الطعن رقم 262 سنة 13 ق – جلسة 08 /02 /1943
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 140
جلسة 8 فبراير سنة 1943
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.
القضية رقم 262 سنة 13 القضائية
قوة الشيء المحكوم فيه. محاكمة المتهم عن فعل. الحكم له بالبراءة
أو القضاء بإدانته. فعل سابق رمى به المتهم إلى ذات الغرض الذي قصد إليه بالفعل الذي
حوكم من أجله. إعادة محاكمته عن هذا الفعل السابق. لا تجوز ولو لم يكن قد ذكر صراحة
في التهمة التي حوكم من أجلها. واقعة مقامة على ذات الأساس الذي أقيمت عليه الوقائع
الأخرى التي حكم فيها ببراءة المتهم. رفع الدعوى على المتهم بتلك الواقعة بعد الحكم
ببراءته. لا يصح. الدفع بسبق الفصل في الدعوى. وجوب تحقيقه وتبرئة المتهم عند ثبوت
صحته.
متى تمت محاكمة المتهم عن فعل من الأفعال وقضى له أو عليه بالبراءة أو بالإدانة فلا
يجوز أن تعاد محاكمته عن أي فعل سابق رمي به المتهم إلى ذات الغرض الذي قصد إلى تحقيقه
بالفعل الذي حوكم من أجله، ولو لم يكن ذلك الفعل قد ذكر صراحة في التهمة، فإن هذا معناه
محاكمة الشخص أكثر من مرة عن واقعة واحدة، وهذا محرّم بمقتضى القواعد الأوّلية للمحاكمات
الجنائية. وإذن فإذا كانت واقعة الدعوى – على حسب الثابت بالحكم المطعون فيه – مقامة
على ذات الأساس الذي أقيمت عليه الوقائع الأخرى التي حكم فيها بالبراءة بناء على أنه
لا تتوافر فيها جريمة معاقب عليها، فإن رفع الدعوى على المتهم بتلك الواقعة بعد سبق
الحكم ببراءته يكون غير صحيح. ويجب على المحكمة إذا ما دفع لديها بهذا الدفع أن تستبين
حقيقته، فإذا ثبت لديها صحته وجب عليها أن تقضي له بالبراءة لسبق الفصل في الدعوى.
لأنها لا يجوز لها بعد أن تمت محاكمة المتهم وانتهت بالإدانة أو البراءة أن تعيد محاكمته
عن أي فعل سابق داخل في الغرض الذي قصد الجاني إلى تحقيقه من وراء الأفعال التي حوكم
عنها، ولو لم يكن قد ذكر صراحة في التهمة.
المحكمة
وحيث إن محصل أوجه الطعن أن الطاعن لم يكن وكيلاً عن المجني عليه
في تحصيل أثمان أجهزة الراديو المبيعة كما قال الحكم لأنه اشترى هذه الأجهزة ثم باعها
لحسابه، فعلاقة الطرفين لا تعدو أن تكون علاقة مشتر ببائع، وقد قضت المحكمة ببراءة
الطاعن على هذا الأساس في قضايا عدّة عن هذا الموضوع ذاته، وقد طلب الطاعن إلى محكمة
الموضوع أن تؤجل له الدعوى حتى يقدم الأحكام الصادرة في تلك القضايا، فرفضت المحكمة
طلبه.
وحيث إن الطاعن قدّم إلى هذه المحكمة صور عدّة أحكام صادرة له بالبراءة من التهم التي
كانت مرفوعة بها الدعوى عليه بأنه اختلس مبالغ إضراراً بعزيز بولس كان قد استلمها من
آخرين ثمن أجهزة راديو بصفته وكيلاً عنه، وقال إن هذه الأحكام هي التي كان يريد تقديمها
أثناء محاكمته لإثبات براءته، ولكن المحكمة لم تجبه طلبه. ومن بين هذه الأحكام الحكم
الصادر من محكمة بني سويف في القضية رقم 958 سنة 1941 بندر بني سويف بتاريخ 10 مايو
سنة 1942 الذي أقام قضاءه ببراءة الطاعن من التهمة التي وقعت واقعتها في 30 نوفمبر
سنة 1940 ببندر بني سويف على ما قاله من "أن وقائع هذه الدعوى والدعاوى الأخرى المنضمة
إليها وهي القضايا رقم 957 و959 و960 و961 و962 و965 جنح بندر بني سويف سنة 1941 تتلخص
هذه الدعاوى في أن محمد راضي شعلان بصفته وكيلاً عن عزيز بولس قدّم جملة شكاوى في حق
المتهم جرس خليل سليمان (الطاعن) عن تبديد جملة مبالغ قيل بأن المتهم المذكور قد حصلها
نيابة عن عزيز بولس ولكن المتهم اختلسها إضراراً بالمجني عليه (عزيز بولس). وحيث إنه
قبل الخوض في موضوع هذه الدعوى يحسن بحث ما إذا كانت هذه القضايا كلها مرتبطة ببعضها
ارتباطاً وثيقاً أم لا. وحيث إنه بالرجوع إلى هذه القضايا يتبين أنها كلها خاصة بتبديد
مبالغ مقول بأن المتهم تسلمها من جملة أشخاص لتوصيلها إلى المجني عليه فلم يوصلها إليه
بل بددها، وعن ذلك ضبطت وقائع متعدّدة عن كل مبلغ قيل بأن المتهم تسلمه من شخص معين،
وجعلت كل واقعة موضوع قضية من القضايا المشار إليها أيضاً، ولاشك في وجود الارتباط
الوثيق بين هذه القضايا جميعها لوحدة الموضوع والغرض، ووجب لذلك ضم القضايا الموضحة
بأول هذه الأسباب إلى القضية الحالية. وحيث إن المجني عليه يقول بلسان وكيله أو مندوبه
بأن هذه المبالغ إنما قد استلمها المتهم من بعض العملاء بصفته وكيلاً بالعمولة لتحصيل
تلك المبالغ لتوصيلها إلى المجني عليه فبدّدها، ويقول كذلك بأن المعاملة بينه وبين
المتهم يربطها عقد اتفاق محرّر بينهما، أما المتهم فإنه يدفع التهمة بأنه لم يكن وكيلاً
للمجني عليه أصلاً، وإنما كان المتهم يعمل لحساب نفسه ببيع أجهزة الراديو التي يشتريها
من المجني عليه لحسابه الخاص (أي لحساب المتهم شخصياً) فينتفع بالربح الذي يعود عليه
من معاملاته التجارية مع الغير، ويلزم بما تجلبه عليه هذه المعاملات من خسارة مستنداً
في ذلك إلى العقد المحرّر بينه وبين المجني عليه – وحيث إن البحث في موضوع هذه القضايا
بأجمعها يستدعي البحث في حقيقة المعاملة الحاصلة بين المتهم والمجني عليه، وهل هذه
العلاقة هي علاقة تاجر بتاجر أم عميل بعميل يربطها القانون المدني، أي علاقة وكيل بموكل.
وحيث إنه بالرجوع إلى عقدي الاتفاق المقدم صورتهما من الطرفين واللذين لم يطعن أحدهما
عليهما (على هاتين الصورتين) بطعن ما – بالرجوع إلى هذين العقدين نجد أحدهما محرّراً
بين المتهم والمجني عليه بتاريخ 30 أكتوبر سنة 1940 أو 31 أكتوبر سنة 1941 لأن تاريخ
هذا العقد غير واضح وضوحاً تاماً إذ كتب أحياناً سنة 1941 وأحياناً سنة 1940 حتى على
الصورة الواحدة المقدّم منها جملة نسخ، وعلى فرض أن تاريخ هذا العقد هو 30 أكتوبر سنة
1940، وباعتباره أنه يحكم بعض الوقائع المطروحة أمام هذه المحكمة، فإن هذا وإن كان
قد نص في البند الأوّل منه على أن السبب في تحريره إنما يرجع في الحقيقة إلى تأخر المتهم
في سداد بعض الأقساط له فقد اتفق الطرفان على تسديد هذه المبالغ بالطريقة الآتية: –
وهذه الطريقة هي التي نص عليها في مواد عقد الاتفاق المذكور الذي ما أعدّ إلا لتنظيم
كيفية قيام المتهم بسداد المبالغ المستحقة عليه. وقد جاء البند الثالث من عقد الاتفاق
المذكور بأن المتهم يخصم 30% من قيمة ما يحصل من الكمبيالات، ولاشك أن هذا العقد يحكمه
القانون المدني وحده، والعلاقة ظاهرة صراحة أنها علاقة مدنية شاء المجني عليه أن ينص
في بنود هذا العقد على ما يشعر وجود وكالة ليوقع المتهم تحت سيف المسئولية الجنائية،
ولكن هيهات أن يستسيغ العقل أن العلاقة بين المتهم والمجني عليه هي علاقة وكيل بموكل
بل هي في الواقع علاقة مدين بدائن، وقد شاء الدائن أن يملي إرادته على المدين فيجعله
يقبل أن يصوّر تلك العلاقة تصويراً آخر ليوقع المتهم تحت المسئولية الجنائية. يؤيد
هذا أن الاتفاق الجديد المحرّر في سنة 1940 أو سنة 1941 إنما هو استبدال للعقد المؤرّخ
15 مارس سنة 1938، وهذا العقد صريح في أن العلاقة بين المتهم وبين المجني عليه المترتبة
على ذلك العقد هي علاقة مدنية محضة بين بائع وهو المجني عليه ومشتر وهو المتهم – وحيث
إنه يتبين مما تقدّم أن المعاملة بين المتهم والمجني عليه لاشك في أنها معاملة مدنية
بحتة بين دائن ومدينه يحكمها القانون المدني وحده. وحيث إنه وإن كانت بعض الوقائع المنسوبة
إلى المتهم هي تحصيل قيمة أحكام صادرة باسم المجني عليه، إلا أنه بالرجوع إلى هذه الأحكام
يتبين أنها صادرة حقيقة باسم المجني عليه، وإن كانت حقيقة الأمر أنها من الكمبيالات
التي كانت محرّرة أصلاً باسم المتهم وحوّلها عملاً بعقد الاتفاق المشار إليه إلى اسم
المجني عليه الذي اتخذ الإجراءات القانونية ووكل إلى المتهم تحصيل قيمة هذه المبالغ،
وحقيقة الأمر إنما حصل المبالغ لشخصه فعلاً. أما العلاقة الأخرى فحملها دعوى حساب مدينة
يرفعها المجني عليه يصفي فيه هذه المعاملات – وحيث إنه يتبين مما تقدم أن التهم الموجهة
للمتهم هي على غير أساس ويتعين لذلك براءته مما أسند إليه عملاً بالمادة 172 من قانون
تحقيق الجنايات".
وحيث إن واقعة الحال في هذه الدعوى أن النيابة رفعت الدعوى على الطاعن بأنه "في خلال
شهر نوفمبر سنة 1939 ببندر بني مزار بدّد مبلغ 156 قرشاً سلمها له إبراهيم عبد اللطيف
و249 قرشاً سلمها له رزق السيد رزق على سبيل الوكالة لتوصيلها لعزيز بولس". والحكم
الابتدائي أدانه وقال في ذلك "إن محمد راضي شعلان قرر أن عزيز بولس يداين إبراهيم عبد
اللطيف بمبلغ، ونفذ على منقولات له، وقد بلغه من الأخير أنه سدّد المطلوب إلى المتهم
وأعطاه إيصالاً، وأنه لم يوصل المبالغ لهم. وحيث إن إبراهيم عبد اللطيف قرّر أن المعاملة
كانت بينه وبين المتهم وأنه سدد له مبلغ 156 قرشاً – وحيث إنه يفهم من ذلك أن المتهم
لم يسدّد ما عليه، وترى المحكمة أن التهمة ثابتة عليه ويتعين عقابه بالمادة 341 عقوبات".
ولدى المحكمة الاستئنافية تمسك الطاعن بأنه "تقدم إلى عزيز بولس تاجر الراديوات وطلب
منه أن يتوكل في بيع الراديوات واشترط عليه أن يحرّر عليه عقد بأن الشراء قد تم فعلاً
ويتسلم منه الراديوات ويحرّر على نفسه كمبيالات بقيمتها – وكل ما كان يحصله يرسل إلى
عزيز بوليس ليخصم من الكمبيالات المأخوذة على المتهم، وكان هناك وكيل قديم تأخر في
التحصيل فسلم بعض كمبيالاته المتأخرة إلى المتهم ليحصلها له خدمة له أيضاً وقدّم كمبيالات
مسدّدة ومؤشراً عليها بالسداد – فقال إنه في هذه الفترة نحن قد سدّدنا ما يزيد على
300 جنيه – وليس فقط هذا كل ما عمله عزيز بولس بل إنه قدم فيه بلاغاً عملت من أجله
قضية أمام محكمة الفيوم وقضى فيها ببراءته، وقدم صورة حكم هذه القضية، وقدم أيضاً شهادة
رسمية من ملف قضية أخرى". ثم قال الدفاع "إن العلاقة بين المتهم وعزيز بولس علاقة مشتر
وبائع كأي علاقة مدنية محضة، وقال بأن المتهم سلم عزيز بوليس 60 جنيهاً في 12 أكتوبر
سنة 1941، ومذكور في المستندات جميعها بأن ما وصل من ضمن المطلوب على المتهم، ومن بين
هذه المبالغ مبالغ بورقة قبل التبليغ ومبالغ بعده – ونقدّم تدعيماً لدفاعنا حكماً متفقاً
في وقائعه مع هذه الدعوى قضى فيه ببراءة المتهم، وقال بعدم معقولية اختلاس مبالغ بسيطة
كالمتهم بها في الوقت الذي تسدّدت فيه مبالغ تصل إلى 800 جنيه. وأخيراً أرجو أن تأمر
المحكمة بضم القضايا التي أودعت معها ووجدت وهي 1864 سنة 1941 و7 سنة 1942 بندر و3547
سنة 1941 مركز المنيا وجميعها فصل فيها بالبراءة، وبها المستندات المسحوبة من القضية
الاستئنافية، ولهذه المستندات أهميتها، وأنها تفيد سداده مبالغ كثيرة جداً بعد التاريخ
المدعى فيه بالاختلاس". والحكم الاستئنافي قضى بتأييد الحكم الابتدائي وقال "إن الوقائع
في هذه القضية تتلخص في أن محمد راضي شعلان مندوب محلات عزيز بولس قدّم شكويين إلى
مركز بني مزار: إحداهما ضدّ إبراهيم عبد اللطيف وجرس خليل (المتهم المستأنف)، والأخرى
ضدّ جرس خليل وحده، وقال في الأولى إن عزيز بولس يداين إبراهيم عبد اللطيف بمبلغ 156
قرشاً بموجب حكم في القضية 2928 سنة 1939 مدني الوايلي، وإن المتهم الثاني تسلم هذا
المبلغ ولم يورده للمحل وبدده، وقال في الشكوى الثانية إن عزيز بولس يداين رزق السيد
رزق في مبلغ 249 قرشاً بحكم في القضية 2730 سنة 1939 وقد تسلم المتهم هذا المبلغ من
المحكوم عليه وبدّده – وحيث إنه قد تبين من شهادة عزيز بولس في الجلسة أن المتهم كان
وكيلاً عنه في الوجه القبلي كما شهد بذلك راضي شعلان أيضاً من أن المتهم هو وكيل عزيز
بولس في الوجه القبلي – وحيث إنه تبين من الاطلاع على الحكم الصادر في القضية رقم 2730
سنة 1939 الوايلي ضدّ رزق السيد رزق لصالح عزيز بولس أن المتهم وقع على هذا الحكم بصفته
وكيلاًَ للمحكوم له بأنه تسلم من المحكوم عليه المبلغ المطلوب بما فيه أجرة النشر،
وهذا الإقرار بتاريخ 4 نوفمبر سنة 1939، كذلك أقرّ المتهم على ظهر نشرة البيع بأنه
تسلم من المحكوم عليه المذكور قيمة المطلوب بصفته وكيلاً عن طالب البيع عزيز بولس وقد
أوقف المحضر البيع كما هو ثابت في محضره المؤرخ 4 نوفمبر سنة 1939 إذ أن المحضر طالب
المحكوم عليه بمبلغ 249 قرشاً فقدّم له دليل التخالص بتوقيع المتهم، فأوقف البيع بناء
على ذلك. وحيث إنه تبين من شهادة إبراهيم عبد اللطيف أنه سلم مبلغ 156 قرشاً إلى المتهم
وهو المبلغ الذي كان مديناً به لعزيز بولس. وحيث إن المتهم لم ينكر أنه تسلم المبلغين
موضوع التهمة وإنما دفع بأنه قام بتوريدها إلى المجني عليه وقدّم مستندات تفيد تسلم
عزيز بولس مبالغ منه، وقد رأت المحكمة استدعاء عزيز بولس وراضي شعلان لمناقشتهما في
دفاع المتهم – وحيث إن عزيز بولس قرّر أن المبالغ التي ورّدها المتهم لا يدخل فيها
المبلغان موضوع هذه التهمة وبذلك شهد راضي محمد شعلان مندوب محل المجني عليه – وحيث
إن المتهم بني دفاعه كله، على أن المعاملة بينه وبين المجني عليه مدنية محضة، ولكن
يدحض هذا الدفاع تسلمه المبلغين بصفته وكيلاً عن المجني عليه، وقد ثبت من شهادة المجني
عليه عزيز بولس وراضي شعلان أن المتهم لم يورد هذين المبلغين للمحل الأمر الذي تأخذ
منه المحكمة أن المتهم اختلسهما إضراراً بالمجني عليه، ويكون عقابه منطبقاً على نص
المادة 341 عقوبات. وحيث إن المحكمة لا تري محلاً لإجابة طلب المتهم ضم قضايا قال عنها
إنه حكم له فيها بالبراءة، وذلك لأن لكل قضية ظروفاً خاصة بها، وقد قدّم الدفاع عن
المتهم صورة حكم في القضية رقم 1459 سنة 1941 جنح الفيوم قضي ببراءة المتهم مما هو
منسوب إليه من جريمة تبديد مبالغ للمجني عليه. وحيث إن صدور أحكام ببراءة المتهم من
وقائع أخرى لا يؤثر على واقعة هذه القضية التي نحن بصددها والتي ترى المحكمة أن الأدلة
فيها متوفرة على إدانة المتهم، وفضلاً عن ذلك فإن دفاع المتهم أمام محكمة أوّل درجة
لم يطلب من المحكمة سوى استعمال الرأفة مع المتهم أي أنه مسلم بأن واقعة هذه القضية
ثابتة. وحيث إنه مما تقدّم يكون الحكم المستأنف في محله ويتعين تأييده".
وحيث إن الواقعة موضوع هذه الدعوى قد وقعت قبل صدور الحكم القاضي ببراءة الطاعن على
أساس أن علاقته بعزيز بولس ليست علاقة الوكيل بالموكل. ولما كانت هذه الواقعة التي
وصفت بأنها خيانة أمانة إضراراً بعزيز بولس هي والوقائع الأخرى التي وصفت بهذا الوصف
والتي صدرت بشأنها أحكام البراءة السابق ذكرها عبارة عن أفعال متوالية متلاحقة لا تكون
في مجموعها إلا جريمة واحدة – وإن كان كل منها يكوّن جريمة – لوحدة الحق الذي وقعت
عليه ووحدة الغرض الذي قصد الجاني إلى تحقيقه من وراء ارتكابها مما تكون معه محاكمة
المتهم عن فعل واحد أو أكثر متضمنة محاكمته عن جميع الأفعال الأخرى التي سبق وقوعها
قبل المحاكمة، ولا يجوز بالتالي بعد أن تمت محاكمته وانتهت بالإدانة أو البراءة أن
تعاد محاكمته عن أي فعل سابق ولو لم يكن قد ذكر صراحة في التهمة. لأن ذلك يكون معناه
محاكمة الشخص أكثر من مرة عن واقعة واحدة، وهذا محرّم بمقتضى القواعد الأوّلية للمحاكمات
الجنائية. ومتى كان الأمر كذلك وكانت واقعة هذه الدعوى على حسب الثابت بالحكم المطعون
فيه مقامة على نفس الأساس الذي أقيمت عليه الوقائع الأخرى التي قضى فيها بالبراءة بناء
على أنه لا تتوافر به جريمة الاختلاس، فإن رفع الدعوى على الطاعن بعد سبق الحكم ببراءته
يكون غير صحيح، وكان يجب على المحكمة أن تحقق دفاعه حتى إذا ما تبينت ما تبينته هذه
المحكمة على الوجه المتقدّم قضت له بالبراءة لسبق الفصل في الدعوى.
