الطعن رقم 80 سنة 8 ق – جلسة 26 /01 /1939
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 489
جلسة 26 يناير سنة 1939
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وأحمد مختار بك ونجيب مرقس بك المستشارين.
القضية رقم 80 سنة 8 القضائية
( أ ) مسئولية مدنية. اشتراك المجني عليه في الفعل الضار الذي أضر
به. إثباته أو نفيه. موضوعي. وصف أفعال الاشتراك قانوناً. رقابة محكمة النقض عليه.
(ب) سيارة. قائد سيارة. ركوب إنسان فيها. مساهمته في الاتفاق مع قائد السيارة على إجراء
مسابقة بها. وقوع حادث ضار بسبب ذلك. اشتراك الراكب في الخطأ. مسئوليته عنه مع المتسابقين.
(جـ) تعويض. ضرر. ترتبه على فعل مضمون ومهدر. إسقاط ما يقابل المهدر.
1 – إنه وإن كان ما يراه قاضي الموضوع من إثبات مساهمة المضرور في الفعل الضارّ لتوزيع
المسئولية بينه هو ومن اشترك معه في إحداث الضرر متعلقاً بفهم الواقع في الدعوى ولا
رقابة عليه لمحكمة النقض، فإن وصف الأفعال التي وقعت من المضرور في الحادث الضار وأسس
عليها اشتراكه فيه هو من التكييف الذي تراقبه هذه المحكمة.
2 – إنه إذا كان مجرّد ركوب شخص مع صديق له في سيارة يقودها هذا الصديق مسرعاً في سيره
بها هو مما لا يعتبر في بعض الصور اشتراكاً في الخطأ الذي وقع فيه قائد السيارة، وإذا
كان مجرّد قيام هذا الراكب، تحت تأثير الفزع، بحركة مّا التماساً للنجاة فأضر بنفسه
لا يعتبر كذلك اشتراكاً في خطأ القائد، فإنه لا شك في أن مساهمة هذا الراكب في الاتفاق
مع قائد السيارة على إجراء مسابقة بها هي مما يجعله مخطئاً كالمتسابقين ومشتركاً معهم
في خطئهم ومسئولاً عما يحدث من جراء ذلك.
3 – الأصل أن الضرر المترتب على فعل مضمون ومهدر يسقط فيه ما يقابل المهدر ويعتبر ما
يقابل المضمون، فينبغي إذن أن يستنزل من التعويض ما يقابل الفعل الذي ساهم به المضرور
في الضرر ويعتبر الفعل الذي وقع من الغير(1).
الوقائع
تتضمن وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والحكم
الابتدائي المعدّل به ومن حكم محكمة استئناف مصر الصادر في 25 من نوفمبر سنة 1934 في
الاستئنافين رقم 303 و339 سنة 51 قضائية، ومن حكم محكمة الأزبكية رقم 707 سنة 1926
المقدّم صورتاهما لهذه المحكمة ومن سائر الأوراق والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة
وكانت مقدّمة جميعاً لدى محكمة الاستئناف – أن زوج الست عطية هانم المرحوم عبد الكريم
أوده باشا وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره كان صديقاً لكل من حسين حسن زايد وعلي
نجيب أفندي وهما في فتوة الشباب ومرح الفراغ أولهما عمره 19 سنة والثاني 26 سنة. وبعد
أن قضوا سهرتهم ليلة 31 مارس سنة 1926 بشارع عماد الدين انصرفوا ومعهم رابع يسمى ميشيل
ناروز في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، فركب علي نجيب أفندي سيارة كان يقودها
بنفسه ومعه ميشيل، كما ركب حسين حسن زايد أفندي سيارة أخرى كان يقودها كذلك بنفسه ومعه
المرحوم عبد الكريم، واختاروا شارع شبرا لإجراء مسابقة بين السيارتين. وكانت السيارتان
تسيران بسرعة كبيرة في منتصف الطريق، وكانت عربة نقل لحوم آتية من شبرا البلد قاصدة
المحطة فصدمتها السيارة الأولى التي يقودها علي نجيب أفندي فقضت على حصانها واصطدمت
بالرصيف، ثم تلتها السيارة الثانية التي كان يقودها حسين حسن زايد أفندي فاصطدمت بها.
وإذ كان عبد الكريم يحاول القفز من السيارة قد اصطدم بباب السيارة فتوفي لحينه ولم
يصب قائد السيارة بعارض ما. وبعد تحقيق هذه الحادثة أقامت النيابة الدعوى على سائقي
السيارتين أمام محكمة جنح الأزبكية فقضت عليهما تلك المحكمة بحبس الأول علي نجيب أفندي
ستة أشهر مع الشغل مع إلزامه بأن يدفع للست فاطمة عبد الكريم والدة القتيل التي ادّعت
قبلهما بحق مدني مبلغ 150 جنيهاً على سبيل التعويض وتغريم الثاني ألف قرش وإلزام وصيه
عيسوي زايد باشا بأن يدفع للمدّعية بالحقوق المدنية 50 جنيهاً على سبيل التعويض، وذلك
بالتضامن بينهما بالحكم المؤرخ في أول يناير سنة 1927. فاستأنف المحكوم عليهما هذا
الحكم لدى محكمة مصر الاستئنافية، كما استأنفته المدّعية بالحق المدني، فقضت المحكمة
الاستئنافية بتاريخ أول فبراير سنة 1928 ببراءة الأوّل من تهمة القتل وبتأييد الحكم
بالنسبة للثاني وتأييد الحكم المستأنف الصادر عليهما بالتعويض، وذلك لحرمانها من ولدها
الذي كان يباشر لها أشغالها ولم يوجد لها أحد سواه.
بعد ذلك رفعت الست عطية هانم على المتسببين في قتل زوجها علي نجيب أفندي وحسين حسن
زايد أفندي دعوى أمام محكمة مصر الابتدائية قيدت بجدولها برقم 1906 كلي سنة 1932، وطلبت
الحكم بإلزامهما بأن يدفعا لها 1000 جنيه تعويضاً، فحكمت تلك المحكمة بتاريخ 3 يوليه
سنة 1933 بإلزامهما متضامنين بمائة جنيه. فاستأنفت هذا الحكم كما استأنفه المحكوم عليهما
لدى محكمة استئناف مصر، وقيد الاستئنافان برقم 303 و339 سنة 51 قضائية، وقالت بصحيفة
استئنافها "إن لها ولدين من زوجها وهي ليست وصية عليهما حتى كانت تستفيد من بقائهما
معها بل الوصية هي الجدّة مع أن الولدين في حضانتها هي… …".
وبتاريخ 25 من نوفمبر سنة 1934 حكمت محكمة الاستئناف برفض الاستئنافين وتأييد الحكم
المستأنف وألزمت كل مستأنف بمصاريفه وأمرت بالمقاصة في أتعاب المحاماة، بانية حكمها
على أن حكم محكمة الجنح المستأنفة الصادر في أوّل فبراير سنة 1928 قضى باعتبار المستأنف
عليهما مسئولين مدنياً عن وفاة زوج المستأنفة لأنهما كانا يسوقان سيارتهما بسرعة وفي
منتصف الطريق مخالفين بذلك أحكام لائحة السيارات، وترتب على هذا الأمر عجز حسين زايد
أفندي عن أن يحول دون اصطدام سيارته بعربة النقل بعد اصطدامها بالسيارة الأولى فأصيب
زوج المستأنفة على إثر ذلك بجروح وكسور سببت وفاته، وعلى أن لا محل للجدل بعد ذلك في
أمر المسئولية بعد أن ثبتت عليهما بحكم جنائي نهائي. ثم قالت "إنه وإن كانت هذه المسئولية
قد ترتبت على خطأ من جانب المستأنف عليهما إلا أن هذا الخطأ قد اقترن به خطأ آخر من
جانب المجني عليه الذي قبل أن يستهدف للمخاطر مع المستأنف عليهما بقبوله الركوب في
سيارة المستأنف عليه الثاني بعد أن قضوا سهرتهم بشارع عماد الدين وساروا يتسابقون بشوارع
شبرا. وأما ما تقوله المستأنفة دفعاً لهذا الخطأ المنسوب لزوجها من أنه ركب مع حسين
ليوصله إلى منزله الواقع في شارع شبرا يدحضه أن المصادمة حصلت بعد أن تجاوزت السيارة
المنزل بمسافة طويلة جداً". إلى أن قالت المحكمة "وهذا الخطأ له أثره في تحديد مدى
مسئولية المستأنف عليهما، وترى أنه لا يمحو هذه المسئولية ولكنه يخفف منها كثيراً".
بعد ذلك استصدرت الست عطية هانم من مجلس حسبي مصر قراراً بتعيينها وصية خصومة على ولديها
القاصرين مصطفى فاضل وناهد المرزوقين لها من زوجها المرحوم عبد الكريم مصطفى أوده باشا.
وذلك في 24 من يناير سنة 1932 ورفعت بمقتضاه بطريق الإعفاء من الرسم دعوى على كل من
علي نجيب أفندي وحسين حسن زايد أفندي أمام محكمة مصر الابتدائية قيدت بجدولها برقم
1332 سنة 1935 كلي طلبت فيها الحكم بصفتها المذكورة بإلزامهما بأن يدفعا لها تعويضاً
قدره ثلاثة آلاف جنيه مع المصاريف. وبتاريخ 16 من فبراير سنة 1936 حكمت المحكمة المذكورة
غيابياً بإلزام المدّعى عليهما بأن يدفعا لها متضامنين ألف جنيه مع المصاريف المناسبة
و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
فعارض حسين زايد أفندي في هذا الحكم بتاريخ 7 من إبريل سنة 1936 طالباً إلغاء الحكم
الغيابي ورفض الدعوى وإلزام المدّعية بالمصاريف. ولدى نظر هذه المعارضة انضم علي نجيب
أفندي إلى زميله. وبتاريخ 24 من إبريل سنة 1937 حكمت المحكمة بقبول المعارضة شكلاً
وفي الموضوع بتعديل الحكم الغيابي المعارض فيه وإلزام المعارضين متضامنين بأن يدفعا
للست عطية هانم عزيز الفلكي بصفتها وصية خصومة على ولديها 300 جنيه والمصاريف المناسبة
و200 قرش مقابل أتعاب المحاماة. وجاء في الحكم أنها راعت في تقدير التعويض ما راعته
محكمة الاستئناف في حكمها الصادر في الاستئنافين رقم 303 و339 فرعي سنة 51 قضائية من
أن للقتيل نصيباً في الخطأ كان له أثر في تقدير المسئولية.
استأنف حسين زايد أفندي هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالباً إلغاءه ورفض دعوى المستأنف
عليها وإلزامها بالمصاريف والأتعاب عن الدرجتين. وقيد هذا الاستئناف بجدول المحكمة
برقم 769 سنة 54 قضائية، واستأنفته الست عطية هانم طالبة تعديل الحكم المستأنف إلى
ألف جنيه مع المصاريف والأتعاب. ولدى نظر هذين الاستئنافين قرّرت المحكمة ضم الاستئناف
الثاني إلى الأوّل، ثم حصلت المرافعة فيهما. وبتاريخ أوّل يونيه سنة 1938 حكمت محكمة
الاستئناف بقبول الاستئنافين شكلاً وفي موضوعهما بتعديل الحكم المستأنف بإلزام حسين
حسن زايد أفندي بأن يدفع إلى الست عطية هانم عزيز الفلكي بصفتها الواضحة بالأوراق مبلغ
700 جنيه مناصفة بين القاصرين وألزمته بالمصاريف المناسبة لهذا المبلغ عن أوّل درجة
وبالمصاريف المناسبة لمبلغ أربعمائة جنيه عن ثاني درجة عن استئناف الست عطية عزيز الفلكي
مع إلزامه بمصاريف استئنافه، وألزمت الست عطية هانم عزيز الفلكي ببقية مصاريف استئنافها
وألزمت حسين حسن زايد أفندي بمبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة للست عطية عزيز الفلكي
عن الدرجتين.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعن في 10 من يوليه سنة 1938، فطعن فيه وكيله بطريق النقض بتاريخ
9 من أغسطس سنة 1938 بتقرير أعلن إلى المدعى عليها في 18 من ذلك الشهر الخ.
المحكمة
ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف بقضائها بتعديل الحكم
المستأنف وإبلاغ التعويض المحكوم به للست عطية هانم بصفتها وصية خصومة على ولديها المرزوقين
لها من المرحوم عبد الكريم أوده باشا إلى سبعمائة جنيه، قد أخطأت في تطبيق قواعد المسئولية
التقصيرية المعروفة قانوناً على صورة الدعوى. (أولاً) من ناحية أنها لم تلتفت إلى ما
دفع به الطاعن من أن والدة زوجها قد بادرت عقب وفاة ابنها (سنة 1926) بالدخول مدعية
بحق مدني في قضية الجنحة التي رفعتها النيابة على الطاعن وزميله علي نجيب أفندي فطالبتهما
بتعويض عن تسببهما في قتل ابنها خطأ على أساس أنه ولدها، وقد خسرته وخسرت مباشرته لأعمالها،
وقد قضي لها عليهما بالتضامن بمائتي جنيه، ومن أن الست عطية هانم رفعت عليهما في سنة
1932 دعوى تعويض ثانية أسستها على أنها أصبحت من بعده تعول أولادها الصغار لأنه لم
يترك شيئاً، وقد حكم لها نهائياً بتعويض قدره 100 جنيه، فلا يصح لهذه السيدة أن ترفع
الدعوى الحالية تطالبهما فيها بتعويض آخر لاندماجه فعلاً وقانوناً في طلبها السابق
الحكم لها به، وبخاصة لأن هذا الزوج كان عالة على والدته التي حكم لها بالتعويض عن
فقده. (ثانياً) إن محكمة الاستئناف مع اعتمادها على صورة الحكم الصادر في قضية الجنحة
المتقدّمة الذكر وعلى الحكم الصادر في قضية التعويض الثانية، ومع أخذها من جهة ثبوت
وقائع الدعوى وظروفها بما رواه الحكم المستأنف في القضية الحالية قد خالفت هذه الأحكام
في عدم اعتبار القتيل نفسه مشتركاً في الأفعال الضارة المتلاحقة التي ترتب عليها جميعاً
حصول المصادمة ووفاة القتيل، فأسقطت من ظروف الدعوى وملابساتها الثابتة ما جعلها تذهب
إلى أن ما ثبت عليه من خطأ ورعونة بمقتضى هذه الأحكام لا يعتبر خطأ قانوناً. ثم أخطأت
كذلك في إهمال عنصر مهم في تقدير التعويض مسلم به وهو أن القتيل لم يكن له مال وكان
عالة على والدته، والولدان في حجر جدّتهما.
هذا هو أهم ما جاء في تقرير الطعن ومذكرة الطاعن.
وحيث إن محكمة الاستئناف استهلت حكمها بقولها "إن الوقائع مبينة بياناً كافياً بالحكم
الغيابي المعارض فيه وبالحكم المستأنف". ثم قالت إنه للفصل في الدعوى يجب النظر أوّلاً
في أمر المسئولية، والمسئولية قد ثبتت بحكم جنائي نهائي، وأصبحت هذه المحكمة مقيدة
به. وبعد أن قالت: "إنه ليس في القانون نص يحتم على جميع من لحقهم ضرر بسبب وفاة المجني
عليه أن يتقدّموا في مطالبتهم بحقوقهم مجتمعين…" قالت: "وحيث إنه، وقد تقررت المسئولية،
وجب البحث في مقدار التعويض… … وحيث إن هذه المحكمة لا ترى – كما ذهبت إليه محكمة
أوّل درجة – أن هناك خطأ يمكن إسناده إلى المجني عليه لمجرّد ركوبه مع صديق في سيارة
يقودها هذا الأخير ولو كان هذا الصديق مسرعاً في سيره، وهو يحدث كل يوم. أما أن المجني
عليه قد قذف بنفسه من السيارة أو أنه قام بأية حركة أخرى لدرء الخطر الواقع المفاجئ
فهذا أمر طبيعي، ولا يحاسب عليه ولو كان خاطئاً فيما قام به من الوسائل لينجو بنفسه،
إذ أن السبب وهو الفزع هو من عمل الجاني… … الخ".
وحيث إن محكمة الاستئناف لم تكن – وهي تصدر الحكم المطعون فيه في سنة 1938 – بسبيل
تحقيق الفعل الضار الذي وقع وترتبت عليه وعلى ظروفه وملابساته وفاة عبد الكريم أوده
باشا، ولا بسبيل التثبت عمن هو المسئول عن هذا الفعل، ومن كان المخطئ فيه، وهل تدخل
فيه القتيل بسبب من قبله حتى يقال إنها، وقد نفت عن المجني عليه الاشتراك في الفعل
الضار الذي ترتب عليه وفاته، إنما قد أبدت رأياً يتعلق بفهم الواقع في الدعوى لا رقابة
عليه لمحكمة النقض – لم تكن محكمة الاستئناف بسبيل ذلك لأنه أمر قد فرغ منه من قبل
بحكم جنائي نهائي، وقد وضحت الظروف والملابسات في الحكم المستأنف وفي الحكم الغيابي
وفي باقي الأوراق المقدّمة، وإنما كانت بسبيل تخطئة الحكم المستأنف فيما ذهب إليه من
وصف الأفعال التي تدخل بها المجني عليه في الحادث الضار. ولذلك كانت حجتها فيه "أن
مجرّد ركوب المجني عليه في سيارة مسرعة، وقيامه تحت تأثير الفزع بحركة لينجو بنفسه
من الخطر، لا يعتبر كلاهما خطأ يحسب عليه عند تقدير التعويض".
وحيث إن الأفعال التي اعتبرها الحكم المستأنف اشتراكاً أو تدخلاً من جانب المجني عليه
في الفعل الضار هي – على ما جاء بحكم محكمة استئناف مصر المؤرّخ في 25 من نوفمبر سنة
1934 – قبوله أن يستهدف للمخاطر مع صاحبيه نجيب أفندي وزايد أفندي بقبوله الركوب في
سيارة زايد أفندي بعد أن قضوا سهرتهم بشارع عماد الدين إلى منتصف الليل وساروا يتسابقون
في شارع شبرا بسرعة عظيمة حتى اصطدمت السيارة الأولى بعربة اللحوم فانقلبت على حصانها
فأماتته وتلتها السيارة الثانية فحاول عبد الكريم أن يقذف بنفسه من بابها ولكن الصدمة
فاجأته فوقع ميتاً، ولم يصب زميله حسين زايد بإصابة ما.
وحيث إنه إذا كان مجرّد ركوب إنسان مع صديق له في سيارة مسرعة يقودها هذا الصديق مما
يجوز في بعض الصور عدم اعتباره اشتراكاً مع قائد السيارة فيما أخطأ به في قيادته، وكذلك
إذا جاز في بعض الصور ألا يعتبر مجرّد قيام هذا الراكب تحت تأثير الفزع بحركة ما التماساً
للنجاة بنفسه اشتراكاً في خطأ قائد السيارة، فلا شك في أن مساهمة هذا الراكب في الاتفاق
مع قائد السيارة على إجراء مسابقة بالسيارات ليلاً في شارع من شوارع القاهرة، وبعد
منتصف الليل وقضاء السهرة مع المتسابقين بشارع عماد الدين، مما يجعله مخطئاً معهم ومشتركاً
في خطئهم ومسئولاً عما حدث من جراء ذلك جميعاً. وإذا كان الأصل أن الضرر إذا ترتب على
فعل مضمون ومهدر أسقط ما يقابل المهدر واعتبر ما يقابل المضمون، فينبغي إلغاء ما يقابل
فعل المجني عليه من التعويض واعتبار فعل الغير به.
وحيث إن محكمة الاستئناف تكون إذن قد أخطأت في تكييف أفعال الاشتراك الثابتة على المجني
عليه بالأحكام المتقدّمة الذكر فيتعين لذلك نقض الحكم.
وحيث إن موضوع الاستئنافين صالح للفصل فيه.
وحيث إنه وإن كان يظهر من أسباب الحكم المستأنف أن محكمة الدرجة الأولى قد راعت عند
تقديرها التعويض المستحق لولدي المدّعية بثلثمائة جنيه ما راعته محكمة استئناف مصر
في حكمها المؤرّخ في 25 من نوفمبر سنة 1934 في الاستئنافين رقمي 303 و339 سنة 51 قضائية
من أن لعبد الكريم أوده باشا نصيباً في الخطأ ينبغي أن يكون له أثره في تقدير التعويض
إلا أنها لم تراعِ ما ثبت في الدعوى من أن الست فاطمة عبد الكريم والدة المجني عليه
قد حكم لها بتعويض قدره مائتا جنيه، وقد كانت يومئذ وصية على ولدي ابنها القاصرين وكانت
تتولى الإنفاق عليهما، ومن أن الست عطيات والدتهما لم تعين وصية خصومة إلا قبيل رفع
هذه الدعوى الحالية بعد أن حكم لها بمائة جنيه تعويضاً، وأن عبد الكريم أوده باشا المجني
عليه المذكور كان عالة على والدته في حياته.
وحيث إنه بمراعاة جميع هذه الظروف يتعين تعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بإلزام الطاعن
مع زميله علي نجيب أفندي بأن يدفعا متضامنين مائة وخمسين جنيهاً لولدي المدعية.
(1) راجع في هذا هامش صفحتي 103 و104 من كتاب النقض في المواد المدنية والتجارية فإن في الحكم اقتباساً عنه. وقد ورد بهذا الهامش صور منقولة عن كتاب أعلام الموقعين في نظرية توزيع المسئولية بين الجاني والمجني عليه عند اشتراكهما في التسبب بالجناية. ولعل مذهب هذا الحكم يفتح باب المقارنة بين الفقه الإسلامي والفقه القانوني في نظرية المسئولية والخطأ المشترك.
