الطعن رقم 285 سنة 13 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 120
جلسة أوّل فبراير سنة 1943
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة، وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.
القضية رقم 285 سنة 13 القضائية
جريمة مستمرّة. جريمة وقتية. مناط التفرقة بينهما. العبرة في الاستمرار.
بالتدخل المتجدّد المتتابع المقصود من المتهم. مثال. شيخ بلد. إثباته على غير الحقيقة
في كشف عائلة نفر القرعة أنه وحيد والده بقصد تخليصه من الخدمة العسكرية. جريمة غير
مستمرّة معاقب عليها بمقتضى المادة 121 من قانون القرعة. الجريمة التي تعاقب عليها
المادة 124 من قانون القرعة.
(المادتان 121 و124 من قانون القرعة العسكرية)
إنه للتمييز بين الجريمة الوقتية والجريمة المستمرة يجب الرجوع إلى الفعل الذي يعاقب
عليه القانون. فإذا كانت الجريمة تتم وتنتهي بمجرّد ارتكاب الفعل كانت وقتية، أما إن
استمرت الحالة الجنائية فترة من الزمن فتكون الجريمة مستمرة طوال هذه الفترة. والعبرة
في الاستمرار هنا هي بتدخل إرادة الجاني في الفعل المعاقب عليه تدخلاً متتابعاً متجدداً.
فإذا كانت الواقعة هي أن المتهم (وهو شيخ بلد) قد وقع على كشف لعائلة نفر القرعة أثبت
فيه على غير الحقيقة أنه وحيد والده في حين أن له أخاً شقيقاً أسقط اسمه من الكشف بقصد
تخليص نفر القرعة المذكور من الخدمة العسكرية، فإن الفعل المسند إلى المتهم يكون قد
تم وانتهى بالتوقيع على كشف عائلة النفر المقصود إعفاؤه من الاقتراع على صورة تؤدي
إلى تحقيق الغرض المنشود، إذ المتهم بعد ذلك لم يتدخل في عمل من شأنه إعفاء النفر من
القرعة. أما ما قد يقال من أن المتهم بعد أن وقع على الكشف كان عليه أن يبلغ عن نفر
القرعة الذي قصد تخليصه من الاقتراع، وأنه لذلك يكون ما وقع منه جريمة مستمرة معاقباً
عليها بالمادة 124 من قانون القرعة العسكرية، فمردود بأن هذه المادة لا تعاقب إلا على
التستر أو إخفاء الأشخاص المطلوبين للكشف الطبي لأجل التجنيد أو الذين يكونون تحت الطلب
للتجنيد كما هو صريح نصها. أما والثابت أن نفر القرعة لم يكن مطلوباً للتجنيد أو للكشف
الطبي تمهيداً للتجنيد، بل كان المقصود إسقاط اسمه من كشوف القرعة والاقتراع بلا حق،
فالمادة التي يصح تطبيقها على هذا الفعل هي المادة 121. على أن سكوت المتهم عن التبليغ
عن نفر القرعة بعد أن وقع على كشف العائلة المزوّر بقصد إعفائه من الاقتراع لا يمكن
تفسيره إلا بعدم رغبته في التبليغ ضد نفسه عن الجريمة التي وقعت منه – الأمر الذي لا
يصح في القانون مطالبة الإنسان به، فلا يسوغ بحال أن يحمل مثل هذا السكوت على أنه كان
مقصوداً به تخليص نفر القرعة من الاقتراع كما يتطلب نص المادة 121 من قانون القرعة.
ومع ذلك فإن توقيع المتهم على كشف عائلة نفر القرعة بأنه وحيد أبيه بقصد تخليصه من
الاقتراع بلا حق من شأنه أن يسقط عنه كل واجب من الواجبات التي تقضي عليه بتبليغ جهات
الاختصاص عن هذا النفر، لأن كل تبليغ يمكن أن يطالب به كشف حتماً عن فعلته التي يعتبرها
القانون جريمة، فهو بذلك داخل بطبيعة الحال في الفعل الجنائي المكوّن لهذه الجريمة،
كما هو الشأن فيمن يقتل شخصاً ثم يخفي جثته كيلا تظهر جنايته.
المحكمة
وحيث إن الوجه الأوّل من وجهي الطعن يتحصل في أن الطاعن تمسك أمام
محكمة أوّل درجة بسقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية بمضي المدة. وقد أخذت المحكمة
بهذا الدفع ثم قضت بالبراءة. ولكن المحكمة الاستئنافية حكمت بإلغاء الحكم الابتدائي
على اعتبار أن ما وقع من الطاعن جريمة مستمرة. ولما كانت الواقعة التي أسندت إلى الطاعن
هي أنه وقع على كشف لعائلة نفر القرعة أثبت فيه على غير الحقيقة أنه وحيد والده، فإن
هذه الواقعة تعدّ جريمة وقتية تتم بالتوقيع على الكشف وتقديمه إلى الجهة المختصة. ولما
كان الثابت أن توقيع الطاعن على كشف العائلة قد حصل قبل أن تشرع النيابة في التحقيق
بأكثر من ثلاث سنوات، فتكون الدعوى العمومية قد انقضت كما قالت محكمة أول درجة.
وحيث إن الواقعة التي أثبتها الحكم الابتدائي وأخذ بها الحكم المطعون فيه هي أن الطاعن
في خلال سنة 1936 وقع على كشف لعائلة نفر القرعة على بكري مهران أثبت فيه أنه وحيد
والده في حين أن له أخاً شقيقاً أسقط اسمه من الكشف بقصد تخليص نفر القرعة المذكور
من الخدمة العسكرية. وقد بدأت النيابة في تحقيق هذه الواقعة في 24 يونيه سنة 1941.
وحيث إنه للتمييز بين الجريمة الوقتية والجريمة المستمرّة يجب الرجوع إلى الفعل الذي
يعاقب عليه القانون، فإذا كان هذا الفعل يتم وينتهي بمجرّد ارتكابه كانت الجريمة وقتية،
أما إذا استمرّت الحالة الجنائية فترة من الزمن فتكون الجريمة مستمرّة طوال هذه الفترة.
والعبرة في الاستمرار هنا بتدخل إرادة الجاني في الفعل المعاقب عليه تدخلاً متتابعاً
متجدّداً.
وحيث إن الفعل المسند إلى الطاعن حسبما أثبته الحكم قد تم وانتهى بالتوقيع على كشف
عائلة النفر المقصود معافاته من الاقتراع على صورة تؤدّي إلى تحقيق الغرض المقصود،
لأن الطاعن بعد ذلك لم يتدخل في عمل من شأنه معافاة النفر من القرعة كما قال الحكم
الابتدائي بحق. أما ما يقوله الحكم المطعون فيه من أن الطاعن بعد أن وقع على كشف العائلة
المزوّر كان عليه أن يبلغ عن نفر القرعة الذي قصد تخليصه من الاقتراع، وأنه لذلك يكون
ما وقع منه جريمة مستمرة معاقباً عليها بالمادة 124 من قانون القرعة العسكرية فمردود
(أوّلاً): بأن هذه المادة لا تعاقب إلا على التستر أو إخفاء الأشخاص من المطلوبين للكشف
الطبي لأجل التجنيد أو كانوا تحت الطلب للتجنيد كما هو صريح نصها. أما والثابت في الحكم
المطعون فيه أن نفر القرعة لم يكن مطلوباً للتجنيد أو للكشف الطبي تمهيداً للتجنيد
بل قصد بما وقع منه إسقاط اسمه من كشوف القرعة والاقتراع بلا حق، فالمادة التي يصح
تطبيقها على الفعل المرتكب هي المادة 121 من القانون المذكور. (وثانياً) بأن توقيع
الطاعن على كشف عائلة نفر القرعة بأنه وحيد أبيه بقصد تخليصه من الاقتراع بلا حق من
شأنه أن يسقط عنه كل واجب من الواجبات التي تقضي عليه بتبليغ جهات الاختصاص عن نفر
القرعة المذكور، لأن كل تبليغ يمكن أن يطالب به يكشف حتماً عن فعلته التي يعتبرها القانون
جريمة فهو بذلك داخل بطبيعة الحال في الفعل الجنائي المكوّن لهذه الجريمة شأنه في ذلك
شأن من يقتل شخصاً ثم يخفي جثته كي لا تظهر جنايته. وفي الحق فإن سكوت الطاعن عن التبليغ
عن نفر القرعة بعد أن وقع على كشف العائلة المزوّر بقصد معافاته من الاقتراع لا يمكن
تفسيره إلا بعدم رغبته في التبليغ ضد نفسه عن الجريمة التي وقعت منه الأمر الذي لا
يصح في القانون مطالبة أي إنسان به فلا يسوغ بحال أن يحمل مثل هذا السكوت على أنه كان
مقصوداً به تخليص نفر القرعة من الاقتراع كما يتطلب نص المادة 121 من قانون القرعة.
وحيث إنه ما دام الفعل المسند إلى الطاعن خالياً من صفة الاستمرار كما مر القول فإن
المدّة المقرّرة لسقوط الدعوى العمومية بالنسبة له تكون قد بدأت من وقت وقوعه في خلال
سنة 1936. ولما كان التحقيق لم يبدأ فيه إلا في سنة 1941 فتكون الدعوى العمومية قد
انقضت لمضي أكثر من ثلاث سنوات من وقت وقوع الجريمة. ولذلك يتعين نقض الحكم المطعون
فيه وتأييد الحكم الابتدائي القاضي ببراءة الطاعن لانقضاء الدعوى العمومية بمضي المدّة،
وذلك من غير حاجة للبحث في الوجه الآخر من وجهي الطعن.
