الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 754 سنة 13 ق – جلسة 19 /04 /1943 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 229

جلسة 19 إبريل سنة 1943

برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 754 سنة 13 القضائية

رشوة. متى يعدّ الموظف مرتشياً؟ عله عقابه. الاتجار الفعلي بالوظيفة. الراشي. كونه جاداً في الإرشاء أو غير جاد. لا تأثير له ما دام عرضه جدّياً في ظاهره. جريمة الراشي. متى تتحقق؟ في حالة قبول الموظف قبولاً جدّياً. رفض الموظف العرض صراحة أو مجرّد تظاهره بالقبول. جنحة.
(المواد 89 و90 و96 ع = 103 و104 و111)
إن كل موظف يقبل من آخر وعداً بشيء مّا أو يأخذ هدية أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته ولو كان هذا العمل حقاً، أو للامتناع عن عمل من الأعمال المذكورة ولو ظهر له أنه غير حق، يعدّ مرتشياً مستحقاً للعقاب على جناية الرشوة. يستوي في هذا أن يكون الراشي الذي تعامل معه جاداً فيما عرضه عليه أو غير جاد متى كان عرضه الرشوة جدياً في ظاهره، وكان الموظف قد قبله على أنه جدّي منتوياً العبث بمقتضيات وظيفته مصلحة الراشي. ذلك لأن العلة التي من أجلها شرع العقاب على الرشوة تتحقق بالنسبة للموظف بهذا القبول منه، إذ أنه في الحالتين – على السواء – يكون قد أتجر بالفعل بوظيفته، وتكون مصلحة الجماعة قد هدّدت فعلاً بالضرر الناشئ عن العبث بالوظيفة التي ائتمنت عليها الموظف ليؤدّي أعمالها بناء على وحي ذمته وضميره ليس إلا. أما الراشي فإن جناية الرشوة لا تتحقق بالنسبة له إلا في حالة قبول الموظف قبولاً جدّياً دون حالة تظاهره بالقبول وهو غير جاد فيه، إذ في هذه الحالة – كما في حالة الرفض الصريح – لا يكون هناك اتجار فعلي من جانب الموظف بالوظيفة التي أمرها بيده هو وحده ولا شأن للراشي فيه مما يكون منتفياً معه أي عبث بها. وفي هاتين الحالتين لا يكون عرض الرشوة على الموظف إلا جنحة شروع فقط. [(1)]


المحكمة

وحيث إن حاصل أوجه الطعن أن الواقعة بالمرفوعة بها الدعوى على الطاعن لا تكون جريمة رشوة. لأن هذه الجريمة لا تتم إلا بإيجاب وقبول، فهي نتيجة تلاقي إرادتي الراشي والمرتشي. ولما كان يشترط في كل من الإيجاب والقبول أن يكون حقيقياً صادقاً، فإن الإيجاب الصوري الظاهري من جانب الموظف أو القبول الصوري الظاهري من جانب الفرد حكمه حكم الرفض الصريح، فلا يكون جريمة رشوة تامة كما لا يكون شروعاً في رشوة بالنسبة للموظف. وقد دفع الطاعن بذلك أمام محكمة الجنايات، فردّت عليه بقولها إن الثابت من شهادة الراشي أنه قبل ما عرضه الطاعن عليه، وأن فكرة التبليغ لم تطرأ عليه إلا بعد هذا القبول. ولكنها قالت في موضع آخر من الحكم إنه لا يشترط في الرشوة أن يكون القبول حقيقياً صادقاً بمقولة إن جدّية قبول الراشي أو عدم جدّيته أمر داخلي في نفسه ليس في وسع الغير إدراكه، وإن اتجار الموظف بالوظيفة يكون متحققاً سواء كان الراشي جاداً أو غير جاد. ثم إنها قالت أيضاً بأن القبول في هذه الحالة إنما يصدر في الغالب تحت تأثير نوع من الإكراه لا يتسنى معه أن يكون حقيقياً، مستدلة على ذلك النظر بما ذكرته من أن القانون وقد عمل – محاربة للفساد والفوضى – على استمالة الراشي والوسيط إلى إفشاء أمر الرشوة لا يمكن أن يشترط في حقهما القبول جدّياً، وعقبت على ذلك بأنه مع التسليم بأن الراشي لم يكن جاداً في قبوله فإن هذا لا يؤثر في وجود الاتفاق بالنسبة للمرتشي. ويعلق الطاعن على ذلك بأن الحكم أخطأ. لأنه بينما قال إن جريمة الرشوة تستلزم تلاقي إرادتين، وأن اتفاقاً قد تم فعلاً بين الراشي والمرتشي، وإن دفع المال موضوع الرشوة لم يكن إلا تنفيذاً لهذا الاتفاق، إذا به من جهته لم يورد الدليل على أن الراشي لم يفكر في التبليغ إلا بعد قبول ما عرضه المرتشي عليه. ومن جهة أخرى وقع في تناقض إذ قال أولاً إن الراشي كان جاداً ثم عاد وقال إنه لم يكن جاداً. وما دام الحكم لم ينف الفرض الأخير فإنه ما كان هناك محل لمعاقبة الطاعن لمخالفة ذلك القانون كما مر القول.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن بأنه "بصفته موظفاً عمومياً ومنتدباً في أعمال التموين قَبِل من عبد العزيز حسان سويلم مبلغ جنيهين على سبيل الرشوة ليمتنع عن عمل من أعمال وظيفته وهو التبليغ عنه بأنه لم يضع بطاقات بأثمان البضائع الموجودة بمحل تجارته". والحكم المطعون فيه أدانه وبيّن واقعة الدعوى كما استخلصتها المحكمة من التحقيقات التي أجريت فيها بقوله: "إن المتهم محمد أحمد هاشم (الطاعن) وهو موظف بمصلحة الدمغة والموازين، ندب لأعمال التموين وعهد إليه مكتب محافظة العاصمة بمراقبة الأسعار ووضع التجار بطاقات على السلع التي يعرضونها للبيع بمنطقة الجمالية فأخذ المتهم فعلاً في مزاولة عمله وقد أدّى به المطاف في يوم 22 نوفمبر سنة 1941 إلى محل عطارة عبد العزيز حسان سويلم فألفاه قد أغفل وضع بطاقات الأسعار على السلع التي يعرضها فتحدّث إليه بهذا الصدد وألقى في روعه أنه سيرفع أمره إلى جهة الاختصاص لتتولى تحرير محضر بهذه المخالفة. فأخذ التاجر المذكور يستعطفه ويرجو منه مسامحته فأبى وأمعن في تخويفه متوسلاً في ذلك بإبراز ما يستهدف له من تغريم وحبس مما دعا هذا التاجر إلى الإلحاف في الاستعطاف. وما إن أحس المتهم بأنه بلغ من التاجر السالف الذكر هذا المبلغ حتى أبدى استعداده على مسامحته إن هو قبل أن يدفع إليه رشوة قدرها جنيهان. فنوه التاجر بأن هذا المبلغ فوق طاقته وحاول من طريق الرجاء والاستعطاف أن يحمل المتهم على تخفيفه فلم يستجب له. وعندئذ لم ير التاجر بداً من الإذعان للمتهم والنزول على إرادته فقبل أن يدفع المبلغ المطلوب للمتهم، واستمهله حتى يعمل على تدبيره. فحدّد المتهم له مهلة مداها أربعة أيام وفي خلال هذه المهلة أخذ التاجر المشار إليه يفكر في الأمر فهداه تفكيره إلى أن يفزع بالشكوى إلى من يرفع عنه هذه البلية وتشكي فعلاً لمفتش الضبط المختص بمحافظة العاصمة بعريضة قدّمها في 24 أكتوبر سنة 1941 فأحال المفتش المشار إليه هذه الشكوى إلى عبد المجيد محمود الزميتي أفندي معاون المباحث بوزارة الداخلية والمنتدب لشئون التموين وهذا اتصل بالشاكي ورسم الخطة التي يسار عليها حتى يتسنى ضبط المتهم متلبساً بالرشوة. وقد نفذت هذه الخطة فعلاً وتمكن هو ومحمود فهمي علي أفندي معاون بوليس قسم شبرا والمنتدب لشئون التموين والسيد علي مرسي المرشد بمكتب المخدّرات في يوم 25 نوفمبر سنة 1941 من ضبط المتهم وهو متلبس بجريمة الرشوة". ثم أورد الأدلة التي استخلص منها ثبوت هذه الواقعة الجنائية على الطاعن. وبعد ذلك ذكر "أنه لا نزاع في أن المتهم موظف تجرى عليه أحكام الرشوة، ولا نزاع كذلك في أنه امتنع عن أداء عمل من أعمال وظيفته، وهذا واضح في التحقيقات إذ حدّد الزميتي أفندي في محضر تحقيق النيابة مأمورية المتهم كمراقب تموين فقال (أعمال وظيفته كمراقب للتسعيرة تنحصر في أنه يمر على التجار في دائرة المنطقة المخصصة له ويتأكد من وجود بطاقات للأسعار على البضائع. كما أنه يلاحظ البيع حسب التسعيرة ويبلغ عن هذه المخالفات للقسم لعمل المحضر اللازم ويخطرني بتقرير في اليوم التالي عن نتيجة مروره، يوضح فيه المخالفات التي أبلغ عنها تفصيلياً، وأنا بدوري أتولى إثباتها في دفتر خاص، وأحفظ أمثال هذه التقارير في ملف خاص به) وكان المتهم على علم بذلك إذ سئل في محضر تحقيق النيابة عن عمله في شئون التموين فقال: (وظيفتي هي مراقب تسعيرة بمعنى أني أمر على التجار ومن أجده يبيع بأزيد من التسعيرة أو لا يضع بطاقات على البضائع أبلغ عنه لقسم البوليس). وعلى هذا يكون هذان الركنان بعيدين عن دائرة الجدل. من أجل هذا لم يتعرض الدفاع إلا إلى ركن واحد من أركان الجريمة وهو ركن الاتفاق. وحيث إن الدفاع في صدد الكلام عن ركن الاتفاق ذهب إلى تقرير المبادئ التالية: أن الرشوة تؤخذ من إيجاب وقبول أو هي بعبارة أخرى ثمرة تلاقي إرادتين وهي على هذا الاعتبار عمل واحد بين متعاقدين. أنه يشترط في الإيجاب والقبول أن يكونا واقعيين صادقين. إن الإيجاب الصادر من جانب الموظف والقبول الصوري من جانب الفرد أو عدم القبول إطلاقاً لا يعد شروعاً في الرشوة ولا يعدو أن يكون عملاً من الأعمال التحضيرية التي لا عقاب عليها. وخلص الدفاع من هذا كله إلى أن عبد العزيز حسان سويلم لم يكن صادقاً في قبوله تأدية الرشوة التي طلبها منه المتهم. وعلى هذا تكون جريمة الرشوة المسندة على المتهم غير متوافرة الأركان ويتعين براءته منها. وحيث إن الثابت من شهادة عبد العزيز حسان سويلم انه قبل ما عرضه عليه المتهم وأن فكرة التبليغ طرأت عليه بعد ذلك أي بعد أن تمت جريمة الرشوة التي تأكدت فيها بعد بتأدية المجني عليه المبلغ المتفق عليه للمتهم. يؤيد هذا أن المتهم اكتشف المخالفة يوم 22 نوفمبر سنة 1941 وفي هذا اليوم تم الاتفاق على الرشوة، وتأجل أداؤها والبلاغ لم يقدم لمفتش الفرقة فرع (س) إلا في 24 منه. كما يؤيده أيضاً مرور المتهم على المجني عليه بعد اكتشاف المخالفة استنجازاً للدفع، وثانياً عدم ورود اسم المجني عليه في كشف ضبط مع المتهم تضمن أسماء بعض التجار الذين وقعوا في نفس المخالفة التي وقع فيها المجني عليه ولم يكن اسم المجني عليه من بين هذه الأسماء، فلا محل للقول بعد هذا إن قبول المجني عليه ما عرضه عليه المتهم كان قبولاً صورياً. وحيث إنه مع ما تقدّم فإن المحكمة تقرّ الدفاع على أن الرشوة لابد وأن تكون نتيجة اتفاق وثمرة تلاقي إرادتين، وهذا متخذ من نص المادة 103 من قانون العقوبات. وتقره كذلك على أن قبول الموظف يجب أن يكون واقعياً وصادقاً إذ بدون ذلك لا تتحقق جريمة الرشوة وهي في الأصل اتجار بالوظيفة. أما أن قبول من طلب إليه الموظف أداء الرشوة يجب أن يكون واقعياً وصادقاً فمردود عليه أوّلاً بأن كون القبول واقعياً وصادقاً فأمر داخلي لا قبل للموظف الذي يعرض الرشوة بالوقوف عليه، وعلى هذا يكون الاتجار بالوظيفة وهو ما يحاربه القانون قد تحقق فعلاً بالنسبة للموظف. وفوق هذا فإن القبول في هذه الحالة إنما يصدر في الغالب تحت تأثير نوع من الإكراه لا يتسنى معه تصوّر أن يكون هذا القبول واقعياً وصادقاً. وفوق هذا وذاك فإن القانون وقد عمل – محاربة للفساد والفوضى – على تحريض الراشي والوسيط على إخبار السلطات في أي وقت بالرشوة لا يمكن أن يطالب في هذه الحالة بأن يكون قبول الراشي واقعياً وصادقاً. وعلى هذا فإنه مع التسليم جدلاً بأن عبد العزيز حسان سويلم لم يكن صادقاً في قبوله دفع مبلغ الرشوة الذي طلبه المتهم فإن هذا لا يأتي على ركن الاتفاق. وإذن تكون جريمة الرشوة المسندة إلى المتهم محمد أحمد هاشم متوافرة الأركان ثابتة الدعائم".
وحيث إن كل موظف يقبل من آخر وعداً بشيء ما، أو يأخذ هدية أو عطية، لأداء عمل من أعمال وظيفته ولو كان هذا العمل حقاً، أو لامتناعه عن عمل من الأعمال المذكورة ولو ظهر أنه غير حق، يعد مرتشياً، ويكون مستحقاً للعقاب على جناية الرشوة. يستوي في هذا أن يكون الراشي الذي تعامل معه جاداً فيما عرضه عليه أو غير جاد، متى كان عرضه الرشوة جدّياً في ظاهره، وكان الموظف قد قبله على أنه جدي منتوياً العبث بمقتضيات وظيفته لمصلحة الراشي. ذلك لأن العلة التي شرع العقاب على الرشوة من أجلها تتحقق بالنسبة للموظف بهذا القبول منه، إذ أنه في الحالتين على السواء يكون قد اتجر حقيقة بوظيفته، وتكون مصلحة الجماعة قد هددت فعلاً بالضرر الناشئ عن العبث بالوظيفة التي ائتمنت عليها الموظف ليؤدّي أعمالها بناء على وحي ذمته وضميره ليس إلا. أما الراشي فإن جناية الرشوة لا تتحقق بالنسبة له إلا في حالة قبول الموظف قبولاً جدياً دون حالة تظاهره بالقبول وهو غير جاد فيه، إذ في هذه الحالة – كما في حالة الرفض الصريح – لا يكون هناك اتجار حقيقي من جانب الموظف بالوظيفة التي أمرها بيده هو وحده ولا شأن للراشي فيه، مما ينتفي به أي عبث بها، فلا يكون عرض الرشوة على الموظف في الحالتين إلا جنحة شروع فقط.
وحيث إنه متى كان ذلك مقرراً فإن الحكم المطعون فيه يكون قد أصاب في إدانة الطاعن. سواء بناء على ما قاله من أن الراشي كان جاداً عند قبوله ما طلبه الموظف من رشوة ثم بدا له فيما بعد أن يبلغ جهات الاختصاص، أو بناء على ما قاله من وجوب العقاب حتى لو كان الراشي حين قبل إعطاء الرشوة لم يكن جاداً بل متظاهراً بالقبول.


[(1)] قرّرت المحكمة هذه القاعدة في حكمها الصادر بهذه الجلسة في القضية رقم 827 سنة 13 القضائية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات