الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1594 سنة 14 ق – جلسة 08 /01 /1945 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 581

جلسة 8 يناير سنة 1945

برياسة حضرة صاحب السعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد محمد حسن بك وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك المستشارين.


القضية رقم 1594 سنة 14 القضائية

بلاغ كاذب. عجز المبلغ عن إثبات الوقائع المبلغ عنها. أخذه دليلاً على كذبها. ليس ذلك صحيحاً على إطلاقه. قياس مقدّم البلاغ على من يقذف في حق الموظفين العموميين. قياس مع الفارق. تبرئة المتهم من تهمة البلاغ الكاذب بناء على أن عجزه عن إثباتها لا ينهض دليلاً على كذبها. لا خطأ فيه.
(المادتان 263 و264 ع = 304 و305)
إن القول في جريمة البلاغ الكاذب بأن عجز المبلغ عن إثبات الوقائع المبلغ عنها يؤخذ دليلاً على كذبها ليس صحيحاً على إطلاقه. لأن التبليغ عن الجرائم من الحقوق المخوّلة للأفراد بل هو من الواجبات المفروضة عليهم. وقد نصت المادة 304 ع على أنه لا يحكم بعقوبة ما على من يخبر بالصدق عدم سوء القصد الحكام القضائيين أو الإداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعله. وتحقيق البلاغات والبحث عن صحتها وكذبها من شأن السلطة الموكول إليها إجراء التحقيقات الجنائية. وقد نصت المادة 29 من قانون تحقيق الجنايات على أنه: "إذا رأت النيابة العمومية من بلاغ قدّم لها أو محضر محرّر بمعرفة أحد رجال الضبط أو من أي إخبار وصل إليها وقوع جريمة فعليها أن تشرع في إجراءات التحقيق التي ترى لزومها لظهور الحقيقة بناء على أوامر تصدرها إليهم بذلك…". وتلك السلطة مقرر لها في سبيل التحقيق أن تفتش المنازل والأشخاص، وأن تعاين الأمكنة وتجمع الأدلة المادية، وتندب الخبراء، وتستجوب المتهمين فتحصل منهم على أدلة لهم أو عليهم، وتسأل الشهود، سواء في ذلك من يقول عنهم مقدّم البلاغ أو غيرهم، إلى آخره، مما مفاده بالبداهة أن مقدّم البلاغ ليس هو وحده المطالب بالإثبات وإن كان لا مانع من سؤاله أثناء عميلة التحقيق عما يكون لديه من أدلة على صحة بلاغه حتى إذا قال بعدوله عنه أو إنه لا دليل لديه على صحته، فإن النيابة تسير في إجراءاتها وتحقق الأدلة التي يوفقها عملها هي إليها. فإن انتهى تحقيقها إلى ثبوت صحة البلاغ فيها وإلا عدّت الواقعة التي قدّم البلاغ عنها غير ثابتة، لا على أساس أن المبلغ عجز عن إثبات بلاغه بل على أساس أنها هي لم توفق إلى الإثبات من واقع الأدلة التي حصلت عليها، ومنها ما أمكن المبلغ أن يتقدّم به. ولذلك فإنه في الشرائع الأخرى لا ترفع دعوى البلاغ الكاذب على المبلغ إلا إذا ثبت صحة البلاغ بقرار أو حكم قضائي يصدر بناء على تحقيق أو دعوى في خصوص الجريمة المبلغ عنها. وهذا القرار أو الحكم لا يمكن بداهة أن يكون أساسه عجز المبلغ عن إثبات بلاغه وإنما أساسه أن سلطة الاتهام لم تتوصل إلى إثبات وقوع الواقعة من المتهم. وعلى هذا فإن قياس من يقدم البلاغ عن الجريمة إلى الحكام المختصين بالتحقيق على من يقذف علناً في حق الموظفين العموميين يكون قياسياً مع الفارق. لأن القانون في صدد الطعن على الموظفين قد جاء بنص صريح على من نشر المطاعن أن يقيم الدليل على صحتها، وما ذلك إلا لما ارتآه الشارع، للغرض السامي الذي قصد إلى تحقيقه، من أن مصلحة الجماعة تقضي بأن المطاعن لا يصح أن تساق علناً وجزافاً على موظفي الدولة ما لم يكن الطاعن تحت يده الدليل على صحتها. وذلك على خلاف التبليغ عن الجرائم، فإن الشارع لا يمكن أن يكون قد قصد منع التبليغ ما لم يكن المبلغ واثقاً من صحة البلاغ بناء على أدلة لديه، إذ ذلك لو كان من قصده لكان من شأنه الإضرار بالمصلحة أي إضرار. وإذن فإن المحكمة إذا رأت من الأدلة القائمة في الدعوى والتي فصلتها في حكمها أنها لا تستطيع القطع بكذب الوقائع التي تضمنها البلاغ، وأن عجز المبلغ عن إثباتها لا ينهض دليلاً على كذبها، وبناء على ذلك برأته من تهمة البلاغ الكاذب، فلا يصح أن ينعى عليها أي خطأ.


المحكمة

وحيث إن مبنى الطعن المقدّم من المدعي بالحقوق المدنية أن الحكم الاستئنافي المطعون فيه حين قضى بالبراءة ورفض الدعوى المدنية لم يفند أسباب الحكم الابتدائي القاضي بالعقوبة والتعويض. فقد صرف النظر عن تحقيقات البوليس بمقولة إنها قاصرة عن إظهار الحقيقة دون أن يوضح هذا القصور ومداه وأثره في الإثبات، ولم يذكر شيئاً عن تحقيقات المحكمة ولا عن الأدلة الأخرى التي اعتمد عليها الحكم الابتدائي. ثم إنه قال إنه لأجل ثبوت جريمة البلاغ الكاذب يجب أن يثبت كذب الوقائع الواردة في البلاغ، وإنه لا يؤخذ من عجز المدعي عن إثباتها دليل على أنها مكذوبة. وهذا القول، فضلاً عن مخالفته لما استقر عليه القضاء، فإنه يخالف الواقع. إذ الثابت من أقوال الشهود الذين استدل بهم المطعون ضدّهم أنفسهم في بلاغاتهم أن الوقائع الواردة في تلك البلاغات كلها مكذوبة، بل إن البلاغات نفسها مزوّرة. ولذلك يكون الحكم المطعون فيه قاصراً في بيان الأسباب التي أقيم عليها ويتعين نقضه.
وحيث إن واقعة الدعوى، كما يؤخذ من الحكمين الابتدائي والاستئنافي، تتحصل في أن المطعون ضدهم الثلاثة أبلغوا مأمور مركز أجا بتاريخ 13 نوفمبر سنة 1942 بأن الطاعن يبيع السكر بثمن يزيد على السعر المقرّر، وأنه يختزنه في منزله، وأنه تسلم كمية السكر المخصصة لتجارته من المركز بتاريخ 26 سبتمبر سنة 1942 وامتنع عن بيعها، وأنهم سبق أن قدّموا شكويين الأولى بتاريخ 17 سبتمبر سنة 1942 إلى مدير الدقهلية، والأخرى بتاريخ 19 سبتمبر سنة 1942 إلى رئيس النيابة فلم يعمل تحقيق فيهما. وقد اعتمد الحكم الابتدائي في القول بكذب البلاغ على أن الأشخاص الذين نسب إليهم في الشكوى المقدّمة من المطعون ضدّهم أنهم اشتروا بثمن يزيد على السعر المقرّر وقدّموا شكاوى ضدّ الطاعن، نفوا جميعاً ما نسب إليهم إذ قالوا إنهم لم يقدّموا أية شكوى ولا يعلمون أن الطاعن يبيع بثمن أزيد من السعر الجبري. كما أستند إلى اعتراف المطعون ضدّه الأوّل بأنه هو الذي كتب بخطه جميع التوقيعات التي على البلاغ اعتماداً على أنه سبق أن تقدّمت منه ومن باقي المطعون ضدّهم شكاوى أخرى، وعلى أنه ثبت من التحقيق الذي أجراه البوليس أن التبليغ كان غير صحيح، وثبت من دفتر الطاعن أن المطعون ضدّه الأوّل اشترى منه نصف أقة من السكر بثمن لا يزيد على السعر المقرر لا أقة بثمن يزيد على ذلك السعر كما يزعم المطعون ضدّه المذكور. وأن الطاعن أشر في نهاية حسابه بعدم معاملة المطعون ضده المذكور في المستقبل لسوء معاملته، وأن المطعون ضده الثالث لم يستطع لا في التحقيق ولا أمام المحكمة إثبات أنه اشترى أقتي سكر من الطاعن بثمن يزيد على السعر المقرر، وأن المطعون ضده الثاني اعترف في الجلسة بأنه الكاتب للشكوى بخطه دون أن يوقع عليها بإمضائه. ثم قال إنه "يؤخذ من مجموع ما تقدّم أن المتهمين الثلاثة (المطعون ضدّهم) كونوا عصبة ضدّ المجني عليه (الطاعن) وقدّموا بلاغهم الكاذب وهم يعلمون كذبه ومع سوء القصد وبنية الإضرار، وثبت كذبهم وعدم استطاعتهم تقديم أي دليل على صحة اتهامهم للمجني عليه، سواء أكان في التحقيق أم أمام هذه المحكمة، سوى أقوال أرسلوها وقد أنكرها عليهم من زعموا أنهم اشتروا من المجني عليه بالسعر الزائد قانوناً". أما الحكم المطعون فيه فقد استند في قضائه بالبراءة ورفض الدعوى المدنية إلى ما قاله من: "أن الشكويين الأوليين قد أحيلتا إلى مركز أجا، وبالاستعلام عما تم فيهما ردّ المركز بعدم استدلاله عليهما. وأن اختفاء هاتين الشكويين وعدم معرفة ما تم بشأنهما يحول دون القطع بالكذب ما جاء بهما. وأن ضياع الشكويين كان له أثره في نفوس الشاكين. من ذلك أن عبد الفتاح حبروش أحد الشاكين عندما سئل نفى ما أسند إلى المدّعي بالحق المدني، ولما ووجه بالشكوى التي تحمل توقيعه والمرسلة إلى معالي وزير التموين أقرّ بصدورها منه. وأنه نسب إلى المدّعي بالحق المدني (الطاعن) أنه يختزن السكر وأنه امتنع عن بيع السكر المسلم إليه في 26 سبتمبر سنة 1942. وهذه الوقائع لم يتناولها تحقيق. وأنه لأجل ثبوت جريمة البلاغ الكاذب يجب أن يثبت كذب الوقائع الواردة في البلاغ، ولا يؤخذ من عجز المدّعي عن إثباتها دليل على أنها مكذوبة. خصوصاً وأنه يلاحظ أن التحقيقات التي أجراها البوليس كانت قاصرة عن إظهار الحقيقة، والتحقيقات التي أجرتها محكمة أوّل درجة جاءت متأخرة، وأن الشكوى المؤرّخة 11 سبتمبر سنة 1942 أعيدت إلى النيابة دون تحقيق. وأنه يلاحظ أن محقق البوليس كان متشبعاً بكذب البلاغات إلى حدّ أنه أثبت ذلك في محضر تحقيق الشكوى الوحيدة التي تناولها التحقيق. وأنه تبين من كل ما تقدّم أن كذب البلاغات المقدّمة من المتهمين (المطعون ضدّهم) غير مقطوع به. ومن ثم تكون التهمة المنسوبة إليهم على غير أساس".
وحيث إنه يبين مما تقدم أن المحكمة الاستئنافية قد رأت – بناء على الأدلة التي أوردتها والتي من شأنها أن تؤدّي إلى ما رتبته عليها – أنها لا تستطيع القطع بكذب الوقائع التي تضمنتها البلاغات موضوع الدعوى. ومتى كان الأمر كذلك فإن الحكم يكون سليماً ولا عيب فيه من النواحي المشار إليها في أسباب الطعن. أما قول الطاعن بأن عجز المبلغ عن إثبات الوقائع المبلغ عنها يؤخذ دليلاً على كذبها فهو قول غير صحيح على إطلاقه. ذلك لأن التبليغ عن الجرائم من الحقوق المخوّلة للأفراد بل من الواجبات المفروضة عليهم، فكل من علم بوقوع جريمة يجب عليه أن يبلغ عنها السلطة المختصة بالتحقيق. وقد نصت المادة 304 من قانون العقوبات على أنه لا يحكم بعقوبة مّا على من يخبر بالصدق وعدم سوء القصد الحكام القضائيين أو الإداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعله. وتحقيق البلاغات والبحث عن صحتها أو كذبها من شأن السلطة الموكل إليها إجراء التحقيقات الجنائية. فقد نصت المادة 29 من قانون تحقيق الجنايات على أنه "إذا رأت النيابة العمومية من بلاغ قدّم لها أو محضر محرّر بمعرفة أحد رجال الضبط أو من أي إخبار وصل إليها وقوع جريمة فعليها أن تشرع في إجراءات التحقيق التي ترى لزومها لظهور الحقيقة بناء على أوامر تصدرها إليهم بذلك…". ومقرّر لها في سبيل ذلك أن تفتش المنازل والأشخاص، وأن تعاين مكان الحادث، وتجمع الأدلة المادية، وتندب خبراء، وتستجوب المتهمين وتحصل منهم على أدلة لهم أو عليهم، وتسأل الشهود سواء منهم من يقول عنهم مقدم البلاغ أو غيرهم، إلى آخره. ومفاد ذلك بالبداهة أن مقدّم البلاغ ليس هو وحده المطالب بالإثبات وإن كان ذلك لا يمنع من سؤاله أثناء عملية التحقيق عما يكون لديه من أدلة على صحة بلاغه، حتى إنه لو قال بعدوله عنه أو إنه لا دليل لديه على صحته، فإن النيابة تسير في إجراءاتها وتحقق الأدلة التي توفق هي إليها. فإذا انتهى تحقيقها إلى ثبوت صحة البلاغ كان بها وإلا عدّت الواقعة التي قدّم البلاغ عنها غير ثابتة، لا على أساس أن المبلغ عجز عن إثبات بلاغه بل على أساس أنها هي التي لم توفق إلى الإثبات من واقع الأدلة التي حصلت عليها، ومنها ما أمكن المبلغ أن يتقدّم به. ولذلك نجد في الشرائع الأخرى أن دعوى البلاغ الكاذب لا ترفع على المبلغ إلا إذا ثبت عدم صحة البلاغ بقرار أو حكم قضائي يصدر بناء على تحقيق أو دعوى في خصوص الجريمة المبلغ عنها. وهذا القرار أو الحكم لا يمكن أن يكون أساسه عجز المبلغ عن إثبات بلاغه، وإنما أساسه عجز سلطة الاتهام عن إثبات وقوع الواقعة من المتهم. ومتى تقرر ذلك فإن قياس من يقدّم البلاغ عن الجريمة إلى الحكام المختصين بالتحقيق بمن يقذف علناً في حق الموظفين العموميين يكون قياساً مع الفارق. لأن القانون في صدد الطعن على الموظفين قد جاء بنص صريح يوجب على من نشر المطاعن أن يقيم الدليل على صحتها، وما ذلك إلا لما ارتآه الشارع، للغرض السامي الذي قصد إلى تحقيقه، من أن المصلحة العامة تقضي بأن المطاعن لا يمكن أن تساق علناً على موظفي الدولة إلا إذا كان الطاعن تحت يده الدليل على صحتها؛ وذلك على خلاف التبليغ عن الجرائم، فإن الشارع لم يقصد بالبداهة منع التبليغ ما لم يكن المبلغ واثقاً من صحة البلاغ بناء على أدلة لديه، فإن ذلك لو كان يكون من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة أيما إضرار.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات