الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1008 لسنة 29 ق – جلسة 29 /06 /1959 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الثاني – السنة 10 – صـ 711

جلسة 29 من يونيه سنة 1959

برياسة السيد حسن داود نائب رئيس المحكمة, وبحضور السادة: محمود ابراهيم اسماعيل, ومصطفى كامل, وعادل يونس, ورشاد القدسي المستشارين.


الطعن رقم 1008 لسنة 29 القضائية

(أ, ب) استئناف. آثاره. طرح النزاع على المحكمة الاستئنافية والحكم فيه من جديد. التقيد بصفة الخصم المستأنف. عدم الإساءة إلى مركز المتهم المستأنف وحده.
اقتصار ذلك على العقوبة المقضي بها.
وصف التهمة. ما لا يتعارض مع تقيد محكمة أول درجة أو ثاني درجة بواقعة الدعوى.
تغيير الوصف القانوني للفعل المسند إلى المتهم دون إضافة فعل جديد.
(جـ) خيانة الأمانة. عقود الأمانة. الوكالة العقدية. صورها. عقد الشركة.
عقد الشركة يتضمن وكالة الشركاء بعضهم عن بعض في أداء أعمال الشركة المنعقدة بينهم بمال خاص بها. المادة 220 من القانون المدني.
أثر ذلك.
توافر جريمة خيانة الأمانة عند اختلاس أحد الشركاء ما تسلمه من مال لأداء عمل في مصلحة الشركة.
(د) استئناف. الإجراءات أمام المحكمة الاستئنافية. تلاوة تقرير التلخيص.
نقض. أوجهه. ما لا يبطل الإجراءات.
ورود البيان المتعلق بتلاوة تقرير التلخيص بديباجة الحكم المطبوعة عند التوقيع على الحكم من رئيس الدائرة وكاتبها. المادة 312 أ. ج.
1 – استئناف الحكم الابتدائي – ولو كان مرفوعا من المتهم وحده – يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الدرجة الثانية التي تملك إعطاء الوقائع الثابتة بالحكم الابتدائي الوصف القانوني الصحيح, دون أن توجه إلى المتهم أفعالا جديدة أو أن تشدد عليه العقوبة المقضي عليه بها.
2 – لا يقدح في سلامة الحكم المطعون فيه أن يكون الحكم الابتدائي – وهو في معرض تمحيصه للواقعة المطروحة – قد استبعد عنها جريمة التبديد حين رأي أن تهمة النصب أكثر انطباقا عليها, ذلك أن قضاءه في الأمر لا يعدو مجرد الأخذ بوصف معين للواقعة واطراح وصف آخر لها, فهو قضاء لم يحز قوة الأمر المقضي به نظرا إلى استئنافه من جانب المتهم, ولا يحرم المحكمة الاستئنافية حقها في أن ترد الواقعة – بعد تمحيصها – إلى الوصف الذي ترى هى أنه الوصف القانوني السليم.
3 – يتضمن عقد الشركة وكالة الشركاء بعضهم عن بعض في أداء أعمال الشركة المنعقدة بينهم بمال خاص بها هو غير مال الشركاء الخارج عن حصصهم فيها, وتلك الوكالة مستفادة من المادة 520 من القانون المدني, وبناء عليه فالشريك في شركة محاصة الذي يسلم إليه مال بصفته هذه لأداء عمل في مصلحة الشركة فيختلسه ولا يصرفه فيما خصص له يعد مرتكبا للجريمة المنصوص عليها في المادة 341 من قانون العقوبات.
4 – لا يقدح في سلامة الاجراءات أن يكون إثبات تلاوة تقرير التلخيص قد ورد في ديباجة الحكم المطبوعة, ما دام أن رئيس الدائرة التي أصدرت الحكم قد وقع عليه مع كاتبها طبقا للمادة 312 من قانون الاجراءات الجنائية, بما يفيد إقراره ما ورد به من بيانات.


الوقائع

أقام كل من المدعيين بالحقوق المدنية (عواد سالم عيد وسلامه سالم خضر) دعوى مباشرة أمام محكمة جنح ميناء بورسعيد الجزئية على المتهم الطاعن بأنه: توصل إلى الاستيلاء على مبلغ 7950 جنيها من المدعي بالحق المدني الأول ومبلغ 6150 جنيها من المدعي بالحق المدني الثاني بطريق الاحتيال وطلبا معاقبته بالمادة 336 من قانون العقوبات, وطلب كل منهما الحكم له قبل المتهم بقرش صاغ واحد تعويضا مؤقتا, ثم عدل المدعي الأول (عواد سالم عيد) طلباته إلى 3600 جنيه والمدعي الثاني (سلامه سالم خضر) إلى 2400 جنيه على سبيل التعويض النهائي. وبعد أن قررت المحكمة المشار إليها ضم الدعويين إلى بعضهما قضت بالإحالة إلى محكمة جنح عابدين الجزئية للاختصاص. وهذه قدمتها إلى محكمة جنح قصر النيل, كما أقامت النيابة العامة الدعوى الجنائية على الطاعن أمام محكمة عابدين الجزئية عن الموضوع ذاته وطلبت عقابه بالمادة 336 من قانون العقوبات, ومحكمة جنح قصر النيل الجزئية قررت ضم الدعوى المقامة من النيابة العامة ضد الطاعن إلى القضية رقم 844 سنة 1954 قصر النيل لوحدة الموضوع, وأمامها وجهت النيابة العامة للطاعن تهمة التبديد بالإضافة إلى تهمة النصب السابق رفع الدعوى الجنائية بها, وطلبت عقابه بالمادة 341 من قانون العقوبات. ومحكمة جنح قصر النيل قضت حضوريا عملا بالمادة 336 من قانون العقوبات بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وتغريمه خمسين جنيها وكفالة مائة جنيه لوقف التنفيذ بلا مصروفات جنائية وإلزامه بأن يدفع للمدعي بالحق المدني عواد سالم عيد ثلاثمائة وخمسين جنيها على سبيل التعويض والمصاريف المدنية المناسبة وعشرين جنيها أتعابا للمحاماة, وبأن يدفع للمدعي المدني سلامه سالم خضر مبلغ مائة وخمسين جنيها والمصاريف المدنية المناسبة وعشرين جنيها أتعابا للمحاماه ورفض ما عدا ذلك من الطلبات, استأنف الطاعن هذا الحكم, ومحكمة القاهرة الابتدائية قضت حضوريا بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبس المتهم ثلاثة شهور مع الشغل وفي الدعوى المدنية بتأييد الحكم المستأنف وألزمت المتهم بالمصروفات المدنية الاستئنافية ومبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة مناصفة للمدعيين بالحقوق المدنية, وذلك على اعتبار أن الواقعة جنحة تبديد عملا بالمادة 341 من قانون العقوبات.
فطعن الوكيل عن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.


المحكمة

… وحيث إن مبنى الوجه الأول من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون حين دان الطاعن بجريمة التبديد التي سبق أن استبعدها الحكم الابتدائي لعدم توافر أركانها, مما يعد قضاء نهائيا ببراءة الطاعن منها ولو لم يرد في منطوق الحكم, لأن العبرة هى بما رفعت به الدعوى فعلا وفصلت فيه المحكمة بحكمها بصرف النظر عن موضعه في الحكم, وطالما أن النيابة العامة لم تستأنف الحكم الابتدائي, وأن الأصل أن الاستئناف بنقل الدعوى إلى محكمة الدرجة الثانية في حدود مصلحة رافعه وهو الطاعن, فلا يجوز للمحكمة الاستئنافية أن تعيد النظر في تهمة التبديد, ولا يشفع لها في ذلك ما لها من حق في تغيير وصف التهمة ما دام أن الوصف الجديد سبق أن فصلت فيه محكمة أول درجة نهائيا وحاز قوة الأمر المقضي.
وحيث إنه يبين من الاطلاع على الأوراق أن الدعوى الجنائية أقيمت على الطاعن بطلب تكليفه مباشرة بالحضور أمام محكمة جنح ميناء بورسعيد الجزئية من قبل كل من عواد سالم عيد وسلامه سالم خضر – المدعيين بالحقوق المدنية – لأنه في الفترة ما بين 15 إبريل سنة 1952 إلى 29 أكتوبر سنة 1952 توصل إلى الاستيلاء على مبلغ 7950 جنيها من عواد سالم خضر ومبلغ 6150 جنيها من سلامه سالم خضر بطريق الإحتيال. كما أقامت النيابة العامة الدعوى الجنائية على الطاعن أمام محكمة جنح عابدين عن الموضوع ذاته, وطلبت عقابه بالمادة 336 من قانون العقوبات. وادعى كل من المدعيين بالحقوق المدنية أمام محكمة جنح ميناء بورسعيد الجزئية بمبلغ قرش صاغ قبل الطاعن على سبيل التعويض المؤقت ثم عدّل عواد سالم عيد طلباته إلى 3600 جنيه وسلامه سالم خضر إلى 2400 جنيه على سبيل التعويض النهائي. وبعد أن قررت محكمة جنح بورسعيد الجزئية ضم الدعويين المباشرتين إلى بعضهما البعض قررت إحالة الموضوع إلى محكمة جنح عابدين للاختصاص, وقدمت القضية إلى محكمة جنح قصر النيل بعد أن قيدت برقم 844 سنة 1954 جنح قصر النيل. ومحكمة جنح قصر النيل نظرت الدعوى وقررت ضم القضية رقم 1062 سنة 1953 جنح عابدين المقامة من النيابة العامة ضد الطاعن إلى القضية رقم 844 سنة 1954 جنح قصر النيل المطروحة عليها لوحدة الموضوع. وفي أثناء سير الدعوى أمامها وجهت النيابة العامة إلى الطاعن تهمة التبديد بالإضافة إلى تهمة النصب السابق رفع الدعوى الجنائية بها, وطلبت عقابه بالمادة 341 من قانون العقوبات. وبعد أن أنهت محكمة جنح قصر النيل سماع الدعوى قضت حضوريا في 30 مارس سنة 1958 عملا بالمادة 336 من قانون العقوبات بحبس المتهم ثلاث سنوات مع الشغل وتغريمه خمسين جنيها وكفالة مائة جنيه لوقف التنفيذ بلا مصروفات جنائية وإلزامه بأن يدفع للمدعي بالحق المدني عواد سالم عيد مبلغ ثلاثمائة وخمسين جنيها على سبيل التعويض والمصاريف المدنية المناسبة وعشرين جنيها أتعابا للمحاماه وبأن يدفع للمدعي المدني سلامه سالم خضر مبلغ مائتين وخمسين جنيها والمصاريف المدنية المناسبة وعشرين جنيها أتعابا للمحاماه ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات وأشارت في أسباب حكمها إلى عدم توافر ركن التسليم على وجه من وجوه الأمانة طبقا للمادة 341 من قانون العقوبات, وانتهت إلى الالتفات عن توجيه هذه التهمة إليه. فاستأنف الطاعن هذا الحكم, ومحكمة القاهرة الابتدائية قضت حضوريا في 26 ابريل سنة 1959 بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبس المتهم ثلاثة شهور مع الشغل والنفاذ وتأييد الحكم المستأنف بالنسبة إلى الدعوى المدنية, وذلك على اعتبار أن الواقعة جنحة تبديد عملا بالمادة 341 من قانون العقوبات.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه – فيما تضمنه من وقائع الدعوى – بالحكم المطعون فيه بين الواقعة بما محصله أن الطاعن حصل على مبلغي 7850 جنيها و800 مليم من عواد سالم عيد ومبلغ 6150 جنيها من سلامة خضر (المدعيين بالحقوق المدنية) وعلى مبلغ 2200 جنيه من سالم مسلم سلامة مقابل إيصالات بعد أن ذكر لهم أن هذه المبالغ هى ربع ثمن آلاف الأفدنة من الأراضي الحكومية الممتدة بين الاسماعيلية والقنطرة غرب والتي يسهل استصلاحها إذا زودت بمياه الري, وأنه اشتراها بالاشتراك مع بعض رجال الحكومة إذ ذاك, وأنه قبل النزول لهم عن عشرين ألف فدان منها إعترافا بجميلهم بمعاونته في الفوز بعضوية مجلس النواب سنة 1950. وأشار الحكم إلى عقد الاتفاق المقول بأنه حرر بين المدعيين بالحق المدني وبين الطاعن في 15 من إبريل سنة 1951 والذي استبدل به العقد المؤرخ 5 من يونيه سنة 1951, وقد جاء بالبند الأول منه أن غرضه هو غرض العقد الأول ذاته ونص فيه على إلغاء الايصالات والأوراق السابقة على تاريخه. وخلص الحكم إلى تشككه في أن عقدا حرر بتاريخ 15 من أبريل سنة 1951, وأن العقد المؤرخ 5 من يونيه سنة 1951 هو من صنع الطاعن الذي استوقع عليه المدعيين بالحق المدني بطريق الخديعة استغلالا لثقتهم فيه وأنه احتفظ به تحت يده واعدا المجني عليهم بتسليمهم صورا منه بعد أن يتم تسجيله, وحرص على أن يضمن هذا العقد ما يفيد أن بيد كل من طرفيه صورة منه للعمل بموجبها عند الاقتضاء ليستطيع الارتكان على هذا العقد تأييدا لدعواه فيما بعد بتسديد قيمة الإيصالات التي تهدده, وهو ما وقع منه فعلا في هذه الدعوى. وانتهى الحكم إلى قوله: "وحيث مما سبق جميعه تطمئن هذه المحكمة تمام الاطمئنان إلى أن مشروع شراء الأراضي الواقعة بين الاسماعيلية والقنطرة غرب والذي حصل المتهم (الطاعن) باسمه من المجني عليهم على مبلغ 17100 جنيه لم يكن إلا مشروعا وهميا لا نصيب له من الصحة لم ينوه المتهم أصلا ولم يقم بدور ما في سبيل إخراجه إلى حيز التنفيذ وأن هؤلاء الأشخاص – ثقة منهم في المتهم وارتكابا على صفته كنائب عن الأمة في ذلك الوقت – قد انخدعوا بأقواله وصدقوا مزاعمه مطمئنين إلى أن له من مركزه وصلته بالحزب الذي تنتمي إليه الحكومة ما يكفل إنفاذ ما مناهم به, وأنه بدافع الأمل في أن يتملكوا آلافا ذات عدد من أرض الصحراء التي يحبون فيها أفرغوا بين أيديه أموالهم" وبعد أن دلل الحكم على توافر جريمة النصب في حق الطاعن عرض إلى تهمة التبديد التي وجهتها النيابة العامة إليه بالاضافة إلى تهمة النصب المرفوع بها الدعوى الجنائية فقال "… ولما كانت الأموال التي استولى عليها بهذا الاحتيال لم تسلم إليه على وجه من وجوه الأمانة المنصوص عنها في المادة 341 عقوبات فإن توجيه النيابة تهمة التبديد للمتهم يكون على غير سند سليم من صحيح القانون, فضلا عن تباين الأساس الذي تقوم عليه الجريمتان فإنه لا يتصور اجتماع كيفين للواقعة الواحدة, وهو ما يتعين معه عدم الالتفات إلى توجيه هذه التهمة…" وعند طرح الدعوى على محكمة ثاني درجة بناء على استئناف الطاعن لفتت المحكمة نظر الدفاع إلى تناول الواقعة على أساس أنها تكون جريمة تبديد طبقا للمادة 341 من قانون العقوبات ومنحته أجلا لتحضير دفاعه بناء على هذا الوصف, ثم دانت الطاعن به على اعتبار أن ما ذهبت إليه محكمة أول درجة من تكييف للوقائع على أنها تكون جريمة نصب طبقا للمادة 336 من قانون العقوبات غير سديد, ذلك أنه من بين الشرائط الواجب توافرها في هذه الجريمة أن تكون الطرق الاحتيالية سابقة على الاستيلاء على المال, وأن تكون هذه الطرق من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي, وهو ما لم يثبت توافره في الوقائع المطروحة, ذلك لأن المجني عليه عواد سالم عيد قرر أمام محكمة بورسعيد الجزئية عند سؤاله أنه دفع المبلغ للطاعن دون تداخل من أحد لتأييد مزاعمه, وقبل أن يصطحبه والمجني عليه الثاني إلى المرور على بعض الوزارات بمصر. وخلص الحكم من ذلك إلى أن الطاعن لم يأت قبل استلامه المبالغ موضوع الإتهام بأية طرق احتيالية, وأنه لم يثبت يقينا أن الطاعن وقت أن عرض تكوين الشركة على المجني عليهما كان يعتقد أن المشروع وهمي أو كاذب, بل أن في الأوراق ما قد يبعث على الظن أنه كان يعتقد بصحة المشروع وإمكان تنفيذه. وانتهى إلى أن جريمة النصب التي دين بها الطاعن غير متوافرة الأركان. ثم عرض الحكم المطعون فيه إلى ما للمحكمة الاستئنافية من حق تعديل التهمة وإعطاء الوقائع المطروحة عليها وصفها القانوني الصحيح, ما دام أن هذا الوصف لم يؤسس على غير الوقائع التي شملها التحقيق وتناولها الدفاع, وخلص إلى تكييف الواقعة بأنها جريمة تبديد مبلغ 8750 جنيها لعواد سالم ومبلغ 6150 جنيها لسلامه سالم خضر سلمت إلى الطاعن على سبيل الوكالة فاختلسها لنفسه إضرارا بهما, الأمر المعاقب عليه بالمادة 341 من قانون العقوبات. وتناول الحكم ما أثاره الدفاع عن الطاعن بشأن حجية قضاء محكمة أول درجة في تهمة التبديد فقال "… وترى المحكمة – ولأن من حقها تعديل وصف التهمة بإعطاء الوقائع وصفها القانوني الصحيح – إدانة المتهم على هذا الأساس, ولا يمنع من ذلك ما يقول به المتهم في دفاعه من أن محكمة أول درجة ضمنت أسباب حكمها ما يعد قضاء بالبراءة من تهمة التبديد, فذلك القول غير سديد قانونا, فإن حكم محكمة أول درجة فضلا عن أنه لا يقيد هذه المحكمة في إعطاء الوصف الصحيح للوقائع المطروحة, فإنه خاضع لرقابة هذه المحكمة التي عليها تصحيح كل خطأ قانوني تقع فيه المحكمة المذكورة, ومن ثم فلا حجية لهذا الحكم بالنسبة للتكييف القانوني للوقائع كما يقول المتهم في دفاعه". لما كان ذلك, وكان ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه سديدا في القانون, ذلك أن استئناف الحكم الابتدائي – ولو كان مرفوعا من المتهم وحده – يعيد طرح الدعوى برمتها على محكمة الدرجة الثانية التي تملك إعطاء الوقائع الثابتة في الحكم الابتدائي الوصف القانوني الصحيح دون أن توجه إلى المتهم أفعالا جديدة, أو أن تشدد عليه العقوبة المقضي عليه بها إذا كان هو المستأنف وحده, وكان الحكم المطعون فيه قد راعى الضمانات التي نصت عليها المادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية بمنح الطاعن أجلا لتحضير دفاعه في الوصف الجديد المبني على الوقائع التي رفعت بها الدعوى ابتداء ولم يشدد عليه العقوبة, فلا يقبل النعي على الحكم بقوله أنه أخطأ في تطبيق القانون, ولا يقدح في سلامة الحكم المطعون فيه أن يكون الحكم الابتدائي – وهو في معرض تمحيصه للواقعة المطروحة – قد استبعد عنها جريمة التبديد حين رأى أن تهمة النصب أكثر إنطباقا عليها, ذلك أن قضاءه في الأمر لا يعدو مجرد الأخذ بوصف معين للواقعة واطراح وصف آخر لها, فهو قضاء لم يحز قوة الأمر المقضي به نظرا إلى استئنافه من جانب الطاعن, ولا يحرم المحكمة الاستئنافية حقها في أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي ترى هى أنه الوصف القانوني السليم. لما كان ما تقدم, فإن ما يثيره الطاعن في هذا الوجه لا يكون له محل.
وحيث إن مبنى الوجهين الثاني والثالث من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق القانون وشابه قصور في البيان, ذلك أن الواقعة كما أثبتها الحكم الابتدائي المأخوذ بها بالحكم المطعون فيه تدل على أن دفع المبالغ إلى الطاعن كان بصفة ثمن أو جزء من ثمن أطيان اشتراها من الحكومة وأبدى استعداده للنزول عن بعضها لمن دفعوا إليه هذه المبالغ, مما ينفي تسليمها إليه على سبيل الأمانة كما ذهب إلى ذلك الحكم, كما أنه لم يستظهر الركن المعنوي في الجريمة وهو القصد الجنائي مما يفقد جريمة التبديد – التي دانه بها – أركانها.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به أركان جريمة التبديد التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها فقال "وحيث إن الوقائع الثابتة بالأوراق والتي لم يجحدها المتهم أنه إذ تكونت بينه وبين المدعيين بالحق المدني شركة محاصة لشراء أراضي بور في منطقة القنال بغرض استصلاحها واستغلالها, دفع المدعي الأول عواد سالم مبلغ 7850 جنيها ودفع المدعي الثاني 6150 جنيها وذلك قيمة ربع الثمن المستحق عن حصة كل منهما في هذه الأطيان, وكان الدفع للمتهم بصفته وكيلا عنهما وممثلا للشركة, ومن ثم تكون واقعة تسليم هذين المبلغين للمتهم قد تمت على سبيل عقد من عقود الأمانة – وهو عقد الوكالة – ويكون اختلاس المتهم أو تبديده له مكونا لجريمة التبديد المنصوص عليها في المادة 341 من قانون العقوبات. وحيث إنه مع ثبوت استلام المتهم للمبلغين السالفين بالصفة المذكورة آنفا, فإن المحكم ترى أن المتهم قد اختلس هذين المبلغين لنفسه إضرارا بالمجني عليهما…" ثم عرض الحكم لدفاع الطاعن ورد عليه بما يفنده وخلص إلى إدانته بجريمة التبديد طبقا للمادة 341 من قانون العقوبات. لما كان ذلك, وكان ما أورده الحكم من أن الطاعن استولى على المبالغ التي أسهم بها المجني عليهما في شركة المحاصة التي تكونت بينهم بوصفه وكيلا عن المجني عليهما المذكورين وممثلا للشركة وتحقق من واقعة تبديد الطاعن لتلك المبالغ, فإنه يكون قد طبق القانون تطبيقا صحيحا, ذلك أن عقد الشركة يتضمن وكالة الشركاء بعضهم عن بعض في أداء أعمال الشركة المنعقدة بينهم بمال خاص بها – هو غير مال الشركاء الخارج عن حصصهم فيها – وتلك الوكالة مستفادة من المادة 520 من القانون المدني, وبناء عليه فالشريك في شركة محاصة الذي يسلم إليه مال بصفته هذه لأداء عمل في مصلحة الشركة فيختلسه ولا يصرف فيما خصص له يعد مرتكبا للجريمة المنصوص عليها في المادة 341 من قانون العقوبات. ولما كان الحكم قد أثبت أن الطاعن تصرف في الشئ المسلم إليه بمقتضى عقد من العقود المبينة في المادة سالفة الذكر كما لو كان مالكا له إضرارا بالمجني عليهما, فإنه يكون قد دلل – بما لا قصور فيه – على توافر القصد الجنائي في حق الطاعن, إذ لا يشترط لسلامة الحكم بالإدانة في جريمة التبديد أن يتحدث الحكم استقلالا عن القصد الجنائي ما دامت الواقعة التي أثبتها الحكم تفيد انصراف نية الجاني إلى اقتراف الفعل المكون للجريمة كما هى معرفة به في القانون, لما كان ذلك, فإن ما ينعاه الطاعن في هذين الوجهين يكون غير سديد.
وحيث إن مبنى الوجه الرابع من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه انطوى على بطلان في الإجراءات, إذ أن المحكمة الاستئنافية أغفلت تلاوة تقرير التلخيص, وهو إجراء جوهري متعلق بالنظام العام, وخلا محضر الجلسة مما يدل على تلاوته, ولا عبرة بما أشار إليه الحكم في صدر أسبابه من حصول هذه التلاوة لورودها في الأسطر المطبوعة من مقدمة الحكم التي لا تغير من الواقع شيئا.
وحيث إن الأصل في الإجراءات أنها قد تمت صحيحة ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك, وكان الحكم يكمل محاضر الجلسات في إثبات ما يتم أمام المحكمة, فإذا أثبتت المحكمة في حكمها حصول تلاوة تقرير التلخيص بمعرفة رئيس الجلسة, فإن هذا بذاته يقوم دليلا عليه ولو لم يكن قد ورد في محاضر الجلسات, ولا يقدح في ذلك أن يكون إثبات هذه التلاوة قد وردت في ديباجة الحكم المطبوعة, ما دام أن رئيس الدائرة التي أصدرت الحكم قد وقع عليه مع كاتبها طبقا للمادة 312 من قانون الإجراءات الجنائية بما يفيد إقراره ما ورد به من بيانات. لما كان ذلك, فإن ما يثيره الطاعن في الوجه المتقدم يكون لا محل له.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات