الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 9 سنة 8 ق – جلسة 02 /06 /1938 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية
وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثاني (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1936م لغاية 26 أكتوبر سنة 1939م) – صـ 394

جلسة 2 يونيه سنة 1938

برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك وعلي حيدر حجازي بك وأحمد مختار بك المستشارين.


القضية رقم 9 سنة 8 القضائية

مسئولية مدنية. مسئولية الدولة عن الخلل في تنظيم المصالح الحكومية. حدوث حريق بقطار السكة الحديدية. إقرار أحد المنكوبين بتنازله عن مطالبتها بشيء ما. وجوب إعمال هذا الإقرار. هذا الإقرار ليس مشوباً بغلط في القانون. متى يجوز التمسك بالغلط في القانون للاحتجاج بفساد الرضا؟ (المادة 152 مدني)
لا يجوز للاحتجاج على فساد الرضا التمسك بأنه بني على حصول غلط في القانون إلا إذا كان الغلط قد وقع في حكم منصوص عليه صراحة في القانون أو مجمع عليه من القضاء. فإذا حرر أحد منكوبي حريق حدث بقطار سكة حديد الحكومة إقراراً بأنه استلم من خزانة المديرية 150 جنيهاً بصفة إحسان، وأنه ليس له بعد إحسان الحكومة وعطفها هذا أي حق في مطالبتها بشيء ما، فهذا الإقرار لا يعتبر مشوباً بغلط في القانون. والحكم الذي يعتبره كذلك مستنداً إلى أن المقرّ كان حين الإقرار يعتقد أن مصلحة السكة الحديد غير مسئولة عن الحادث، وأنه إذن يكون تنازل عما كان يعتقد أنه لا حق له فيه، هو حكم مخالف للقانون متعين نقضه. وذلك لأن الأمر الذي يحتمل أنه كان يجهله صاحب الإقرار هو المسئولية المترتبة على الدولة بسبب الخلل في تنظيم المصالح الحكومية أو سوء إدارتها، وهذه المسئولية لا سند لها في القانون المصري بنص صريح فيه أو بإجماع من جهة القضاء، فجهلها إذن لا يشوب الإقرار بالغلط المستوجب لفساد رضاء المقرّ، ويتعين بالتالي إعمال الإقرار وأخذ صاحبه به.


المحكمة

ومن حيث إن مبنى الطعن أن محكمة الموضوع قد قضت بإلزام وزارة المواصلات بأن تدفع لخصمها بصفته الشخصية ماية جنيه أخرى غير الخمسين والمائة التي تسلمها من الوزارة قبل رفع الدعوى. وذلك على أساس أن الوزارة مسئولة عن الحادث الضارّ الذي أودى بحياة زوجته وابنته، وعلى أساس أن الإقرار المؤرّخ في 12 من مايو سنة 1931 الذي أعطاه متضمناً عدم أحقيته في مطالبة الوزارة بشيء آخر قد شابه غلط في القانون مفسد لرضاه. وتقول الطاعنة إن الحكم المطعون فيه قد جاء لذلك مخالفاً للقانون، لأن هذا الإقرار يتضمن في واقع الأمر صلحاً على ما عساه تكون الوزارة مسئولة به، ولأنه لا يجوز الطعن في صحة الصلح بالغلط في القانون.
وحيث إن المحكمة الابتدائية صدّرت حكمها الذي أيده الحكم المطعون فيه بقولها: "إنه تبين من الاطلاع على تحقيقات النيابة أن سبب اشتعال النار في القطار لم يعرف على وجه القطع والتعيين، وإن النيابة رأت بناءً على أقوال بعض الركاب وتقارير الخبراء أن سبب اشتعال النار يرجع إلى إلقاء لفافة من الدخان أو عود ثقاب وحفظت القضية ضدّ مجهول". وبعد أن نفت بذلك عن الوزارة وتابعيها مسئولية التسبب بالخطأ قالت: "إنه ثابت من التحقيق أنه لما اندلع لهيب النار لم يجد الراكبون وسيلة لإخطار سائق القطار لإيقافه، ولذلك ترى أن مصلحة السكة الحديد مسئولة بسبب هذا الإهمال عن الحادث المذكور". ثم بحثت في الإقرار الذي تمسكت به وزارة المواصلات فقالت: "إن المدعي حين وقعه كان يعتقد أن مصلحة السكة الحديد غير مسئولة عن الحادث، وأن ليس له الحق في مطالبتها بتعويض… فهو قد تنازل عن شيء كان يعتقد أن ليس له حق فيه فكان بذلك خاطئاً في القانون وفي الباعث الذي حمله على هذا التعهد وهو اعتقاده أن الحكومة غير مسئولة عن الحادث".
وحيث إنه يبين من ذلك أن محكمة الموضوع لم تجرِ في تقرير ما إذا كانت وزارة المواصلات مسئولة أو غير مسئولة في مثل صورة الدعوى على المعروف من قواعد المسئولية التقصيرية المبينة أحكامها في المادة 152 من القانون المدني، وإنما اعتبرتها مسئولة عن عدم تجهيز القاطرات والعربات بأحدث الأجهزة لتنبه سائقي القطار إلى الخطر المحدق بالركاب وتمكنهم من وقف القطارات بأيسر إشارة تعطى لهم. وهي مسئولية لم يقرّرها القانون المدني وإنما ابتدعها مجلس الدولة في فرنسا في أوائل هذا القرن ليجعل الدولة مسئولة عما يترتب من الأضرار على النقص أو الخلل في تنظيم المصالح الحكومية أو على سوء إدارتها. وذلك بإلقاء واجب التعويض عن هذه الأضرار على الخزانة العامة توزيعاً لها على الكافة. ولذلك لم يسلم القضاء المصري بهذه المسئولية ولم يجمع عليها للآن. (راجع في ذلك حكم محكمة استئناف مصر الصادر في 14 يناير سنة 1929 – المحاماة س 9 ص 368 رقم 202).
وحيث إنه حتى إذا سلم بجواز الأخذ في مصر بمسئولية الدولة عن الخلل أو العيب في تنظيم المصالح الحكومية، وسلم كذلك بأن رافع دعوى التعويض حين وقع الإيصال المؤرّخ في 12 مايو سنة 1931 كان يعتقد أن مصلحة السكة الحديد غير مسئولة عن الحادث، وأنه تنازل عن شيء كان يعتقد أنه ليس له حق فيه، وسلم أيضاً بأن هذا الإقرار، الذي جاء فيه على لسان صاحبه أنه أحد منكوبي الحريق الذي حدث بقطار السكة الحديد يوم 29 إبريل سنة 1931 وقد تسلم بيد الشكر من خزينة مديرية القليوبية 150 جنيهاً بصفة إحسان، وأنه ليس له بعد إحسانها هذا الحق في مطالبتها بشيء ما، لم يكن في واقع الأمر صلحاً قاطعاً لكل نزاع على المسئولية وقدرها – إنه حتى إذا سلم بكل ذلك فلا وجه لاعتبار هذا الإقرار مشوباً بغلط في القانون إذا كان ما يجوز أنه قد جهله وغلط فيه هو أن الدولة مسئولة في مصر عن الخلل في تنظيم المصالح الحكومية أو عن سوء إدارتها؛ لأن هذه المسئولية لا سند لها في مصر من نص أو من إجماع القضاء؛ وإنه لا يجوز التمسك بالغلط في القانون إلا إذا كانت القاعدة القانونية المدعي وقوع الغلط فيها منصوصاً عليها قانوناً أو مجمعاً عليها قضاء.
وحيث إنه يبين من ذلك أن محكمة الموضوع بعد نفيها عن وزارة المواصلات المسئولية التقصيرية في حدودها المبينة بالمادة 152 من القانون المدني، وبأخذها بأحكام مسئولية الدولة عن الخلل في تنظيم مصالحها الحكومية تلك المسئولية التي لا يعرفها القانون المصري ولما يجمع عليها القضاء المصري للآن، وبعدم إعمال ما جاء على لسان رافع الدعوى في الإقرار الصادر منه من أنه لا حق له في مطالبة الحكومة بشيء بعد الذي تسلمه من خزانتها – إن محكمة الموضوع تكون بذلك قد خالفت أحكام القانون، وعليه يتعين الحكم بنقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إن الاستئناف المرفوع من وزارة المواصلات صار صالحاً للفصل فيه على الأساس المتقدّم للذكر.
وحيث إن المستأنف عليه أقرّ عند قبضه 150 جنيهاً من خزانة الحكومة أنه ليس له حق في مطالبتها بشيء ما، وقد حصل هذا الإقرار بعد حصول الحادث الضارّ وتحقيقه وانكشاف عدم مسئولية الحكومة عنه، فلا وجه لمطالبتها بتعويض آخر عما يدعي استحقاقه إياه بصفته الشخصية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات