الطعن رقم 1929 سنة 12 ق – جلسة 04 /01 /1943
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 78
جلسة 4 يناير سنة 1943
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.
القضية رقم 1929 سنة 12 القضائية
مسئولية مدنية. مساءلة الإنسان عن تعويض الضرر الناشئ للغير عن
إهمال من هم تحت رعايته أو عن عدم ملاحظته إياهم. قوامها. سنّ من وقع منه الفعل الضارّ.
المناط في اعتبارها. السنّ المحدّدة في القانون للولاية على المال لا اعتبار لها في
هذا المقام. دعوى تعويض على والد المتهم. رفضها على أساس أن سنّ المتهم قد تجاوزت حدّ
الولاية على النفس. في محله.
(المادة 151 مدني)
إن المادة 151 من القانون المدني إذ نصت في الفقرة الثانية على مسائلة الإنسان عن تعويض
الضرر الناشئ للغير "عن إهمال من هم تحت رعايته (des presonnes que ľ on a sous sa
garde) أو عدم الدقة أو الانتباه منهم أو عن عدم ملاحظته إياهم "قد دلت بوضوح على أن
هذه المسئولية التي قرّرتها، استثناء وخروجاً عن الأصل، إنما تقوم على ما للمسئول من
سلطة على من باشر ارتكاب الفعل الضارّ، وما تقتضيه هذه السلطة من وجوب تعهده بالحفظ
والمراقبة لمنع الضرر عنه ومنعه من الإضرار بالغير، وإذ كان السنّ إحدى موجبات الحفظ
فمأتى المسئولية من ناحيتها هو كون سنّ من باشر ارتكاب الفعل الضارّ يقتضي وضعه تحت
حفظ غيره؛ ولا اعتبار هنا للسنّ المحدّدة في القانون للولاية على المال. فإن الحفظ
(garde) الذي هو أساس المسئولية بمعناه لغة وقانوناً متعلق مباشرة بشخص الموضوع تحت
الحفظ، إذ قد يكون الإنسان قاصراً فيما يختص بماله ومع ذلك لا ولاية لأحد على نفسه
ولا سلطة فيما يختص بشخصه. وإذن ففي دعوى التعويض المرفوعة على مقتضى المادة المذكورة
لا يكون تعرّف سنّ من وقع منه الضرر إلا لمعرفة هل هذه السنّ توجب وضعه تحت حفظ من
رفعت عليه الدعوى أم لا. فالحكم إذا أسس قضاءه برفض دعوى التعويض المرفوعة على والد
المتهم على ما تبينته المحكمة من أن المتهم قد تجاوزت سنه الحدّ الذي ينتهي به ولاية
ابنه على نفسه يكون قد أصاب ولم يخطئ [(1)].
المحكمة
وحيث إن مبنى الطعن المقدّم من المدعي بالحق المدني أن المحكمة
إذ قضت برفض الدعوى المدنية بالنسبة لوالد المتهم على أساس ما قالته من أن الأب لا
يكون مسولاً عن خطأ ابنه بعد سنّ البلوغ الجنسي وهو خمس عشرة سنة لا سنّ الرشد المقرّرة
بقانون المجالس الحسبية وهو 21 سنة تكون قد أخطأت. لأن الرأي الصحيح أن المسئولية المقرّرة
بالمادة 151 من القانون المدني ليس أساسها الولاية على النفس كما قال الحكم المطعون
فيه، بل أساسها على مقتضى نص القانون هو واجب الحفظ الذي قد يكون مطالباً به من لا
شأن له بالولاية على نفس مرتكب الخطأ كالمدرّس، مما يجب معه القول بأن الأب يبقى مسئولاً
عما يقع من ابنه ما دام الابن قاصراً لم يبلغ سنّ الرشد. وقد جرى الفقه والقضاء على
الأخذ بهذا النظر.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على المتهم الثاني مصطفي عبد الرحمن بركات بأنه ضرب أحمد
تركي عطويه ضرباً نشأت عنه عاهة مستديمة، وأثناء المحاكمة تدخل المجني عليه في الدعوى
وأدخل عبد الرحمن بركات والد المتهم باعتباره مسئولاً مدنياً عن فعل ابنه، وطلب الحكم
عليهما بالتعويض. والمحكمة أدانت المتهم في الجريمة المرفوعة بها الدعوى وألزمته وحده
بمبلغ التعويض الذي رأت الحكم به، ورفضت الدعوى المدنية قبل والده، وقالت في ذلك: "أما
فيما يختص بوالده عبد الرحمن بركات فإن المحكمة لا ترى لها محلاً. ذلك لأن المادة 151
مدني إذ نصت على مسئولية الإنسان عن أعمال الغير اشترطت أن يكون هذا الغير تحت رعايته
حتى يحاسب عن الإهمال أو عدم الدقة في ملاحظة من هم تحت رعايته. والواقع أن المسئولية
عن أعمال الغير لم تحد عن القاعدة الأصلية التي ترجع كل مسئولية إلى نوع من أنواع الخطأ
الموجب لها. وليس تقصير الإنسان في مراقبة من هم تحت رعايته إلا خطأ شخصياً يتصل به
أوّلاً وبالذات. على أن هذه المسئولية تنعدم وينفرد بها محدث الضرر إذا ما أصبح لهذا
شخصية مستقلة واكتملت له الحرّية في تصرفاته وأعماله. ولا يمكن أن تقاس هذه الشخصية
بالمقياس المقرّر لسنّ بلوغ الرشد كما يحدّده قانون المجالس الحسبية أي بإحدى وعشرين
سنة بل بالولاية على نفس الشخص كما تفرضها الشريعة الإسلامية أي بالبلوغ الجنسي للذكر
والأنثى أو ببلوغهما الخامسة عشرة. ولعله مما يقرّب وجهة النظر هذه أن قانون العقوبات
حين تحدّث عن معاملة المجرمين الأحداث رتب فيما رتب مسألة تسليمهم لولي أمرهم وجعل
للسنّ في هذه الحالة حدّاً أقصى لا يتجاوز الخامسة عشرة. كذلك ينص قانون المتشردين
الأحداث على أن الطاعة تلزم الولد حتى الخامسة عشرة فإذا مرق من سلطة أبيه قبل بلوغ
هذه السنّ وقع تحت طائلة العقاب. وفي الحق أنه يبدو غريباً أن يظل الأب مسئولاً عن
أعمال ولده الذي قارب إحدى وعشرون سنة، وله مطلق الحرّية في روحاته وجيئاته، وله أن
يطرق باب الوظائف العامة، وعليه أن يؤدّي الخدمة العسكرية، ويختار العمل الملائم له،
يفيد ما شاء الحظ أن يفيد من كسب ويخسر ما قدّر له أن يخسر. بل إن قانون المجالس الحسبية
أباح له أن يتولى إدارة أمواله بين الثامنة عشرة والواحدة والعشرين. كما أن القانون
المدني لم يجعل تصرفاته باطلة بطلاناً جوهرياً بل اكتفى بأن جعلها قابلة للبطلان يجوز
أن تلحقها الإجازة. وها هو الفقه في فرنسا، بالرغم من أن نص المادة 1384 مدني فرنسي
أضيق نطاقاً من المادة 151 مدني مصري، رأى أن يخفف من وطأة هذا الجمود فأخلى الوالد
والوالدة من المسئولية عن أعمال الابن والبنت إذا تزوّجا قبل بلوغ سنّ الرشد ارتكاناً
على أنهما بهذا الزواج قد حصلا على قسط من الحرّية يجعلهما بمنأى عن سلطة الأبوين.
وحيث إنه من ذلك لا يكون عبد الرحمن بركات أبو المتهم الثاني مسئولاً عن أعمال ابنه
الذي قيل إنه وقت الحادثة ما كان قد بلغ الواحدة والعشرين سنة تماماً والذي بلغ وقت
نظر الدعوى الثالثة والعشرين".
وحيث إن المادة 151 من القانون المدني إذ نصت في الفقرة الثانية على مسائلة الإنسان
عن تعويض الضرر الناشئ للغير "عن إهمال من هم تحت رعايته (des presonnes que ľ on a
sous sa garde) أو عدم الدقة أو الانتباه منهم أو عن عدم ملاحظته إياهم" قد دلت بوضوح
على أن هذه المسئولية التي قررتها استثناء وخروجاً عن الأصل إنما تقوم على ما للمسئول
من سلطة على من باشر ارتكاب الفعل الضارّ وما تقتضيه هذه السلطة من وجوب تعهده بالحفظ
والمراقبة لمنع الضرر عنه ومنعه من الإضرار بالغير، وإذا كان السنّ إحدى موجبات الحفظ
فمأتى المسئولية من ناحيتها هو كون سنّ من باشر ارتكاب الفعل الضارّ يقتضي وضعه تحت
حفظ غيره؛ ولا اعتبار هنا للسنّ المحدّدة في القانون للولاية على المال، فإن الحفظ
(garde) الذي هو أساس المسئولية بمعناه لغة وقانوناً متعلق مباشرة بشخص الموضوع تحت
الحفظ إذ قد يكون الإنسان قاصراً فيما يختص بماله ومع ذلك لا ولاية لأحد على نفسه ولا
سلطة فيما يختص بشخصه. وإذن ففي دعوى التعويض المرفوعة على مقتضى المادة المذكورة لا
يكون تعرّف سنّ من وقع منه الضرر إلا لمعرفة هل هذه السنّ توجب وضعه تحت حفظ من رفعت
عليه الدعوى أم لا.
وحيث إنه متى كان هذا مقرراً فإن الحكم المطعون فيه إذ أسس قضاءه برفض دعوى التعويض
المرفوعة على والد المتهم على ما تبينته المحكمة من أن المتهم قد تجاوزت سنه الحدّ
الذي تنتهي به ولاية أبيه على نفسه يكون قد أصاب ولم يخطئ في شيء مما يزعمه الطاعن.
وحيث عن محصل أوجه الطعن المقدّم من جمعة موافي عطوية: (أوّلاً) أن المحكمة استندت
في إدانته إلى أقوال المجني عليه في البوليس وإلى شهادة عبد الباسط محمد بركات، أما
الأوّل فقد توفى متأثراً بضربة في الرأس نشأ عنها ارتجاج في المخ، وكان لذلك واجباً
على المحكمة أن لا تأخذ بأقواله إلا بعد التثبت من أنها لم تكن هذياناً منه بسبب إصابته،
فضلاً عن كونها لم تأمر بتلاوة تلك الأقوال في الجلسة. أما الآخر فإنه شهد أمام المحكمة
بما ينفي التهمة عن الطاعن مخالفاً في ذلك ما جاء على لسانه في التحقيقات الابتدائية
متعللاً بأنه أكره على شهادته في التحقيقات المذكورة، والمحكمة عوّلت على أقواله الأولى
دون أن تحقق ما قاله عنها. (وثانياً) أن الطاعن استشهد بشاهدي نفي وافقاه على أنه لا
يد له في الحادثة وأنه لم يحضر إلا بعد وقوعها والمحكمة لم ترد على ذلك لا صراحة ولا
ضمناً. (وثالثاً) أن بالمجني عليه عدّة إصابات مما يدل على أنه ضرب من أشخاص عديدين.
(رابعاً) أنه مضى وقت طويل بين وقوع الحادثة والتبليغ عنها مما أفسح المجال للتلفيق
من المجني عليه والعمدة وقد قرّر الدفاع أن بين الطاعن ووالده وبين العمدة ضغينة، وقدّم
المستندات الدالة عليها، ولكن المحكمة لم تعن بتحقيق ذلك ولا اطلعت على المستندات.
وحيث إن ما يتمسك به الطاعن لا وجه له فإنه لا يعدو في جملته أن يكون متعلقاً بموضوع
الدعوى وتقدير أدلة الثبوت فيها مما لا شأن لمحكمة النقض به لتعلقه بمحكمة الموضوع
وحدها. فالمحكمة (أوّلاً) إذ أخذت في إدانة الطاعن بأقوال المجني عليه قبل وفاته وبشهادة
عبد الباسط محمد في التحقيقات الابتدائية تكون قد عدّت المجني عليه صادقاً في أقواله
وعبد الباسط غير صادق فيما شهد به أمامها، وهذا بذاته يعتبر رداً على ما يتمسك به الدفاع
في هذا الخصوص. (وثانياً) إذ لم تتحدّث عن شاهدي النفي بعد أن أدانت الطاعن اعتماداً
على أدلة الثبوت التي أوردتها تكون قد رأت أن أقوالهما ليس من شأنها أن تؤثر في وجهة
النظر التي انتهت إليها. (وثالثاً) حين أدانت الطاعن ذكرت اعتماداً على الأدلة التي
أوردتها ومنها الكشف الطبي أن الطاعن هو الذي أحدث الإصابة التي أدّت إلى وفاة المجني
عليه. ولهذا فلا محل لمجادلة الطاعن في ذلك.
وحيث إن الطاعن مصطفى عبد الرحمن بركات اكتفى في طعنه بالقول بأن الحكم لم يوقع عليه
في مدة الثمانية الأيام المقررة في القانون. وإذ كان هذا وحده لا يكفي لنقض الحكم،
كما استقرّ على ذلك قضاء هذه المحكمة، فقد مكن الطاعن من أن يقدّم بعد إطلاعه على الحكم
ما عسى أن يكون لديه من أسباب للطعن عليه ولكنه لم يقدّم شيئاً فتعين إذن القضاء برفض
طعنه.
[(1)] قرّرت المحكمة هذه القاعدة أيضاً في حكمها الصادر في القضية رقم 758 سنة 13 القضائية بجلسة 3 مايو سنة 1943.
