الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 295 سنة 13 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 177

جلسة أوّل مارس سنة 1943

برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة، وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 295 سنة 13 القضائية

رشوة. شيخ حارة. امتناعه عن إظهار شخصية من يتقدّم إلى الكشف الطبي منتحلاً شخصية والد نفر القرعة طالب الإعفاء مقابل مبلغ من المال. عقابه بمقتضى المادتين 103 و104 ع.
إن الشارع لم يقصر العقاب على الرشوة على الموظفين العموميين، بل هو في المادة 104 من قانون العقوبات قد سوى بينهم وبين المأمورين والمستخدمين والخبراء والمحكمين وكل إنسان مكلف بخدمة عمومية. ولما كان مشايخ الحارات في المدن يقومون، بمقتضى التعليمات الموضوعة لهم، ببعض أعمال القرعة، ومنها الشهادة أمام مجالس القرعة بأن الأشخاص، سواء أكانوا من أنفار القرعة أم من أقاربهم الذين يطلبون للكشف الطبي عليهم لسبب من أسباب الإعفاء من القرعة، هم بعينهم المطلوب حضورهم، فإن من يقبل من مشايخ الحارات مبلغاً من المال مقابل امتناعه عن إظهار شخصية من يتقدّم إلى الكشف الطبي منتحلاً شخصية والد نفر القرعة طالب الإعفاء، يحق عقابه بمقتضى المادتين 103 و104 من قانون العقوبات.


المحكمة

وحيث إن مبنى الوجه الأوّل من وجهي الطعن أن الحكم المطعون فيه أخطأ من ناحيتين: الأولى أنه اعتبر الطاعن موظفاً عمومياً بوصف أنه شيخ حارة، مع أن مشايخ الحارات لا يدخلون في طائفة الموظفين العموميين، فلا ينسحب عليهم نص المادة 103 من قانون العقوبات الخاصة بالرشوة. والثانية أنه على فرض أن شيخ الحارة موظف عمومي أو مكلف بخدمة عمومية فإن جريمة الرشوة المسندة إليه لا عقاب عليها، إذ أنه لا يكفي فيها أن يكون المتهم قد قبل وعداً أو أخذ هدية أو عطية، بل يشترط فوق ذلك أن يكون الغرض أداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن عمل منها. وواضح من الحكم أنه نسب إلى الطاعن أنه قبل وعداً ليمتنع عن إظهار شخصية بكر علي أيوب الذي تقدّم إلى طبيب القرعة للكشف عليه طبياً منتحلاً شخصية غيره، وليس من أعمال وظيفة شيخ الحارة إثبات شخصية من يتقدّمون للكشف عليهم، بل المختص بذلك هو مجلس القرعة نفسه.
وحيث إن واقعة الدعوى كما بينها الحكم المطلعون فيه هي "أن حسن علي أحمد سليمان (المتهم الأوّل) ومحمد صادق علي (المتهم الثاني) وهما أخوان لأم كانا قد أخطرا للحضور إلى مكتب مجلس القرعة العسكرية بمدينة إسكندرية في يوم 29 أكتوبر سنة 1940 للكشف عليهما طبياً بمعرفة الطبيب المختص لمعرفة ما إذا كانا هما أو أحدهما لائقاً للتجنيد. وقد حصل هذا الإخطار بمعرفة المتهم الرابع محمد علي مرسي شيخ الحارة التي يقيم فيها هذان المتهمان (وهو الطاعن) وتقتضي القواعد المتبعة في مثل هذه الحالة أنه إذا كشف طبياً على شخص ووجد لائقاً للخدمة العسكرية يجوز له أن يتظلم من التجنيد بإعلانه أنه أكبر إخوته الذكور، وأن والده غير قادر على الكسب فيكشف على والده بدوره، فإذا وجد كذلك يعفى الابن من الخدمة العسكرية وتتم هذه الإجراءات بأن يحرر كشف بعائلة الطالب تبين فيه أنه أكبر إخوته الذكور ويدوّن فيه اسم والده ويوقع شيخ الحارة المختص على ذلك الكشف بما يفيد أن البيانات الواردة به صحيحة ثم يذيل الكشف بإمضاء مأمور القسم ثم يرفق إقرار من الطالب بأسماء أفراد عائلته وأنه أكبر إخوته الذكور. فإذا جاء يوم الكشف الطبي على الطالب ووجد لائقاً للخدمة العسكرية يلتمس إعفاءه منها من طريق هذا الحق الذي يخوّله إياه القانون. وفي هذه الحالة يقدّم الطالب كشف العائلة والإقرار السابق ذكرهما إلى الموظف المختص بمجلس القرعة، وهذا يحرّر النموذج رقم 9 قرعة المعدّ لإثبات نتيجة الكشف الطبي على والد الطالب الذي يتظلم من تجنيد ولده ويذكر فيه اسم الوالد ويوقع شيخ الحارة المختص على هذا النموذج ثم يتقدّم الوالد إلى الطبيب للكشف عليه ويكون شيخ الحارة حاضراً حتى يثبت بحضوره أن الشخص الذي يتقدّم للكشف الطبي هو الوالد الوارد اسمه بالنموذج. فإذا وجد أنه غير قادر على الكسب يثبت الطبيب ذلك في النموذج المشار إليه ويعفى الابن من الخدمة العسكرية. ولما كان المتهم الثاني يحرص على الإفلات من التجنيد، وكان المتهم الأوّل أخوه والمتهم الثالث بكر علي أيوب عمه يشاركانه هذا الحرص فقد كاشفوا المتهم الرابع بهذه الرغبة فأبدى لهم استعداده لتحقيق رغبتهم من طريق اللجوء إلى هذه الإجراءات الموصلة إلى الإعفاء من التجنيد، واقترح عليهم أنه إذا وجد المتهم الثاني لائقاً للخدمة العسكرية يتقدّم المتهم الثالث إلى الطبيب باعتبار أنه صادق علي أيوب والد المتهم الثاني حتى إذا كشف عليه ووجد غير قادر على الكسب يعفى المتهم الثاني من التجنيد. فقبل المتهمون الثلاثة الأوّلون هذا الحل واتفقوا عل ذلك مع المتهم الرابع نظير مبلغ 460 قرشاً يتقاضاه هذا الأخير. وفي يوم 27 أكتوبر سنة 1941 الموافق 7 شوّال سنة 1360 بدائرة قسم الجمرك بمدينة إسكندرية تقابل المتهمون الأربعة في أحد المقاهي لإعداد العدّة لتنفيذ اتفاقهم وأعطى المتهم الأوّل 260 قرشاً للمتهم الرابع من المبلغ المتفق عليه كرشوة كيما يقدّم المتهم المذكور المتهم الثالث إلى الطبيب المختص على أنه والد المتهم الثاني ووعد المتهمون الثلاثة الأولون المتهم الرابع بدفع باقي الرشوة بعد الكشف الطبي ثم أعدّ المتهم الثاني إقراراً موقعاً عليه ومحرّراً بخط المتهم الرابع مبيناً به أسماء أفراد عائلته وأنه أكبر إخوته الذكور وأرفق هذا الإقرار بكشف العائلة الذي حرر أيضاً بخط المتهم الرابع ودوّنت به هذه البيانات السابقة ووقع عليه المتهم الرابع كما وقع عليه شيخ القسم أحمد عبد السلام أحمد. وجاء بالإقرار والكشف المذكورين أن والد المتهم الثاني هو صادق علي أيوب. وفي صباح يوم 29 أكتوبر سنة 1941 الموافق 9 شوّال سنة 1360 قصد المتهمون الثلاثة الأوّلون إلى مكتب مجلس القرعة الكائن بدائرة الجمرك بمدينة الإسكندرية وهناك تقابلوا مع المتهم الرابع ثم كشف على المتهم الثاني بمعرفة الطبيب المختص الدكتور سليمان يسى ووجد لائقاً للخدمة. وعلى أثر ذلك أعلن المتهم المذكور أنه أكبر إخوته الذكور وأن والده صادق علي أيوب غير قادر على الكسب. ثم تقدم المتهم الثالث إلى حضرة الطبيب على أنه والد المتهم الثاني ورافقه المتهم الرابع بصفته شيخ الحارة المختص والذي يتعين حضوره وقت توقيع الكشف حتى يكون ذلك دليلاً على أن المتهم الثالث هو بعينه صادق علي أيوب والد المتهم الثاني. وكان النموذج رقم 9 قرعة قد أعدّ من قبل ووقع عليه المتهم الرابع وأرفق به الإقرار وكشف العائلة المشار إليهما آنفاً وقام الطبيب سليمان يسى أفندي بالكشف على المتهم الثالث وأثبت أنه غير قادر على الكسب وأثبت ذلك في النموذج وبصم المتهم المذكور على النموذج ببصمة إبهامه وانصرف ولحق بالمتهمين الأوّل والثاني وتبعهم على الفور المتهم الرابع وطالبهم بالمبلغ المتبقي من الرشوة فاستمهلوه حتى يعودوا إلى دورهم فلم يرض بذلك وعمد إلى كشف أمرهم ظناً منه أنه بذلك يستطيع الانتقام منهم دون أن يصيبه أذى فبلغ الأمر إلى شيخ القسم وهذا بلغه بدوره إلى الطبيب سليمان يسى أفندي فأرسل الطبيب أحد رجال البوليس في أثر المتهم الثالث لاستدعائه، ولما جيء به أمامه وسأله عن الأمر أصر أوّلاً على أنه صادق علي أيوب والد المتهم الثاني، ثم اعترف أخيراً بالوقائع المتقدّمة التي وقعت طبقاً للاتفاق السابق بين المتهمين الثلاثة الأوّلين والمتهم الرابع".
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن بيّن واقعة الدعوى على النحو المتقدّم، أورد الأدلة التي اعتمد عليها في ثبوتها، وانتهى إلى إدانة الطاعن والمتهمين الآخرين في جريمتي الرشوة والتزوير المسندتين إليهم. وقد عنيت المحكمة بإثبات توافر الأركان المكوّنة لكل من الجريمتين. فقال عن جريمة الرشوة "إن أركانها متوفرة إذ تبين من الوقائع المتقدّمة أن المتهم الرابع وهو موظف عمومي (شيخ حارة) منوط به أن يقدّم بنفسه الأشخاص المقيمين في دائرة اختصاصه إلى الطبيب الكشاف بمجلس القرعة حتى يتحقق الطبيب من أن الشخص الذي يقدّم إليه هو نفس الشخص الوارد اسمه في النموذج، كما يتعين على المتهم المذكور أن يحضر عملية الكشف. وقد تبين في الحالة موضوع هذه الدعوى أن المتهم الرابع اتفق مع المتهمين الثلاثة الأولين على أن يقدم المتهم الثالث إلى الطبيب الكشاف بمجلس القرعة على أنه صادق على والد المتهم الثاني أي أن يمتنع عن عمل من أعمال وظيفته وهو إظهار حقيقة المتهم الثالث للطبيب. وقد اتفق المتهمون على أن يتقاضى المتهم الرابع في نظير هذا الامتناع مبلغ 460 قرشاً قبض منه 260 قرشاً من المتهم الأوّل في يوم 27 أكتوبر سنة 1941 ووعد بالباقي بعد الكشف الطبي". ولما كان الشارع لم يقصر أحكام الرشوة على الموظفين العموميين بل سوّى بينهم في المادة 104 من قانون العقوبات وبين المأمورين والمستخدمين والخبراء والمحكمين وكل إنسان مكلف بخدمة عمومية، ولما كان مشايخ الحارات في المدن يقومون بمقتضى التعليمات الموضوعة لهم ببعض أعمال القرعة ومنها الشهادة أمام مجالس القرعة بأن الأشخاص، سواء أكانوا من أنفار القرعة أم من أقاربهم، الذين يطلبون للكشف عليهم لسبب من أسباب الإعفاء من القرعة هم بعينهم المطلوب حضورهم – لما كان ذلك فلا أساس لما يثيره الطاعن في هذا الخصوص.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات