الطعن رقم 870 سنة 14 ق – جلسة 12 /06 /1944
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 501
جلسة 12 يونيه سنة 1944
برياسة حضرة صاحب العزة منصور إسماعيل بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد محمد حسن بك وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك المستشارين.
القضية رقم 870 سنة 14 القضائية
تزوير. الشهادة الإدارية التي يحررها العمد والمشايخ لإثبات الوفاة
قبل أول يناير سنة 1942 لتقديمها لمصلحة المساحة. التزوير فيها. تزوير في ورقة رسمية.
(المادة 181 ع = 213)
الشهادة الإدارية التي يحرّرها العمد والمشايخ بناء على طلب أصحاب الشأن لإثبات وفاة
مورثّ البائع قبل أوّل يناير سنة 1924 بقصد تقديمها لمصلحة المساحة توطئة لتسجيل عقود
البيع إنما هي ورقة رسمية أعدّتها الحكومة لإثبات الحقيقة فيها، وكلف العمد والمشايخ
تحريرها وتسليمها لأولى الشأن بناء على طلبهم لتكون حجة بما جاء فيها لدى مصلحة المساحة.
وذلك بمقتضى منشور وزارة الداخلية الرقيم 29 أكتوبر سنة 1927 رقم 20. فإذا جعل أحد
العمد والمشايخ في هذه الورقة الرسمية واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها،
فإنه يكون قد ارتكب الجريمة المنصوص عليها في المادة 181 من قانون العقوبات القديم
المطابقة للمادة 213 من قانون العقوبات الحالي.
المحكمة
وحيث إن حاصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن الحكم المطعون فيه
أسس إدانة الطاعن على أنه هو والمتهم الثالث هما المتعاقدان، وأنهما يهمهما تحرير الشهادتين
المزوّرتين لإنجاز عقدهما، وأن الطاعن هو ومتهم آخر هما اللذان قدّما الشهادتين للعمدة
ولشيخ البلد المتوفى هريدي يوسف للتوقيع عليهما، وأن الطاعن هو الذي قدّمهما لمصلحة
المساحة لتسجيل عقد البيع. وهذه الأسباب وإن كانت صالحة لإدانة البائع والمتهم الخامس
فإنها لا تصلح أساساً لإدانته هو، لأن المتهم الخامس هو المكلف باستحضار الأوراق المثبتة
لملكيته والتي تلزم للتأشير على العقد من المساحة، وهو ابن المتوفى. وأما المشتري،
وهو الطاعن، فلا يصح عقلاً أن يلقي بنفسه إلى التهلكة سعياً وراء تزوير ورقة التزم
البائع بتقديمها إليه. وأما أقوال العمدة والشيخ بفرض صحتها فهي لا تفيد أن الطاعن
هو الذي زوّر الشهادتين.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بيّن واقعة الدعوى وأورد الأدلة التي استخلص منها إدانة
الطاعن وغيره بقوله: "وحيث إن وقائع هذه القضية تتحصل في أن مجموعة من الشكاوى تقدّمت
من مجهول ضدّ عمدة الزيني المتهم الأول وضدّ أخيه مصطفى فرج شيخ البلد بأنهما حررا
شهادتي وفاة مزوّرتين: إحدهما إلى محمود محمد حجازي وتنبئ عن وفاة والده محمد حسن حجازي
في سنة 1923، والثانية إلى إبراهيم عبد النبي عطية (المتهم الخامس) وتثبت وفاة والده
عبد النبي عطية في سنة 1923 كذلك، مع أن الأوّل توفى سنة 1920 والثاني توفى سنة 1932،
وكان تحريرهما استعداداً لتنفيذ بيع من محمود محمد حجازي إلى حسن عمار وأعدّت الشهادة
الأولى من أجله في حين أعدّت الثانية لتنفيذ بيع إبراهيم عبد النبي عطية (المتهم الخامس)
إلى عزت إبراهيم أبو زيد المتهم الثالث. وقد تقدّمت هاتان الشهادتان المطعون فيهما
للمحكمة للتصديق على عقد البيع. وحيث إن مصطفى فرج أنكر علمه بأي من الشهادتين كما
أنكر التوقيع عليهما. وحيث إنه بسؤال العمدة وهو المتهم الأول قرّر أن عزب إبراهيم
(المتهم الثالث) اشترى أطياناً من المتهم الخامس، وأنه حضر إليه مع المتهم الرابع عبد
القادر قطب الفقي وقدما له شهادة إدارية مكتوبة فعلاً وطلبا منه التوقيع عليها بعد
أن أفهماه موضوعها فوقع عليها دون إلمام بحقيقة محتوياتها وذلك لجهله القراءة والكتابة،
وكان ذلك منه بحسن نية وثقة منه في تقديمها إليه. كما قرّر أنه يعتقد أن مزوّرها هو
المتهم الرابع صهر المتهم الثالث. وحيث إن المتهم الثالث (الطاعن) أنكر اشتراكه في
التزوير أو علمه به وقرّر أنه اشترى من المتهم الخامس أطياناً بموجب عقدي بيع حرر عن
كل منهما شهادة إدارية من الشيخ والعمدة، وتاريخ أحد العقدين 12 مارس سنة 1926 وسجل
في 18 مارس سنة 1936 عن 12 قيراطاً وتاريخ الشهادة الإدارية بوفاة والد البائع عبد
النبي هو 25 فبراير سنة 1935 وأن الذي أحضر له الشهادتين هو المتهم الخامس البائع،
وأنه لا يعرف من كتبهما، وأنه لم يقدّمهما للعمدة ولا للشيخ. كما أنكر تقديم الشهادة
الأخرى المؤرّخة في 5 يناير سنة 1934 للعمدة. وعندما ووجه بأقوال العمدة (المتهم الأوّل)
أصر على قوله وزاد بأن العمدة يقرّر خلاف الواقع لينفي التهمة عن نفسه، وأن البائع
هو صاحب المصلحة ليوفر رسوم إعلان الوارثة ومصاريفه. وفي الوقت ذاته قرّر أنه قدّم
الشهادة للمساحة. وحيث إن المتهم الرابع أنكر كذلك التزوير وأنكر تقديم الشهادة المطعون
فيها إلى العمدة ولكنه اعترف بعلمه بحصول البيع والشراء. وحيث إنه بسؤال المتهم الخامس
أنكر التهمة ولكنه قرّر بأنه باع أطياناً على دفعتين لعزب إبراهيم (المتهم الثالث)
وأن المشتري هو الذي استخرج الشهادتين بناء على طلب مصلحة المساحة وأنكر معرفته القراءة
والكتابة كما أنكر مناظرته للشهادة المؤرخة في 5 يناير سنة 1934. ويقول هذا المتهم
إن والده توفى حوالي سنة 1930 وإن المتهم الثالث كانت علاقته بوالده طيبة وقد حضر مأتمه.
وحيث إن التحقيق استوجب سؤال عامل تليفون البلدة لعله يكون الكاتب للشهادتين أو إحداهما،
ولما سئل المذكور وهو المتهم الثاني أنكر علمه بهما وقرّر أنه لو ظهر إن إحداهما كتبت
بخطه يكون مسئولاً عن فعلته. كما قرّر بأنه ملم بالقراءة والكتابة وأنه لم يصل إلى
علمه أن العمدة وقع شهادتين إداريتين بوفاة محمد حسن حجازي أو عبد النبي عطية. وحيث
إن عطية فرح العبد شهد بأنه كتب عقد بيع صادراً من المتهم الخامس إلى الثالث الذي طلب
منه استحضار شهادة إدارية من العمدة (المتهم الأوّل) بوفاة عبد النبي عطية مورّث الأخير
وهو البائع فكتبها له لعدم معرفة العمدة الكتابة والقراءة كما كتب تاريخ الوفاة في
سنة 1923 بناء على إملاء المتهم الثالث (الطاعن) وإن تلك الشهادة التي كتبت بخطه ليست
إحدى الشهادتين المضبوطتين ولكنها توافقهما في عبارتهما عدا جملة (وشاهدنا وفاته) فإنها
لم تكن في تلك الشهادة المحررة بخطه. كما ذكر أن المتهمين الثالث والخامس طلبا منه
جعل تاريخ الشهادة سنة 1923. وحيث إن سليمان محمد المخيش شهد بأن المتهم الثالث وهو
جاره في السكن اشترى أرضاً من محمود عبد النبي وأخوته في سنة 1934. ويقرر هذا الشاهد
بأنه سأل المتهم الثالث عما إذا كان استخرج شهادات إدارية خاصة بهذا بالبيع فقرّر هذا
الأخير بأن المتهم الخامس هو الذي استخرجها. كما شهد أيضاً بأن عبد النبي عطية توفى
حوالي سنة 1932. وحيث إنه يبين مما تقدّم ومن اعتراف نفس العمدة (المتهم الأوّل) أنه
قام بالتوقيع على الشهادتين المطعون في إحداهما بالتزوير بتغيير حقيقة تاريخ وفاة عبد
النبي عطية، وأن المتهم الثالث (الطاعن) ومعه صهره المتهم الرابع هما اللذان قدّماها
إليه للتوقيع عليها فوقع عليها بحسن نية ظناً منه أنهما تحريا الحقيقة خصوصاً وأنه
يجهل القراءة والكتابة واعتمد في معرفة كنه الشهادة على أقوال المتهمين المذكورين.
وحيث إنه إزاء ذلك يكون ما وقع من العمدة وهو المتهم الأوّل إنما حصل بحسن نية ولم
يثبت أنه ضالع في التزوير وإنما وقع دون أن يعلم محتوياتهما، خاصة وإنه لا مصلحة له
في إحداث هذا التزوير الأمر الذي ينتفي معه القصد الجنائي. ومن ثم يتعين إلغاء الحكم
القاضي بإدانته ويتعين براءته عملاً بنص المادتين 172 و188 تحقيق جنايات. وحيث إن محمود
عبد النبي عطية قرّر أن والده توفى سنة 1932 وأنه لا يعرف شيئاً عن الشهادتين الإداريتين
وأن أخاه إبراهيم عبد النبي عطية المتهم الخامس باع مع والدته (كاملة) المتوفاة سنة
1935 وأخته (مقدم) فداناً و22 قيراطاً إلى المتهم الثالث عزب إبراهيم أبو زيد بالعقد
المؤرخ في 15 مارس سنة 1934 وبعد سنتين من هذا العقد باع أخوه إبراهيم لعزب نصف فدان
ولا يعرف ظروف العقد الأخير، وأنه ليس بين أخيه إبراهيم وبين المتهم الرابع علاقة،
وأن هذا الأخير هو صهر المتهم الثالث. وحيث إنه بالنسبة إلى المتهمين الثالث والخامس
فإن ما تقدّم ينطق بمسئوليتهما عن التزوير إذ ثبت وجود المصلحة للثالث والخامس في تحرير
الشهادتين المزوّرتين إذ أنهما المتعاقدان ويهمهما تحرير الشهادتين لإنجاز عقدهما.
كما أن الرابع تعاون معهما لصلة القرابة بينه وبين الثالث. وقد تأيدت هذه المسئولية
من أقوال العمدة التي أشير إليها فيما سلف ومن أقوال كل من المتهمين الثالث والخامس
نفسيهما، وكذلك أقوال شيخ البلد المتوفى هريدي يوسف الذي شهد في التحقيق بأن الثالث
والرابع قدّما إليه شهادة إدارية بوفاة عبد النبي للتوقيع عليها، وأنه وقع عليها فعلاً
لأنه رأى توقيع العمدة بها. هذا فضلاً عن أن الثابت من اعتراف الثالث أنه هو الذي قدّم
الشهادتين المزوّرتين إلى المساحة لتنفيذ تسجيل عقد البيع النهائي".
وحيث إنه يبين مما تقدّم أن الحكم المطعون فيه قد أقام إدانة الطاعن على أسباب من شأنها
أن تؤدي إلى ما رتب عليها فيكون ما يثيره الطاعن في هذا الوجه في جملته لا يعدو أن
يكون منه محاولة لفتح باب المناقشة في موضوع الدعوى وأدلة الثبوت فيها مما لا شأن لمحكمة
النقض به لتعلقه بمحكمة الموضوع وحدها.
وحيث إن الوجه الثاني يتحصل في أن الشهادة الإدارية ليست ورقة رسمية إذ أبطل العمل
بها بمقتضى المنشور المؤرّخ أوّل يناير سنة 1928 الصادر من مدير المساحة التفصيلية.
وبهذا الرأي أخذت محكمة النقض في الحكم الصادر في القضية رقم 1718 سنة 47 القضائية،
وبناء على ذلك فإن تغيير الحقيقة في هذه الشهادة الإدارية لا يعتبر تزويراً في ورقة
رسمية بل ولا يعتبر تزويراً في ورقة عرفية لانعدام ركن الضرر إذ لا يترتب على تغيير
الحقيقة فيها ضرر لأحد ولكن الحكم ردّ على ذلك ردّاً غير مفهوم.
وحيث إن الشهادة الإدارية التي يحرّرها العمد والمشايخ بناء على طلب أصحاب الشأن لإثبات
وفاة مورّث البائع قبل أوّل يناير سنة 1924 بقصد تقديمها لمصلحة المساحة توطئة لتسجيل
عقود البيع إنما هي ورقة رسمية أعدّتها الحكومة لإثبات الحقيقة فيها ثم كلفت وزارة
الداخلية العمد والمشايخ التابعين لها بتحريرها وتسليمها لأولى الشأن بناء على طلبهم،
وذلك بمقتضى منشورها الرقيم 29 أكتوبر سنة 1927 رقم 20 لتكون حجة بما جاء فيها لدى
مصلحة المساحة. فإذا جعل أحد العمد أو المشايخ في هذه الورقة الرسمية واقعة مزوّرة
في صورة واقعة واضحة مع علمه بتزويرها يكون قد ارتكب الجريمة المنصوص عليها في المادة
181 من قانون العقوبات القديم المطابقة للمادة 213 من قانون العقوبات الجديد. وأما
حكم هذه المحكمة المشار إليه في وجه الطعن فإنه صدر على خلاف هذا الرأي بناء على المنشور
الصادر من مدير المساحة التفصيلية في شهر ديسمبر سنة 1927 مبطلاً العمل بالشهادات الإدارية
ابتداء من أوّل يناير سنة 1928. على أن هذا المنشور قد عدل نظراً للصعوبات العملية
التي نجمت عنه. ويدل على ذلك المنشور الصادر للمحاكم الابتدائية المختلطة في 22 ديسمبر
سنة 1931. وقد جاء فيه ما يأتي: "في حالة أيلولة الملكية للبائع أو المتصرف بصفة عامة
قبل أول يناير سنة 1924 يجب أن يرفق بالعقد شهادة إدارية تثبت وفاة المورث، وليس من
الضروري أن تكون هذه الشهادة إعلاماً شرعياً بل يكفي أن تكون إقراراً بسيطاً من العمدة
الذي يقوم بأعمال موظف الأحوال الشخصية، أو من أي سلطة إدارية أخرى مختصة". ولهذا فإن
قضاء محكمة النقض قد استقرّ بعد ذلك على الأخذ بأن العبث بالشهادة الإدارية، وهي ورقة
رسمية، بتغيير تاريخ وفاة المورّث المتصرف وهو ما أعدت الشهادة لإثباته يعدّ تزويراً
في ورقة رسمية.
