الطعن رقم 2235 سنة 12 ق – جلسة 28 /12 /1942
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السادس (عن المدة من 2 نوفمبر سنة 1942 لغاية 29 أكتوبر سنة 1945) – صـ 67
جلسة 28 ديسمبر سنة 1942
برياسة حضرة صاحب العزة سيد مصطفى بك وكيل المحكمة وبحضور حضرات: منصور إسماعيل بك وجندي عبد الملك بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزائرلي بك المستشارين.
القضية رقم 2235 سنة 12 القضائية
أسباب الإباحة. حق الدفاع الشرعي. حصول الاعتداء بالفعل على النفس
أو على المال. لا يشترط. يكفي صدور فعل يخشى منه حصول الاعتداء. كون الفعل يستوجب الدفاع.
منوط بتقدير المتهم. تقدير المحكمة. لا حساب له. مثال.
(المادة 210 ع = 246)
لا يشترط في القانون لقيام حالة الدفاع الشرعي أن يكون قد وقع اعتداء على النفس أو
المال بالفعل، بل يكفي أن يكون قد وقع فعل يخشى منه وقوع هذا الاعتداء. وتقدير المدافع
أن الفعل يستوجب الدفاع يكفي فيه أن يكون مبنياً على أسباب معقولة من شانها أن تبرر
ذلك. وما دامت العبرة في التقدير بما يراه المدافع في ظروفه التي يكون فيها، فإن رأي
المحكمة وهي تصدر الحكم في الدعوى يجب ألا يحسب له حساب في ذلك. وإذن فقول الحكم بأن
المتهم لم يصب لا هو ولا أحد من الأهالي بأية إصابة، وأن قصد العساكر المجني عليهم
من إطلاق العيار وتصويب البندقية إليه كان مجرّد التهديد – هذا القول، على إطلاقه،
لا يصلح سبباً لنفي ما تمسك به المتهم من أنه كان في حالة دفاع شرعي. إذ هو لو كان
اعتقد في الظروف التي كان فيها أن العيار الذي أطلق كان مقصوداً به إصابته أو إصابة
أحد ممن كانوا معه بمحل الواقعة لكان اعتقاده له ما يبرره ولكان كافياً في تبرير الفعل
الذي وقع منه.
المحكمة
وحيث إن مبنى الطعن أن الطاعن دفع تهمة القتل الموجهة إليه بأنه
كان، وقت أن أطلق العيار الناري، في حالة دفاع شرعي عن نفسه وعن أهل بلدته ومنهم العمدة
الذي كان متهماً معه وحكم ببراءته. وقد فصل محامية هذا الدفاع أمام المحكمة كما هو
ثابت بمحضر الجلسة، والحكم المطعون فيه – حين أراد تقدير ذلك – وافق على الصورة التي
رسمها الدفاع للحادث ولكنه انتهى إلى نفي قيام حالة الدفاع الشرعي، وعلل ذلك بأسباب
تنطوي على عدم تفهم القانون على وجهه الصحيح.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعن وقال في معرض بيان الواقعة ما يأتي: "إنه ثبت
للمحكمة من التحقيقات التي تمت في القضية ومن المعاينة ومن الأوراق الطبية ومما دار
بجلسة المحاكمة أنه في يوم 17 يوليو سنة 1941 الموافق 23 جمادي الآخرة سنة 1360 بأراضي
منشأة كرم مرزوق من أعمال مركز فارسكور مديرية الدقهلية كان المجني عليه عبد الفتاح
سيد أحمد ومعه عبد الباقي عبد الجواد ومحمود إسماعيل ومحفوظ عبد المعطي أحمد وهم من
جنود الجيش المرابط يقومون بحراسة أبناء السبيل الذين كانوا يشتغلون في زراعة الأرز
المملوكة لتفتيش زراعة السرو التابع لمصلحة الأملاك، وحوالي الساعة 12 عمد الأولاد
للراحة تحت ظلال أشجار التوت القائمة على المسقة الواقعة قبلي الجرن ومعهم حراسهم،
ثم خطر لبعض الغلمان أن يتصيدوا الأسماك في المسقة وأرادوا حبس الأسماك في نقطة معينة
بالمسقة بإقامة سدود بها فاخذوا جانباً من أعواد القمح المملوك للعمدة والموجود بالجرن
لعمل السدود، فأغضب ذلك حارس القمح وهو أمين فرج، فاعتدى على الغلمان وحصل نزاع بينه
وبين الحرّاس واجتمع أهالي العزبة وشاركوه في الاعتداء على الغلمان والحرّاس، وحضر
المتهم الأوّل إبراهيم إبراهيم نعيم وساق اثنين من الحراس وهما عبد الباقي عبد الجواد
ومحفوظ عبد المعطي إلى غرفة التليفون، ولما حضر العمدة مجاهد عبد الوهاب المتهم الثاني
قال للحارسين إنه سامحهما هذه الدفعة ونبه عليهما بألا يحضرا للعزبة فعادا من حيث أتيا
وذهب محمود إسماعيل شعت ليبلغ النقطة فقابل رجال الداورية وهم يس محمد صدّيق ونجدان
عبد الخير وعبد العزيز الأدهم فأخبرهم بما وقع. فذهب رجال الدوارية إلى مكان الحادث
وتشجع المجني عليه بقدومهم وتقدّمهم يريد الوصول إلى غرفة التليفون لتبليغ الحادث وكان
يحمل بندقيته ولكن الأهالي تألبت عليهم لما فهموا أنهم يريدون الاعتداء عليهم واعتدوا
عليهم. ويظهر أن المجني عليه تهدّد العمدة المتهم الثاني بضرب النار وأطلق مقذوفاً
نارياً من بندقيته بقصد الإرهاب ولكن المتهم الأول إبراهيم إبراهيم نعيم أسرع إلى غرفة
التليفون وأخذ سلاحاً نارياً ثم أطلق عمداً مقذوفين ناريين على المجني عليه قاصداً
قتله فأحدث به الإصابات المدوّنة بالكشف الطبي والتي أودت بحياته". وبعد أن سرد الحكم
الأدلة التي اعتمد عليها في ثبوت هذه الواقعة تعرّض إلى دفاع الطاعن ولم يقل في ذلك
إلا "أن القول بأن المتهم كان في حالة دفاع عن النفس أو عن الغير ينفيه ما ثبت من أنه
لم يصب أحد من الأهالي ولا أصيب هو بأية إصابة. ولو صح أن العساكر أو أحدهم صوّب إليه
البندقية فإن قصدهم كان واضحاً في أن المقصود من ذلك كان التهديد لا أكثر ولا أقل،
وإلا لو كان قصدهم إصابته ما عجز أحدهم عن قتله وكلهم، ومن بينهم اثنان من الهجانة،
أقدر منه على إحكام الرماية".
وحيث إنه لا يشترط في القانون لقيام حالة الدفاع الشرعي أن يكون قد وقع بالفعل اعتداء
على النفس أو المال، بل يكفي أن يكون قد وقع فعل يخشى منه المدافع لأسباب جدّية وقوع
الاعتداء، كما يكفي أن يكون تقدير المدافع للفعل المستوجب للدفاع مبيناً على أسباب
معقولة من شأنها أن تبرر تقديره. وما دامت العبرة في التقدير بما يراه المدافع في الظروف
التي كان هو فيها فإن تقدير المحكمة وهي تصدر الحكم في الدعوى يجب أن لا يحسب له حساب
في ذلك.
وحيث إنه متى تقرر هذا فإن قول الحكم بأن الطاعن لم يصب لا هو ولا أحد من الأهالي بأية
إصابة، وأن قصد العساكر أو أحدهم من إطلاق العيار وتصويب البندقية إليه كان مجرّد التهديد
– قول الحكم هذا لا يصلح سبباً لنفي ما تمسك به الطاعن من أنه كان في حالة دفاع شرعي،
إذ لو كان قد اعتقد أن العيار الذي أطلق في الظروف التي أطلق فيها كان مقصوداً به إصابته
أو إصابة أحد ممن كانوا بمحل الواقعة فإن اعتقاده هذا يبرر فعل القتل الذي وقع منه.
