الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 337 سنة 13 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 132

جلسة أوّل فبراير سنة 1943

برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة، وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 337 سنة 13 القضائية

( أ ) تزوير. المضاهاة. ورقة رسمية أو ورقة عرفية معترف بها. قبولها للمضاهاة. ليس أمراً حتمياً على القاضي. تخويل المحكمة الجنائية إجراء المضاهاة على أية ورقة تقتنع بصدورها من شخص معين ولو كان ينكر صدورها منه. حقها في استبعاد أية ورقة ولو كانت رسمية أو معترفاً بها. المادة 72 تحقيق. المقصود منها.
(المادتان 261 مرافعات و72 تحقيق)
(ب) ندب خبير لعمل المضاهاة على ورقة معينة. عدم أخذ المحكمة بتقرير الخبير لعدم اطمئنانها إلى ورقة المضاهاة. جوازه.
1 – إن القاضي ليس ملزماً بأن يقبل للمضاهاة كل ورقة رسمية لم يثبت تزويرها أو كل ورقة عرفية معترف بها، بل إن له أن يستبعد من هذه الأوراق مالا يرى من ورائه فائدة في إظهار الحقيقة. فكما له أن يقصر المضاهاة على الأوراق المعاصرة للورقة المطعون فيها سواء أكانت هذه الأوراق رسمية أم عرفية، له أن يستبعد لأي سبب من الأسباب أية ورقة ولو كانت رسمية. خصوصاً إذا كانت هناك أوراق أخرى مقدمة للمضاهاة عليها. وإذا كان هذا مقرّراً في المواد المدنية فإنه يكون أولى بالإتباع في المواد الجنائية حيث لا يصح بحال مطالبة القاضي بأن يقبل للمضاهاة أية ورقة عرفية لمجرّد اعتراف الخصوم بها ولا أية ورقة رسمية مهما كانت، أو مطالبته بأن لا يجري المضاهاة إلا على الأوراق الرسمية أو العرفية المعترف بها، كما هي الحال في المسائل المدنية. فإن مطالبته بذلك لا تتفق والقواعد المقرّرة للأحكام الجنائية من أنها – سواء أكانت بالعقوبة أم بالبراءة – يجب ألا يكون صدورها إلا بناء على العقيدة التي تتكوّن لدى القاضي بكامل الحرّية، مما مقتضاه تخويل المحكمة إجراء المضاهاة على أية ورقة تقتنع بصدورها من شخص معين ولو كان ينكر صدروها منه، أو استبعاد أية ورقة ولو كانت رسمية أو معترفاً بها متى ساورها الشك في أمرها. والقول بغير ذلك يترتب عليه إما إلزام المحكمة الجنائية بأن تأخذ بدليل وهي غير مطمئنة إليه، وإما أن تسير في إجراءات وهي عالمة بأنها غير مجدية. ولا يعترض على ذلك النظر بالمادة 72 من قانون تحقيق الجنايات الواردة في باب قاضي التحقيق، فإن نصها بأن "الأصول المقرّرة في قانون المرافعات في المواد المدنية بشأن تحقيق عين الأوراق التي تحصل عليها المضاهاة في مواد التزوير والإقرار بصحتها تتبع أيضاً في التحقيقات الجنائية" – نصها هذا مهما كانت دلالته لا يمكن أن يكون مقصوداً به مخالفة تلك القواعد الأساسية المقرّرة للأحكام الجنائية، وإنما هو نص لم يقصد به إلا إرشاد القاضي إلى ما يحسن اتباعه عند إجراء عملية المضاهاة، ولا يترتب على مخالفته أي بطلان، فإن الغرض منه يتحقق كلما اتخذ القاضي الاحتياطات الكفيلة بمنع تسرب الشكوك على الدليل المستمد من عملية المضاهاة.
2 – إن ندب المحكمة خبيراً لعمل المضاهاة على ورقة معينة ليس من شأنه، ولا يمكن أن يكون من شانه، أن يسلبها حقها في أن تأخذ أو أن لا تأخذ بتقرير الخبير الذي ندبته. فإذا هي رأت لأي سبب من الأسباب أن لا تأخذ بتقرير الخبير فلا يصح رميها بالتناقض ولو كان السبب عدم اطمئنانها إلى ورقة المضاهاة.


المحكمة

وحيث إن الوجه الأوّل من أوجه الطعن يتحصل في أن الطاعنين تمسكا أمام المحكمة الاستئنافية بوجوب مضاهاة الورقة المطعون فيها بالتزوير على أوراق رسمية أشارا إليها، من بينها توكيل مثبت بدفتر التوكيلات بالمحكمة الشرعية. فانتقلت المحكمة الاستئنافية إلى المحكمة الشرعية، واطلعت على الدفتر المذكور فوجدت توكيلاً موقعاً عليه بختم المدّعي بالحق المدني بصفة شاهد، ثم قرّرت ندب خبير في الخطوط لمضاهاة بصمة الختم الموقع به على الورقة المطعون فيها بالتزوير على بصمة الختم الموقع به على التوكيل. وقد باشر الخبير مأموريته وقدّم تقريراً جاء فيه أن البصمتين متحدتان. وعند نظر الدعوى بعد تقديم هذا التقرير قررت المحكمة تأجيلها ريثما يبت في شكوى مقدّمة من المدّعي بالحق المدني للنيابة بشأن تزوير توقيعه على هذا التوكيل الرسمي. وقد أجلت القضية لهذا الغرض عدة مرات إلى أن قررت المحكمة تأجيلها لجلسة 23 فبراير سنة 1942 لضم أوراق الشكوى المذكورة وكلفت المدّعي بالحق المدني بالإرشاد عن نمرتها الحقيقية في ظرف ثلاثة أسابيع، وإلا يصرف النظر عما يدعيه بشأنها. وفي جلسة 23 فبراير سنة 1942 لم تكن الشكوى قد ضمت ولكن المحكمة أصرت على سماع الدعوى وحكمت فيها بعد ذلك بتأييد الحكم المستأنف القاضي بإدانة الطاعنين وصرفت بالنظر عن عملية المضاهاة التي تمت على التوكيل الرسمي كما صرفت النظر عن تحقيق هذا الدفاع الذي سارت فيه شوطاً طويلاً. وهذا الذي أجرته المحكمة لا يتفق وقرارها القاضي بضم أوراق الشكوى المقدّمة من المدّعي بالحق المدني وهي إذ خالفت هذا القرار قد أخلت بدفاع الطاعنين الذي كان مستنداً إلى القرار الصادر بوجوب الأخذ بالتوكيل وبعملية المضاهاة في حالة عدم ثبوت تزوير التوكيل بناء على الشكوى المذكورة.
وحيث إنه تبين من الاطلاع على محضر الجلسة أن الدفاع عن الطاعنين طلب إلى المحكمة الاستئنافية بجلسة 14 إبريل سنة 1941 ندب خبير لمضاهاة المخالصة المطعون فيها بالتزوير على توكيل شرعي صادر من حسن علي (الطاعن الثاني) إلى محمد عبد الرحيم وموقع عليه من المدّعي بالحق المدني بصفة شاهد. وعندئذ أنكر المدعي بالحق المدني أنه وقع على هذا التوكيل، وقد رأت المحكمة تحقيق دفاع الطرفين. فانتقلت إلى المحكمة الشرعية في يوم 24 إبريل سنة 1941 واطلعت على دفتر التوكيلات فوجدت به توكيلاً صادراً بتاريخ 27 إبريل سنة 1937 من محمد حسن علي (الطاعن الثاني) إلى محمد عبد الرحيم بشهادة عبد الرحيم عبد الجليل المدّعي بالحق المدني وآخر. ولاحظت المحكمة وجود تشابه بين بصمة الختم المنسوب إلى المدّعي بالحق المدني على المخالصة المطعون فيها بالتزوير وبصمة الختم المنسوب إليه على التوكيل. وقرر المدّعي بالحق المدني إنه لم يشهد على هذا التوكيل، وأنه قدّم شكوى للنيابة بهذا الخصوص فأمرت المحكمة بضم هذه الشكوى وكلفت المدّعي بالحق المدني بالإرشاد عنها، ثم قررت ندب خبير للمضاهاة. وتأجلت القضية بعد ذلك عدة مرات لضم الشكوى أو الاستعلام عما تمّ فيها إلى أن كانت جلسة 22 ديسمبر سنة 1941 التي قرّرت المحكمة فيها تأجيل نظر الدعوى لجلسة 23 فبراير سنة 1942 لضم الشكوى السابق التقرير بضمها. وكلفت المدّعي بالحق المدني بالإرشاد عن نمرتها الحقيقية في ظرف ثلاثة أسابيع وإلا صرف النظر عما يدّعيه بشأنها. وفي جلسة 23 فبراير المذكورة سمعت المحكمة مرافعة الخصوم وقررت تأجيل الحكم في الدعوى لجلسة 16 مارس سنة 1942 وفيها صدر الحكم المطعون فيه بتأييد الحكم المستأنف القاضي بإدانة الطاعنين في تهمتي التزوير والاستعمال المسندتين إليهما. واستندت المحكمة في قضائها هذا إلى أسباب الحكم الابتدائي وإلي أسباب أخرى أوردتها في حكمها ومما قالته أنها: "ترى من ظروف التوقيع على التوكيل ما يكفي على الأقل لاستبعاده كورقة للمضاهاة كما ترى في عناصر الدعوى المطروحة أمامها ما يكفي لتكوين عقيدتها بتزوير المخالصة المطعون فيها". ويتضح من هذا الذي أثبت بمحاضر الجلسات بالحكم المطعون فيه أن المحكمة الاستئنافية قد تمشت مع الطرفين في دفاعهما فحققت دفاع الطاعنين بانتقالها إلى المحكمة الشرعية واطلاعها على التوكيل الذي أشارا إليه وندبت خبيراً للمضاهاة عليه. كما أنها أمرت بضم الشكوى التي قال عنها المدّعي بالحق المدني تحقيقاً لدفاعه ولما لم يستطع الإرشاد عنها بالرغم من تأجيل القضية عدّة مرات لهذا الغرض لم يسع المحكمة إلا الفصل في الدعوى بغير أن تضم الشكوى. وما دامت المحكمة قد حققت دفاع الطرفين فليس للطاعنين أن ينعيا عليها أنها خلت بدفاعهما، كما أنه ليس لهما أن ينعيا عليها غضها النظر عن تقرير الخبير الذي ندبته للمضاهاة لأن للقاضي مطلق الحرّية في تقدير ما يعرض عليه من الأدلة فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا ترتاح إليه. وما دامت المحكمة لم تر الأخذ بتقرير الخبير كدليل في الدعوى لما ساورها من الشك حول الورقة التي أجرى المضاهاة عليها ورأت في عناصر الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها بتزوير المخالصة، فلا يجوز مجادلتها في ذلك أمام محكمة النقض لتعلقه بتقدير الأدلة. أما عن عدم ضم الشكوى فإن ذلك ليس من شأنه أن يمنع المحكمة من أن تبدي في حكمها – على نحو ما فعلت – حقيقة الواقعة التي اقتنعت بها بناء على وقائع الدعوى والأدلة القائمة فيها.
وحيث إن مبنى الوجه الثاني أن الحكم المطعون فيه – إذ قضى باستبعاد التوكيل الرسمي كورقة للمضاهاة – قد أخطأ، لأن المادة 261 من قانون المرافعات في المواد المدنية التي يجب اتباعها في التحقيقات الجنائية توجب قبول كل ورقة رسمية للمضاهاة عليها ما دام لم يثبت تزويرها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد تعرّض لما أثاره الطاعنان في هذا الوجه ورد عليه بأن قال: "تمسك المتهمون الحاضرون بأن الختم الموقع به على المخالصة المشار إليها يطابق الختم الموقع بتوقيع المجني عليه به على طلب السلفة المؤرخ في 13 يوليه سنة 1937 وعلى التوكيل الشرعي المؤرخ في 27 إبريل سنة 1938 بصفته شاهداً عليه، وهذا التوكيل على الأقل هو ورقة رسمية يجب المضاهاة عليها ما لم يقض بتزويرها. وقد ردّ المجني عليه على هذا بأنه لم يوقع على الورقتين المذكورتين وأنهما عملتا بمعرفة المتهمين في وقت معاصر للجريمة توطئة للتزوير وتكملة له، وأنه بخصوص عقد السلفة، فضلاً عن أنه ليس ورقة رسمية أو عرفية معترفاً بها، فإن الموظف المختص لا يتحقق من شخصية الموقع "المستلف" الذي يقدّم له محصولاً كرهن يستلف عليه مبلغاً يقل عادة عن ثمنه ما لا يدعوه، أي الموظف، إلى تحقيق هذه الشخصية. ولا سيما أن الاقتراض وقع على بضع كيلات نظير قروش وبعيد على مثله، أي مثل المجني عليه، وهو رجل موسر بدليل الحكم الصادر لمصلحته والذي عملت عنه المخالصة المزوّرة، أن يلجأ إلى الاستدانة بمبلغ نظير رهن بضع كيلات كان في مقدوره أن يبيعها نهائياً إذا كان في حاجة إلى ثمنها. وأما بخصوص التوكيل المقول بتوقيعه عليه كشاهد فهو مزوّر بالنسبة له إذ لم يوقع عليه إطلاقاً، وقد عمل هذا التوكيل من أحد المتهمين لأخيه ووقع عليه شخص آخر بالختم الذي اصطنع ونسب إليه التوقيع به بعد بضعة أيام على المخالصة المطعون فيها. ومن حيث إن نظرية الدفاع بهذا الصدد تتخلص في أن المادة 72 من قانون تحقيق الجنايات تقضي بأن الأصول المقررة في قانون المرافعات في المواد المدنية بشأن تحقيق الأوراق التي تحصل عليها المضاهاة في مواد التزوير والإقرار بصحتها تتبع أيضاً في التحقيقات الجنائية، ولم يتمسك بتوقيع المجني عليه على عقد السلفة لإنكاره إياه، وإنما تمسك بتوقيعه على التوكيل على أساس أنه ورقة رسمية يتعين الأخذ بها إلى أن يقضى بتزويرها. ومن حيث إنه يتعين معرفة ما إذا كانت قواعد قانون المرافعات تلزم المحكمة الأخذ بالتوكيل المشار إليه كورقة للمضاهاة أو على الأقل إيقاف الفصل في الدعوى حتى يقضي بصحته أو تزويره أم لا. ومن حيث إن المادة 261 مرافعات وإن حدّدت الأوراق التي تقبل للمضاهاة عليها ومن ضمنها الإمضاء أو الختم الموضوع على أوراق رسمية، أي إن كل ورقة لا تتوفر الشرائط المنصوص عليها فيها لا تصلح للمضاهاة، إلا أنها في الوقت نفسه لم توجب قبولها لهذا الغرض. وبعبارة أخرى إن هذه الشرائط لازمة لقبول أوراق المضاهاة وإن كان توافرها غير ملزم للقاضي بقبولها إذا استبان له أن هناك مطاعن جدّية تدور حولها تقتضي تحقيقها فيكون له الخيار كما سيأتي بعد في أن يستبعدها أو يحققها أو يوقف الدعوى حتى يفصل في صحتها، ومن حيث إنه يؤيد هذه النظرية نص المادة 289 مرافعات التي تجيز للقاضي في مادة التزوير – خلافاً لمادة الإنكار لعدم ورود نص مماثل – سلطة تحقيق أوراق المضاهاة التي يسوغ تقديمها في أية حالة كانت عليها المرافعة، أي إن أوراق المضاهاة نفسها خاضعة لتقديره، وما دام يملك تحقيقها فهو يملك استبعادها إذا توفرت لديه الأدلة على عدم صحتها، أو إيقاف الفصل في الدعوى إلى أن يفصل في ذلك وهو إجراء أقل من التحقيق الذي يخوّله إياه القانون بالمادة 289 مرافعات سالفة الذكر. ومن حيث إن المحكمة ترى من ظروف التوقيع على التوكيل السابق شرحها ما يكفي على الأقل لاستبعاده كورقة للمضاهاة كما ترى في عناصر الدعوى المطروحة أمامها ما يكفي لتكوّن عقيدتها بتزوير المخالصة المطعون فيها". ومحكمة النقض تقرّ محكمة الموضوع على هذا النظر. إذ القاضي ليس ملزماً بأن يقبل للمضاهاة كل ورقة رسمية لم يثبت تزويرها أو كل ورقة عرفية معترف بها، بل له أن يستبعد من هذه الأوراق ما لا يرى من ورائه فائدة في إظهار الحقيقة. فكماله أن يقصر المضاهاة على الأوراق المعاصرة للورقة المطعون فيها سواء أكانت هذه الأوراق رسمية أم عرفية له أن يستبعد لأي سبب من الأسباب أية ورقة لو كانت رسمية خصوصاً إذا كانت هناك أوراق أخرى مقدّمة للمضاهاة عليها كما هي الحال في الدعوى. ومتى كان هذا مقرّراً في المواد المدنية فإنه يكون أولى بالاتباع في المواد الجنائية التي لا يصح فيها بحال مطالبة القاضي بأن يقبل للمضاهاة أية ورقة عرفية لمجرّد اعتراف الخصوم بها ولا أية ورقة رسمية مهما كانت أو مطالبته بأن لا يجري المضاهاة إلا على الأوراق الرسمية أو العرفية المعترف بها كما هي الحال في المسائل المدنية. فإن مطالبته بذلك لا تتفق والقواعد المقررة للأحكام الجنائية من أنها سواء أكانت بالعقوبة أم بالبراءة يجب أن لا يكون صدورها إلا بناء على العقيدة التي تتكوّن لدى القاضي بكامل الحرّية مما مقتضاه تخويل المحكمة إجراء المضاهاة على كل ورقة تقتنع بصدورها من شخص معين ولو كان ينكر صدورها منه أو استبعاد أية ورقة ولو كانت رسمية أو معترفاً بها متى ساورها الشك في أمرها. والقول بغير ذلك يترتب عليه إما إلزام المحكمة الجنائية بأن تأخذ بدليل وهي غير مطمئنة إليه أو السير في إجراءات مع العلم بأنها غير مجدية. ولا يعترض على ذلك النظر بالمادة 72 من قانون تحقيق الجنايات الواردة في باب قاضي التحقيق، فإن نصها بأن "الأصول المقررة في قانون المرافعات في المواد المدنية بشأن تحقيق عين الأوراق التي تحصل عليها المضاهاة في مواد التزوير والإقرار بصحتها تتبع أيضاً في التحقيقات الجنائية" – نصها هذا، مهما كانت دلالته، لا يمكن أن يكون من شأنه مخالفة هذه القواعد الأساسية المقرّرة للأحكام الجنائية. فهو نص لم يقصد به إلا إرشاد القاضي إلى ما يحسن اتباعه عند إجراء عملية المضاهاة، ولا يترتب على مخالفته أي بطلان، فإن الغرض منه يتحقق كلما اتخذ القاضي الاحتياطات الكفيلة بمنع تسرب الشكوك إلى الدليل المستمدّ من عملية المضاهاة.
وحيث إن محصل الوجه الثالث أن ما قضى به الحكم المطعون فيه من استبعاد التوكيل الرسمي كورقة للمضاهاة قد جاء مناقضاً للحكم التمهيدي الصادر من نفس المحكمة بندب خبير لمضاهاة المخالصة المطعون فيها بالتزوير على التوكيل المذكور، وهذا الحكم التمهيدي هو حكم قطعي فيما يتعلق بقبول أوراق المضاهاة، وما دامت المحكمة قد قبلت التوكيل في هذا الحكم كورقة للمضاهاة فلم يكن لها أن تستبعده بعد ذلك في الحكم الصادر في موضوع الدعوى.
وحيث إن هذا الوجه مردود بأن ندب المحكمة الخبير لعمل المضاهاة على ورقة معينة ليس من شأنه، ولا يمكن أن يكون من شأنه، أن يسلبها حقها في أن تأخذ أو لا تأخذ بتقرير الخبير الذي ندبته. فإذا هي استعملت حقها ولم تأخذ بتقرير الخبير لأي سبب من الأسباب ولو كان السبب عدم اطمئنانها إلى ورقة المضاهاة فلا يصح رميها بأنها وقعت في تناقض.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات