الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 6 سنة 9 ق – جلسة 08 /06 /1939 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باش كاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 591

جلسة 8 يونيه سنة 1939

برياسة حضرة محمد فهمي حسين بك وبحضور حضرات: حامد فهمي بك وعبد الفتاح السيد بك وعلي حيدر حجازي بك ونجيب مرقس بك المستشارين.


القضية رقم 6 سنة 9 القضائية

مصاريف الدعوى. إنكار الخصم دعوى خصمه. عجزه عن إثبات ما دفع به الدعوى. إثبات المدعي دعواه. عدم تكبده مصاريف خاصة بسبب الإنكار. لا تتوافر أركان الكيدية. الحكم على المنكر بتعويض. خطأ. طريق مطالبته بالمصاريف. المادة 114 مرافعات.
إذا حكم على خصم في الدعوى بدفع مبلغ معين للخصم الآخر تعويضاً عن إجراءات معينة اتخذها واعتبرتها المحكمة كيدية، وكان كل ما أسند إلى المحكوم عليه هو أنه أنكر بقاء زوجة أبيه في عصمته حتى وفاته، وأنه دفع دعواه في ذلك بأن أباه طلقها بمقتضى ورقة مكتوبة بخطه وعليها إمضاؤه والتاريخ، ثم لما كلف بإثبات دفعه هذا، رغم ادعاء المدّعية أنه دفع حيلي، حكم بعدم التعويل عليه للعجز عن إثباته، وكلفت الزوجة بإثبات بقاء عصمتها بالبينة الشرعية فأثبتتها وحكم لها بناءً على ذلك – إذا كان هذا، وكان الثابت من ظروف الدعوى الشرعية المبينة بالحكمين الشرعيين الصادرين فيها أنها سارت سيرها العادي، وأن المدّعى عليه فيها – وهو المحكوم عليه بالتعويض – كان يستعجل الفصل فيها، وأن إنكاره بقاء الزوجية ودفعه الدعوى بالطلاق لم تتشعب بهما الخصومة، ولم تتكبد بسببهما المدعية مصاريف خاصة، فإن هذا الحكم يكون خاطئاً لعدم توافر أركان الكيدية فيما وقع من المحكوم عليه. والطريق الذي كان يجب سلوكه هو مطالبة المدعية المدعى عليه بالمصاريف تأسيساً على المادة 114 من قانون المرافعات، لأن الحكم المستفاد من هذه المادة هو أن من سعى في إنكار دعوى خصمه فخاب سعيه بعجزه عن إثبات الدفع الذي تذّرع به يلزم بالمصاريف.


الوقائع

تتضمن وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن سائر المستندات والأوراق المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة من قبل لدى محكمة الاستئناف – أن الست أنيسة مصطفى خليل رفعت على الطاعن بصفته قيماً على والده عبد العليم عبد الرحيم الجسطيني وعلى أخواته دعوى أمام محكمة مصر الابتدائية الأهلية (قيدت بجدولها برقم 11 كلي سنة 1936) قالت بصحيفة افتتاحها: إن المدّعى عليهم على رغم علمهم بصفتها الشرعية أقاموا في وجهها العراقيل فأنكروا ميراثها واضطروها لرفع دعاوى شرعية مختلفة وكلت فيها الأستاذ محرّم فهيم المحامي الشرعي، وقد أخذت هذه القضايا أدواراً متشعبة ووقتاً طويلاً حتى انتهت بالحكم لصالحها، وأن محاميها الشرعي المذكور بعد أن استصدر من نقابة المحامين الشرعية أمراً بتقدير أتعابه رفع عليها دعوى أمام محكمة مصر الابتدائية الأهلية قيدت بجدولها تحت رقم 1129 سنة 1934 طالبها فيها بأتعابه، وأن تلك المحكمة حكمت بتاريخ 20 من يناير سنة 1935 بإلزامها بأن تدفع له 1150 جنيهاً بعد خصم 50 جنيهاً سبق أن استلمها منها مع إلزامها بالمصاريف و200 قرش أتعاب محاماة. ولذلك طلبت الحكم على المدّعى عليهم بإلزامهم بأن يدفعوا لها على سبيل التعويض 1234 جنيهاً و500 مليم مع المصاريف إلى آخر الطلبات.
وبتاريخ 27 من يناير سنة 1936 حكمت محكمة مصر الابتدائية الأهلية برفض دعوى المدّعية وألزمتها بالمصاريف ومائتي قرش أتعاب محاماة.
فاستأنفت المدّعية هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالبة إلغاءه والحكم بالطلبات السابق إبداؤها في الدعوى الابتدائية مع إلزام المستأنف عليهم بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
وبتاريخ 27 من أكتوبر سنة 1938 حكمت محكمة استئناف مصر بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة المستأنف عليه الأوّل محمد عبد العليم الجسطيني أفندي بصفته قيماً على والده وبإلزامه بأن يدفع إلى الست أنيسة مصطفى خليل 500 جنيه مصري والمصاريف المناسبة عن الدرجتين و1000 قرش مقابل أتعاب المحاماة عنهما وتأييده فيما عدا ذلك.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعن بصفته في 13 من ديسمبر سنة 1938، فطعن فيه وكيله بطريق النقض في 11 من يناير سنة 1939 بتقرير أعلن إلى المدّعى عليها في 18 من ذلك الشهر… الخ.


المحكمة

ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف – حين ألغت الحكم المستأنف القاضي برفض دعوى الست أنيسة مصطفى خليل وألزمت الطاعن بأن يدفع لها خمسمائة جنيه قيمة ما قدّرته أتعاباً لها عن المحاماة عنها في دعواها الشرعية التي رفعتها وحكم لها فيها بثبوت الوراثة على الطاعن وأخواته – قد أسست حكمها على أن ما كان منه من إنكاره لوراثتها لزوجها المرحوم عبد الرحيم الجسطيني أمام المحكمة الشرعية إنما كان إنكاراً كيدياً أساء استعمال حقه فيه إساءة متعمدة. ويقول الطاعن إنه لم يخرج في إنكاره ولا في دفعه بالطلاق عن حدودهما المشروعة، وإن القضية الشرعية سارت في طريقها العادي، وإن الست أنيسة كانت طلبت من المحكمة الشرعية اعتبار ما دفع به الطاعن دعواها دفاع تحايل ينبغي عدم التعويل عليه فلم تجبها إلى طلبها هذا، وكلفته بإثبات دفعه مع أنه كان لها – لو اعتبرته دفاع تحايل – أن ترفضه عملاً بنص المادة 107 من لائحة المحاكم الشرعية، فلما عجز عن إثباته كلفتها هي بإثبات بقائها على عصمة زوجها حتى توفي فأثبتتها وقضي لها بثبوت وفاة مورّثها ووراثتها عنه كزوجة. واستدل على ذلك بالحكمين الشرعيين الصادرين من المحكمة الشرعية الابتدائية والمحكمة العليا وهما كل ما قدّم من أوراق القضية الشرعية واعتمدت عليهما المحكمة الابتدائية الأهلية ومحكمة الاستئناف.
وحيث إن المحكمة الابتدائية، بعد أن بينت في حكمها الصادر برفض الدعوى الحالية أن العجز عن إثبات حق أو الفشل في دفع لا يعتبر كافياً للحكم بالتعويض، قالت إنه قد تبين لها من مراجعة أوراق الدعوى أن الطاعن قبل الحجر عليه كان قد دفع بطلاق الست أنيسة وادعى بوجود ورقة صادرة من المتوفى وقال إنها مفقودة. وقد اجتهد في البحث عنها فلما لم يجدها ولم يقدّمها حكم بعكس ما ادّعى، فاستأنف وقضي باعتبار استئنافه كأن لم يكن لغيابه وعدم تقديمه مستند الطلاق… أما محكمة الاستئناف فبعد أن حصرت أعمال الكيد التي نسبتها إلى الطاعن في أنه أنكر وراثة المستأنفة (الست أنيسة) لوالده بعد وفاته وأصر على هذا الإنكار في مادة استصدار الإعلام الشرعي بالوفاة والوراثة وفي الدعوى التي رفعتها المستأنفة أمام المحكمة الشرعية لإثبات وراثتها للمتوفى قالت: "إنه يتعين البحث فيما إذا كان المستأنف عليه الطاعن كان سيئ القصد في دفاعه أم كان معذوراً". ثم بعد أن ساقت بعض الأمور الدالة على زوجيتها قالت "إن تلك الأمور تكفي لإثبات علم المستأنف عليه بزوجية المستأنفة من والده ووراثتها له، وتعمده إنكار الوراثة بقصد النكاية". ثم قضت لها بخمسمائة جنيه، وقالت إنه هو الذي ينبغي تقديره أتعاباً لمحاميها عن إجراءات القضية.
وحيث إن الإنكار الكيدي هو حقيقة قانونية تقوم على أركان ثلاثة: (أوّلها) خروج المنكر بإنكاره عن حدوده المشروعة بقصد مضارة خصمه (وثانيها) كون هذا الإنكار ضاراً فعلاً (وثالثها) كون الضرر الواقع قد ترتب فعلاً على هذا الإنكار وبينهما علاقة السببية (حكم محكمة النقض الصادر في 9 من نوفمبر سنة 1933 في القضية رقم 47 سنة 3 قضائية).
وحيث إنه كان ثابتاً بالحكمين الشرعيين المقدّمين من الطاعن أن الست أنيسة ادّعت في دعواها الشرعية أنها زوجة المرحوم الشيخ عبد الرحيم الجسطيني، وأنها بقيت على عصمته حتى توفي عنها في ديسمبر سنة 1931 فاستحقت في تركته الثمن، وأن الطاعن يعارضها في ذلك، وقدّمت لتأييد دعواها وثيقة زواجها المؤرّخة في 19 من يناير سنة 1930، وأن سيدة أخرى تدعى فهيمة محمد بيومي طلبت دخولها خصماً ثالثاً في الدعوى مدّعية هي أيضاً أنها زوجة المتوفى وأنه توفي وهي على عصمته، فأنكر الطاعن وراثتها فكلفت بتقديم مؤيد لدعواها وأجلت القضية بناءً على طلبها مرتين. وفي جلسة 25 من يوليه سنة 1932 قال وكيل الخصم الثالث إنه لم يتمكن من إحضار جميع ما يؤيد دعواه وطلب التأجيل، فعارض وكيل المدّعى عليه (الطاعن)، وأمرت المحكمة بالمرافعة فدفع وكيل المدّعى عليه المذكور الدعوى بالنسبة للمدّعية الأولى بعدم سماعها لأنها مطلقة بتاريخ 15 من مارس سنة 1931 بمقتضى ورقة عرفية مكتوبة بخط المتوفى وعليها إمضاؤه وبالنسبة للمدّعية الثانية (الخصم الثالث) بأنها كانت زوجة للمتوفى وطلقت منه بإشهاد رسمي في سنة 1927 ولم يتزوّجها بعد ذلك. وقال وكيل المدّعية (الست أنيسة) إن دفع المدّعى عليه دعواها بالطلاق هو دفع تحايل، وطلب عدم التعويل عليه لما جاء بالمحضر، كما طلب عدم التعويل على دعوى الخصم الثالث. والمحكمة قرّرت عدم التعويل على الدفع بطلاق فهيمة لأنها تدّعي زوجية طارئة، وأجلت القضية لجلسة 8 من أغسطس سنة 1932 لسماع شهادة شاهدي المدّعية على بقاء العصمة لحين وفاة زوجها. وبالجلسة المذكورة سمعت شهادة الشاهدين، ثم حكمت بعدم سماع دعوى الخصم الثالث لعدم تقديمه ما يؤيد الزوجية الطارئة بعد تأجيل الدعوى ثلاث جلسات، وحكمت في الدعوى للمدّعية بثبوت وفاة زوجها وأنها من ورثته كزوجة وتستحق في تركته الثمن. وجاء في أسباب حكمها: "إن وكيل المدّعى عليه دفع دعوى الست أنيسة بالطلاق ولم يثبته، وإنها أثبتت دعواها بالبينة الشرعية التي لم يطعن عليها بطعن مقبول". وكان ثابتاً أيضاً بحكم المحكمة العليا الشرعية أن الطاعن والست فهيمة كليهما استأنف الحكم الشرعي المتقدّم، وأنه بالجلسة الأولى المحدّدة لنظر الاستئنافين طلب وكيل الست فهيمة التأجيل، فعارض وكيل الطاعن وحكمت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف، وذلك في 22 من نوفمبر سنة 1932. وهذا كله يؤيد ما ادعاه الطاعن من أنه لم ينكر أن الست أنيسة كانت زوجة لوالده تزوّجها بقسيمة الزواج التي قدّمتها في مستهل الدعوى الشرعية، وإنما أنكر بقاءها على عصمة والده حتى توفي ودفع دعواها في ذلك بأنها طلقت منه في 15 من مارس سنة 1931 بمقتضى ورقة عرفية مكتوبة بخط المتوفى وعليها إمضاؤه، وأنه لم يطلب تأجيل القضية، وأن القضية إنما أجلت بناءً على طلب سيدة أخرى ادّعت زواجها من المورّث، وأن المدّعية (الست أنيسة) طلبت عدم قبول الدفع بطلاقها لأنه دفع تحايل ولكن المحكمة قبلته. ولما عجز عن إثبات الطلاق كلفت المدّعية بإثبات ما بقي من دعواها وهو بقاؤها على عصمته حتى الوفاة فأثبتته بشهادة شاهدين. ثم حكمت المحكمة في الدعوى ذاكرة في حكمها أنه دفع الدعوى بالطلاق ولم يثبته، وأن المدّعية أثبتت دعواها بالبينة الشرعية.
وحيث إنه يبين من ذلك أن كل ما صدر من الطاعن هو أنه أنكر بقاء الست أنيسة على عصمة والده حتى توفي، ودفع دعواها في ذلك بأن زوجها طلقها بمقتضى ورقة مكتوبة بخطه وعليها إمضاؤه تاريخها 15 من مارس سنة 1931. ولما كلف بإثبات دفعه هذا بعد قبوله ورغم ادعاء المدعية أنه دفع حيلي حكم بعدم التعويل عليه لعجز صاحبه عن إثباته. ثم كلفت المدعية بإثبات بقاء العصمة بالبينة الشرعية، ولما أثبتتها حكم لها بطلباتها. وقد سارت الدعوى الشرعية سيرها العادي وكان المدعى عليه (الطاعن) هو الذي يجهد في دفع الست فهيمة عن الخصومة ويستعجل الفصل في الدعوى.
وحيث إنه لم يتبين كذلك من ظروف الدعوى الشرعية المبينة بالحكمين الشرعيين أن إنكار الطاعن ودفعه الدعوى بالطلاق لم تتشعب بهما الخصومة، ولم تتكبد فيهما المدعية مصاريف أخرى. وحكم القانون فيمن سعى بإنكار دعوى خصمه أو بدفعه إياها بدفع عجز عن إثباته ثم خاب سعيه أن يحكم عليه بالمصاريف تطبيقاً لنص المادة 114 من قانون المرافعات.
وحيث إن الدعوى الحالية لم ترفعها الست أنيسة على الطاعن بطلب إلزامه بمصاريف الدعوى الشرعية تأسيساً لها على المادة 114 المتقدّمة الذكر، وإنما رفعتها بطلب إلزام خصومها بدفع مبلغ معين كتعويض على إجراءات كيدية معينة نسبتها إليهم. وقد تبين مما تقدّم أن أركان الكيدية غير متوفرة قانوناً وأن لها أن ترجع على خصومها بالمصاريف بالطريق العادي. ولذلك يتعين القضاء بنقض الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم المستأنف.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات