمم وتروى قبل مقارفته جريمة قتل أمه بما يتوافر معه
سبق الإصرار" – فإن ما استخلصته المحكمة من وقائع الدعوى وظروفها ورتبت عليه قيام ظرف
سبق الإصرار يكون استخلاصا سليما متفقا مع حكم القانون.
6 – لا تلتزم محكمة الموضوع بندب خبير إذا هى رأت أن ما طلبه الدفاع عن المتهم من استطلاع
رأي طبيب نفساني لا يستند إلى أساس جدي لأسباب سائغة أوردتها – فإذا تناول الحكم دفاع
المتهم من أنه كان في حالة فقد فيها شعوره وإدراكه واختياره وقت ارتكاب الحادث وردّ
عليه بقوله: "… إن تصرفات المتهم قبل الحادث وبعده ووقت الحادث كلها كانت تدل على
ثباته وعقله وعلمه بما يفعل وفعل ولم يكن لديه انحراف, فلم يثبت أو يقم أي دليل على
أنه كان في حالة جنون أو عاهة عقلية أفقدته شعوره واختياره, بل كان تفكيره الإرادي
والشعوري قائما – من كيفية ذهابه لأمه وعدم ذكر ذلك لأحد وتصميمه على القتل واتخاذ
الطرق التي تمنع من أن يوجه إليه اتهام أو اشتباه – من طريقة صعوده المنزل ودخوله فيه
وارتكابه الحادث وبعده ومن مخاطبة زوجته وحديثه معها ومصاحبتها ومسح بصماته وغسل أداة
القتل والبحث عما كان يريد أخذه من نقود ومصوغات وأوراق, ثم بعد كشف الجثة من تصويره
الواقعة وإلقاء الشبهات على سارق مجهول أمام المحقق الأول ولصديقه الذي رافقه واقتراض
النقود في اليوم التالي, كل ذلك يقطع في تمام شعوره وإدراكه لما يفعل وارتكب…"
–
فلا تكون المحكمة بعد ذلك في حاجة إلى أن تستعين برأي طبيب في الأمراض العقلية أو النفسية
في أمر تبينته من عناصر الدعوى وما بوشر فيها من تحقيقات.
7 – إذا كان المتهم لم يسلك الطريق الذي رسمه القانون في المواد 185 و186 و187 من قانون
الإجراءات الجنائية بالنسبة إلى الشهود الذين يطلب إلى محكمة الجنايات سماعهم ولم تدرج
غرفة الاتهام أسماءهم في قائمة الشهود, فلا تثريب على المحكمة إن هى لم تجب طلب الدفاع
سماع الطبيب الذي كان يعالج والدة المتهم.
8 – ما ينعاه المتهم على الحكم من سماعه أقوال الطبيب الشرعي والمترجم الذي تولى ترجمة
أقوال الشاهدة دون تحليفهما اليمين القانونية مردود بأن هذا الإجراء قد تم بحضور محامي
المتهم في جلسة المحاكمة دون اعتراض منه عليه مما يسقط الحق في الدفع ببطلانه.
9 – لا يلتزم الخبير بحلف اليمين قبل سماع أقواله أمام المحكمة بوصفه خبيرا لا شاهدا,
ما دام قد أدى يمينا عند مباشرته لوظيفته مما يغني عن تحليفه في كل قضية يحضر فيها
أمام المحاكم.
10 – لا يقدح في سلامة الحكم اعتماده على الخطابات المحررة بلغة أجنبية التي تبادلها
المتهم ووالدته والتي لم يطلع عليها الدفاع, لأن ما استخلصه منها مقصور على التدليل
على حسن العلاقه بين المتهم ووالدته وقت تحرير تلك الخطابات, وهى واقعة لا أثر لها
في الحكم بإدانة المتهم.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: قتل عمدا ومع سبق الاصرار أمه بأن عقد العزم وأجمع الرأي على قتلها وتوجه إليها في منزلها لهذا الغرض وفاجأها أثناء وجودها معه وانهال عليها ضربا في رأسها وعنقها عدة ضربات بآلة صلبة راضة (يد هون) حتى سقطت أرضا فهشم عنقها بتلك الآلة الصلبة الراضة قاصدا قتلها وحدثت بها من جراء ذلك الجروح والإصابات المتعددة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي كانت سببا في وفاتها. وطلبت إلى غرفة الاتهام إحالته إلى محكمة الجنايات لمعاقبته بالمادتين 230, 231 من قانون العقوبات. فقررت الغرفة إحالته إلى هذه المحكمة لمعاقبته بالمادتين سالفتى الذكر. ومحكمة جنايات القاهرة قضت حضوريا عملا بمادتي الاتهام مع تطبيق المادة 13 من قانون العقوبات بمعاقبة حسني أحمد توفيق مورو بالإعدام شنقا. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… وحيث إن مبنى الأوجه الخمسة الأول من الطعن هو أن الحكم المطعون
فيه أخطأ في الاسناد وانطوى على قصور في البيان وفساد في الاستدلال – ذلك أنه حين تحدث
عن المجنى عليها كال لها من الأوصاف ما يتعارض مع الواقع وأقوال الشهود, وخلع على قسوتها
وشذوذها صفات لا مأخذ لها من الأوراق, فصورها أما حانية على أولادها حريصة على تربية
الطاعن وتعليمه والإنفاق عليه من مواردها المحدودة, والسهر على تنشئته واختيه في حزم
وشدة خشية عاديات الدهر وتقلباته في حين أنها كانت بعيدة عن الصورة التي رسمها الحكم
لها فقد حولت تعليم ولدها "الطاعن" من مدارس الفرير الفرنسية حين أنهى بها دراسته الابتدائية
إلى الجامعة الأمريكية – الانجليزية المنهج – مستجيبة في ذلك إلى تعاليم أحد أدعياء
الطب النفساني الذي سيطر عليها, واستهوتها قلة تكاليف الجامعة الأمريكية فلم تراع مصلحة
ولدها واضطراب نظام تعليمه, ولم يكن إنفاقها عليه من مواردها التي وصفها الحكم بأنها
محدودة بل كان ذلك مما تركه له والده عند وفاته من رصيد كبير في صندوق التوفير بلغ
2089 جنيها اغتالته المجني عليها بصفتها وصية على أولادها القصر بأن ادعت أحقيتها في
هذا المبلغ ونجحت في استصدار حكم قضائي لصالحها لعدم وجود من ينازعها إذ ذاك فاستأثرت
بهذا المال وتخلت عن الإنفاق على أولادها مع أن مواردها لم تكن محدودة كما قال الحكم
بل كان مرتبا عليها معاش شهري منذ وفاة زوجها في سنة 1938 قدره خمسة وعشرون جنيها بالإضافة
إلى معاش أولادها القصر الذي كانت تقتضيه بصفتها وصية عليهم واستحقاقها في وقت يصل
ريعه إلى خمسة وعشرين جنيها شهريا, وإيراد الأسهم والسندات التي تملكها, وما كانت تعقده
من صفقات تجارية وقروض والمبلغ الذي اختصت به نفسها دون أولادها ومع ذلك فقد دأبت على
التقتير على أولادها حبا في المال ولم تكن شدتها إلا أثرا لقسوتها التي فات الحكم أن
يستظهرها وهو ما أدى بها إلى شعور بالقلق والحرمان, وعرض الحكم للطاعن فذكر أنه حين
غضب من والدته بسبب وقوفها حائلا أمام تحقيق رغبته في الزواج هداه تفكيره إلى الالتحاق
بالعمل بمرتب بسيط مع أن هذا المرتب كان خمسة عشر جنيها عند بدء التحاقه بالعمل وهو
بعد طالب بالسنة الأخيرة من سني دراسته, كما رماه الحكم بأنه بعد أن اتفق مع والدته
على أن يشتري لها من مالها قطعة أرض من شركة المعادي للأراضي التي كان يعمل بها على
أن يبيعها بعد ذلك ويقتسما الربح واستكتبته إقرارا بذلك, نكل عن اتفاقه واشترى الأرض
باسمه لنفسه بغير علمها وسرق الاقرار واستبدل به إقرارا آخر ولما كشفت الأمر غضبت عليه
فهددها مما دفعها إلى شكايته, مع أن هذا التصوير فيه مسخ للحقائق, إذ أن الطاعن ما
لجأ إلى شراء قطعة الأرض هذه باسمه إلا احتفاظا بالمزايا التي تمنحها الشركة لموظفيها
من حيث الثمن والفائدة ومدة التقسيط وقد تم الشراء باسمه بعلم المجني عليها وموافقتها
فقد حضرت مجلس العقد ودفعت مقدم الثمن والمصاريف خمسمائة جنيه واستكتبت الطاعن سندا
باقتراض هذا المبلغ منها بفائدة 6%, وخلت الأوراق مما يدل على أن هناك إقرار آخر حرره
الطاعن ثم اختلسه أو أنه هدد والدته بل أنه رد كامل ما دفعته له حين باع الأرض على
الرغم من وقوفها ضده موقف الخصم تلاحقه بالإنذارات, والتجأت إلى الشرطة لإبعاده عن
دار أبيه – وسجل الحكم على الطاعن في مقام النقد لتصرفاته أنه بعد أن تصالح مع والدته
رفض أن يستجيب إلى رغبتها في السكن هو وزوجته معها مما أضر بصحتها فأصيبت بمرض ضغط
الدم, مع أن ما فعله الطاعن هو المسلك الطبيعي لما يعلمه من أخلاق والدته وخشيته من
أن يناله سوء من مشاركتها السكن وهى التي أقصته عن منزلها في مناسبة زواجه, وبذلك كان
ما تخيله الحكم من أثر هذا الرفض على المجني عليها فاسدا لا سند له من الأوراق. وحين
استطرد الحكم إلى الباعث على الجريمة وصف الطاعن بأنه كان يعيش في مستهل حياته معيشة
عادية إلا أنه تطلع إلى حياة أرغد فانتقل إلى مسكن أجره إثنا عشر جنيها شهريا زوده
بتليفون وثلاجة وراديو محاولا الظهور بأكثر مما يسمح به مرتبه ومرتب زوجته اللذان بلغا
معا ثلاثين جنيها شهريا, وفات الحكم ما كان يكسبه الطاعن فوق مرتبه من عمليات الوساطة
في بيع الأراضي لخبرته فيها بحكم عمله, وقد أيد قوله بالكشوف التي قدمها, فضلا عما
عاد عليه من ربح عند بيع قطعة الأرض التي سبق أن اشتراها من مال والدته بعد أن صفحت
عنه وقبلت استقلاله بهذا الربح لنفسه على أن يرد لها أصل مالها وقد استغل هذا الكسب
فعلا في تجهيز منزل الزوجية مما ينفي عن الطاعن قالة التطلع إلى المعيشة بأكثر من موارده
والسرقة من الشركة التي يعمل بها, وهو ما أسفر التحقيق عن عدم ثبوت أي جرم عليه. كما
أسس الحكم قضاءه على الظن حين أشار إلى ديون الطاعن للصيدلية واستدانته من البنك الذي
يعمل به بمناسبة ميلاد ابنه – وتلك أمور عادية ما كان للمحكمة أن تبني عليها ما استنتجته
خطأ عن حالة الطاعن – وقال الحكم أيضا أن الطاعن حين زار زوجة عمه أخبرته بحضور والدته
من سفرها وطلبت منه الانتظار فرفض ورتب الحكم على ذلك أن والدته ساءها منه هذا العقوق
مفترضا علمها بمسلكه هذا من زوجة عمه مع أن هذه الأخيرة قررت أنها لا تذكر أنها أخبرت
والدته بشئ عن زيارته لها – كما استخلص الحكم من زيارة الطاعن لوالدته في صباح يوم
الحادث أنه ما ذهب إليها إلا للالحاح بمطالبتها بالمال ورتب الحكم على ذلك أنها لابد
أن تكون قد تأذت من مسلكه وعقوقه فأغلظت له القول وأنبته ورفضت أن تعطيه شيئا مع خلو
أوراق الدعوى من هذه الواقعة بل إن ظروف الحال تنفيها – إذ شهدت الخادمة بأنها لم تسمع
شيئا مما دار بين الأم وابنها مما يقطع بعدم حدوث مشاجرة أو مشادة بينهما, وقد رتب
الحكم على هذه المشادة المزعومة المبنية على مجرد الظن أن الطاعن خرج غاضبا وبدأ في
التفكير في التخلص من والدته وجعل منها أساسا للقول بتوافر سبق الاصرار لديه وذكر الحكم
كذلك أنه عند إعادة فحص شقة المجني عليها عثر أحد الضباط بدولاب حجرة نومها على ساعة
يد على شكل سوار يبدو أنه من الذهب, وبنى الحكم على ذلك أن الجاني ترك هذه الساعة حتى
لا تنم عليه لو أخذها وتصرف فيها, وهو تعليل متخاذل ينفيه ما أورده الحكم في مواضع
أخرى منه من أن الطاعن سرق السوار الذهبي الآخر الذي كانت تتحلى به والدته وكان منطق
الأمور يقتضي أن يسوي في الحكم بين الأمرين إذ أن خشية افتضاح أمره بالنسبة إلى السوار
الذي كانت تتحلى به والدته ويعرفه صديقاتها أظهر منها بالنسبة إلى الساعة التي لم تكن
تستعملها عادة بدليل وجود ساعة أخرى في يدها, كما استدل الحكم من أقوال الطاعن في محضر
ضابط المباحث والتي كان يرمي بها إلى إبعاد الشبهة عن نفسه وإثبات وجوده في مكان آخر
على أنها دليل تدبير الجريمة من قبل مقارفتها واتفاقه مع زوجته والصيدلي على إثبات
بعده عن مكان الجريمة وقت ارتكابها, في حين أن هذه الأقوال صدرت من الطاعن قبل اعترافه
بارتكاب الجريمة مما يبرر إبعاد الشبهة عن نفسه, أما اتفاقه مع زوجته والصيدلي فقد
تم بعد الحادث لا قبله ولا يستفاد منه أنه كان يعد مقدما الدليل على براءته. كذلك قال
الحكم إنه عثر على حقيبة يد القتيلة ملقاة على الأرض وبها كيس نقود به مبلغ 130 قرشا
كما عثر على حقيبة يد أخرى بداخل صوان بها شيكات بمبالغ مستحقة لها وبداخلها مبلغ سبعة
عشر جنيها أخرى, والتفت الحكم عن تعليل سبب ترك الجاني للمبلغ الأول مع قوله بأنه إنما
كان يقصد السرقة, أما بالنسبة إلى السبعة عشر جنيها فقد علل الحكم وجودها بأنه يبدو
أن الطاعن ظنها شيكات فتركها, وهو استدلال خاطئ لأن الطاعن بوصفه موظف بحسابات أحد
البنوك لا يخفي على مثله تمييز الشيكات من النقود, واستطرد الحكم إلى القول بأن الطاعن
كان يعلم بأن المدعو وديع سبق أن اقترض من والدته نقودا وسلمها أخوه شيكات باسمه, فرتب
الحكم على ذلك أنها الشيكات التي كانت بالحقيبة, واستدل من ذلك على أن الطاعن رآها
أو أنه يعرف مصدرها من قبل, وهذا الاستنتاج غير سائغ ينفيه ما سبق أن ذكره الحكم من
أن الطاعن ترك النقود ظنا منه أنها مجرد شيكات مع ما قاله من أنه فحص ما تحتوي عليه
الحقيبة, وما كان يسوغ عقلا أن يترك الطاعن هذا المبلغ مع أنه أثمن من السوار المقول
بأنه سرقه – هذا إلى أن الحكم تعسف في سرد الوقائع بأن اقتصر على ذكر كل ما يؤدي إلى
إلقاء الشبهة على الطاعن, وأغفل كل ما جاء على لسان الشهود لصالحه, فجاءت الوقائع مبتسرة
منقطعة الصلة بالأوراق ولا تصلح لبيان وجه الحق في الدعوى. فقد وصف الحكم المجني عليها
بأنها سيدة كبيرة السن ناهزت الستين من عمرها من أسرة طيبة السمعة, وأنها مثقفة ولها
نشاط اجتماعي, وأغفل ما نسب إليها من شذوذ وقسوة وبخل, كما التفت عما جاء بتقرير معاون
المباحث من أنها سبق أن اتهمت شقيقها السيد عوضين بقتل والدتها التي عرف عنها هى الأخرى
تصرفات شاذة, إذ وجدت تتسول في الطرقات على الرغم من ثرائها – كما اتهمته بقتل شقيقها
حسن عوضين الذي عثر عليه قتيلا في منزله, وقد سكت الحكم عن تناول هذه الوقائع بالتعليق
حتى لا يضطر إلى قبول قول الطاعن عن شذوذ والدته واختلاط عقلها ووجود خلل وراثي في
عائلتها وهجومها عليه لقتله – وذكر الحكم أيضا أنه عندما تحادثت المجني عليها تليفونيا
مع صديقتها السيدة روفيه قبيل قتلها كانت في حالة عادية وأنها لو كانت متخوفة من شئ,
أو قام شجار أو نزاع بينها وبين الطاعن لحدثت صديقتها به, وهو قول واضح الدلالة على
صحة رواية الطاعن من أنه لما كان عند والدته بعد الظهر كان كل شئ طبيعيا حتى إذا ما
تم الحديث التليفوني ورآها تتأهب للخروج وبدأ يعاتبها هاجت عليه وأحضرت يد الهون والسكين
وحاولت الاعتداء عليه – ولو كان تصوير الحكم للحادث صحيحا من أنه تشاجر مع والدته في
الصباح وذهب إليها بعد الظهر متوعدا وقاصدا قتلها لما كانت على هذا الهدوء وهو معها,
ولكانت زيارة المساء استمرارا لحوادث الصباح, ولبان ذلك في حديثها التليفوني مع صديقتها,
أو أنه كان يحول دونها وهذا الحديث, ولبادر إلى اغتيالها بمجرد وصوله إلى مسكنها. كما
ذكر الحكم أن المجني عليها وجدت في الصالة "وبلوزتها" فاقدة أحد أزرارها, وهى واقعة
لم يقل بها أحد في التحقيق, ولم ترد في تقرير الطبيب الشرعي, بل استقاها الحكم عرضا
من أقوال الدكتورة فاطمة الملاحظ في أثناء مناقشة الطبيب الشرعي بالجلسة دون أن تسمع
كشاهدة أو أن تحلف اليمين القانونية. كما استدل الحكم من وجود زر قميص أفرنكي من الصدف
الأصفر ملوث بالدماء بجوار الجثة على أنه سقط من القاتل في أثناء التماسك, ورتب الحكم
على ذلك حصول مقاومة من المجني عليها دون أن يبين الدليل على أن هذا الزر للمتهم وسقط
من ملابسه, في حين أن القميص الذي كان يرتديه الطاعن لم يضبط ولم يفتش منزله بقصد البحث
عنه, ولم يقل الطاعن أنه له, بل أن وصف هذا الزر بأنه من الصدف الأصفر يرجح أنه مما
يستعمل في ملابس السيدات لا الرجال ويحتمل أن يكون قد سقط من ملابس المجني عليها. وما
قيل عن هذا الزر يرد على الزر الآخر الذي عثر عليه بالحمام, ولا يمكن الاستدلال بهما
على حصول مقاومة من المجني عليها, كما استدل الحكم على كذب تصوير الطاعن للحادث من
أنه حصل عندما هاجمته المجني عليها وهو جالس في الصالة من وجود حقيبتها الجلدية ملقاة
على الأرض بمدخل غرفة النوم وبجوارها محتوياتها مبعثرة ووجود آثار دماء في هذا الموضع
وبظاهر الحقيبة الجلدية التي كان بجوارها كتاب صغير كانت المجني عليها تحمله مع الحقيبة,
ورتب الحكم على ذلك أن المجني عليها بعد أن تحدثت في التليفون عادت لتأخذ كتابها وحقيبتها
وتضع فيها حاجياتها ونقودها, وما أن وضعتها وحملتها هى والكتاب وقبل أن تغادر غرفة
النوم إلى الصالة, جاءها الطاعن وفاجأها من الأمام وهى على هذه الحال فسقطت الحقيبة
منها على الأرض, وتبعثرت محتوياتها لأنها كانت مفتوحة كما سقط الكتاب وتناثرت الدماء
النازفة من جروحها في ذلك المكان فهربت من قاتلها إلى الصالة وتابعها هو بالاعتداء.
وهذا الذي انتهى إليه الحكم لا سند له من الأوراق التي جاءت خلوا من الإشارة إلى وجود
دماء بغرفة النوم أو بمدخلها أو بحقيبة يدها التي وجدت بمدخل حجرة أخرى للنوم. ولو
صح أن الطاعن فاجأ المجني عليها بالاعتداء فلا يسوغ في العقل أن يفاجئها من الأمام.
فليس هذا شأن القاتل غدرا – كما أن مؤدى هذا التصوير الخاطئ أن يحول القاتل بين المجني
عليها وبين مبارحتها الحجرة لوقوفه حائلا بينها وبين الباب. ولو صح تصوير الحكم من
أن الطاعن تابع المجني عليها بالضرب على رأسها بيد الهون لوجدت بها إصابة واحدة بمقدم
الرأس وباقي الإصابات من الخلف وهو ما لم يقل به تقرير الطبيب الشرعي الذي تضمن وجود
عشرة جروح رضية بفروة الرأس مقابل أعلى الجبهة والقبوة وأعلى المؤخرة, ويكون التعليل
المنطقي للحادث هو أن المجني عليها عندما هجمت على الطاعن وتوجهت من الصالة – حيث كانت
تجلس معه – إلى المطبخ لإحضار أدوات الاعتداء مرت بغرفة النوم وألقت بالحقيبة داخلها
لتخلص يديها مما بها كي تمسك بيد الهون والسكين فتبعثرت محتويات الحقيبة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما محصله أن الطاعن الذي بلغ من العمر
الثلاثين نشأ بين أبوين طيبين أحدهما كان ضابطا بالبوليس وتوفى سنة 1938 وزوجته المجني
عليها وله أختان تكبرانه تزوجتا بعد وفاة أبيه وعمره إذ ذاك تسع سنوات, وكان طالبا
بالقسم الابتدائي بمدرسة الفرير الفرنسية, فكفلته أمه المجني عليها ورعته وربته حتى
أنهى دراسته الابتدائية ثم أدخلته الجامعة الأمريكية فأتم دراسته الثانوية, ثم التحق
بالجامعة المصرية بكلية التجارة وظل تحت وصاية أمه التي أشركته في النوادي الرياضية
والمدرسية لتزيد من ثقافته حتى تخرج في الجامعة المصرية عام 1951 بتقدير جيد, وتولت
الانفاق عليه وعلى أختيه حتى زوجتهما وذلك من ريع ما ورثته من والدتها من عقارات واستحقاق
في وقف وما تلقته عن زوجها من معاش بلغ خمسة وعشرين جنيها, ولم يترك زوجها لولده شيئا
سوى نصيبه في المعاش الشهري وبلغ هذا النصيب ستة جنيهات وكانت والدته من أسرة طيبة
ميسورة ومثقفة تجيد الفرنسية ولها نشاط اجتماعي فهى وكيلة الاتحاد النسائي, وكانت حريصة
على رعاية أولادها في حزم وشدة تحسب للزمن حسابه فقد ترملت وهى في سن مبكرة, ولم تتزوج
حتى لا تترك أولادها في رعاية غيرها, بل واصلت تربيتهم والعناية بهم حتى شبوا وهى تنفق
على ولدها في حدود مواردها التي لم تكن واسعة, وهى تأمل أن تعوده مجابهة الحياة حتى
جاوز حد الصغر وبلغ سن التكليف, وحدث وهو في المرحله الأخيرة من تعليمه أن تعلق بإحدى
زميلاته وأراد أن يتزوج منها فوقفت الأم ضده, واستمهلته حتى يتم تعليمه ولكنه أبى واستكبر
موقفها حياله فقامت بينهما المنازعات ورفضت قبول معاونته في زواجه هذا حتى ينتهى من
دراسته العليا, ولكنه أصر عليه فغاضبته وغاضبها ومع ذلك فقد ظل مقيما معها وهداه تفكيره
أن يلتحق بعمل بمرتب بسيط في شركة المعادي للأراضي ولما رأى كيف يكسب موظفو هذه الشركة
المال من شراء قطع الأرض وبيعها, عرض على أمه أن تعطيه خمسمائة جنيه ليشتري بها قطعة
باسمها ثم يبيعانها ويستغلان الربح سويا فوافقته أمه, وأخذت عليه إقرارا بذلك ولكنه
ذهب بغير علمها واشترى الأرض بإسمه هو دونها, ثم سرق الإقرار واستبدل به غيره فلما
عرفت ذلك عتبت عليه ما فعل عتبا شديدا, واشتد غضبها عليه عندما أمعن في تهديدها مما
دفعها أن تشكوه للنيابة وللبوليس مخافة أن يؤذيها في نفسها أو مالها, وتدخل رجال البوليس
في الأمر ليتركها, وحز في نفسها أنه وقد أصبح رجلا أن يغلظ عليها ويجافيها, وانتهى
الأمر بخروجه من الدار, وبإنذار منها إليه وإلى الشركة بعدم التصرف في الأرض فوقفت
الشركة دونه في إتمام البيع إلى أن تم الصلح بينهما. وكان قد مر عام وتخرج من الجامعة,
وتزوج بمن رغب, وصفحت عنه أمه, وتراضت معه على أن يبيع الأرض ويستغل مكسبها كله لنفسه
لإعداد منزله على أن يعيد إليها أصل مالها, وعادت الأمور بينهما إلى مجراها العادي
فكانت تمنح زوجته المال وتبادله الزيارات ثم عرضت عليه أخيرا أن يعود إلى الإقامة معها
هو وزوجته ولكنه رفض ما عرضته, فانفعلت نفسها لذلك وأصيبت بمرض ضغط الدم وكانت تعالج
من قبل من مرض نفسي وضيق, وأصبحت وحيدة فشغلت وقتها بالخدمة الاجتماعية وفي السفر إلى
الاسكندرية لزيارة إحدى ابنتيها وكان الطاعن كلما رغب في شئ عاد إليها, ولما أفهمها
مرة أنه يريد أن ينشئ مكتبا للمحاسبة أقرضته خمسة وسبعين جنيها وكان ذلك في سنة 1952
ثم أعطته مبالغ أخرى متفرقة, ولما أنجب ابنته دفعت له أجر المستشفى الذي باشر الولادة,
ومع ذلك لم يكن يرعاها الرعاية الواجبة بل تباعد عنها وما كان يزورها إلا ليطلب منها
نقودا, مما دفع زوجته إلى أن تمنعه من ذلك حفظا للمودة بينه وبين والدته غير أن الأم
كانت تمده – كما قررت أختاه – بالمال الذي تسمح به مواردها ولوجود نزاع قضائي بينها
وبين أخيها بسبب غلة الوقف وهبوط سعر فائدة الأسهم, وكان هو من جانب آخر قد أنجب وتزايدت
مطالبه, وكان أصلا يعيش عيشه لا بأس بها فأراد أن يعيش معيشة أكثر رغدا فانتقل إلى
شقة أجرتها اثنتا عشر جنيها شهريا وأعد فيها تليفونا واشترى ثلاجة كهربائية وراديو
"بيك آب" وكان يحاول الظهور فوق مستوى ما تسمح به موارده كلها – إذ كان مرتبه حوالي
الثلاثين جنيها وزوجته خمسة عشر جنيها ومجموع ذلك خمسة وأربعون جنيها, ولشدة تعلقه
بالمظاهر فكر في أن يقدم للشركة التي يعمل بها خدمة بتسديد رسوم سياراتها ومباشرة ترخيصها
مقابل استعمال إحداها والنزهة بها مما يدل على بعض نزعاته ودفعه ذلك إلى اتهامه باختلاس
165 جنيها من قيمة الرسوم المذكورة وادعى فقدها منه, وانتهى الأمر باحتسابها عليه وخصمها
منه بواقع خمسة جنيهات شهريا خلاف خصم الباقي من مكافأته السنوية فقل مرتبه وساءت سمعته
واختلف مع أحد زملائه في شأن عميل للشركة فتضاربا ورفع عليه زميله دعوى مباشرة وانتهى
الأمر فيها بالصلح استجابة لرأى رؤسائهما, ثم فقد ملف خدمته واتهم هو باختلاسه ورؤى
أخيرا لسوء خلقه واتهاماته إيقافه عن العمل مع الأمر بفصله وإنذاره بدفع المستحق عليه,
ثم تدخل بعض الناس حتى يعاد التحقيق في الأمر وأن يعود إلى عمله, ولكن مطالب الحياة
تزاحمت عليه ونهمه للمال وحبه للمظاهر لا ينتهى وأمه لا تسعفه بالمال الكافي فاندفع
إلى الانزلاق في الجريمة مرة أخرى فاختلس مبلغ مائة جنيه كان قد سلمها إليه أحد عملاء
الشركة, وحققت الدعوى وحجز بالقسم وفي اليوم التالي تقدم أحد أصدقائه ببلاغ إلى القسم
بأنه وجد الورقة ذات المائة جنيه المختلسة ملقاة في أحد مكاتب الشركة, وتدخل بعض الناس
لصالحه وحفظت الشكوى غير أن الحارس الذي كان قد عين على الشركة طلب إعادة التحقيق فأعيد
من جديد, وقيدت التهمة ضد الطاعن وحده اختلاسا وتزويرا, وإزاء هذا كله رؤى فصله من
عمله, ثم تدخل البعض لصالحه فرؤى أن يقدم استقالته وسوى حسابه مع الشركة, وتبين أن
ما عليه للشركة هو ثلاثة وخمسون جنيها تسامحت فيه الشركة اكتفاء بفصله وحرمانه من مرتبه
طوال مدة الإيقاف وهى أربعة شهور, فوقع الطاعن في الحرج والضيق وأصبح لا إيراد له سوى
مرتب زوجته فتردد على أمه لتعينه فأعطته 19 جنيها وعتبت عليه أخطاءه وسوء تصرفه وظل
عاطلا يستدين المال حتى توسط له أخيرا أحد أقاربه فعين بالبنك التجاري في منتصف شهر
ديسمبر سنة 1957 بمرتب 32 جنيها شهريا – ولما تكاثرت عليه المطالب وتراكمت الديون وزادت
أعباءه بمولد ابنه في يوليه سنة 1958, وكانت أمه بعيدة عنه بالأسكندرية تزور ابنتيها
ولا يستطيع أن ينال منها شيئا كما اعتاد فتحدث معها تليفونيا لينبئها بأمره علها تساعده
فلم تفعل لغضبها منه ومن تصرفاته التي أدت إلى فصله من عمله, فاضطر إلى اقتراض ثلاثين
جنيها من البنك على أن تخصم من مرتبه شهريا على أقساط قدر كل منها جنيهان فقل إيراده
وزادت مطالب أطفاله بما أخل بالتوازن بينهما – فلم يستطع في شهري يوليه وأغسطس أن يسدد
من حسابه في الصيدلية سوى مبلغ 122 قرشا وتبقى عليه ستة جنيهات, وجاء شهر جديد بمطالب
جديدة فاضطر إلى أن يقترض من البنك في 9/ 9/ 1958 عشرة جنيهات من مرتبه على أن تخصم
كلها في آخر الشهر وارتفع حساب الصيدلية وحدها إلى تسعة جنيهات تقريبا, وهذا ما أمكن
بحثه فقط في خصوص حساباته وديونه وحالته. ولم يجد الطاعن أمامه إلا أمه التي كانت قد
عادت من الأسكندرية يوم السبت 13/ 9/ 1958 وعلم بأمر عودتها يوم الأحد من زوجة عمه
حين كان في زيارتها ولم يشأ لغضبه وضيقه المادي وشعوره بأن أمه أهملته بعد أن حدثها
تليفونيا أن ينتظر حضورها حين طلبت إليه زوجة عمه ذلك بأن أنبأها بأنه لا يريد رؤيتها,
ولابد أن تكون امرأة عمه – وهى أم أيضا – قد حدثت والدته لما حضرت لزيارتها بما كان
من أمر نجلها فغضبت الأم بدورها لأن ولدها لا يسأل عنها إلا عندما يطلب المال, وقد
كف عن مخاطبتها على خلاف عادته من قبل فسكتت الأم صابرة على عقوق ابنها وانتظر هذا
الأخير ولكن الضيق زاد به ولم يقرضه البنك سوى خمسة جنيهات أخرى قبل الحادث بيومين
(في يوم الاثنين 15/ 9/ 1958) على أن تخصم كلها كذلك من مرتبه آخر الشهر, فذهب إلى
والدته صباح الأربعاء منتويا مطالبتها بما يفى من المال بسداد ديونه وبمواجهة مطالب
أسرته وبما يطالبه به البنك والصيدلية من دين لهما عليه ومرتب الخادمة وأجر المسكن
واستهلاك النور وغيرها ناسيا أنه هو سبب ما وصل إليه من حال, ولقيته أمه وأفطرت في
حضوره وطالبها بالمال في إلحاح, ولابد أن قام في ذهنها أنه إنما جاءها لا ليراها بعد
عودتها من سفرها وبعدها عنه بل لحاجته إلى المال فردت تؤنبه ورفضت أن تعطيه شيئا وهو
يعلم أن لديها بعض المال كما قال, وأنها أخذت نقودا من حسابها في البنك وأنها تقاضت
معاشها واستحقاقها في الوقف وكانت الخادمة موجودة فسكت ولم يستطع أن يفعل شيئا وخرج
غاضبا ولكن الشيطان لازمه منذ خروجه واعتملت في نفسه عوامل الشر التي عاشت في جنبات
نفسه من زمن مضى واضطرب لمسئولياته وحاجته للمال وقد كانت مساعدتها الأمل الأخير الذي
يخلصه من مأزقه, وما دامت لا نفع منها, ولا فائدة ترجى منها فليتخلص من هذه الأم نهائيا
تلك التي لا تريد أن تعينه, وليختلس أموالها ويسرق ما لديها بل ليرثها في كل شئ مما
لها من أسهم وسندات ورصيد بالبنوك واستحقاق وحصة في الوقف حتى يستطيع أن يعيش وأن يستمر
على حياة الترف فلا يحتاج إليها ولا إلى غيرها, ولم يستطع أن يكبح جماح نفسه الشريرة
التي أباحت الاختلاس وسولت له التزوير من قبل وهان عليه كل شئ حتى الجريمة فلم يمتنع
على نفسه استباحة القتل وهو آخر مراحل الشر حتى لو كانت هذه القتيلة أمه إرضاء لشهوته
للمال ولتعلقه بالحياة ومظاهرها فبدأ يفكر ويفكر ويتدبر الأمر ويحسب للجريمة حسابها
وعمل على أن يرتكبها في ظروف لا تدل عليه, فعليه أن يرتب مكان بعيدا عن مسرحها ساعة
ارتكابها وأن يجهز شهوده على ذلك وأن لا يفعل شيئا مما ينبئ عنه من قرب أو بعد واختمرت
الفكرة في نفسه وهو في طريقه إلى عمله فرأى أولا – وهو معتاد على أن يأخذ بعض الحقن
من صيدلية النجاح القريبة من منزله بالمنيل – أن يأخذ واحدة منها صباحا – وهى تقيد
في الدفتر باسمه عادة دون تعيين ساعة محددة – ويستطيع لصلته بالممرض أن يوجه نظره فيما
لو تغيرت الظروف بأنه أخذها ساعة ارتكاب الجريمة فبدأ ينفذ خطته وخرج من البنك الذي
يعمل فيه إلى المنيل وأخذ الحقنة وعاد, والبنك لا يقيد مثل هذا الخروج والدخول بل قد
ثبت وجوده بالبنك في هذا اليوم, ذلك فيما لو عصى الممرض أو أبى أن يستجيب لرغبته فيكون
قوله بأنه أخذ الحقنة بعد الظهر مؤيدا بعدم تغيبه عن البنك صباحا, وعاد متحملا هذه
المشقة كلها مرة أخرى من الصيدلية إلى البنك وظل فيه حتى موعد خروج الموظفين ثم ذهب
إلى مسكنه كالعادة وتناول طعامه وهو يفكر ويدبر أمر جريمته, ولما كان بطبيعته ثابتا
كما شهد أصدقاؤه ولاحظته المحكمة, تدبر أهون السبل إلى ارتكاب جريمته وأداة ارتكابها
ووسيلة عدم ظهورها وساعده في تفكيره ما يعتمل في نفسه من حقد دفين نحو أمه وقسوتها
وعصبيتها, ولما كان قد عاش ونشأ أصلا في دار أمه فهو يعرف مخارجها ومداخلها ويعرف الأدوات
الثقيلة والحادة التي فيها والتي تصلح للقتل فلم يكن بحاجة إلى أن يحمل معه أداة القتل
وقد تنبئ عن نيته وهو ليس بالغريب عن الدار, ويعلم أن أمه وحيدة فيها والشقة بالداخل
تقع على شارع آخر والسلم عادة يكون مظلما, وأمه اعتادت أن تقفل كل النوافذ فهو آمن
من أن يراه أحد صاعدا أو في داخل المسكن, وليس أسهل عليه من القضاء على أمه وهو منفرد
بها فهو شاب وهى سيدة عجوز محطمة مريضة, ودليل تصميمه الأول أنه لم يتحدث مع أي إنسان
ولم يخبر زوجته بأنه ذاهب إلى منزل أمه أو أنه كان معها في الصباح بل هيأ سببا لنزوله
فزعم لزوجته أنه ذاهب إلى المعادي لعرض قطعة أرض على من يدعي "البراني" لشرائها
– مع
أنه ثبت أنه لم يتصل به ولم يتفقا على شئ من ذلك ونزل منتويا ارتكاب القتل وسرقة ما
يجده لدى أمه من مال واختلاس ما أخذته عليه من مستندات وما كان يعلم أنها تحتفظ بالإيصالات
الهامة بخزانة البنك, وكان يلبس قميصا وبنطلونا فقط لأن الوقت صيف فلم يكن في وسعه
إخفاء أداة القتل التي لم يكن بحاجة إلى مثلها لما تحتويه الدار مما يصلح لهذا الغرض,
وأراد الله أن يكشف أمره, فأوجد في طريقه أخا زوجته وهو يسكن قريبا منه فرآه الأخ مصادفة
وناداه وسأله عن وجهته فأدعى أنه ذاهب إلى شخص بباب اللوق وطلب منه أن يتركه في ميدان
التحرير ففعل وتركه هناك, ولو كانت زيارته لأمه بريئة ولم يكن قد صمم على ارتكاب جريمته
لما كتم أمرها عن أخ زوجته بل لجعله يصحبه في سيارته إلى منزلها الذي يقع في طريق محل
عمل أخي زوجته, ولكنه آثر هذا الكتمان حتى لا تحيط به الريب فيما لو كشف القتل ولديه
الدليل المقنع على أنه كان مع والدته في الصباح فليس من سبب يدعوه إلى الذهاب إليها
مرة أخرى بعد ظهر اليوم نفسه – وهو ما دافع به عن نفسه ابتداء أمام وكيل النيابة حينما
اتجهت إليه الشبهات – وما أن تركه أخ زوجته بميدان التحرير حتى استقل سيارة أجرة خشية
أن يراه أحد في "الأتوبيس", وليستطيع النزول بعيدا عن المنزل وقد تم له ما أراد فوصل
ودخل متسللا وصعد السلم وهو آمن من رؤية أحد له لأن البواب حديث عهد بخدمة العمارة,
وهو لا يتردد عليها وحتى لا يحدث المصعد صوتا ينبه إليه, وطرق الباب على أمه ففتحته
ولم تستغرب حضوره وربما ظنت أنه عاد ليعتذر إليها لما شعر به من خجل بعد مشادة الصباح,
وكانت أمه تتأهب للنزول – وهو ما لم يكن يعرفه – وبعد أن لبست ملابسها تكلمت مع صديقتها
"روفيه" أمامه تليفونيا لتستحثها على انتظارها بموقف المترو القريب للذهاب لموعدهما
السابق لزيارة شقيق روفيه, ولما دخلت الأم لتأخذ حقيبة يدها من غرفة نومها رأى الطاعن
أن الوقت قد حان لارتكاب جريمته التي أصر وصمم عليها من قبل, فدخل إلى المطبخ الذي
يعرفه وأحضر يد الهون الثقيلة وهى أضمن وأسهل من استعمال السكين التي لو رأتها أمه
لاستغاثت فورا أو اتجهت للباب هربا, وكانت هى إذ ذاك تعد حقيبتها – ذات السوسته – وقد
وضعت بها كيس نقودها ومنظارها ومشطها ومنديلها, وأمسكت معها بكتاب ثم جاءها الجاني
(الطاعن) وفاجأها وضربها على رأسها بيد الهون قاصدا قتلها فسقط الكتاب والحقيبة من
يدها التي لم تكن قد أقفلتها بعد تمهيدا لوضع مفاتيحها عندما تخرج وتغلق باب شقتها
فعقدت المفاجأة لسانها وأخرسها الاعتداء من ولدها وتناثر ما بالحقيبة على أرض غرفة
النوم بالقرب من السرير وفي مدخلها وتناثرت في هذا المكان بعض دمائها التي انبثقت من
جروحها فلوثت الحقيبة والأرض, وقد يكون ضربها مرة أخرى وهربت منه إلى الصالة ولاحقها
وهو يجري خلفها, وكان هو أطول منها قامة فتمكن منها وأثخنها بضربات يد الهون العنيفة
على رأسها تسع مرات أو عشر, وهى تحاول منعه والامساك به ومقاومته بيدها فجرحت ظاهر
يديه بأظافرها, وتمزق قميصه وقطع منه أحد أزراره وتخلخل آخر, وقطع زر "بلوزتها" وسقط
قرطها من أذنها بجوارها وسقطت الصينية والمنضدة الموجودة في وسط الصالة في أثناء ملاحقتها,
ثم وقعت أرضا من عنف الضربات مضرجة بدمائها, ولم يتركها الجاني (الطاعن) بعد سقوطها
بل ضربها بيد الهون على رقبتها مرة أو مرات, ففتتت الضربات عظامها والعظم الغضروفي
من شدتها وعنقها وسدت مسالك تنفسها, فقضت نحبها بالاسفكسيا, وهى بين يدي ولدها الوحيد,
فعمل على أن ينفذ ما قصده من سرقة مالها واستيلائه على ما يجده من مصوغ أو أشياء ثمينة
لا تنم عليه لو أخذها, وعلى مستندات ديونه التي يعلم هو وأختاه أنها لم تأخذها عليه
إلا احتفاظا بحقوق بنتيها قبله إذا جاء أجلها, فبحث في صوان غرفة نومها وفتشه كله وبعثر
أوراقه على الأرض, وكذلك فعل في صوان غرفة النوم الأخرى ثم أخذ ما أراد من مستندات
وأموال لابد أن تكون موجودة لأنها سبق أن سحبت من البنك في أواخر الشهر السابق على
قتلها مبلغ 120 جنيه, وتسلمت أول الشهر معاشها واستحقاقها الشهري في الوقف وقدرهما
37 جنيها, وقيل بأن إحدى ابنتيها ردت لها قرضا قدره 100 جنيه ولم تكن أنفقت من ذلك
شيئا سوى أجرة مسكنها وهى ستة جنيهات ولم تدفع للخادمة أجرها بعد, ولم تكن تنفق الكثير
بالأسكندرية لأنها كانت تقيم ضيفة على ابنتيها, واستولى على السوار الذهبي الذي كان
أول من نبأ عنه – وربما على أشياء غيره ثمينة تتفق مع يسارها, أما الساعة فلم يأخذها
حتى لا تنم عليه لأنها اعتادت حملها ويعرفها أهلها كما ترك القرط "الكورو" لتفاهة قيمته,
وهذا كله يدل على حالة الهدوء التي كان عليها الطاعن عند مقارفته الجريمة وينفي عنه
الشلل العقلي الذي ادعاه, وما قاله من عدم معرفته ما صنعه بأمه, وبدأ يزيل آثار الجريمة
عن نفسه وعن المنقولات وما لمسته يداه الملوثتان فمسح بصماته عنها فلم يترك له بصمة
واحدة على أي من هذه المنقولات مع أنه لمسها جميعا ولم ينس واحدة منها مع كثرتها مما
يؤكد حالة الهدوء العقلي التي كان عليها – وشاء القدر أن ينبهه أن الله له بالمرصاد,
فجاءت السيدة روفية تبحث عن المجني عليها التي تكلمت معها منذ قليل في المسرة في هدوء
ولما طرقت الباب صمت الجاني ولم يجب وبعد قليل عادت أخت روفيه ومعها البواب يطرقان
الباب, فأراد الجاني أن ينجو بنفسه على النحو الذي كان قد دبره ولكن هذه الظروف التي
أتت على خلاف ما قدره من ارتكاب الجريمة بلا مقاومة ألجأته إلى الاتصال بزوجته تليفونيا
من محل الحادث لتحضر له ملابس داخلية وخارجية وحذاء وحقيبته الجلدية التي يستعملها
لحفظ الأوراق وهو بعد قادر على منعها من الارشاد عنه سواء باللين أو بالتهديد, وقد
نفذت الزوجة تعليماته واستقلت سيارة ونزلت بعيدا عن الدار وصعدت على السلم وطرقت الباب
طرقات بسيطة ففتحه لها, وكان قد أعد للأمر عدته وانتظر حضور زوجته وهو عار من ملابسه,
وفي لحظة خاطفة وضع ملابسه الملوثة في الحقيبة وسلمها لها وأخذ الملابس النظيفة وأمرها
بأن تنزل من فورها دون أن يدخلها الشقة, ثم تبعها بمجرد أن ارتدى ملابسه وحمل ما سرقه
في سراويله واستقلا سويا سيارة ذهبت بهما ناحية منزلهما, وكانت زوجته تلح عليه أن يحدثها
عما حدث وهو يرفض, ولما لم تعد تحتمل اضطر للنزول من السيارة الأجرة التي كانا يركبانها
وسارا سويا وهو يرتب في ذهنه ما سيقصه على زوجته. فادعى أنه ذهب إليها مصادفة وأنها
تشادت معه وسبته وأهانته, وأنها حاولت قتله بالسكين ويد الهون ولم يكن في استطاعته
بعد أن فقد شعوره إلا أن يضربها – فأنكرت عليه زوجته مسلكه هذا وتركه والدته التي ربما
لم تكن قد ماتت وأشارت عليه بإبلاغ الشرطة ما دام أنه دافع عن نفسه كما يقول فأجابها
أنها ماتت فعلا, ولما عاد إلى المنزل أخرج ملابسه الملوثة فمزق بعضها وألقاها في دورة
المياه وغلف الباقي وذهب هادئا إلى الحلاق ليقص شعره, وترك زوجته في موجة من التفكير
والعذاب مما دفعها إلى الذهاب إلى والدتها, ورآها وهو لدى الحلاق فاستمهلها إلى أن
أتم زينته ورافقها مستعطفا إياها حتى لا تفشى سره, وهددها بأنها إن باحت بشئ فإنها
تعد شريكته في كل ما فعل, فسكتت. وعادت أدراجها معه تتنازعها العواطف المختلفة ولم
تجد بدا من استدعاء والدتها في الصباح كي تقيم معها عسى أن تهدأ بوجودها, وحدث أن كشفت
الجثة بعد ذلك بأيام وطلب زوجها ولما عاد أخبر والدتها بأن أمه قتلت بسبب السرقة فعادت
إلى الزوجة أفكارها وآلامها. ولما وجهت الشبهات مرة أخرى إلى زوجها, فضبط وحبس لم تستطع
بعدها أن تكتم الأمر وحاسبها ضميرها فكتبت لصديق لهما خطابا كشفت فيه عن أن زوجها هو
قاتل أمه وكاشفت الصديق مشافهة بما سمعته من زوجها وإقراره بقتل أمه, فأبلغ الصديق
في اليوم التالي المحقق الذي استحضر الزوجة فرددت روايتها وأنها لم تذكر في خطابها
أمر ما لفقه لها من أنه كان يدافع عن نفسه لأنها لم تصدقه, وقد أكدت هذه الحقيقة عند
مثولها أمام المحكمة. وطلب زوجها بعد أن أقرت عليه فرفض أن يجيب إلا بعد الإتصال بمحاميه
ولما أجاب صور الواقعة بصور مختلفة وكان أساس تصويره – وهو ما ذهب الدفاع عنه – أنه
قتل أمه لأنه كان يدافع عن نفسه, على أن التحقيقات وما تم أمام المحكمة كله ينفي هذا
الذي قال به ويؤكد أن الطاعن قد انتوى قتل أمه وأجمع رأيه على فعلته ودبر جريمته على
النحو الذي استخلصته المحكمة وارتكبها قاصدا قتلها مصرا عليه, وكان الباعث لديه هو
ما سرقه من أموالها وحتى يرثها بعد ذلك ليستقيم له الأمر وينصلح بعض حاله مما هو فيه
من ضيق مالي, على أن الله شاء أن تكشف جريمته" – دوّن الحكم كل ما سبق في بيان الواقعة
ثم أورد على ثبوتها على هذه الصورة أدلة مستمدة من التحقيقات وما رواه بعض الشهود وأقوال
الطاعن وزوجته, وما تبين من الأدلة المادية والصور والرسوم والقرائن مما يقطع بصحة
تصوير الواقعة على الوجه الذي ارتسم في وجدان المحكمة, ولما كانت الاستنتاجات التي
خلصت إليها المحكمة تتفق مع المنطق والمعقول وقد استدلت في كيفية وقوع الحادثة بما
صح عندها من وجوه الاستدلال التي تؤدي إلى النتيجة التي خلصت إليها ولما كان من حق
محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بساط البحث
الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها, وأن تطرح ما يخالفه من صور
أخرى لم تقتنع بصحتها, ما دام استخلاصها سائغا مستندا إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق
ولها أصل في الأوراق لما كان ذلك وكان الحكم قد عرض إلى الظروف التي كشف فيها الحادث
وتفصيل ما أوردته المعاينة الأولى, وما دلت عليه التحريات الأولية, وأقوال الطاعن قبل
أن يوجه إليه الإتهام وما دلت عليه المعاينة التي باشرتها النيابة العامة, وما ظهر
من الاطلاع على دفتر الصيدلية من ثبوت شراء الطاعن حقنة واحدة فقد وأدوية يوم 17/ 9/
1958 – يوم الحادث – وحقنة أخرى يوم 18/ 9 دون إثبات الساعة التي تم فيها ذلك والتي
حددها عامل الصيدلة حسين مرسي في محضر التحريات بأنه أعطى للمتهم حقنة من مادة "الأكتيسلين"
في الساعة 6.35 أو الساعة 6.45 مساء وكذلك حقنة أخرى في الساعة العاشرة صباحا, وما
دلت عليه أوراق القتيلة من أنها على درجة من الثراء, وما ورد بتقرير الطبيب الشرعي
من أن الإصابات التي شوهدت بيد الطاعن لا يمكن حدوثها من ارتطام يده بالأتوبيس كما
ادعى – وعرض الحكم كذلك إلى ما أقر به الطاعن نفسه قبل أن تتسلط عليه الشبهات وبعد
أن اتجهت إليه, واعتمد على الأدلة المادية الثابتة والآثار الموجودة بالمنزل ووضع المجني
عليها وآثار الدماء المتناثرة من حولها وأداة القتل الملوثة بالدماء وحالة المنزل نفسه
وموقعه ومحتويات غرفه, وإذ استقرت صورة الحادث على النحو الذي استخلصته من تلك الماديات
والأدلة استخلاصا منطقيا سائغا, إذ استقرت صورة الحادث على هذا النحو أثبت الحكم أن
الطاعن هو الذي قتل المجني عليها في دارها وكان مما تناولته المحكمة استدلالا على ثبوت
هذه الجناية في حقه ما قاله عندما أعلن نبأ الحادث وكيفية حضوره إلى محل الحادث الذي
ارتكب فيه جريمته, وقوله أن القتل وقع من سارق اقتحم المنزل على والدته, واستعرض الحكم
كذلك وفي تفصيل كيف حاول الطاعن بعد أن أحاطت به التهمة أن يظهر تعلقه بوالدته وحزنه
عليها وتأكيد وجوده بالصيدلية في الساعة التي حدث فيها القتل وأنه حدد ذلك بالساعة
6.10 من مساء يوم الأربعاء – يوم الحادث – لحقنه بمادة "الاكتيسلين" ومن أنه أخذ حقنة
أخرى في الصباح للتوفيق بين روايته ورواية الممرض, وقد قابل الحكم بين إقرار الزوجة
واعتراف الطاعن ودلل على كذب ما قاله عن كيفية اعتدائه على المجني عليها كما تناول
التقارير الطبية ومناقشة الطبيب الشرعي ومساعدته بالجلسة, ثم عرض إلى حياة المجني عليها
وعلاقتها بولدها الطاعن وتاريخ حياته وتصرفاته وما وقع فيه من أزمات مالية. ولما كانت
الواقعة التي بينها الحكم تتوافر فيها جميع العناصر القانونية لجناية القتل العمد مع
سبق الاصرار, وكان لمحكمة الموضوع أن تتبين حقيقة الواقعة وتردها إلى صورتها الصحيحة
التي تستخلصها من جماع الأدلة المطروحة عليها, وهى ليست مطالبة بألا تأخذ إلا بالأدلة
المباشرة – بل لها أن تستخلص الحقائق القانونية من كل ما يقدم إليها من أدلة ولو كانت
غير مباشرة متى كان ما حصله الحكم من هذه الأدلة لا يخرج عن الاقتضاء العقلي والمنطقي,
ولما كان لا يعيب الحكم أن يكون قد استطرد فأسهب في تناول الظروف التي سبقت الحادث
وبعض تصرفات الطاعن التي بغضته إلى والدته, وتدفقه على المظاهر مما حمله على الاستدانة
وإتيانه في سبيل الحصول على المال ما يحرمه القانون, وما كان يشوب علاقته بوالدته من
جفوة سببها طمعه في مالها – لا يعيب الحكم ما استطرد فيه من ذلك لأن هذه الأمور في
جملتها تتصل بالباعث على الجريمة والدافع له على ارتكابها وهما ليسا من عناصرها القانونية,
كذلك لا يجدي الطاعن ما أورده في طعنه من أن الحكم أسند إليه أنه أخذ بعض مصوغات والدته
وترك بعضها وبعض النقود لم تمتد إليها يده وذلك للعلة التي أوردها الحكم, وكذلك ما
قاله الحكم عن الزرين اللذين وجد أحدهما بجوار الجثة وثانيهما بالحمام, وعن موقف المتهم
عند وقوع الاعتداء – لا يجدي الطاعن إثارة ذلك ما دام هو معترف اعترافا صريحا باعتدائه
على والدته ولم تسايره المحكمة فيما صوره من أنه كان مدافعا عن نفسه, ولأنه واضح من
الحكم أن حديثه في هذه الجزئيات لم يخرج فيه عن الدلالات التي أرجعها إلى الماديات
الثابتة من المعاينة ومن الظروف التي لابست الحادث وتلته, ولم يكن معالجة الحكم لها
إلا انبعاثا منه في طلب الصورة الصحيحة لما حدث, لما كان ما تقدم فإن ما يثيره الطاعن
في الأوجه الخمسة الأول من طعنه لا يكون مقبولا.
وحيث إن مبنى الوجه السادس هو أن الحكم المطعون فيه شابه فساد في الاستدلال على نية
القتل وسبق الاصرار فقد استظهر نية القتل لدى الطاعن من مفاجأته المجني عليها بالضرب
العنيف بيد الهون على رأسها ثم انهياله على رأسها عدة مرات حتى سقطت, واستمراره بعد
سقوطها يضربها على رقبتها وهى ملقاة على ظهرها, ففتتت الضربات عظام الغضروف الدرقي
وأدى ذلك إلى وفاتها. واستدل على سبق الاصرار بزيارة الطاعن لأمه في الصباح وطلبه منها
نقودا ورفضها, وحصول مشادة بينهما, ومن أنه كان في ضائقة مالية فبدأ يفكر في التخلص
من أمه وبدأ يرتب مكان وجوده بعيدا عن مسرح الجريمة ومن أنه لم يخبر زوجته أو أخاها
بعزمه على الذهاب لزيارة أمه وتفكيره في محو آثار الجريمة بمحو بصماته بعد ارتكاب الحادث
وأخيرا من أنه كان يقصد السرقة, وأنه سرق بعض نقود والدته ومصوغاتها فعلا بعد الحادث.
وهذا الذي ذهب إليه الحكم ينطوي على استدلال خاطئ فبالنسبة إلى نية القتل فإن استظهار
الحكم لها من التصوير الذي أورده للواقعة بنى على الحدس وهو تصوير غير سائغ ولم يقم
عليه دليل من الأوراق بل جاء متنافرا مع المعقول, ذلك أن هذا التصوير بنى على أساس
وجود دماء بمدخل غرفة النوم وعلى الحقيبة التي كانت تحملها المجني عليها للخروج بها
والتي وجدت بمدخل الغرفة المذكورة في حين أنه لا دليل من الأوراق على وجود هذه الدماء
ولا محل للاستدلال من وجود الحقيبة وبعثرة محتوياتها في هذا الموضع على صحة التصوير
الذي انتهى إليه الحكم بل أن ذلك يؤيد صحة تصوير الطاعن للحادث, كما أنه يستحيل القول
ببدء الضرب من الأمام أو بمتابعة الطاعن ضرب المجني عليها من الخلف إذ هو منفي مما
ورد بتقرير الطب الشرعي, ويستحيل قطعا أن يتمكن الجاني من ضرب المجني عليها وهى راقدة
على ظهرها على الأرض وأن تصل الضربة إلى رقبتها فتهشمها كما قال الحكم إذ لو صح ذلك
لتهشمت الذقن مع أنها وجدت سليمة, أما التصوير الذي يتفق مع المنطق ويقبله العقل فهو
أن هذه الضربة كانت في أثناء وقوف المجني عليها عندما هاجمت الطاعن ولما بدأ يضربها
على رأسها وهو في غمرة ذهوله من مفاجأتها إياه كي تقتله, مالت رأسها قليلا إلى الوراء
فانكشفت رقبتها وأصابتها ضربة طائشة في أثناء مدافعته عن نفسه وصادفت الغضروف ففتته.
ولا ينفي هذا القول ما ذكره الطبيب الشرعي من أن هذا التفتت لا يحدث إلا إذا كانت الرقبة
مسندة إلى جسم صلب كالأرض, لأن من ينام على ظهره لا تصل رقبته إلى الأرض وأن الطبيب
الشرعي نفسه قرر أمام المحكمة بإمكان حدوث ضربة الرقبة والمجني عليها مستندة إلى البيانو
الذي وجد بجوار الجثة أي في حال وقوفها, ولو صح تصوير الحكم لأدت الضربة إلى كسر العمود
الفقري في منطقة الرقبة وهو ما لم يقل به الطبيب الشرعي, أما تعدد الضربات فإنه دليل
قاطع على نفي نية القتل لا على إثباتها, ذلك أن المعتدي إذا ضرب خصمه في حالة انفعال
فإن مجرد انبثاق الدم أمام عينيه والذعر الذي يصيبه يجعله يكرر الضربات دون وعي, ولو
كان الطاعن يقصد قتل المجني عليها – وهى سيدة عجوز كما وصفها الحكم – لاكتفى وهو في
عنفوان قوته بضربة واحدة على رأسها, وقد قطعت الطبيبة التي أجرت التشريح بعدم وجود
نزيف داخلي بالمخ مما يدل على أن الضربات كانت خفيفة وأن الضارب لم يكن يقصد القتل
بل كان يدافع عن نفسه بحركات متكررة لا شعورية ولولا الضربة الطائشة التي أصابت الرقبة
وسدت المسالك الهوائية لما حدثت الوفاة – أما عن سبق الإصرار فإن ما أورده الحكم لا
يؤدي إلى الاستدلال به على توافره في حق الطاعن وينافي المألوف ولا مأخذ له من الأوراق
– ذلك أن الوقت الذي قضاه الطاعن في زيارة والدته في صباح يوم الحادث لم يكن يسمح له
بمطالبتها بالنقود بل اقتصر على تهنئتها بسلامة الوصول بعد غيبة طويلة, ولم تسمع الخادمة
زكية مصطفى التي كانت موجودة إذ ذاك أية مشادة. أما عن الضائقة المالية فإنه وإن كان
وجودها لا يمكن أن يقوم دليلا على توافر سبق الإصرار, فإن هذه الضائقة لا وجود لها,
واقتراضه من البنك لا يسبب له أي ضيق مالي لأنه يكسب كثيرا من عمليات السمسرة ولا يعدم
صديقا يعينه إلى أن يحصل على الترقية التي وعده البنك بها من أول الشهر التالي للحادث,
أما ما استند إليه الحكم من تدبير الطاعن أمر وجوده بعيدا عن مسرح الجريمة وقت ارتكابها
فقد جاء وليد الخيال مفتقرا إلى الإثبات متنافرا مع المعقول لأنه لا يستقيم أن يثبت
الطاعن نفسه في مكان في الصباح حتى يتيسر له الزعم بأنه كان موجودا به في المساء, وكان
الأولى بالطاعن – لو صح ما يقول به الحكم عن التدبير – أن يأخذ الطاعن الحقنة بعد الظهر
قبل توجهه لإرتكاب جريمته, كما لا يستقيم القول بأن الطاعن كان يستطيع توجيه نظر الصيدلي
إلى أنه أخذ الحقنة ساعة الجريمة في حين أنه لم يتصل به إلا بعد وقوع الحادث بخمسة
أيام وعقب اكتشافه بيومين, وسبق الإصرار لا يستفاد من إعداد دليل البراءة بعد ارتكاب
الحادث, أما عن إخفاء الطاعن أمر ذهابه إلى والدته عن زوجته وأخيها فقد كان الدافع
إليه مجاراة زوجته في نصيحتها إياه بعدم الذهاب إلى والدته حتى لا يطلب منها نقودا
وخشيته من علم زوجته بذهابه إلى منزل عمه الذي سبق أن حرمت عليه الذهاب إليه بسبب غيرتها
من ابنة عمه, ورغبته في حمل والدته على الحضور إلى منزله للتهنئة بميلاد ابنه وإفهام
زوجته أن حضور والدته كان من تلقاء نفسها وليس بناء على طلبه, وهذه العوامل نفسها هى
التي حملته على إخفاء وجهته عن أخي زوجته حتى لا ينهى أمر هذه الزيارة إلى زوجته. أما
الاستدلال من عدم العثور على بصمات للطاعن في مكان الحادث على ثبات أعصابه وهدوئه وتدبيره
للجريمة من قبل فغير سائغ لأن مسح البصمات واقعة لاحقة للقتل ولا يعد دليلا على سبق
الإصرار عليه, وعدم وجود بصمات الطاعن لا يرجع إلى مسحها بل إلى مضي مدة طويلة بين
وقوع الحادث واكتشافه ومحاولة رفع البصمات التي تندثر تحت تراكم الأتربة فوقها – ولا
أدل على ذلك من أن مندوب تحقيق الشخصية لم يجد إلا بصمات الضباط الذين أجروا المعاينة
وهى بصمات حديثة حصلت في يوم رفعها وقبل تراكم التراب عليها. أما الاستناد إلى الباعث
على القتل وحصره في سرقة أموال المجني عليها والإرث فيها بعد ذلك فإنه بنى على الاستنتاج
وعلى ظاهر أقوال الطاعن التي عدل عنها, وينقضه وجود مصوغ المجني عليها ونقودها. وجاء
تعليل الحكم لترك الطاعن هذه الأشياء والعبث بمحتويات غرفة النوم غير سائغ يهدره ما
ذكره الطاعن صراحة من أنه كان يبحث عن منشفة ليجفف بها نفسه بعد أن اغتسل من آثار الدماء
وعن حقيبة صغيرة يضع فيها ملابسه الملوثة التي خلعها, وقد أغفل الحكم التحدث عن واقعة
البحث عن المنشفة, وقال عن الحقيبة أن مثلها لا يوضع داخل الصوان مع أنها من النوع
الذي يستعمله ركاب الطائرات ويسهل طيه ويوضع مثلها داخل الصوان, وثبت من تقرير الطب
الشرعي أنه شوهد بالحقيبة المذكورة تلوثات محمرة – وعلة ذلك أن الطاعن كان قد وضع بها
ملابسه الملوثة بالدماء ثم أخرجها منها ووضعها في الحقيبة التي أحضرتها زوجته. وما
قاله الحكم وهو بصدد بيان اتجاه نية الطاعن إلى السرقة ورغبته في سرقة المستندات الموقع
عليها منه بما يفيد قبضه بعض المبالغ من والدته فإن هذه الإيصالات فضلا عن تفاهة قيمتها
فإنها لم تؤخذ للمطالبة بل لمجرد إثبات حق أختيه وهو مالا يعترض عليه الطاعن, ومما
ينفي مظنة السرقة أن البوليس كان قد استدعى طباخا في العمارة يدعى سعد عطيه لمعاونته
في نقل الجثة وقد استعرف الكلب البوليسي عليه بعد أن شم حقيبة اليد من الداخل ولا يبعد
أن يكون هذا الطباخ قد عبث بالحقيبة أو بغيرها, وأنه وجد السوار فأخذه لنفسه مما ينفي
نسبة سرقته إلى الطاعن ويسقط أسانيد الحكم في القول بتوافر سبق الإصرار.
وحيث إن الحكم المطعون فيه استظهر نية القتل في قوله: "وحيث إنه بالنسبة لما طلبه الدفاع
من اعتبار الواقعة ضربا أفضى إلى الموت لأن المتهم لم يكن يقصد القتل فإن الثابت من
ظروف الدعوى وما تقدم تفصيلا ومن التقارير الطبية وما أورته الصور أنه فاجأ أمه بالضرب
العنيف بيد الهون على رأسها ثم انهال على رأسها مرات أخرى بلا رحمة وبعنف حتى سقطت
بين يديه مضرجة بدمائها, ولم يتركها بعد سقوطها بل انهال عليها ضربا على رقبتها وهى
ملقاة على ظهرها وفتتت الضربات عظام الغضروف الدرقي يدفعه حقده وحفيظته, تلك التي قطعت
أوصال المودة في القربى, بما تتوافر معه نية القتل العمد العدوان وإزهاق الروح وبما
نشأت عنه الصدمة العصبية والارتجاج المخي وانسداد المسالك الهوائية التي انتهت بما
أراده وصمم عليه من قتلها والتخلص منها". ولما كان تعمد القتل هو مسألة موضوعية لم
يعرفها القانون, وكان فضلا عن ذلك أمرا داخليا متعلقا بالإرادة يرجع تقرير توفره أو
عدم توفره إلى سلطة قاضي الموضوع وحريته في تقدير الوقائع, وكان ما أورده الحكم تدليلا
على قيام هذه النية سائغا واضحا في إثبات توافرها لدى الطاعن, لما كان ذلك فلا محل
لما ينعاه الطاعن على الحكم في هذا الصدد.
وحيث إن النيابة العامة أوردت في مذكرتها أن الحكم استند في توافر ظرف سبق الإصرار
إلى أربعة عناصر أولها حاجة المتهم الملحة للمال واستدانته من والدته وثانيها, رفض
المجني عليها إعطاء المتهم ما طلبه من نقود في صباح يوم الحادث, وثالثها إخفاؤه خبر
ذهابه إلى والدته عن زوجته وأخيها وتخفيه في ذهابه إليها, ورابعها إعداده شهودا وتدبير
إخفاء آثار الجريمة قبل ارتكابها. ثم عقبت النيابة على ذلك بأن العنصر الوحيد من بين
هذه العناصر الأربعة الذي يؤدي إلى توافر سبق الإصرار هو إخفاء الطاعن خبر ذهابه إلى
والدته عن زوجته وأخيها وسلوكه سبيل التخفي في ذهابه إليها, أما العناصر الأخرى فبعضها
لا دليل عليه وبعضها الآخر لا يؤدي إلى توافر سبق الإصرار, وما قالته النيابة والطاعن
مردود بأن الحكم لم يحص الأدلة على توافر سبق الإصرار على النحو الذي رسمته النيابة
في مذكرتها وإنما تناول هذا الظرف في عدة مواضع من الحكم عند سرد وقائع الدعوى واتصال
مناسبته للحديث فيه, كما أن العناصر التي حصرتها النيابة ليست هى كل ما أورده الحكم
وإنما هو بعضه فقط, فقد ذكر الحكم عند بيان واقعة الدعوى "إن المتهم بدأ يفكر ويتدبر
الأمر ويحسب للجريمة حسابها وعمل على أن يرتكبها في ظروف لا تدل عليه, فعليه أن يرتب
مكان وجوده بعيدا عن مسرحها ساعة ارتكابها وأن يجهز شهوده على ذلك منذ الآن،… واختمرت
الفكرة في نفسه وهو في طريقه لعمله.." وقال في موضع آخر "وهكذا دبر المتهم الأمر كله
بينه وبين نفسه في روية وهدوء كعادته ونزل بعد الظهر وأخبر زوجته بأنه ذاهب للمعصرة
لعرض قطعة أرض على من يدعى "البراني" ليشتريها, هذا الذي ثبت أنه, لم يتصل به ولم يتفقا
على أي أمر من ذلك, وكان أن نزل من داره منتويا القتل مصرا عليه.." ثم قال الحكم في
موضع ثالثا "إن المتهم انتوى قتل أمه وأجمع رأيه على فعله ودبر جريمته على النحو الذي
استخلصته المحكمة, وارتكبها قاصدا قتلها مع سبق الاصرار عليه وكان الباعث لديه هو ما
سرقه من أموالها وحتى يرثها بعد ذلك ويستقيم له الأمر" وقال كذلك "إن المتهم لم يذكر
في اعترافه أمر مقابلته للضابط (شقيق زوجته) وأنه أوصله لميدان التحرير, بل ذكر أنه
اتصل بوالدته بميدان التحرير وأغفل أمر أخي زوجته فهو قصد ذلك لأنه يعرف بأنها إحدى
القرائن التي تدينه كل الإدانة وتثبت عليه إصراره السابق وتصميمه وتدل على أن ذهابه
لوالدته كان أمرا قد بيته وانتواه ولا يريد أن يعرف به أحد ما… ولو كان ذهابه بريئا
– لا لإرتكاب جريمة لكان قد ذكره لزوجته ابتداء أو لأخيها لما قابله أو لطلب منه أن
يصحبه ولكنه يعلم تمام العلم أنه ذاهب لقتلها وأنه دبر الأمر في نفسه ورتبه منذ الصباح.."
وأثبت الحكم أيضا في أسبابه "أن ميراث المجني عليها مما يطمع فيه إذ أوقف والدها عليها
وعلى إخوتها منازل وعمارات بلغت خمسة عشر منزلا يبلغ إيرادها مائتين وسبعين جنيها ويخص
البنت 12 جنيها شهريا خلاف مبلغ مائة وعشرين جنيها سنويا فضلا عما ستؤول إليه هذه الأوقاف
إلى ملك خاص بعد ذلك للمستحقين… ورتب المتهم الأمر حتى يتخلص منها نهائيا ويرثها
ويرث أموالها المنقولة وحصتها في الوقف وكان هذا الباعث الاجرامي بالتنكر لإنسانيته
وأداه حب المال وحاجته إلى تدبير الجريمة كما تقدم…" وكان يكفي الحكم ما قاله فيما
تقدم تدليلا على توافر سبق الإصرار, ولكن المحكمة رأت أن تزيد هذا التدليل بيانا وتأكيدا
فتناولت ظرف سبق الاصرار مرة أخرى لمناسبة حديثها عن نية القتل وأشارت إلى كل ما سبق
لها أن بينته من الظروف والوقائع التي سردتها فقالت: "أما سبق الإصرار فمتوافر من الظروف
السابقة كلها التي شرحتها المحكمة تفصيلا ومن حاجته الملحة إلى المال وجشعه واستدانته
من أمه وغيرها ومغامرته في الحصول عليه بكل الوسائل حتى على حساب أمانته وشرف وظيفته
وما وصل إليه حاله في الشهر الأخير من الضيق المالي مع كثرة مطالب الحياة ومع اعتقاده
أن أمه في بسطة من العيش وسعة من المال ومع ذلك فإنها تضن عليه ببعض هذا المال مما
لها من معاش واستحقاق في الوقف ورصيد بالبنك فضاق ذرعا بكل ذلك وظن أن هذا منتهى القسوة
عليه وأنه لا سبيل ولا أمل له إلا في الإجهاز عليها ولا مخلص له مما هو فيه إلا في
أن يتخلص منها فيرثها في الوقف وفي أموالها ويأخذ ما لديها فدبر الأمر وفكر فيه وتروى
منذ أن أغلقت بابها دونه في الصباح ورفضت أن تعطيه ما طلب أو بعضه فذهب يرتب جريمته
ويدبر لها ويجهز شهودها من قبل ولم يقل لزوجه ولا لأخيها الذي لقيه مصادفة شيئا عن
ذهابه لها لأنه أعد للأمر جريمته وسلك سبيل التخفي في ذهابه إليها وفي الوصول لها وفي
كيفية قتلها بل دبر أمر كيفية إخفاء آثار جريمته بما يقطع كله في أنه إنما فكر وصمم
وتروى قبل مقارفته جريمة قتل أمه بما يتوافر معه سبق الإصرار". لما كان ذلك, وكان سبق
الاصرار ظرف مشدد ووصف للقصد الجنائي والبحث في وجوده أو عدم وجوده داخل تحت سلطة قاضي
الموضوع, ولما كان هذا الظرف من الأمور النفسية التي قد لا يكون له في الخارج أثر محسوس
يدل عليه مباشرة فللقاضي أن يستنتجه من وقائع الدعوى وقرائنها وظروفها, ما دام موجب
هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلا مع هذا الاستنتاج, وما دامت المحكمة لم تخطئ في
تقدير هذا الظرف كما عرفه القانون, وما دامت الوقائع والظروف التي استخلصت منها ثبوته
وتوافره تؤدي إلى ما رتبته عليها – وأما ما يقوله الطاعن من أن الحكم اعتمد في التدليل
على توافر سبق الإصرار إلى عناصر بعضها لا تنتجه والبعض الآخر لا دليل عليه من الأوراق,
من ذلك حاجة المتهم إلى المال وطلبه نقودا من المجني عليها في صباح يوم الحادث ورفضها
أن تجيبه وأنه بدأ يجهز شهوده من قبل ارتكاب الجريمة مع أن اتصاله بعامل الصيدلية حسين
موسى كي يشهد لصالحه بما ينفي وجوده في مكان الجريمة ساعة ارتكابها إنما حدث بعد إتمام
القتل ما يقوله الطاعن من ذلك مردود بأن الحكم استمد سوء حالة الطاعن المالية ودأبه
على طلب المعونة من المجني عليها ورفضها إجابته من مجموع الوقائع التي سردها والتي
لها أصل في الأوراق, ولما كان مراد الحكم من تدبير المتهم شهودا يشهدون لصالحه هو أنه
كان حريصا على زيارة الصيدلية يوم الحادث وأخذ حقنة قيدت بدفترها بتاريخ ذلك اليوم
دون بيان الساعة التي تم فيها ذلك, وقال الحكم "إن المتهم – لصلته بالعامل – يستطيع
أن يوجه نظره لو تغيرت الظروف لأن يشهد بأنه إنما أخذ الحقنة في الوقت الذي وقعت فيها
الجريمة" ولم يشر إلى أن اتفاقا قد تم بين الطاعن والممرض على الإدلاء بشهادة لصالحه
وما ذكره الحكم في هذا الصدد قد أرادت به المحكمة التدليل على أن الطاعن أتى عملا سابقا
على القتل ليتخذ منه عند الحاجة وبعد ارتكاب الجريمة سندا لدفاعه الأمر الذي يؤكد توافر
سبق الإصرار, لما كان ذلك فإن المحكمة تكون قد كشفت عن قيام الظرف المشدد وقدمت لإثباته
من الدلائل والقرائن ما يكفي للقول بتوافره طبقا للقانون, ولا يقبل من الطاعن الجدل
الذي أثاره حول توافر هذا الظرف.
وحيث إن مبنى الوجهين السابع والثامن من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه شابه قصور في
الأسباب وإخلال بحق الدفاع, كما انطوى على بطلان في الإجراءات ذلك أن الطاعن قام دفاعه
على أن المجني عليها هاجمته بيد الهون والسكين وقد وقر في ذهنه, نظرا إلى ماضي الأسرة,
أنها كانت بسبيل الاعتداء عليه اعتداء جسيما وإنها قد تقتله, فتولاه الذعر والفزع وخلفه
بحالة من الشلل العقلي المؤقت تحلل فيها إدراكه من روابط المجتمع ونواهيه وأصبح لا
يدري على وجه التحقيق ما فعله سوى أنه اختطف منها يد الهون وضربها بها دفاعا عن نفسه
– وأثار الدفاع أن الحالة العصبية والعقلية للمجني عليها كانت قد بلغت حدا من السوء
لا يستبعد معه أن تقدم على قتله بهذه الطريقة, وطلب لذلك سماع شهادة الدكتور مصطفى
زيور آخر الأطباء النفسانيين الذين عالجوها, كما طلب ندب أحد الخبراء من أساتذة علم
النفس الجنائي لإبداء الرأي في حالته النفسية وقت الحادث وما إذا كان قد أصيب بعاهة
عقلية, وتمسك بهذا الدفاع في شتى مراحل الدعوى بما في ذلك مرحلة المحاكمة وجاء رد الحكم
عليه غير سديد إذ نفى إصابة الطاعن بأية آفة عقلية معتمدا على كيفية ذهابه إلى أمه
وإخفائه هذا الأمر وتصميمه على القتل واتخاذ السبل التي تمنع توجيه الشبهة والاتهام
إليه, وطريقة ارتكاب الحادث وتصرفات الطاعن بعد ارتكابه وهى نفس الأسباب التي سبق استناد
الحكم إليها للقول بتوافر ظرف سبق الاصرار, والتي دلل الطاعن على فسادها مما يهدر ما
رتبه الحكم عليها من سلامة عقل الطاعن, وليس أدل على صحة دفاع الطاعن من أنه حين واجهه
المحقق بما ثبت من تقرير الصفة التشريحية من أن الوفاة نتيجة أسفسكيا الخنق أجاب بأنه
دفع المجني عليها بيده وضربها بيد الهون ولا يذكر إن كان قد خنقها أولا, ولو كان الطاعن
يعلم حقيقة ما صنع لذكر في إجابته أنه لم يخنق المجني عليها وقد ثبت فعلا من تقرير
الطب الشرعي النهائي أن المجني عليها لم تصب بخنق بل باختناق نتيجة كسر الغضروف الدرقي,
ومؤدى ذلك أن رد الحكم على هذا الدفاع لم يكن سائغا, كذلك لم يرد الحكم على ما طلبه
الدفاع من ندب أحد خبراء علم النفس لبيان حقيقة حالة الطاعن النفسية وقت ارتكاب الجريمة,
وسماع شهادة الدكتور مصطفى زيور, كما لم يعن بالرد على حالة الدفاع الشرعي فجاء رده
قاصرا, وقصر في الرد أيضا على ما دفع به الطاعن من أن الحادث لا يعدو أن يكون ضربا
أفضى إلى الموت واستند في ذلك إلى التصوير الذي صوره للواقعة وقد سبق بيان فساده وفساد
الاستدلال عليه, هذا إلى أن الحكم قد استند إلى أقوال الدكتورة فاطمة الملاحظ بالجلسة
واستخلص منها حصول مقاومة من المجني عليها للطاعن وأنه تعمد قتلها على الرغم من عدم
بيان صفة هذه الشاهدة في محضر جلسة المحاكمة وعدم حلفها اليمين القانونية طبقا لنص
المادة 283 من قانون الإجراءات الجنائية, كما اعتمد الحكم على أقوال مترجم لم يحلف
اليمين حين استمعت المحكمة إلى الشاهدة لندا مورو التي لا تعرف اللغة العربية, وعلى
الرغم من ذلك استند على ما قالته من أن الطاعن وقت أن كان بمنزلها أخبرها بأنه لا يريد
رؤية والدته التي كانت ستحضر لزيارتها, وهذا الإجراء مثل سابقه مخالف للقانون يبطل
الشهادة ويحول دون الاستناد إليها فيما قاله الحكم من أن الطاعن كان يحقد على أمه ولا
يرغب في رؤيتها وبأنه كاذب فيما قرره من أنه لم يستطع انتظارها لحلول ميعاد عمله في
البنك, مع أن ذلك كان يوم أحد وذلك على الرغم من أن البنوك تعمل يوم الأحد وتغلق في
أيام الجمع – كما استند الحكم إلى أوراق محررة بلغة أجنبية لم يطلع عليها الدفاع في
شأن ما استخلصه منها من قيام علاقة طيبة بين الطاعن ووالدته, مع أن هذه الخطابات لم
تكن مضمومة إلى أوراق الدعوى ولم تكن مترجمة ترجمة قانونية وفي هذا إخلال بحق الدفاع
وبطلان في الإجراءات يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن دلل على توافر سبق الإصرار لدى الطاعن عرض إلى ما
دفع به من أنه كان في حالة دفاع شرعي فقال: "وهذا كله ينفي كذلك ما ادعاه من أنه كان
يدافع عن نفسه وما صوره من كيفية ارتكاب الجريمة ذلك التصوير الخيالي الذي ارتآه هو
والذي كذبته فيه الدلائل المادية وقرائن الأحوال السابقة من أن السكين لم تستعمل أصلا
والجرح الذي به ليس من سكين وأنه لم يصب بأذى ولم يكن هناك ما يدفع لهذا الأذى من أم
أحبت ولدها وما تزال تحبه وساعدته ما وسعتها المساعدة في كل الظروف كما تبين وأشفقت
عليه في محناته بالرغم من عقوقه ونكرانه للجميل". لما كان ذلك, وكان ما أورده الحكم
في نفي حالة الدفاع الشرعي مستمدا مما أثبته من عناصر مردودة إلى أصلها بالأوراق بما
يدحض التصوير الذي صوره الطاعن للواقعة, وكان تقدير الوقائع المؤدية إلى قيام حالة
الدفاع الشرعي أو عدم قيامها هو من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل
فيها, فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشق من الطعن لا يكون سديدا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه تناول دفاع الطاعن من أنه كان في حالة فقد فيها شعوره وإدراكه
واختياره وقت ارتكاب الحادث ورد عليه بقوله: "وحيث إنه ابتداء فيما يختص بما قاله الدفاع
من أن المتهم كان في حالة فقد فيها الشعور والاختيار فإن تصرفات المتهم قبل الحادث
وبعده ووقت الحادث كلها كانت تدل على ثباته وعقله وعلمه بما يفعل وفعل, ولم يكن لديه
انحراف فلم يثبت ولم يقم أي دليل على أنه كان في حالة جنون أو عاهة عقلية افقدته شعوره
واختياره بل كان تفكيره الارادى والشعوري قائما – من كيفية ذهابه لأمه وعدم ذكر ذلك
لأحد وتصميمه على القتل واتخاذ الطرق التي تمنع من أن يوجه اتهام إليه أو اشتباه من
طريقة صعوده المنزل ودخوله فيه وارتكاب الحادث – وبعده – من مخاطبة زوجته وحديثه معها
ومصاحبتها ومسح بصماته وغسل أداة القتل والبحث عما كان يريد أخذه من نقود ومصوغات وأوراق
ثم بعد كشف الجثة – من تصويره الواقعة وإلقاء الشبهات على سارق مجهول أمام المحقق الأول
ولصديقه الذي رافقه, واقتراض النقود في اليوم التالي – كل ذلك يقطع في تمام شعوره وإدراكه
لما فعل وارتكب وأنه كان قادرا إذ ذاك على التمييز بين الخطأ والصواب, ومثل هذا القول
بعدم المسئولية للجنون أو الشلل الذهني الذي أسماه الدفاع لا يقبل قانونا ما لم يثبت
بجلاء أن المتهم كان وقت ارتكاب القتل يعاني قصورا في الادراك والتمييز بسبب مرض في
العقل بحيث لا يستطيع أن يعرف طبيعة العمل الذي يقارفه والجرم الذي يرتكبه الأمر الذي
تنفيه كل الظروف المتقدمة" لما كان ذلك, وكان هذا الذي أثبته الحكم هو تقدير للوقائع
المعروضة على المحكمة في حدود حقها, وكانت المحكمة غير ملزمة بندب خبير إذا هى رأت
أن ما طلبه الدفاع من استطلاع رأي الطبيب النفساني لا يستند إلى أساس جدي للأسباب السائغة
التي أوردتها, وهى بعد ذلك لا تكون في حاجة إلى أن تستعين برأي طبيب في الأمراض العقلية
أو النفسية في أمر تبينته من عناصر الدعوى وما بوشر فيها من تحقيقات, وفضلا عن ذلك
فإن الطاعن لم يسلك الطريق الذي رسمه القانون في المواد 185 و186 و187 من قانون الإجراءات
الجنائية بالنسبة إلى الشهود الذين يطلب إلى محكمة الجنايات سماعهم ولم تدرج غرفة الإتهام
أسماءهم في قائمة الشهود, فلا تثريب على المحكمة إن هى لم تجب طلب الدفاع سماع الطبيب
الذي كان يعالج والدته, لما كان ذلك, وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من
سماعه أقوال الدكتوره فاطمة الملاحظ الطبيبة الشرعية والمترجم فؤاد سليم الذي تولى
ترجمة أقوال الشاهدة السيدة لندا مورو دون تحليفهما اليمين القانونية مردود بأن هذا
الإجراء قد تم بحضور محامي الطاعن في جلسة المحاكمة دون اعتراض منه عليه مما يسقط الحق
في الدفع ببطلانه, فضلا عن أن المحكمة قد سمعت أقوال الدكتورة فاطمة الملاحظ بوصفها
خبيرا لا شاهدا فلا تلزم بحلف اليمين أمام المحكمة ما دامت قد أدت يمينا عند مباشرتها
لوظيفتها مما يغني عن تحليفها في كل قضية تحضر فيها أمام المحاكم, وكان ما يعيبه الطاعن
على الحكم المطعون فيه من اعتماده على الخطابات المحررة بلغة أجنبية التي تبادلها الطاعن
ووالدته والتي لم يطلع عليها الدفاع, لا يقدح في سلامة الحكم لأن ما استخلصه منها مقصور
على التدليل على حسن العلاقة بين الطاعن ووالدته وقت تحرير تلك الخطابات وهى واقعة
لا أثر لها في الحكم بإدانة الطاعن, لما كان ذلك, فإن ما يثيره الطاعن في هذين الوجهين
لا يكون له محل.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.
