الطعن رقم 513 سنة 13 ق – جلسة 15 /02 /1943
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 155
جلسة 15 فبراير سنة 1943
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة، وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزائرلي بك المستشارين.
القضية رقم 513 سنة 13 القضائية
مسئولية مدنية. علاقة المتبوع بالتابع. قوامها. ما للمتبوع على
التابع من سلطة في توجيهه ورقابته. مسئولية المتبوع عن عمل التابع. مناطها. مستعير
سيارة. اختياره سائقاً لقيادتها. تسبب السائق في قتل إنسان. مسئولية المستعير مدنياً.
تحققها ولو كان السائق تابعاً في ذات الوقت الآخر أو كان الحادث قد وقع في أثناء ذهابه
من تلقاء نفسه بالسيارة لشحم البطارية. صاحب السيارة. لا مسئولية عليه.
(المادة 152 مدني)
إن قوام علاقة المتبوع بالتابع بمقتضى المادة 152 من القانون المدني هو ما للمتبوع
على التابع من سلطة في توجيهه ورقابته. فكلما تحققت هذه السلطة قامت تلك العلاقة. ولا
يهم بعدئذ أطالت مدّة قيام هذه السلطة أم قصرت، إذ العبرة بوجودها فحسب، لأن القانون
لا يتطلب سواها. ومتى وجدت بالعلاقة بين المتبوع والتابع فالمتبوع يكون مسئولاً عن
تعويض الضرر عن كل فعل ضارّ يقع من تابعه كلما كان وقوعه وقت القيام بالعمل الذي عهد
به إليه أو بمناسبته فقط، ما دام هذا العمل هو الذي سهل وقوع الفعل الضارّ أو هيأ الفرصة
لوقوعه بأية طريقة كانت، فإن نص القانون مطلق عام يسري على الحالتين. وإذن فإذا كان
الحكم قد أقام مسئولية المحكوم عليه (مستعير سيارة) على أنه هو الذي اختار المتهم،
دون أن يتحدّث عن سلطة التوجيه والرقابة التي لا تقوم المسئولية إلا بها، والتي تتضمن
بذاتها حق الاختيار إذ أن من يملك توجيه إنسان في أمر من الأمور يكون مختاراً له فيه،
ولكن كانت الوقائع الثابتة به تدل بوضوح على أن المحكوم عليه كان له على المتهم سلطة
في توجيهه ورقابته فيما يختص بالمأمورية التي كلفه بها بل في إقصائه عنها، فإنه لا
يكون قد أخطأ. لأن مسئولية المستعير تكون متحققة ولو كانت المأمورية مؤقتة بزمن وجيز،
أو كان المتهم تابعاً في ذات الوقت لمتبوع آخر، أو كان المتهم (وهو سائق سيارة) هو
الذي ذهب من تلقاء نفسه بالسيارة لعمل مّا (شحن البطارية)، ما دام القانون لم يعين
مدّة لقيام علاقة المتبوع بالتابع، وما دامت علاقة المتهم بالمتبوع الآخر ليس لها اتصال
بالحادث الذي ارتكبه المتهم بسبب المأمورية المكلف بها من قبل المحكوم عليه، وما دام
شحن البطارية لم يكن إلا لمناسبة القيام بالعمل الذي اعتزمه هذا المحكوم عليه.
المحكمة
وحيث إن حاصل الطعن أن المحكمة إذ اعتبرت الطاعن مسئولاً عن فعل
المتهم وألزمته معه بالتعويض بموجب المادة 152 من القانون المدني على اعتبار أن المتهم
كان خادماً عنده تكون قد أخطأت لانعدام علاقة التبعية بينهما. لأن علاقة الخادم بمخدومة
غير قائمة، فواقعة الدعوى كما ذكرها الحكم هي أن الطاعن، وهو ناظر مدرسة، استعار سيارة
الدكتور بشرى يواقيم للقيام برحلة مدرسية يوم 30 من يناير سنة 1942، وفي مساء اليوم
السابق للرحلة أراد الاستيثاق من صلاحية السيارة، وإذ كان الطاعن موجوداً مصادفة بمنزل
صديقه أسعد أفندي كيرلس ورأى هناك سائق عربته المدعو حلمي غطاس عياد المتهم فطلب منه
أن يذهب إلى الجراج الذي به عربة الدكتور بشرى يواقيم ويجرّبها ويحضرها إلى المنزل
فترك السائق سيارة مخدومه أمام باب المنزل في الشارع وذهب إلى الجراج فأخرج منه سيارة
الدكتور بشرى ثم عرج بها من شارع إلى آخر لشحن بطاريتها، وفي أثناء ذلك صدم المجني
عليه فقتله، وهذه الواقعة ليس فيها ما يسوغ القول بوجود علاقة التابع بالمتبوع بين
السائق والطاعن: (أوّلاً) لأن استعارة السائق كانت مؤقتة ببضع دقائق لتجربة السيارة
وإحضارها من منزل صاحبها استعداداً للرحلة في اليوم التالي بدليل أن السائق ترك سيارة
مخدومه في الشارع ليعود إليها بعد قليل فلا يمكن اعتباره أثناء هذه المدّة الوجيزة
أنه قد تخلى عن خدمة مخدومه، كما لا يمكن القول بأن حق التوجيه وحق الرقابة – وهما
الأساس في القول بمسئولية المخدوم عن عمل خادمه – انتقلا من مخدوم السائق إلى الطاعن.
(وثانياً) لأن تعريج السائق بالسيارة إلى حيث أراد شحن البطارية لم يكن داخلاً في المأمورية
التي كلفه بها الطاعن بل فعله من تلقاء نفسه فلا يكون الطاعن مسئولاً عنه.
وحيث إن واقعة الحال أن الدعوى العمومية رفعت على حلمي غطاس عياد المتهم بأنه تسبب
في قتل توفيق عشري خليل بغير قصد ولا تعمد بإهمال وعدم احتياطه وعدم مراعاة اللوائح
بأن قاد سيارة بسرعة زائدة ولم يتخذ الحيطة الكافية فصدم المجني عليه. وتدخل والد المجني
عليه في الدعوى وأدخل الطاعن فيها وطلب إلزامه مع المتهم بتعويض الضرر الذي لحقه. ومحكمة
أوّل درجة أدانت المتهم وحكمت عليه بالعقوبة وألزمته هو والطاعن والدكتور بشرى يواقيم
صاحب السيارة بمبلغ التعويض الذي قضت به. والمحكمة الاستئنافية أخذت بهذا النظر أيضاً
فيما يختص بالطاعن والمتهم وألغت الحكم الابتدائي فيما يختص بالدكتور بشرى يواقيم وقالت
في ذلك: "إن التحقيقات التي تمت في البوليس وأمام المحكمة خالية مما يدل على أن الدكتور
بشرى يواقيم المدعى عليه الأوّل في الدعوى المدنية تدخل بأية طريقة كانت في اختيار
المتهم لقيادة السيارة، وكل ما يمكن أن يسند إليه هو أنه سمح بتسليمها للسائق الذي
أوفده المدّعى عليه بالثاني جرجس عوض الله (الطاعن) وأن الأخير هو الذي اختار المتهم
وعهد له بقيادة السيارة، فعليه تقع تبعة هذا الاختيار وما ترتب عليه من مسئولية. أما
الدكتور بشرى فلا مسئولية عليه، لأن مسئولية السيد عن أفعال خدمه مشروط فيها أن يكون
السيد هو الذي اختار خادمه أو تابعه ليعمل في خدمته، متى انتفت واقعة اختيار المدعى
عليه الأوّل للمتهم الذي ارتكب الحادث وهي أساس المطالبة بالتعويض فلا مسئولية عليه.
وحيث إن ما جاء في الحكم المستأنف من أن الدكتور بشرى استخدم ذلك السائق في ملء بطارية
السيارة تعلقه بالكهرباء حتى يتمكن من السير بها في اليوم التالي – هذه الواقعة التي
رتب عليها الحكم المستأنف مسئوليته لا أثر لها في التحقيقات، بل الثابت أنه لم يستخدم
هذا السائق في قيادة سيارته ولم يشترك في اختياره بل لم يره ولم يعرفه إطلاقاً، والذي
اختاره وعهد إليه بقيادة السيارة لملئها بالكهرباء هو هو المدّعى عليه الثاني جرجس
عوض الله دون غيره. ولو صح أن الدكتور بشرى وابنه عدلي بشرى يواقيم وافقا على تسليم
السيارة للمتهم الذي اختاره المدعى عليه الثاني وأوفده إليهما لاستلامها فلا يمكن نسبة
أي خطأ إليهما بسبب ذلك. لأن المتهم سائق مرخص له ولم يكن وقت الحادثة عاطلاً وقد كان
يشتغل فعلاً عند أسعد كيرلس وكيل شركة فاكوم. ومتى انتفى حصول أي خطأ من الدكتور بشرى
فلا تجوز مسائلته مدنياً عن التعويض بمجرّد ملكيته للعربية طبقاً لما استقرّ عليه قضاء
محكمة النقض والإبرام المدنية في حكمها الصادر بتاريخ 15 نوفمبر سنة 1934 والذي قضى
بعدم مسئولية الإنسان عن مخاطر ملكه التي لا يلابسها شيء من التقصير، بل إن هذا النوع
من المسئولية رفضه الشارع المصري بتاتاً فلا يجوز للقاضي اعتماداً على المادة 29 من
لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أن يرتبه على اعتبار أن العدل يسيغه. وحيث إن جرجس عوض
الله المدّعى عليه الثاني تنصل من المسئولية بدعوى أن المتهم حلمي غطاس عياد كان وقت
الحادث سائقاً عند أسعد كيرلس إلا أن هذه الواقعة لا تنفي مسئوليته هو لأن المتهم كان
وقت الحادثة يعمل في خدمته شخصياً لا في خدمة أسعد كيرلس الذي لم يثبت من التحقيق أنه
سمح لسائقه بالعمل على السيارة التي صدمت المجني عليه".
وحيث إن قوام علاقة المتبوع بالتابع في معنى المادة 152 من القانون المدني هو ما للمتبوع
من سلطة التابع في توجيهه ورقابته فكلما تحققت هذه السلطة قامت تلك العلاقة وترتبت
المسئولية عن فعل الغير على أساس مساءلة المتبوع عما يقع من التابع. ولا يهم بعدئذ
أطالت مدّة قيام هذه السلطة أم قصرت إذ العبرة بوجودها فحسب، فإن القانون لا يتطلب
زيادة عليها لقيام تلك العلاقة.
وحيث إنه متى وجدت العلاقة بين المتبوع والتابع فإن المتبوع يكون مسئولاً عن تعويض
الضرر عن كل فعل ضارّ يقع من تابعه كلما كان وقوعه وقت القيام بالعمل الذي عهد إليه
به أو بمناسبته فقط متى كان هذا العمل هو الذي سهل وقوع الفعل الضارّ أو هيأ الفرصة
لوقوعه بأية طريقة كانت، فإن نص القانون عن هذه المسئولية في المادة 152 مدني مطلق
عام يسري على الحالتين.
وحيث إنه وإن كان الحكم المطعون فيه أقام مساءلة الطاعن على أنه هو الذي اختار المتهم
ولم يتحدّث عن سلطة التوجيه والرقابة التي لا تقوم المسئولية إلا بتوفرها والتي تتضمن
بذاتها حق الاختيار، فإن من يملك توجيه إنسان في أمر من الأمور يكون مختاراً له فيه
– وإن كان ذلك إلا أن الوقائع الثابتة بالحكم تدل بوضوح على أن الطاعن كان له على المتهم
سلطة في توجيهه ورقابته فيما يختص بالمأمورية التي كلفه بها بل في إقصائه عنها، ولذلك
فإنه يكون مسئولاً عن تعويض الضرر عن قتل المجني عليه ولو أن المأمورية مؤقتة بزمن
وجيز أو أن المتهم تابع في الوقت ذاته لمتبوع آخر ولو كان المتهم قد ذهب من تلقاء نفسه
لشحن البطارية، ما دام القانون لم يعين مدّة لقيام علاقة المتبوع بالتابع، وما دامت
علاقة المتهم بمتبوع آخر ليس لها اتصال بالحادث الذي ارتكبه المتهم بسبب المأمورية
المكلف بها من قبل الطاعن، وما دام شحن البطارية لم يكن إلا لمناسبة القيام بالرحلة
التي اعتزمها الطاعن.
