الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 687 سنة 13 ق – جلسة 08 /03 /1943 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 193

جلسة 8 مارس سنة 1943

برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة، وبحضور حضرات: منصور بك إسماعيل وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 687 سنة 13 القضائية

( أ ) مسئولية جنائية. الخطأ المستوجب للمسئولية الجنائية بمقتضى المادة 244 ع. الخطأ المستوجب للمسئولية المدنية بمقتضى المادة 151 مدني. لا يختلفان عنصراً. الخطأ مهماً كان يسيراً. كفايته لتحقيق كل من المسئوليتين. تبرئة المتهم في الدعوى الجنائية لعدم ثبوت الخطأ المرفوعة به الدعوى عليه. تستلزم حتماً رفض الدعوى المدنية المؤسسة على هذا الخطأ المدعى. أسباب البراءة تغني عن إيراد أسباب خاصة بالدعوى المدنية.
(ب) دعوى مدنية بطلب التعويض على أساس المسئولية التقصيرية. الحكم فيها على أساس المسئولية القانونية. لا يجوز.
(المادة 151 مدني والمادة 208 ع = 244)
1 – إن القانون قد نص في المادة 244 عقوبات على عقاب "كل من تسبب في جرح أحد من غير قصد ولا تعمد بأن كان ذلك ناشئاً عن رعونة أو عن عدم احتياط وتحرّز أو عن إهمال أو عن عدم انتباه أو عدم مراعاة اللوائح…" وهذا النص ولو أنه ظاهر فيه معنى الحصر والتخصيص إلا أنه، في الحقيقة والواقع، نص عام تشمل عبارته الخطأ بجميع صوره ودرجاته، فكل خطأ مهما كانت جسامته، يدخل في متناولها. ومتى كان هذا مقرّراً فإن الخطأ الذي يستوجب المساءلة الجنائية بمقتضى المادة 244 المذكورة، لا يختلف في أي عنصر من عناصره عن الخطأ الذي يستوجب المساءلة المدنية بمقتضى المادة 151 من القانون المدني، ما دام الخطأ، مهما كان يسيراً، يكفي قانوناً لتحقيق كل من المسئوليتين. وإذ كان الخطأ في ذاته هو الأساس في الحالتين، فإن براءة المتهم في الدعوى الجنائية لعدم ثبوت الخطأ المرفوعة به الدعوى عليه تستلزم حتماً رفض الدعوى المدنية المؤسسة على هذا الخطأ المدعى. ولذلك فإن الحكم، متى نفى الخطأ عن المتهم وقضى له بالبراءة للأسباب التي بينها، يكون في ذات الوقت قد نفى الأساس المقامة عليه الدعوى المدنية، ولا تكون المحكمة في حاجة لأن تتحدث في حكمها عن هذه الدعوى وتورد فيه أسباباً خاصة بها.
2 – ما دامت الدعوى قد رفعت على أساس المسئولية التقصيرية، والمدعي لم يطلب أن يقضى له فيها بالتعويض على أساس المسئولية التعاقدية، إن صح له أن يطلب ذلك أمام المحكمة الجنائية، فليس للمحكمة أن تتبرع من عندها فتبني الدعوى على سبب غير الذي رفعها صاحبها به، فإنها إن فعلت تكون قد حكمت بما لم يطلبه منها الخصوم، وهذا غير جائز في القانون.


المحكمة

وحيث إن مبنى الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن المحكمة لم تبحث في حكمها الخطأ المعين المسند إلى الطاعن في وصف الواقعة المرفوعة بها الدعوى عليه، وهو عدم إيقافه السيارة تجنباً للاصطدام، بل قصرت بحثها على نتيجة هذا الخطأ، وهي الانحدار بها إلى حافة الطريق وما ترتب على ذلك من نتائج.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد استند في قضائه ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية الموجهة عليه وعلى المسئولة عن الحقوق المدنية عن الطاعن إلى ما ذكره من "أن التهمة المسندة إلى المتهم كما وصفتها النيابة هي أنه في يوم 7 فبراير سنة 1939 تسبب من غير قصد ولا تعمد في إصابة فريد بولس بطرس وأحمد عبد المطلب وإسماعيل علي عوض بالإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي، وكان ذلك ناشئاً عن رعونته وإهماله في قيادة سيارة أمنيبوس إذ اعترض طريقه رجل وضع قصباً على حماره فاستمر في سيره ولم يقف بالسيارة حتى عبر الرجل المذكور بدابته واضطر لمجانبة الاصطدام به أن يتجه إلى أقصى اليمين من الطريق فانقلبت السيارة بمن فيها من المجني عليهم السالفي الذكر في منخفض من الأرض على يمين الطريق. وقد دخل فريد بولس في الدعوى وطلب أن يقضى له على المتهم وشركة السيارات متضامنين بمبلغ ألف جنيه على سبيل التعويض. وقدّم المحامي عن الشركة المسئولة عن الحقوق المدنية مذكرة بدفاعه طلب رفض الدعوى المدنية على أساس أن الدعوى العمومية غير مقبولة لصدور قرار بحفظها بتاريخ 29 إبريل سنة 1939 حاز قوّة الشيء المحكوم فيه طالما أن قرار الإلغاء لم يصدر إلا في 5 يونيه سنة 1940 – وحيث إن الحادثة كما رواها المدعي بالحق المدني في محضر الضبط بتاريخ 9 فبراير سنة 1939 بالقسايم 55798 و55799 و55800 تتحصل في أنه ذهب للمرور على زراعته في يوم 7 فبراير سنة 1939 وعند عودته إلى بندر قوص في نفس اليوم ركب سيارة الأمنيبوس التي كانت تحمل اثني عشر شخصاً فانقلبت بهم ولا يعرف سبب سقوطها كما لا يستطيع تعليل هذا السقوط – وحيث إن فرج محمد حمد أحد الركاب الذين كانوا في السيارة وقت الحادثة قرّر في محضر الضبط بالقسيمة 56567 بأنه لا يعرف الكيفية التي كانت عليها السيارة وقت سقوطها وإنما يعرف أنها كانت تسير بسرعة بسيطة وهي تحمل عشرة من الركاب – وحيث إن إسماعيل علي عوض وهو أحد الركاب الذين كانوا بالسيارة علل سقوط السيارة في القسيمة 56554 من محضر الضبط بأن شخصاً كان يقود حماراً في الجهة المضادّة لسير السيارة محملاً فوقه لبشتين من القصب وأراد السائق مفاداته فمال بالسيارة إلى حافة الجسر وتصادف أن كانت تلك الحافة خالية من الأتربة فانقلبت السيارة بمن فيها من الركاب – وحيث إن طه أحمد خليل قرّر في محضر الضبط أنه لاحظ أثناء مرور السيارة أن رجلاً يحمل كمية من القصب فوق حمار وكان يسير في الاتجاه المضادّ لسير السيارة ولما اقترب منه سائق السيارة فرمل وسار على اليمين ثم وقف على جرف الجسر فانهارت الأتربة وانقلبت السيارة بمن فيها من الركاب فسارع بمساعدة خليل إسماعيل عرفان على إخراج الركاب من السيارة وكان المدعي المدني يشكو ألماً بذارعه اليمنى، ولما سئل عما إذا كانت الحادثة حصلت بإهمال السائق أو بغير إهماله قرّر بأن الجرف الذي ربط عنده السائق كان خاوياً فانهار بالسيارة رغم أنها كانت تسير بسرعة بطيئة جداً (قسيمة 56558)، وأن خليل إسماعيل عرفان قرّر أقوالاً مطابقة لأقوال سابقة، وعلل سقوط السيارة بأن مكان الوقوف كان الردم فيه حديثاً فانهار فسقطت السيارة وما كان في مكنة السائق تفادي هذا السقوط. وقد جاءت معاينة البوليس لمحل الحادثة عقب حصولها مؤيدة لأقوال المصابين وغيرهم ممن شهدوها إذ ثبت أن السيارة كانت تسير على يمين الطريق فوق الجرف فانهارت الأتربة بسبب نقل السيارة ونشأ السقوط عن هذا الانهيار، وهذا مستفاد من أقوال أحمد عبد المطلب خليل عمدة الحظارة في محضر جلسة المرافعة أن الفلاحين حفروا الجسر من أسفله فلم يقو على احتمال السيارة وما كان السائق يعلم أن الأتربة غير متماسكة بل كان يعتقد أن الجسر سليم فسار فوقه فانهارت الأتربة فسقطت السيارة. وحيث إن أقوال المدعي بالحق المدني أمام النيابة صريحة في أن السيارة مرت على حرف السكة فانهار بها الجسر صفحة 6، وأن مكان السقوط من الجسر لم يكن ظاهره يدل على أنه قابل للانهيار بل كان شكله يدل على خلوّه من العيوب صفحة 7. وهذا كاف لرفع المسئولية الجنائية عن المتهم، ومن ثم يتعين براءته عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات ورفض الدعوى المدنية المرفوعة من فريد بولس وإلزام رافعها بالمصاريف". – وهذا الذي ذكره الحكم صريح في أن المحكمة بحثت الخطأ المرفوع به الدعوى على المتهم وهو عدم المبادرة بإيقاف السيارة فقالت إنه عند اقترابه من الحمار الذي اعترضه في طريقه وهو محمل قصباً اتخذ جانباً من الطريق ليترك سبيلاً للمرور ثم وقف فعلاً بالسيارة ولكن اتفق، لأسباب لم تكن في الحسبان، أن انهار الجسر تحت السيارة فانقلبت بمن فيها بعد وقوفها. ولذلك فلا محل لما يشكو منه الطاعن في هذا الوجه.
وحيث إن الطاعن يقول في الوجه الثاني إن الحكم المطعون فيه خال من الأسباب بالنسبة للدعوى المدنية لأن المسئولية المدنية يصح قيامها مع وجود الشك في قيام المسئولية الجنائية أو انعدامها إذ الخطأ الذي تترتب عليه المسئولية المدنية لا يشترط فيه أن يكون بالجسامة التي تستوجب المسئولية الجنائية.
ويقول في الوجه الثالث إن المحكمة أخطأت في رفض الدعوى المدنية مع توفر أركانها. ذلك لأن الواقعة الثابتة بالحكم تستوجب القضاء بالتعويض: (أوّلاً) على أساس وجود خطأ من المتهم ولو لم يبلغ درجة الجسامة للمسئولية الجنائية. (وثانياً) على أساس أن مسئولية شركة السيارات المسئولة عن الحقوق المدنية هي مسئولية تعاقدية لا تستلزم إثبات وقوع خطأ من المتهم، لأن السيارة التي انقلبت وكان الطاعن من بين ركابها هي سيارة نقل عمومية، ومن المقرّر قانوناً أن عقداً ينشأ بين المسافر وبين متولي النقل يلتزم بمقتضاه هذا الآخر بأن ينقل الراكب من محطة القيام إلى محطة الوصول سليماً.
وحيث إن القانون حين نص في المادة 244 عقوبات على عقاب "كل من تسبب في جرح أحد من غير قصد ولا تعمد بأن كان ناشئاًُ عن رعونة أو عن عدم احتياط وتحرّز أو عن إهمال أو عن عدم انتباه أو عدم مراعاة اللوائح…" قد جاء نصه عاماً تشمل عبارته في الحقيقة والواقع الخطأ بجميع صوره ودرجاته ولو أن ظاهرها فيه معنى الحصر والتخصيص، فكل خطأ مهما كانت جسامته يدخل في متناولها. ومتى كان هذا مقرّراً فإن الخطأ الذي يستوجب المساءلة الجنائية بمقتضى المادة 244 المذكورة لا يختلف في أي عنصر من عناصره عن الخطأ الذي يستوجب المسائلة المدنية بمقتضى المادة 151 من القانون المدني، ما دام الخطأ مهما كان يسيراً يكفي قانوناً لتحقق كل من المسئوليتين. ومتى كان معيار الخطأ ومقداره واحداً في الحالتين فإن براءة المتهم في الدعوى الجنائية لعدم ثبوت الخطأ المرفوعة به الدعوى عليه تستلزم حتماً رفض الدعوى المدنية المؤسسة على هذا الخطأ المدعى. ولذلك فإن الحكم المطعون فيه حين نفى الخطأ عن المتهم وقضى له بالبراءة للأسباب التي أوردها يكون في ذات الوقت قد نفى الأساس المقامة عليه الدعوى المدنية. والمحكمة لم تكن في حاجة لأن تتحدّث عن هذه الدعوى وتورد لها أسباباً خاصة بها. أما عن المسئولية التعاقدية فإن المحكمة ما كان يسوغ لها قانوناً أن تقضي على أساسها ما دامت الدعوى قد رفعت على أساس المسئولية التقصيرية، وما دام المدعي لم يطلب أن يقضى له بالتعويض فيها على أساس المسئولية التعاقدية – إن صح له أن يطلب ذلك أمام المحكمة الجنائية – وما دامت المحكمة ليس لها أن تتبرع من عندها فتبني الدعوى على سبب غير الذي يرفعها به صاحبها، فهي إذ تفعل ذلك تكون قد حكمت بما لم يطلبه منها الخصوم، وهذا غير جائز في القانون.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات