الطعن رقم 2272 سنة 12 ق – جلسة 28 /12 /1942
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 72
جلسة 28 ديسمبر سنة 1942
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزائرلي بك المستشارين.
القضية رقم 2272 سنة 12 القضائية
دفاع شرعي. الأدلة اعتمدت عليها المحكمة في إدانة المتهم. مفادها
أن المتهم لم يوقع فعل الضرب الذي يحاكم من أجله إلا بعد أن بدأه المجني عليه بالضرب.
يجب على المحكمة – ولو من تلقاء نفسها – أن تتحدّث عن حالة الدفاع الشرعي التي كان
فيها المتهم. إغفال البحث في ذلك بمقولة إن المتهم أنكر التهمة أمامها أو القول بانتفاء
حالة الدفاع الشرعي بدعوى أن المتهم أصيب في شجار زج بنفسه فيه. خطأ. المحكمة الجنائية
لا تتقيد بمسلك المتهم في دفاعه. الشجار ليس من شأنه في ذاته أن يجعل كل من اشتركوا
فيه مستحقين للعقاب بلا قيد ولا شرط.
إذا كانت أدلة الإدانة كما ذكرتها المحكمة في حكمها تفيد أن المتهم لم يوقع فعل الضرب
على المجني عليه إلا بعد أن بدأه هذا بالضرب، فإن عدم تحدّث المحكمة – ولو من تلقاء
نفسها – عن حالة الدفاع الشرعي التي ترشح لها واقعة الدعوى بما يثبتها أو ينفيها قصوراً
مبطلاً للحكم. ولا يغني عن ذلك قولها بأنه لا محل لهذا البحث لأن المتهم ينكر التهمة،
أو أن هذه الحالة منتفية لأن المتهم أصيب في شجار زج بنفسه فيه. ذلك لأن المحكمة وهي
مطلوب منها أن تفصل في دعوى جنائية لا يمكن في القانون أن تكون مقيدة بمسلك المتهم
في دفاعه واعترافه بالتهمة أو إنكاره إياها، ولأن الشجار ليس من شأنه في ذاته أن يجعل
كل من اشتركوا فيه مستوجبين للعقاب بلا قيد ولا شرط، إذ ليس من شك في أن الشجار يبدأ
باعتداء يخوّل المعتدى عليه حق الدفاع الشرعي متى اعتقد أن المعتدي سوف لا يكف عن التمادي
في الاعتداء، ومتى التزم هو في دفاعه الحدود المرسومة له في القانون.
المحكمة
وحيث إن مبنى الوجه الأوّل من وجهي الطعن المقدّم من هذا الطاعن
أن الدفاع عنه تمسك أمام محكمة الجنايات بأنه إن صح أنه هو الذي أحدث بالقتيل الضربة
التي أفضت إلى الوفاة فإنه يكون في حالة دفاع شرعي عن نفسه، ولكن الحكم المطعون فيه
لم يبحث هذا الدفاع بحجة أن الطاعن أنكر بالجلسة التهمة الموجهة إليه، مع أنه ثابت
مما جاء بالحكم ذاته أن الطاعن قال أمام النيابة وفي جلسات المعارضة في أمر حبسه بأنه
ضرب المجني عليه لأن هذا اعتدى عليه قبل ذلك. وقد شهد شاهد في تحقيقات النيابة بما
يؤيد أقوال الطاعن، فكان يتعين على المحكمة أن تناقش هذا الدفاع الذي تمسك به الطاعن
أمامها ولو كان غير معترف بفعلته بالجلسة. لأن الإنكار يصح أن يحمل على سوء الدفاع،
كما أن الدفاع الشرعي من المسائل التي قد تتبينها المحكمة أثناء تحقيق الدعوى بمعرفتها
فيحب أن تفصل فيها من تلقاء نفسها بغض النظر عن اعتراف المتهم أو إنكاره. هذا وما قاله
الحكم من أن الطاعن قد أصيب في معرك زج بنفسه فيه لا ينفي قيام حالة الدفاع الشرعي.
خصوصاً وقد ثبت من أقوال أحد الشهود أن المجني عليه هو الذي بدأ بالاعتداء. ويعقب الطاعن
على ذلك بأن الحكم المطعون فيه جاء قاصراً في بيان الأسباب التي أقيم عليها واجباً
نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه عرض لما تمسك به الدفاع عن الطاعن أمام المحكمة بجلسة المحاكمة
من أنه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه ورد عليه بقوله: "إن المدافع عن المتهم الأول
(الطاعن) أبدى أخيراً في دفاعه أمام المحكمة أنه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه وقت
الحادثة ولا تأخذ المحكمة بهذا الدفاع لأنه أصيب في معركة زج بنفسه فيها. كما أنه لا
محل للادعاء بأنه كان في حالة دفاع شرعي عن نفسه مع إنكاره شخصياً التهمة بالجلسة".
وقد قال الحكم قبل ذلك عند تحدثه عن الأدلة القائمة على الطاعن: "إن التهمة ثابتة قبل
المتهم الأوّل ثبوتاً كافياً من اعترافه في التحقيقات بأنه ضرب القتيل بعصا فأصابه
فوقع على الأرض. وعلل هذا الضرب بأن المجني عليه كان قد ضربه أوّلاً بعصا فأصابه في
رأسه وفي يده اليسرى وقد صدر هذا الاعتراف من المتهم الأوّل أمام عدّة جهات… وحيث
إن هذا الاعتراف جاء مؤيداً بالأدلة الآتية…. وبشهادة العمدة فتح الله عبد الغفار
في النيابة وفي الجلسة بأنه عقب تبليغه الحادثة تليفونياً علم من كثيرين بأن المتهم
الأوّل هو المرتكب لهذه الجريمة وأصيب في المعركة فاستدعاه فوجده مصاباً في رأسه وفي
يده اليسرى فسأله فاعترف أمامه بأنه ضرب المجني عليه بالعصا لأن هذا كان ضربه أوّلاً
فأصابه بما شوهد عنده. وبالكشف الطبي المتوقع عليه وظهر منه أنه مصاب حديثاً بجرح
رضي فوق ظهر الإصبع البنصر من اليد اليسرى وبجرح رضي بالرأس فوق الجدارية اليسرى…".
وقال أيضاً "وحيث إن المحكمة لا تقيم وزناً لعدول المتهم الأوّل عن اعترافاته السابقة
أمام المأمور والنيابة وقاضي المعارضات وقوله بأنها صدرت منه كذباً لتخليص والده وأقاربه
لأنها اطمأنت إلى أن اعترافاته المذكورة كانت سليمة وتأيدت بوجود إصابتين في رأسه وبإصبعه
البنصر مما يقطع بأنه اشترك فعلاً في المعركة حتى أصيب فيها".
وحيث إنه ما دامت الأدلة التي اعتمدت عليها المحكمة في قضائها بإدانة الطاعن كما جاء
في الحكم ذاته على الوجه المتقدّم تفيد أن الطاعن لم يوقع فعل الضرب على المجني عليه
إلا بعد أن بدأه هذا بالضرب، فقد كان من الواجب على المحكمة، ولو من تلقاء نفسيها،
أن تتحدّث عن الدفاع الشرعي لما أوقع الطاعن فعل الضرب المرفوعة به الدعوى عليه بما
يثبته أو ينفيه. أما وأنها تقول بأنه لا محل لهذا البحث لأن المتهم ينكر التهمة أمامها،
أو تقول بأن حالة الدفاع الشرعي منتفية لأن المتهم أصيب في شجار زج بنفسه فيه – ففي
هذا وذاك خطأ وقصور ظاهران. وذلك لأن المحكمة وهي مطلوب منها أن تفصل في دعوى جنائية
بالإدانة أو البراءة لا يمكن في القانون أن تكون مقيدة بمسلك المتهم في دفاعه واعترافه
بالتهمة أو إنكاره إياها، ولأن الشجار ليس من شأنه في ذاته أن يجعل كل من اشتركوا فيه
مستوجبين للعقاب بلا قيد ولا شرط، إذ ليس من شك في أن الشجار يبدأ باعتداء يخوّل المعتدى
عليه حق الدفاع الشرعي متى اعتقد أنّ المعتدي سوف لا يكف عن التمادي في الاعتداء ومتى
التزم هو في دفاعه الحدود المرسومة له في القانون.
