الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1068 سنة 13 ق – جلسة 10 /05 /1943 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 247

جلسة 10 مايو سنة 1943

برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 1068 سنة 13 القضائية

تزوير. عقد نكاح. التقرير لدى المأذون بعدم وجود مانع شرعي من الزواج. جهل المتهم وجود مانع. لا يعتبر جهلاً بقانون العقوبات. هو خليط من الجهل بالواقع والجهل بحكم من أحكام الأحوال الشخصية يجب اعتباره في جملته جهلاً بالواقع. متى يقبل من المتهم الاعتذار به؟
متى كانت الواقعة الثابتة بالحكم هي أن المتهمين حين باشروا عقد النكاح، وهو عمل مشروع في ذاته، قرّروا أمام المأذون وهو يثبته لهم عدم وجود مانع من موانعه، وكانوا في الواقع يجهلون أن ثمة مانعاً، فإن جهلهم – وهذه هي الحال – لا يعتبر جهلاً بقانون العقوبات لا يقبل الاحتجاج به لسلامة نيتهم، بل هو جهل بواقعة حال هي ركن من أركان جناية التزوير المرفوعة بها الدعوى عليهم أساسه عدم علمهم بحكم من أحكام قانون آخر وهو قانون الأحوال الشخصية. فهو خليط مركب من جهل بالواقع ومن عدم علم بحكم ليس من أحكام قانون العقوبات يجب قانوناً – في صدد المساءلة الجنائية – اعتباره في جملته جهلاً بالواقع، ومعاملة المتهمين على هذا الاعتبار. ولكن مثل هذا الجهل لا يقبل الاعتذار به إلا إذا أقام المتهم الدليل القاطع على أنه تحرّى تحرّياً كافياً، وأنه إذ اعتقد بأنه إنما كان يباشر عملاً مشروعاً كان لاعتقاده هذا أسباب معقولة. فإن هذا هو المعوّل عليه في القوانين التي أخذ عنها الشارع أسس المسئولية الجنائية. وهو هو المستفاد من مجموع نصوص القانون، إذ أنه مع تقريره قاعدة عدم قبول الاعتذار بعدم العلم بالقانون قال، مثلاً في المادة 63 عقوبات،: "لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميري إذا ارتكب الفعل تنفيذاً لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه طاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه، أو إذا حسنت نيته وارتكب فعلاً تنفيذاً لما أمرت به القوانين أو ما اعتقد أن إجراءه من اختصاصه. وأنه على كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبيت والتحرّي، وأنه كان يعتقد مشروعيته، وأن اعتقاده كان مبيناً على أسباب معقولة"، كما قال في المادة 60 إن أحكام قانون العقوبات لا تسري على كل فعل "ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة (أي القانون)".


المحكمة

وحيث إن مبنى الطعن أن المحكمة إذ أقامت قضاءها بالبراءة على أساس أن المتهمين كانوا يجهلون حكم القانون بتحريم الجمع في النكاح بين المرأة وخالتها تكون خالفت قاعدة من القواعد الأساسية المقرّرة بالقانون في الدستور ولائحة ترتيب المحاكم الأهلية بأنه لا يقبل من أحد اعتذاره بعدم العلم بالقانون.
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ قضى ببراءة المتهمين في جناية التزوير قال في ذلك: "إن وقائع الدعوى كما استخلصتها المحكمة من التحقيقات ومما دار في الجلسة تتحصل في أن المتهم الأول طلبة مصطفى عبد الرحيم كان قد تزوّج في 12 يوليه سنة 1941 من فتحية أبو الفتوح السقعان. وفي 28 يناير سنة 1942 تزوّج نفس المتهم من المتهمة الثانية هانم محمود محمد أبو دايرة وهي خالة الزوجة الأولى على يد الشيخ محمد المغربي مأذون الشرع الذي حرّر وثيقة الزواج ووقع عليها الزوجان المتهمان الأوّل والثانية، وشهد عليها شاهدان هما المتهمان الثالث والرابع حامد مرسي إبراهيم وعلي أحمد حماد. والظاهر أن الزوجين المذكورين ما كانا يعرفان تحريم الجمع بين الخالة وابنة أختها في عصمة رجل واحد، ولما أن عرفا ذلك ذهبا مع المأذون إلى المحكمة الشرعية وهناك وعلى يد أحد حضرات القضاة الشرعيين اتفقا في 9 فبراير سنة 1942 على فسخ عقد الزواج المبرم بينهما وبعد ذلك طلق الزوج "المتهم الأوّل" زوجته الأولى ثم عاد وتزوج زواجاً صحيحاً من خالتها المتهمة الثانية. وتلا ذلك أن قدّمت الزوجة الأولى بلاغاً للنيابة تنعى فيه على مطلقها المتهم الأوّل أنه جمع بينها وبين خالتها في عصمته، وعلى أساس هذا البلاغ جرى التحقيق الذي انتهت منه النيابة بتقديم المتهمين الأربعة وهم الزوج وزوجته الثانية التي عقد عليها في 28 يناير سنة 1942 وشاهدا هذا العقد وهما المتهمان الثالث والرابع بأنهم اشتركوا بطريق الاتفاق والمساعدة مع موظف عمومي حسن النية هو محمد المغربي المأذون الشرعي في ارتكاب تزوير في محرّر رسمي هو وثيقة زواج المتهم الأوّل حال تحريره بجعل واقعة مزوّرة في صورة واقعة صحيحة بأن حضروا أمام هذا المأذون وطلب المتهم الأوّل منه أن يعقد زواجه بالمتهمة الثانية بشهادة المتهمين الثالث والرابع مقرّرين جميعاً أن المتهمين الأوّل والثانية خاليان من الموانع الشرعية حالة وجود مانع شرعي هو أن الزوجة التي عقد عليها هي خالة زوجة أخرى للزوج نفسه. وحيث إن تهمة التزوير هذه التي أسندتها النيابة للمتهمين لا تستقيم قانوناً إلا إذا ثبت لدى المحكمة أن المتهمين كانوا يعلمون حكم تحريم الجمع بين المرأة وابنة أختها وأنهم رغم ذلك أقدموا على الزواج، من كان منهم طرفاً في العقد ومن كان شاهداً عليه. حيث إن الذي يستفاد من شهادة المأذون كما أداها أمام النيابة أنه من جهة لم يسأل الزوجين ولا الشهود عن هذا المانع من موانع الزواج بالذات، ومن جهة أخرى أنه بعد أن علم بوجود هذا المانع بعد أيام من عقد الزواج ذهب إلى الزوجين وأحاطهما علماً به فبادرا إلى مرافقته إلى المحكمة الشرعية حيث أشهدا على فسخ عقد الزواج وإبطاله في 9 فبراير سنة 1942. وحيث إن في ذلك دليلاً ناهضاً على أن الزوجين إذ أقدما على الزواج في 28 يناير سنة 1942 لم يكونا عالمين تحريم الجمع بين المرآة وابنة أختها شأنهما في ذلك شأن شاهدي العقد. ولعل أن يكون لهم في ذلك الجهل بهذا الحكم من أحكام الشريعة بعض العذر فهو لا يقوم على نص في القرآن وإنما يقوم على حديث نبوي قد تفوت الإحاطة به أمثال المتهمين. وحيث إنه وقد انتفى القصد الجنائي لما تقدّم بيانه تكون التهمة على غير أساس ويتعين براءة المتهمين منها".
وحيث إنه متى كانت الواقعة الثابتة بالحكم هي أن المتهمين – حين كانوا يباشرون عقد النكاح وهو عمل مشروع بذاته، قرّروا بسلامة نية أمام المأذون وهو يثبته لهم عدم وجدود مانع من موانعه – كانوا في الواقع يجهلون وجود ذلك المانع، فإن جهلهم والحالة هذه لم يكن عدم علم بقانون العقوبات بل جهلاً بواقعة حال هي ركن من أركان جناية التزوير المرفوعة بها الدعوى يرجع إلى عدم علمهم بحكم من أحكام قانون آخر غير قانون العقوبات وهو قانون الأحوال الشخصية. فهو خليط مركب من جهل بالواقع ومن عدم علم بحكم ليس من أحكام قانون العقوبات مما يجب قانوناً – في صدد المساءلة الجنائية – اعتباره في جملته جهلاً بالواقع ومعاملة المتهمين بمقتضاه على هذا الاعتبار. على أنه يجب على قاضي الدعوى أن لا يقبل الاعتذار بمثل هذا الجهل إلا إذا أقام صاحبه الدليل القاطع على أنه تحرّى تحرّياً كافياً وأن اعتقاده الذي اعتقده بأنه يباشر عملاً مشروعاً كانت له أسباب معقولة. هذا هو المعوّل عليه في القوانين التي أخذ عنها الشارع أسس المسئولية الجنائية وهو هو المستفاد من مجموع نصوص القانون. فإنه مع تقريره قاعدة عدم قبول الاعتذار بعدم العلم بالقانون قال مثلاً في المادة 63 من قانون العقوبات: "لا جريمة إذا وقع الفعل من موظف أميري إذا ارتكب الفعل تنفيذاً لأمر صادر إليه من رئيس وجبت عليه طاعته أو اعتقد أنها واجبة عليه، وإذا حسنت نيته وارتكب فعلاً تنفيذاً لما أمرت به القوانين. أو ما اعتقد أن إجراءه من اختصاصه، وعلى كل حال يجب على الموظف أن يثبت أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت والتحرّي وأنه كان يعتقد مشروعيته وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة". كما قال في المادة 60 إن أحكام قانون العقوبات لا تسري على كل فعل "ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة (القانون)".
وحيث إنه لما كان ذلك كذلك وكانت المحكمة – بناء على وقائع الدعوى وأدلتها المعروضة عليها – قد صدقت المتهمين في دفاعهم وقبلت اعتذارهم فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات