الطعن رقم 486 سنة 14 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 468
جلسة أوّل مايو سنة 1944
برياسة حضرة صاحب العزة منصور إسماعيل بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد محمد حسن بك وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك المستشارين.
القضية رقم 486 سنة 14 القضائية
الدفع بعدم قبول الدعوى العمومية لسبق صدور قرار من النيابة بحفظها.
من قبيل التمسك بقوّة الشيء المحكوم فيه. يجب لقبوله أن تكون واقعة التهمة التي يحاكم
عنها المتهم هي عين الواقعة التي سبق حفظها. استقلال كل من الواقعتين عن الأخرى. لا
يصح التمسك بهذا الدفع. مثال. محاكمة المتهم على أنه يعول في معيشته على ما تكسبه زوجته
من الدعارة. سبق اتهامه بأنه يدير بيتاً للدعارة بدون إخطار وحفظ هذه التهمة. لا يمنع
من محاكمته ولو أن ثبوت إحضار المتهم أشخاصاً متعدّدين إلى منزله لارتكاب الفحشاء فيه
مع زوجته مقابل أجر يمكن أن يكون أيضاً محل اعتبار في جريمة إدارة المنزل للدعارة.
الدفع بعدم قبول الدعوى العمومية لسبق صدور أمر حفظ فيها من النيابة هو من قبيل الدفع
بقوّة الشيء المحكومة فيه، فلأجل أن يكون له محل يجب أن تكون الواقعة المطلوبة محاكمة
المتهم من أجلها هي بعينها الواقعة الصادر فيها أمر الحفظ. أما إذا كان لكل واقعة ذاتية
خاصة وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع معها القول بوحدة السبب في كل منهما
فلا يكون لهذا الدفع محل. فإذا كان الذي يؤخذ مما أورده الحكم أن الواقعة المرفوعة
بها الدعوى على المتهم، وهي أنه يعوّل في معيشته على ما تكسبه زوجته من الدعارة، هي
بظروفها وأركانها وبشخص المجني عليه فيها غير الواقعة السابقة التي صدر فيها أمر الحفظ،
وهي أنه أدار بيتاً للدعارة بدون إخطار، فإنه وإن كان ثبوت إحضار المتهم أشخاصاً متعدّدين
إلى منزل لارتكاب الفحشاء فيه مع زوجته مقابل أجر يمكن أن يكون أيضاً محل اعتبار في
جريمة إدارة المنزل للدعارة، إلا أن هذه الجريمة لا تزال في أركانها وباقي ظروفها متميزة
عن جريمة التعويل على ما تكسبه الزوجة من الدعارة بحيث لا يمكن اعتبار الجريمتين مكونتين
من فعل واحد له وصفان في القانون أو من مجموع أفعال صادرة عن قصد إجرامي واحد، ومتى
كان ذلك فإن الحكم برفض الدفع بعدم قبول الدعوى يكون على حق.
المحكمة
وحيث إن الوجه الأوّل من وجهي الطعن تتحصل في أن محامي الطاعن دفع
أمام المحكمة الاستئنافية بعدم قبول الدعوى العمومية واعتمد في ذلك على أن محضر التحقيق
الذي أجرى عن الواقعة عملت منه صورتان أرسلت إحداهما إلى النيابة العسكرية بوصف أنه
فتح وأدار بيتاً للدعارة بغير إخطار، والأخرى إلى النيابة الجزئية بوصف أنه عوّل في
معيشته على ما تكسبه زوجته من الدعارة فحفظت النيابة العسكرية الدعوى لعدم كفاية الأدلة
وقدمتها النيابة الجزئية إلى المحكمة بالوصف الثاني، وأن الأمر الصادر من النيابة بحفظ
الدعوى يمنع من العود إلى إقامتها ولو بوصف آخر، ولكن المحكمة رفضت هذا الدفع بمقولة
إن لكل من الوصفين عناصر تختلف بعضها عن بعض، وهذا مع صحته لا يدفع الحجة التي تقدّم
بها الطاعن لأن الفعل الذي عوقب عليه والقائم بشأنه النزاع هو إحضار أشخاص متعدّدين
إلى زوجته لارتكاب الفحشاء معها مقابل أجر، وهذا الفعل واحد في الدعوتين.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد بيّن واقعة الدعوى في قوله إنها "تتلخص في أن عزيزة إبراهيم
تقدّمت إلى قسم البوليس وقررت أن زوجها اعتدى عليها بالضرب ولما سئلت عن سبب هذا الاعتداء
قررت بأن زوجها (الطاعن) منذ أن تزوّجها أي من ثلاث سنوات سابقة على تبليغها وهو يعوّل
في معيشته على ما تكسبه من طريق الدعارة وأنها اضطرت إلى أن تسلك هذا السبيل لأنه هو
الذي كان يدفعها إلى ذلك ويحرّضها عليه وكان يجلب إليها الرجال من كل الأجناس وكان
أغلبهم رجال الجيش الإنجليزي وكان ينتقل بها من منزل إلى آخر؛ واستشهدت على صحة قولها
هذا ببّوابي المنازل التي كانت تقيم فيها كما قالت إنها كانت تقيم فترة من الوقت مع
شخص تسمى باسم إبراهيم بك عياد. وبعد أن أجرى محقق البوليس تحرير محضر بذلك وسمع أقوال
الشهود رأى أن الحادث ينطوي على جريمة عسكرية علاوة على ما رأى فيه من جنحة عادية فقيد
الحادث عسكرية وأرسلها إلى النيابة العسكرية للتصرف فيها كما أرسلها إلى النيابة المختصة
لإجراء شئونها فيها، فقيدت الحادثة الأولى جنحة عسكرية برقم 1277 سنة 1941 شبرا ضدّ
المتهم لأنه في 30 مايو سنة 1941 بدائرة شبرا فتح وأدار بدون إخطار بيتاً للدعارة خارج
الأخطاط المخصصة لبيوت العاهرات وأعدّه لقبول قوّات الدولة الحليفة وسمح لأكثر من واحد
منهم بالدخول لارتكاب الفحشاء. كما قيدت ضدّ زوجته المبلغة وهي عزيزة إبراهيم درويش
لارتكابها الدعارة في البيت سالف الذكر. وقيدت الحادثة الثانية بالمواد 1 و2 و9 من
قرار الحاكم العسكري لمنطقة القاهرة رقم 2 سنة 1940 ولائحة بيوت العاهرات الصادرة في
16 نوفمبر سنة 1905 المعدّلة بقرار 12 إبريل سنة 1925 والمرسوم الصادر في أوّل سبتمبر
سنة 1939 القاضي بإعلان الأحكام العرفية. كما قيدت الحادثة جنحة جزئية تحت نمرة 1948
سنة 1941 شبرا بالمادة 272 عقوبات ضدّ المتهم فقط. وذلك لأنه خلال سنة سابقة على المحضر
المحرّر في 30 مايو سنة 1941 بشبرا عوّل في معيشته على ما تكسبه زوجته عزيزة إبراهيم
درويش من الدعارة. ولقد أمرت النيابة العسكرية بتاريخ أوّل يونيه سنة 1941 فيما يختص
بالتهمة العسكرية بحفظها مؤقتاً (لعدم كفاية الأدلة) بينما قرّرت النيابة الجزئية بتاريخ
2 يونيه سنة 1941 تقديم المتهم إلى المحكمة الجزئية التي قضت بمعاقبته بتاريخ 28 مارس
سنة 1942 بحبسه ستة أشهر مع الشغل وقدرت كفالة 500 قرش لإيقاف التنفيذ". ثم تعرّض إلى
الدفع بعدم قبول الدعوى العمومية وردّ عليه بقوله: "إنه من المقرر قانوناً أن النيابة
وحدة لا تتجزأ وأن القرار الذي يصدره أحد أعضاء النائب العمومي إنما يلزم الباقين حتى
يلغى هذا القرار بالطريق القانوني وإنما يشترط لذلك أن تكون الحادثة التي صدر القرار
بشأنها هي بالذات المعروضة ثانية. أما إذا اختلفت فلا وجه للتناقض، ولا محل للقول بمخالفة
القانون إذا صدر بشأن كل حادث قرار يختلف عن القرار الآخر. وإن الحادث الذي صدر بشأنه
قرار الحفظ السالف بيانه في معرض ذكر ظروف الحادث يتعلق بفتح وإدارة بيت للدعارة بغير
إخطار، أما الحادث الذي قدّم إلى الجلسة هو تعويل المتهم في معيشته على ما تكسبه زوجته
من الدعارة. وإنه لتفسير كل تهمة على حدة سواء من جهة الألفاظ أو من جهة القانون أو
من جهة ما تطلبه كل تهمة من التهمتين من الأركان القانونية اللازم توفرها في كل منهما
نجد أن كلاً منهما تختلف عن الأخرى اختلافاً كلياً، وأن كل حادث منفصل عن الآخر بشروطه
وأركانه ومستقل عنه تماماً، اللهم إلا في الأشخاص الذين تناولهم التحقيق في كل منهما.
إذ يجب في الجريمة الأولى أن يكون هناك بيت معين قد فتح وأدير فعلاً للدعارة بينما
في الحادثة الثانية يكفي ارتكاب الزوجة أو المرآة الفحشاء سواء بمنزل معين أو غير معين
وحتى في العراء. كما يشترط المشرع في الحادثة الأولى لكي يكون المنزل معدّاً للدعارة
أن يدخله أكثر من واحد بقصد ارتكاب الفحشاء بينما في الحادثة الثانية لا يشترط المشرع
مثل هذا الشرط بل الشرط الأساسي هو ارتكاب الفحشاء سواء مع شخص أو عدّة أشخاص. ويضاف
إلى ذلك كله أن غرض المشرع من المواد الخاصة بالحادثة الأولى هو محاربة الدعارة السرية
وانتشار الأمراض الخبيثة. أما الغرض الأساسي من معاقبة الجريمة الثانية هو منع البطالة
والتشرد والقضاء على البلطجية" (راجع محضر الجلسة الثامنة والستين لمجس النوّاب في
يوم 26 يوليه سنة 1937). وما دام قد تبين سابقاً أن الحادث الذي صدر بشأنه قرار النيابة
بالحفظ مؤقتاً هو غير الحادث الذي من أجله يقدّم المتهم. لذا يتبين أن الدفع المقدّم
من المتهم في غير محله ويتعين الحكم برفضه".
وحيث إن الدفع بعدم قبول الدعوى العمومية لسبق صدور قرار عنها من النيابة بالحفظ هو
من قبيل التمسك بقوّة الشيء المحكوم فيه، ولأجل أن يكون لهذا الدفع محل يجب أن تكون
الواقعة التي يحاكم المتهم من أجلها هي بعينها التي سبق أن صدر عنها قرار النيابة بالحفظ.
أما إذا كان لكل واقعة من الواقعتين ذاتية خاصة وظروف خاصة تتحقق معها المغايرة التي
يمتنع معها القول بوحدة السبب في كل منهما فلا يكون لهذا الدفع محل.
وحيث إنه يؤخذ مما أورده الحكم على الوجه المتقدّم أن واقعة تعويل الطاعن في معيشته
على ما تكسبه زوجته من الدعارة المرفوعة بها الدعوى عليه هي واقعة مستقلة، بظروفها
وأركانها وبشخص المجني عليه فيها، عن واقعة إدارته بيتاً للدعارة بدون إخطار التي صدر
فيها قرار الحفظ. وإنه وإن كان إحضار أشخاص متعدّدين إلى منزل الطاعن لارتكاب الفحشاء
مع زوجته في مقابل أجر هو فعل يمكن أن يكون محل اعتبار في تقدير أدلة الثبوت في جريمة
إدارة المنزل للدعارة إلا أن هذه الجريمة لا تزال في باقي ظروفها وفي سائر أركانها
مستقلة عن جريمة العويل على ما تكسبه الزوجة من الدعارة بحيث لا يمكن اعتبار الجريمتين
فعلاً واحداً يمكن وصفه قانوناً بوصفين مختلفين أو مجموع أفعال صدرت عن قصد إجرامي
واحد. ولذلك يكون الحكم المطعون فيه على حق في رفضه الدفع، بعدم قبول الدعوى.
