الطعن رقم 321 سنة 15 ق – جلسة 05 /02 /1945
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 635
جلسة 5 فبراير سنة 1945
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة، وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد محمد حسن بك وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك المستشارين.
القضية رقم 321 سنة 15 القضائية
( أ ) دفاع شرعي. تجاوز حدوده بحسن نية. المادة 251 عقوبات. كل
ما تقتضيه ألا تبلغ العقوبة الموقعة في هذا الحالة الحد الأقصى المقرّر للجريمة التي
وقعت. تطبيق المادة 17 عقوبات. للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها في حدود ذلك القيد
وما هو مقرّر بالمادة 17 عقوبات. متى يتعين على المحكمة أن تعتبر المتهم معذوراً وتنزل
بالعقوبة إلى ما دون الحد المقرّر بالمادة 17 عقوبات؟ إذا وجدت أن ظروف التجاوز تقتضي
ذلك.
(المادة 215 ع = 251)
(ب) قول الحكم إن ضربة واحدة كانت تكفي لردّ الاعتداء. عدم تعيين الضربة التي أحدثت
الوفاة. توقيع عقوبة على المتهم تدخل في نطاق العقوبة التي يصح توقيعها عليه جزاء عن
الضربات التي وقعت منه. لا جدوى للمتهم من عدم تعيين الضربة القاتلة.
1 – إذا كانت المحكمة قد اعتبرت المتهم متجاوزاً حدود الدفاع الشرعي بحسن نية، ومع
ذلك فإنها أوقعت عليه – بناء على المادة 17 – عقوبة الحبس بدلاً من عقوبة الأشغال الشاقة
أو السجن المنصوص عليها في المادة 236 لجناية الضرب المفضي إلى الموت التي وقعت منه،
فلا يصح من المتهم أن ينعى عليها أنها أخطأت في حقه. فإن كل ما تقضيه المادة 251 الخاصة
بتجاوز حد الدفاع هو ألا تبلغ العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرّر لعقوبة الجريمة
التي وقعت. وفي حدود هذا القيد يكون للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها مناسبة نازلة
بها حتى الحد المقرّر بالمادة 17 عقوبات إلا إذا وجدت أن ذلك لا يسعفها نظراً لما استبانته
من أن التجاوز كان في ظروف تقتضي النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد، فعندئذ، وعندئذ
فقط، يكون عليها أن تعدّه معذوراً طبقاً للمادة 251 المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس
لمدة يجوز أن تكون أربعاً وعشرين ساعة.
2 – إن هذا الحكم وقد قال عن ضربة واحدة من الضربات التي أوقعها المتهم كانت تكفي لشل
حركة المجني عليه وردّ اعتدائه يكون قد أفاد أن المتهم كان في حالة دفاع شرعي تبرر
الضربة الأولى، وأن الضربات الأخرى التي تلتها لم يكن لها من مبرر. وما دام الحكم لم
يعين هذه الضربة، ولما كان من المحتمل أن تكون هي هي التي تسببت عنها الوفاة، وكان
المتهم يجب أن يستفيد من كل شك، فإنه كان يصح القول بأن هذا المتهم ما كان يستأهل أية
عقوبة عن الضربة التي سببت الوفاة لو لم يكن الحكم قد أثبت أن هناك ضربات أخرى لم يكن
لها مبرر والعقوبة التي أوقعها مما يجوز أن يحكم به جزاء على تلك الضربات الأخرى وحدها.
المحكمة
وحيث إن مبنى الوجه الأوّل من وجهي الطعن أن الحكم المطعون فيه
لم يبين علاقة السببية بين الضرب الذي وقع من الطاعن ووفاة المجني عليه، فإن الأدلة
التي اعتمدت عليها المحكمة في قضائها بإدانة الطاعن في جناية الضرب المفضي إلى الموت
لا تقطع في توافر هذه العلاقة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله "إن الحادث يتحصل في أن المتهم
أحمد حمادي محمد (الطاعن) كان بائتاً في زراعته بأراضي ناحية القارة ليلة 24 يونيه
سنة 1944 الموافق 3 رجب سنة 1363 لحراستها وكان ينام على بعد عشرة أقصاب منه مزارع
عنده يدعى جرجس خليل سيفين بجوار الساقية، وبعد منتصف الليل شعر المتهم بحركة في تبن
العدس القريب منه، فقام لاستكشاف هذه الحركة، فوجد المجني عليه عبد الحكم محمد، وهو
من أبناء عمومته، وقد ملأ شوالا من ذلك التبن بقصد سرقته، وكان الليل مظلماً، وكان
مع المتهم عصا، فانهال بها ضرباً على المجني علية المذكور حتى أفقده النطق، وفارق الحياة
إذ ضربه حوالي الست ضربات منها خمس على رأسه والسادسة على أليته، وأحدث به إصابات أخرى
وكسور بالجهة اليسرى من الصدر. ثم نادى على جرجس خليل سيفين السالف ذكره وكلفه باستدعاء
رجال الحفظ، ففعل، وما إن حضر رجال الحفظ والعمدة إلا ووجدوا المجني عليه ميتاً، وسألوا
المتهم فأخبرهم بما ذكر". وبعد أن أورد الأدلة التي أعتمد عليها في ثبوت هذه الواقعة
قال "إنه تبين من تقرير الصفة التشريحية أنه وجد بالمجني عليه جرح رضي بالجبهة فوق
حاجب العين اليمنى قاطع للجلد والأنسجة، وجرح آخر رضي بفروة الرأس مقابل الجدارية اليسرى
طوله 2 سم قاطع للجلد والأنسجة، وجرح آخر رضي مقابل الجدارية اليمني طوله 2 سم قاطع
للجلد والأنسجة، وجرح رابع رضي بفروة الرأس مقابل العظمة الخلفية طوله 3 سم قاطع للجلد
والأنسجة، وجرح خامس رضي بفروة الرأس مقابل الخلفية قاطع للجلد والأنسجة، ويوجد كدمات
بالجهة اليسرى للصدر مقابل زوايا الضلوع اليسرى متعدّدة لا تقل عن عشرة كدمات، كما
يوجد كدم بالألية اليسرى قريب من عظمة الحوض اليسرى، ووجدت الضلوع اليسرى من السادس
للثاني عشر مكسورة كسوراً بسيطة بالقرب من زاوياها. ويرجح حدوث هذه الإصابات من الاصطدام
بجسم صلب راض كالعصا وما أشبه، ولوحظ أن جروح الرأس كانت قليلة الإدماء أما الوفاة
نتيجة نزيف داخلي بسبب تمزق الطحال بسبب ضغط الضلوع المسكورة اللاصقة به وأن المجني
عليه أصيب بضربات متعدّدة. وبأخذ رأي الطبيب الشرعي بقسم قنا عن سبب وكيفية حصول الإصابات
الكدمية التي بالصدر من الجهة اليسرى أبدى أنه بسبب أن إصابات الضلوع اليسرى لم توصف
وصفاً دقيقاً بالتقرير الطبي ولا ذكرت أمكنتها بالضبط ولا أشكالها وأبعادها ومواقعها
بالنسبة لبعضها لا يمكنه البت بصفة قاطعة عما إذا كانت نتيجة ضربات متعدّدة أم نتيجة
صدمة واحدة بمعنى أنها إن كانت على استقامة واحدة وبشكل واحد وواقعة على بروز الأضلاع
عند الزوايا فمن الجائز أن تكون كلها نتيجة ضربة واحدة وقد تحدث وهو واقف أو وهو راقد
كما تحدث من سقوطه على الأرض واصطدامه بها بشدّة. وأيد رأي الطبيب المشرح في أن سبب
الوفاة من إصابات الصدر وما صحبها من تمزق بالرئة اليسرى والطحال والنزيف الداخلي والصدمة
العصبية". وفي ذلك ما يكفي لبيان أن وفاة المجني عليه إنما نشأت عن الإصابات التي أحدثها
به الطاعن بمعنى أنه لولا هذه الإصابات لما حصلت الوفاة. ولا يمنع من ذلك قول الطبيب
الشرعي باحتمال حصول إصابات الضلوع اليسرى التي تسببت عنها الوفاة من سقوط المجني عليه
على الأرض، واصطدامه بها بشدّة، ما دامت المحكمة قد استخلصت من وقائع الدعوى وأدلتها
أن الطاعن هو الذي أحدث عمداً الإصابات التي نشأت عنها الوفاة.
وحيث إن محصل الوجه الآخر أن الدفاع عن الطاعن تمسك أمام محكمة الجنايات بأنه حين أوقع
فعل الضرب على المجني عليه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه وماله، وأن أقصى ما يمكن
أن يسند إليه أنه تجاوز بحسن نية حدود هذا الدفاع، ولكن المحكمة نفت قيام حالة الدفاع
الشرعي، ولم تعتبر الطاعن معذوراً طبقاً لنص المادة 251 عقوبات، وجاء ردّها على ما
أثاره الدفاع في هذا الصدد قاصراً وغير متفق وحكم القانون.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد ردّ على دفاع الطاعن المشار إليه بقوله: "إنه قد ثبت
من أقوال العمدة أن المتهم كاذب فيما يدّعيه من أن شخصين آخرين كانا مع المجني عليه
لأنه لم يخبره بذلك. والواقع أيضاً يكذبه في هذا الادّعاء لأن سرقة تبن العدس وهو قليل
القيمة لا يستحق أن يتفق ثلاثة أشخاص على ارتكابها؛ فيسقط بذلك هذا الوجه من الدفاع.
أما الدفاع عن المال فقد تجاوزه المتهم لأن المجني عليه كان بمفرده وكانت تكفي ضربة
واحدة لشل حركته ولكن المتهم انهال عليه بضربات متعدّدة ومتكررة حتى قضى عليه." وانتهى
إلى القول بوجوب عقاب الطاعن على جريمة الضرب المفضي إلى الموت مع أخذه بالرأفة طبقاً
للمادة 17 عقوبات نظراً لظروف الدعوى وملابساتها، وأوقع عليه عقوبة الحبس مع الشغل
لمدّة سنة.
وحيث إنه يبين مما أورده الحكم على الوجه المتقدّم أن المحكمة اعتبرت الطاعن قد تجاوز
حدود الدفاع الشرعي بحسن نية، وراعت ذلك في حدود سلطتها إذ أوقعت عليه عقوبة الحبس
بدلاً من عقوبة الأشغال الشاقة أو السجن المنصوص عليها في المادة 236 عقوبات. وإذن
فلا يجوز النعي عليها بأنها أخطأت في حق الطاعن لأنه يصح في القانون أن تكون العقوبة
في حالة تجاوز حدود الدفاع هي العقوبة المقرّرة للجريمة متى كانت العقوبة التي توقع
لا تصل إلى الحدّ الأقصى الوارد في النص الأصلي، أو متى كانت من باب أولى بناء على
مقتضى المادة 17 عقوبات دون الواردة في النص، إذ المحكمة ليست ملزمة في هذه الحالة
بأن تعتبر المتهم معذوراً وتوقع عليه عقوبة الحبس بمقتضى المادة 251 عقوبات إلا إذا
رأت من ظروف التجاوز أن المتهم يستحق على فعلته أقل من العقوبة التي يجوز توقيعها بمقتضى
المادة 17 عقوبات. فعندئذ وعندئذ فقط توقع عليه عقوبة الحبس لمدّة يجوز أن تكون 24
ساعة، وذلك بناء على المادة 251 المذكورة، فإذا هي كانت لم تر النزول بالعقوبة إلى
أقل مما تجيزه المادة 17 فلا يصح أن ينسب إليها أي خطأ.
وحيث إنه يلاحظ على الحكم أنه حين قال إن ضربة واحدة كانت تكفي لشل حركة المجني عليه
وردّ اعتدائه عن الطاعن، قد أفاد أن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي تبرر الضربة الأولى،
وأن الضربات الأخرى التي تلتها لم يكن لها من مبرر. ولما كان من المحتمل أن تكون الضربة
الأولى هي التي تسببت عنها الوفاة، لأن الحكم لم يعين الضربة الأولى، ولأن المتهم يجب
أن يستفيد من كل شك، فإنه يصح، مجاراة للطاعن، القول بأنه ما كان يستأهل أية عقوبة
عن الضربة التي سببت الوفاة. إلا أن ذلك لا يجديه ما دام الحكم قد أثبت أن هناك ضربات
أخرى لم يكن لها مبرر، وما دامت العقوبة التي وقعت يجوز أن يحكم بها جزاء على تلك الضربات
الأخرى وحدها.
